تفسير محمد عبده سورة العاديات

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة العاديات

تفسيرُ سورةِ العاديات كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

تفسير سورة العاديات كاملةً (محمد عبده)

وَٱلْعَـٰدِيَـٰتِ ضَبْحًۭا ١ فَٱلْمُورِيَـٰتِ قَدْحًۭا ٢ فَٱلْمُغِيرَٰتِ صُبْحًۭا ٣ فَأَثَرْنَ بِهِۦ نَقْعًۭا ٤ فَوَسَطْنَ بِهِۦ جَمْعًا ٥ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌۭ ٦ وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌۭ ٧ وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ٨ ۞ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ ٩ وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ ١٠ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍۢ لَّخَبِيرٌۢ ١١

(والعاديات ضبحًا).

العاديات: جمع عادية، من العدو، وهو الجري.

والضبح: صوت أنفاس الخيل عند جريها.

يقسم جل شأنه بالخيل التي تعدو وتجري، وهي من شدة الجري تضبح ضبحًا، ويسمع لها زفير شديد.

(فالموريات قدحًا).

الموريات: جمع مورية من الإيراء، وهو إخراج النار بنحو الزناد.

والقدح: هو الضرب لإخراج النار، كضرب الزناد بالحجر.

يذكر سبحانه وصفًا من أوصاف الخيل العاديات يحصل لها عند العدو، ولذلك رتبه بالفاء وهو ما يكون من إخراجها النار بحوافرها أثناء الجري.

أي يقسم بالعاديات التي يتطاير الشرر من حوافرها عند عدوها وهي تقدح بحوافرها الأرض قدحًا.

(فالمغيرات صبحًا).

المغيرات: جمع مغيرة، من أغار على العدو إذا هجم عليه ليقتله أو يأسره أو يستلب ماله.

وهو وصف عرض للخير من الغاية التي أُجريت لها، أي أنها تعدو ويشتد عدوها حتى يخرج الشرر من حوافرها لتهجم على عدو وقت الصباح -وهو وقت المفاجأة- لأخذ العدو وهو على غير أهبة.

﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا  ﴾ .

الإثارة: التهييج وتحريك الغبار.

والنقع: الغبار.

والفعل معطوف على وصف المغيرات، لأنه في معنى الفعل: كأنه قال فاللاتي أغرن صبحًا فأثرن في وقت الصبح غبارًا لشدة عدوهن.

(فوسطن به جمعًا).

أي فتوسطن ودخلن في وسط جمع من الأعداء ففرقته وشتته.

أقسم بالخير متصفة بصفاتها التي ذكرها، آتية بالأعمال التي سردها، لينوه بشأنها ويعلي من قدرها في نفوس المؤمنين أهل العمل والجد ليعنوا بقنيتها وتدريبها على الكر والفر وليحملهم أنفسهم على العناية بالفروسية والتدريب على ركوب الخيل والإغارة بها ليكون كل واحد منهم مستعدًا في أي وقت كان لأن يكون جزءًا من قوة الأمة إذا اضطرت إلى صد عدو، أو بعثها باعث على كسر شوكته.

وكان في هذه الآيات القارعات، وفي تخصيص الخيل بالذكر في قوله: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ  ﴾ ، وفيما ورد من الأحاديث التي لا تكاد تحصر، ما يحمل كل فرد من رجال المسلمين على أن يكون في مقدمة فرسان الأرض مهارة في ركوب الخيل، ويبعث القادرين منهم على قنية الخيل على التنافس في عقائلها، وأن يكون فن السباق عندهم يسبق بقية الفنون إيقانًا.

أفليس من أعجب العجب أن ترى أممًا هذا كتابها قد أهملت شأن الخيل والفروسية إلى أن صار يشار إلى راكبها بينهم بالهزؤ والسخرية، وأخذت كرام الخيل تهجر بلادهم إلى بلاد أخرى؟!

أليس من أغرب ما يستغرب أن أناسًا يزعمون أن هذا الكتاب كتابهم، يكون طلاب العلوم الدينية منهم أشد الناس رهبة من ركوب الخيل، وأبعدهم عن صفات الرجولة، حتى وقع من أحد أساتذتهم المشار إليهم بالبنان -عندما كنت أكلمه في منافع بعض العلوم وفوائدها في علم الدين- أن قال: "إذا كان كل ما يفيد في الدين نعلمه لطلبة العلم كان علينا إذن أن نعلمهم ركوب الخيل"؟!.

يقول ذلك ليفحمني، وتقوم به الحجة علي، كأن تعليم ركوب الخيل مما لا يليق، ولا ينبغي لطلبة العلم.

وهم يقولون إن العلماء ورثة الأنبياء.

فهل هذه الأعمال وهذه العقائد تتفق مع الإيمان بهذا الكتاب؟

أنصف ثم أحكم.

