تفسير محمد عبده سورة القارعة

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة القارعة

تفسيرُ سورةِ القارعة كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 6 دقيقة قراءة

تفسير سورة القارعة كاملةً (محمد عبده)

ٱلْقَارِعَةُ ١ مَا ٱلْقَارِعَةُ ٢ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ ٣ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ ٤ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ٥ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ ٦ فَهُوَ فِى عِيشَةٍۢ رَّاضِيَةٍۢ ٧ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ ٨ فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٌۭ ٩ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا هِيَهْ ١٠ نَارٌ حَامِيَةٌۢ ١١

﴿ الْقَارِعَةُ  ﴾ اسم من أسماء القيامة: كالحاقة والصاخة والطامة والغاشية.

وهي قارعة لأنها تقرع القلوب بهولها.

(ما القارعة)؟

استفهام عن حقيقتها قصد به تهويل أمرها، كأنها -لشدة ما يكون فيها، مما تفزع له النفوس، وتدهش له العقول- يصعب تصورها.

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ  ﴾ أي: أي شيء يعرفك بها؟

زيادة في تعظيم تلك الحادثة العظيمة كأن لا شيء يحيط بها ويفيدك برسمها.

ثم أخذ يعرفها بزمانها وما يحدث للناس فيه، فقال: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ  ﴾ الفراش: هو ذلك الطير الذي تراه يترامى على ضوء السراج ليلًا.

وهو مثل في الحيرة والجهل بالعاقبة.

والناس من هول ذلك اليوم يكونون منتشرين حيارى هائمين لا يدرون ماذا يصنعون، ولا ما يصنع بهم، وقال في آية أُخرى: ﴿ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ  ﴾ .

﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ  ﴾ العهن: هو الصوف.

والمنفوش: الذي نفشته بيدك أو بآلة أُخرى ففرقت شعراته بعضها عن بعض، فهو على حاله يطير مع أضعف ريح.

والجبال لتفتتها وتفرق أجزائها، لم تبق لها إلا صورة الصوف المنفوش لا تلبث أن تتطاير وتذهب.

ومن العلوم أن ذلك هو اليوم الذي تبتدئ فيه الحياة الآخرة، وفيها تعرف مقادير الأعمال وما تستحقه من الجزاء ﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ  فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ  ﴾ .

ثقل ميزانك: أي كان لك قدر وقيمة، كأنك إذا وضعت في كفة ميزان كان لها بك رجحان.

وإنما يكون المقدار والقيمة لأهل الأعمال الصالحة والفضائل الراجحة، فهؤلاء يجزون بالنعيم الدائم.

ولا ريب في أن معيشتهم فيه تكون معيشة تمتع ولذه وهي التي تسمى العيشة الراضية الهنيئة.

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ  ﴾ خفت ميزانك: سقطت قيمتك، فكأنك لست بشيء حتى ولو وضعت في كفة ميزان لم ترجح بك عن أُختها.

ومن كان في هذه الحياة الدنيا كثير الشر قليل الخير، لم يبلغ بنفسه منازل الإخلاص لله في القول والعمل، ولم يرتفع بها عن دنايا الأمور وسفاسفها، ولم ينزل عقله عن الإشراك، ولم يطهر قلبه عن رذائل الأخلاق، فذلك كان من الناس أخًا للعدم والفناء!

فماذا يكون في الآخرة؟

لا ريب أنه لا يكون شيئًا.

فلا وزن له، ولا ترجح به كفة ميزان لو وضع فيها.

وهذا المعنى قد صرح به في القرآن في قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا  ﴾ .

وبهذا صح نسبة الثقل والخفة إلى الموازين بأجمعها.

أما لو كان المعنى على ما قالوه فهو ما لا تدل عليه العبارة، وكان من حق التعبير: من رجحت كفة أعماله، أو خفت كفة أعماله.

فإذا أرادوا إرجاع لفظ الآية إلى ما فهموه احتاجوا إلى تأويل كثير كما هو ظاهر.

وتقدير الله الأعمال وما تستحقه من الجزاء في ذلك اليوم، إنما يكون على حسب ما يعلم لا على طريقة ما نعلم.

فعلينا أن نفوض الأمر فيه إليه سبحانه مع الإيمان به.

ومن عجيب ما قاله بعض المفسرين: "أنه ميزان بلسان وكفتين كأطباق السموات والأرض، ولا يعلم ماهيته إلا الله"!

فماذا بقي من ماهيته بعد لسانه وكفتيه حتى يفوض العلم فيه إلى الله؟

والكلام فيه جراءة على غيب الله بغير نص صريح متواتر عن المعصوم، ولم يرد في الكتاب إلا كلمة الميزان.

وقد عرفت ما يمكننا أن نفهم منها لننتفع بما نعتقد، وما عدا ذلك فعلمه إلى الله سبحانه.

وقد قالوا: إن منكر الميزان بالمعنى المعروف لا يكفر، خصوصًا إذا كان القائل به يحدد له لسانًا وكفتين!

مع أن البشر قد اخترعوا من الموازين ما هو أتقن من ذلك وأضبط وأوفى بيان الموزون .

أفيأبى الحكيم الخبير إلا استعمال ذلك الميزان الخشن الناقص الذي هدى العلم عقول البشر إلى ما هو أدق منه؟!

أيأبى عالم الغيب والشهادة أن يستعمل في وزن المعاني والمعقولات إلا ذلك الميزان الذي اخترعه بعض البشر قبل أن يبلغ بهم العلم ما بلغ بأهل العصر الحاضر وما سيبلغ بأهل العصور المقبلة؟!

على أن جميع ما اخترع البشر وما يخترعون -مهما دق ولطف- إنما هو معيار للأثقال الجسمانية والأوزان المحسوسة.

وهل يكون الأليق بالمقام الإلهي أن يكون ميزان المعاني المعقولة لديه أسمى وأعلى من أن يكون على نمط ما يستعمله البشر مهما ارتقت المعارف وسمت بهم العلوم؟

وهل يليق بمن يخاف مقام ربه أن يجرؤ على القول بوجوب الاعتقاد بأن الميزان الذي تستعمله القبائل التي لم تزل في مهد الإنسانية الأولى: ميزان ضعفاء العقول، قصار الأنظار الذين لا يعرفون قيمة للإيمان بالغيب ولا لحياء العقل من الله، وإطراقه عن أن ينظر إلى ما تشامخ من غيوب الله تعالى علمه وتعاظمت قدرته؟

عليك أيها المؤمن المطمئن إلى ما يخير الله به أن توقن أن الله يزن الأعمال ويميز لكل عمل مقداره.

ولا تسل كيف يزن، ولا كيف يقدر، فهو أعلم بغيبه.

والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

(فأمه هاوية): هو مرجعه الذي يأوي إليه -كما يأوي الولد إلى أمه- هاوية: أي مهواة سحيقة يهوى فيها.

وسميت هاوية مع أنها يهوى فيها، كما سميت العيشة راضية مع أنها يرضى بها.

(وما أدراك ما هيه)؟

أي: ما الذي يخبرك بما هي تلك الهاوية، وأي شيء تكون؟

(نار حامية): هي نار ملتهبة يهوى فيها ليلقى جزاء ما قدم من عمل.

والله اعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر