الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة التكاثر
تفسيرُ سورةِ التكاثر كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءة(ألهاكم التكاثر).
ألهاه يلهيه: أي شغله حتى صرف ذهنه عن سوى ما التهى به.
وإذا ألهيت بشيء، فأنت به غافل عما سواه.
والتكاثر: هو التباهي بالكثرة.
يقول كل للآخر: أنا أكثر منك ولدًا.
أنا أكثر منك مالًا، أنا أكثر منك رجال حرب وضرب، وما يشبه ذلك من ضروب التفاخر.
يقول قد شغلكم التفاخر والتباهي بكثرة الأنصار أو الأشياع، وصرفكم ذلك عن الجد في العمل.
فكنتم في لهو بالقول عن الفعل، وفي غفلة بالغرور والإعجاب بالآباء والأعوان عن صرف القوى في القيام بما فرض عليكم من الأعمال لأنفسكم وأهلكم ودينكم، واستمر بكم ذلك (حتى زرتم المقابر).
أي حتى هلكتم وصرتم من أهل القبور.
انتهيتم إلى هذه الغاية وأنتم تظنون أنكم فائزون.
(كلا) ارتدعوا مثل هذا الظن الباطل، فإنه لا فوز بالتكاثر، وإنما الفوز بحقيقة التناصر والتضافر على الحق، و (سوف تعلمون) مصيركم إذا استمر بكم هذا التفاخر بالباطل بدون عمل صحيح ينفعكم فيما يطالبكم به المجد الصادق والأوامر الإلهية.
ولما كانت عواقب اللهو إنما تأتي بعد إهمال من الله وطول مدة في الأغلب، عبر بـ (سوف).
ولما كانت الغفلة شديدة، وتمكن اللهو في النفوس قد وضع على القلوب حجابًا كثيفًا يحول دون البصائر والمصائر، أعاد الخبر للتأكد بقوله: ﴿ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
وأتى بحرف العطف، "ثم" -مع أن الجمل المؤكدة لا توصل بحروف العطف- ليفيدك أنه خبر جديد بمعناه جيء به بعد الخبر الأول لا مجرد إعادة لفظ.
وقد يكون معنى التكاثر التغالب في الكثرة، أي طلب كل واحد أن يكون أكثر من الآخر مالًا أو رجالًا، والسعي إلى ذلك لمجرد المغالبة لا ينبغي الساعي في سعيه إلا أن يكون ماله أكثر من مال الآخر، وأن يكون عضده أقوى من عضده لينال بذلك لذة التعلي والظهور بالقوة كما هو شأن الجمهور الأغلب من طلاب الثروة والقوة.
ولا ينظر الدائب منهم في عمله إلى تلك الغاية الرفيعة: غاية البذل مما يكسب في سبل الخير أو النهوض بالقوة إلى نصرة الحق وحمل المبطلين على معرفته والتوجه إليه، ثم المحافظة بعد ذلك عليه.
وهو معنى مقبول ذهب إليه بعض المفسرين وهو يتفق كل الاتفاق مع ما يفهم من لفظ (ألهاكم) فإن الذي يلهي الناس عن الحق في كل حال ويصرف وجوههم عنه إلى الباطل، هو طمع كل واحد منهم في أن يكون أكثر من الآخر مالًا أو عدد رجال ليعلو عليه ويستخدمه لسلطانه بقدر ما يدخل في إمكانه.
أما التفاخر بالأقوال فإنما يلهيهم في بعض الأحوال.
جرت سنة الغافلين إذا نبهوا والذاهلين إذا ذكروا بعواقب ما هم فيه أن يحدثوا أنفسهم بأنهم يعلمون ذلك، وأنهم يفعلون ما يفعلون عن يقظة وإرشاد بصيرة، وأنهم محيطون بما ينشأ عن فعالهم، ويسألون أنفسهم بذلك ليستمروا في لهوهم.
فحارب الله هذه الهواجس وقاتل هذه الخواطر بقوله: ﴿ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴾ أي ارتدعوا عن تغريركم بأنفسكم بدعوى أنكم تعلمون عاقبة ما أنتم فيه من اللهو بالتكاثر.
فإن هذا الذي تسمونه علمًا ليس على الحقيقة بعلم.
وإنما هو وهم وظن لا يلبث أن يتغير مهما استحكم عقده من قلوبكم لأنه لا يطابق واقعًا.
والجدير بأن يسمى علمًا هو علم اليقين، أي العلم الذي هو من أفراد اليقين.
واليقين هو الاعتقاد الذي يطابق الواقع عن عيان أو دليل صحيح مقدماته بديهية أو منتهية إلى البديهات بحيث يستحيل تغيره.
والنفس إذا ملكت هذا النوع من العلم ملك هو إرادتها وعاد المصرف لها في شؤونها.
فلو تعلمون هذا العلم لرفعكم عن هذا التكاثر، ودفعكم إلى السعي فيما تصلح به ظواهركم، وتخلص به لله سرائركم، وتتحد به في تأييد الحق هممكم لأن التحقق من سوء العاقبة ينأى بالنفس عما يفضي إليها، ويدفعها إلى طلب ما هو أحسن منها، فجواب (لو) محذوف، حذف ليطلبه العقل من الشرط وما سبقه ليستحكم فيه من فضل استحكام.