يقسم الله بالخيل صاحبة تلك الصفات التي رفع ذكرها ليؤكد الخبر الذي جاء في قوله: ﴿ إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ  ﴾ الكنود: هو الكفور.

يقال: كند النعمة، كفرها ولم يشكرها.

وروي عن النبي  : "الكنود الذي يأكل وحده ويضرب عبده ويمنع رفده".

كأنه بذلك لا يعطي مما أنعم الله به عليه، ولا يرأف بعباد الله كما رأف الله به، فهو كافر بنعمة ربه.

غير أن الآية عامة، والمراد منها ذكر حالة من حالات الإنسان التي تلازمه في أغلب أفراده، إلا الذين يروضون أنفسهم على الفضائل.

وهي حقيقة لا ريب فيها لأن في طبع الإنسان أن يستغرق فيما حضره فيصعب عليه أن يجعل نصب عينيه شيئا من ماضيه، أو مما عساه يستقبله، فتحيط به الغفلة.

فهو إذا غمزته من الله نعمة غمرته بها غفلة، وأدخلت إلى قلبه ضربًا من قسوة، وأحدثت في طبعه شوبًا من جفوة.

وأكد الله هذا الخبر لزعم كثير من أهل الكنود أنهم شاكرون، فأكد لهم الخبر ليرجعوا إلى أنفسهم، ويمتحنوا أعمالهم ليتبين لهم أن الغرور هو الذي غشهم في معرفة حالهم، فيفزعوا إلى الله بالشكر، ولا يكون الشكر إلا بالبذل في الحق الذي يبقى أثره، ويجمل عند العقلاء ذكره.

ثم يزيد الأمر تأكيدًا بقوله ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ  ﴾ !

أي وإن الإنسان لشهيد على كنوده وكفره لنعمة ربه، لأنه يفخر بالقسوة على من دونه وبقوة الحيلة من فوقه، وبكثرة ما في يده من المال من الحذق في توفيره، وقلما يفتخر بالرحمة وكثرة البذل والحذق في اختيار المواضع -اللهم إلا أن يريد غشًا للسامع- وفي ذلك كله شهادة على نفسه بالكنود، لأن ما يفتخر به ليس من حق شكر النعمة، بل من آيات كفرها.

﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ  ﴾ الخير: هو المال مثله في قوله تعالى ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ  ﴾ .

وزعم عكرمة أن الخير -حيث وقع في القرآن- هو المال.

وليس يصح في بعض المواضعٍ.

والشديد: القوي.

ويقال: هو شديد لهذا الأمر، وقوي له، إذا كان مطيقًا له قادرًا على ضبطه.

قال ذلك الزمخشري.

وأطلق الحب، وأراد به الكسب، لأن كسب شيء والسعي في تحصيله إنما يكون كما ينبغي إذا كان منشؤه حبه.

فقوة الإنسان واقتداره على تحصيل المال وتوفيره إنما جاءت له من شدة محبته له، لهذا جعل الشدة وقوة الاحتمال لحب المال، وهي في الحقيقة لكسبه.

لكن إذا عرض له سبيل لفعل ما هو خير على الحقيقة، والنهوض بأمر مما طلبه الله منه، تراه يضعف وتتضاءل قوته حتى لا يستطيع أن يخطو خطوة في ذلك السبيل إلا من رحم ربك وقد فسر الشديد بالبخيل.

والمعنى على ذلك: وإنه لبخيل شحيح بسبب حبه للمال.

﴿ أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ  وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ  ﴾ .

بعثرة ما في القبور: إخراج موتاها منها.

وتحصيل ما في الصدر: إظهاره وإبرازه، بحيث لا يبقى سبيل إلى إخفائه.

ومفعول يعلم محذوف، حذف لتجول الفكرة في استحضاره، ولو ذكر فربما مر على اللسان دون الالتفات إليه.

أما وقد حذف فلا تجد النفس محيصًا عن البحث عنه حتى يتم الكلام ويفهم.

وقد دل عليه ببعثرة ما في القبور وتحصيل ما في الصدور.

أي أفلا يعلم الكنود الحريص ما يكون حالة في الحياة الأخرى يوم تكشف السرائر؟

أفلا يعلم ظهور ما كان يخفى من قسوة وتحيل؟

أفلا يعلم أنه سيحاسب عليه؟

أفلا يعلم أنه سيوفى جزاء ما كفر نعمة ربه؟!

﴿ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ  ﴾ إن الله خبير بهم يومئذ -وفي هذا اليوم كذلك- ولكنه كنى عن مجازاتهم على ما كسبوا بالخبرة بهم.

كما تقول في تهديد شخص أو وعيده سأعرف لك عملك هذا مع أنك تعرفه الآن قطعًا.

وإنما عرفانه الآتي هو ظهور أثر المعرفة، كما قال تعالى ﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا  ﴾ .

مع أن الكتب حاصل منه الآن، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد