الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الزلزلة
تفسيرُ سورةِ الزلزلة كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةسورة الزلزلة من السور المدنية.
وهي سورة إرهاب وترغيب.
قيل: إنها نزلت لإزالة ما وقع في نفوس كثير من المؤمنين من أن الخير القليل لا ينظر الله إليه، ولا يجازي عليه.
وكذلك الصغائر من الذنوب ليست بشيء يلام عليه: كالكذبة والنظرة ونحو ذلك.
فأزال شبهتهم وكشف عنهم وهمهم، وعرفهم أن لا شيء من عمل الإنسان يفوته: فالخير يجازى بالخير مهما صغر، والشر يلقى جزاءه من الشر مهما نزر.
﴿ إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾ : أي أصاب الأرض ذلك الزلزال الشديد والاهتزاز الرائع المدهش.
وهو كقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ : أي أنها -لشدة الزلزال والاضطراب- تشققت وثار باطنها، فقذفت بما في جوفها من الأثقال: من كنوز ودفائن وأموات وغير ذلك مما يكون في باطن الأرض.
ومثاله المشهور ما يرى الآن في الأرض التي فيها البراكين -جبال النار- فإن الزلزال يحدث والأرض تنشق وتقذف بما فيها من نيران ومعادن ومياه ونحو ذلك، وهو كقوله تعالى ﴿ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴾ .
(وقال الإنسان ما لها) من يكون من الإنسان شاهدًا لهذا الزلزال يجده مخالفًا في الشدة لجميع ما سبقه من أمثاله، ولا يجد من عقله ما يهديه إلى معرفة سببه ويصيبه الدهش ..
فيقول: ما لهذه الأرض؟!
وما الذي وقع لها فوق ما جرت به العادة؟
(يومئذ تحدث أخبارها) يومئذ بدل من إذا.
أي في ذلك الوقت -وقت الزلزال- تحدثك الأرض أحاديثها.
وتحديث الأرض تمثيل، كما قال الطبري وجماعة غيره، أي أن حالها وما يقع فيها من الانقلاب.
وما لم يعهد من الخراب يعلم السائل ويفهمه الخبر، وأن ما يراه لم يكن لسبب من الأسباب التي وضعتها السنة الإلهية، حال استقرار نظام الكون، بل ذلك (بـ) سبب (أن ربك أوحى لها ).
يقال أوحى له وإليه ووحى له وإليه، والمعنى واحد.
أي أن ما يكون للأرض يومئذ إنما هو بأمر إلهي خاص ..
قال لها: كوني خرابًا، كما قال لها -عند إيجادها- كوني أرضًا.
فهذا أمر من الأوامر التكوينية التي هي كن، فيكون ما صدر به أمر كن.
والأوامر التكوينية عبارة عن تعلق القدرة الإلهية بما هو أثر لها.
وكثيرًا ما تكون الأوامر الإلهية التكوينية بأسباب: كتكوين الإنسان والحيوان والنبات، فإن كل كائن منها إنما كان بتكوين الله.
وقوله له: كن، فيكون.
ولكنه وضع لذلك أسبابًا من التناسل والتوالد، ولا مانع من أن يكون خراب الأرض في آخر عمرها بسبب من الأسباب التي تهدم بناءها وتجعلها هباء منثورًا.
ومعنى اختصاصه هذه الحالة باسم الوحي، لأنها تأتي على خلاف ما عهد من أول نشأة الأرض.
(يومئذ يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم): يوم يقع ذلك الخراب العظيم لهذا العالم الأرضي، وتبدل الأرض غير الأرض -كما جاء في الآية الأخرى- يظهر ذلك الكون الجديد: كون ذلك اليوم الآخر والحياة الأخرى، فيصدر الناس -بعد بعثهم- أشتاتًا متفرقين مختلفين.
يقال: صدر عن المدينة، أي سافر منها.
أي يذهب الناس على اختلافهم: شقيهم وسعيدهم، محسنهم ومسيئهم، ليروا أعمالهم.
يروا -بضم الياء- أي ليريهم الله جزاء أعمالهم.
يقال: عاش فلان حتى رأى عمله، أي جنى ثمرة ما قدم.
وفي قراءة ليروا -بفتح الياء- أي ليبصروا بأنفسهم أعمالهم، أي ما أعد لهم جزاء عليها.
(فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره) الذرة: النملة الصغيرة.
وهي مثل في الصغر.
وقيل: الذر هو الهباء الذي يرى في ضوء الشمس إذا دخلت من نافذة.
ومثقال الذرة وزنها، أي من يعمل من الخير أدنى عمل وأصغره فإنه يراه ويجد جزاءه: لا فرق في ذلك بين المؤمن والكافر.
غاية الأمر أن حسنات الكفار الجاحدين لا تصل بهم إلى أن تخلصهم من عذاب الكفر، فهم به خالدون في الشقاء.
والآيات التي تنطق بحبوط أعمال الكفار وأنها لا تنفعهم، معناها هو ما ذكرنا.
أي أن عملًا من أعمالهم لا ينجيهم من عذاب الكفر وإن خفف عنهم بعض العذاب الذي كان يرتقبهم على بقية السيئات الأخرى.
أما عذاب الكفر نفسه فلا يخفف عنهم منه شيء، كيف لا؟
والله جل شأنه يقول: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ .
فقوله: فلا تظلم نفس شيئًا، أصرح قول في أن الكافر والمؤمن في ذلك سواء، وان كلًا يوفى يوم القيامة جزاءه.
وقد ورد أن حاتمًا يخفف عنه لكرمه، وأن أبا لهب يخفف عنه لسروره بولادة النبي .
وما نقله بعضهم ما الإجماع على أن الكافر لا تنفعه في الآخرة حسنة، ولا يخفف عنه عذاب سيئة ما، لا أصل له.
فقد قال بما قلناه كثير من أئمة السلف .
على أن كلمة الإجماع كثيرًا ما يتخذها الجهلاء السفهاء آلة لقتل روح الدين، وحجرًا يلقمونه أفواه المتكلمين، وهم لا يعرفون للإجماع الذي تقوم به الحجة معنى.
فبئس ما يصنعون!
(ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره)، لا فرق في ذلك بين المؤمن والكافر.
فالمؤمنون يرون جزاء ما عملوا من شر إذا لم يكونوا تابوا عنه، وليس الجزاء منحصرًا في العقاب في دار العذاب: فمنه ما يكون كذلك، وهو الجزاء على الكبائر وترك الفرائض إذا لم تمحها التوبة الصحيحة، ومنه ما يكون بنقص في درجة الكرامة: كجزاء الصغائر، فإنها -وإن لم تدخلك النار- ولكنها تريك منزلتك أحط من منزلة من تنزه عنها.
وهذا شر تراه يقابل الشر الذي صنعته.
والله أعلم.