ثم استأنف القول لذكر بعض ما ينتهي إليه هذا اللهو -وهو عذاب الآخرة بعد خزي الدنيا- ولو كان اليقين به حاصلًا ما أقدمت النفس الموقنة به على عمل أوعد الله بذلك العذاب عليه، فقال ﴿ لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ ﴾ .
أي أن دار العذاب التي لا يمنعكم الآن تصورها عن اللهو بالباطل -مع أنها جزاء من يلهو به عن الحق- هي ثابتة لا ريب فيها ولترونها بأعينكم فاجعلوا صورة عذابها حاضرة في أذهانكم فتكون منبهة لكم إلى ما هو خير لكم مما تلهون.
ولما كان الكثير من الناس يظن أنه يعتقد بالآخرة وما فيها من عذاب ونكال، ومع ذلك يرتكب السيئات ويقترف المنكرات، وهو في ذلك يمني نفسه بأنه ممن يعفو الله عنهم فيزحزحه عن النار بمجرد نسبته إلى دين وتجلببه بلقب من ألقابه.
كأن يسمى نفسه مسلمًا وهو يخالف أحكام القرآن، أو من أمة محمد وهو يعمل أعمال أعداء محمد ..
لما كانت هذه الظنون مما يسرع إلى النفوس، أبطلها الله بتأكيد الخبر وتكريره فقال ﴿ ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴾ أي لترونها رؤية هي اليقين نفسه.
وعلم العيان والمشاهدة من أفراد اليقين، يسمى عين اليقين لأنه هو الذي تنتهي إليه جميع العلوم اليقينية لأن العلم البرهاني إن لم ينته إلى علم عياني لا يعد يقينًا.
فالعياني هو ذات اليقين، وبقية العلوم تضاف إليه متى استوفت شرائطها، وكنى رؤية الجحيم عن ذوق العذاب فيها، وهي كناية شائعة في الكتاب العزيز.
فإذا كان اللاهون بالتفاخر لا بد أن يصلوا نار الجحيم -إلى أي دين أو إلى أي شخص كانت نسبتهم- فلم يبق عليهم إلا أن يتقوا الله في أنفسهم وينتهوا عما يقذف بهم في ذلك العذاب الأليم، وينظروا إلى ما هم فيه من نعمة فيراعوا حق الله فيها، ويستعملوها فيما امر الله أن تستعمل فيه، ولا يكتفوا منها بالتمتع باللذات ثم التفاخر بها.
ولقد زاد الأمر عليهم تشديدا بقوله ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ ﴾ أي أن هذا النعيم الذي تتفاخرون به وتعدونه مما يباهي به بعضكم بعضًا، هو مما لا بد أن تسألوا عنه: ما صنعتم به؟
هل أديتم حق الله فيه، وراعيتم حدود أحكامه في التمتع به، فإن لم تكن الحقوق أديت ولم تكن الأحكام روعيت كان هذا النعيم غاية الشقاء في دار البقاء.
نسأل الله أن يوفقنا لرعاية أحكامه فيما أنعم به علينا.
بقي أن يقال: إن هذا الخطاب موجه إلى الأحياء ليعتبروا، فكيف جيء فيه بصيغة الماضي في قوله: ﴿ زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ ﴾ .
مع أن الحي لم يزرها بعد.
وهو ما حمل أبا مسلم على أن يقول: "إن هذا خطاب من الله للناس في الآخرة للتقريع"..
مع أن قوله ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ ﴾ يدافع هذا المعنى، وحمل غير أبي مسلم على الرجوع إلى أسباب ذَكرها المفسرون وقالوا: "إنها نزلت في قبيلتين من الأنصار تفاخروا وتكاثروا بأحيائهم.
فلما كثرت إحدى القبيلتين الأخرى لجأت الأخرى إلى الأموات وقالت: هلموا بنا إلى المقابر لنعد من كان من رجالنا ونشير إلى قبورهم".
ولا يخفي أن التكاثر ليس خاصًا بالرجال، بل يشمل المال.
واللفظ والخطاب عامان، ولا بد أن يكون المعنى على العموم، وتلك الحيرة التي حاروها لا داعي إليها.
فقد جرت سنة الكتاب العزيز أن يخاطب الحاضر بما كان من الغائب متى كان الحاضر يحتذي حذو الغائب وكان للجميع جامعة تضمهم.
والله يخاطب جمهور المترفين أو المنعمين من الناس، ويذكر عمل من سلف منهم كما قال لبني إسرائيل يخاطبهم في زمن النبي ، ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ﴾ إلي آخر الآيات وفيها ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ ﴾ إلخ، مع أن الذي وقع له ومنه ما ذكر في الآيات أسلافهم.
وذلك كما تقول لأعقاب الظالمين: "لا زلتم تظلمون الناس حتى أكلكم الظلم وأهلككم ففنيتم وأراح الله الناس منكم"، مع أن الذي هلك واستراحت الناس منه أسلافهم.
وهو ضرب من التعبير يريد الله به أن يحمل تبعة الناس بعضهم على بعض حتى لا يدع أحدهم أخاه يأتي منكرًا يفشو فيفسد به جماعتهم.
والله أعلم.