تفسير محمد عبده سورة الهمزة

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الهمزة

تفسيرُ سورةِ الهمزة كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 4 دقيقة قراءة

تفسير سورة الهمزة كاملةً (محمد عبده)

وَيْلٌۭ لِّكُلِّ هُمَزَةٍۢ لُّمَزَةٍ ١ ٱلَّذِى جَمَعَ مَالًۭا وَعَدَّدَهُۥ ٢ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخْلَدَهُۥ ٣ كَلَّا ۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِى ٱلْحُطَمَةِ ٤ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ ٥ نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ ٦ ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلْأَفْـِٔدَةِ ٧ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌۭ ٨ فِى عَمَدٍۢ مُّمَدَّدَةٍۭ ٩

(الهمزة اللمزة): هو الذي يطعن في أعراض الناس، ويغض منهم، ويحقر من أعمالهم وصفاتهم، وينسب إليهم السيئات، تلذذًا بالحط منهم، وإظهارًا لترفعه عليهم.

أصله من الهمز واللمز، بمعنى الطعن والكسر، ثم صار عرفًا لغويًا فيما ذكرنا.

ويقال إن الهمز يكون بالعين والشدق واليد، حركات تشير إلى التحقير والهزء، واللمز يكون باللسان.

وبناء الصفة على فعلة يفيد كثرة وقوع الفعل وجريانه مجرى العادة، وذلك هو حال (الذي جمع مالًا وعدده): أي أن الذي يحمله على الحط من أقدار الناس هو جمعه المال وتعديده، أي عده مرة بعد أخرى شغفًا به وتلذذًا بإحصائه، لأنه لا يرى عزًا ولا شرفًا ولا مجدًا في سواه، فكلما نظر إلى كثرة ما عنده منه انتفخ وظن أنه من رفعة المكانة بحيث يكون كل ذي فضل ومزية دونه.

فهو يهزأ به ويهمزه ويلمزه ثم لا يخشى أن تصيبه عقوبة على الهمز واللمز وتمزيق العرض، لأن غروره بالمال أنساه الموت، وصرف عنه ذكرى المآل فهو (يحسب أن ماله أخلده): أي يظن أن ما عنده من المال قد حفظ له حياته التي هو فيها، وأرصدها عليه، فهو لا يفارقها إلى حياة أخرى يعاقب فيها على ما كسب من سيئ الأعمال.

يوعد الله من هذه صفاته بالويل والهلاك والنكال في قوله ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ  ﴾ إلخ.

ثم يصرح بذلك ويفصله في دفع وهمه أن المال يغني عنه من الله شيئًا وأنه يحفظ عليه ما هو فيه أبدًا حيث يقول: (كلا).

فليرتدع عن هذا الظن (لينبذن في الحطمة): أي ليلقين فيها محقرًا مصغرًا.

وكلمة النبذ تفيد التحقير والتصغير.

(وما أدراك ما الحطمة)؟

يستفهم عنها لتعظيم أمرها وإكبار هولها، كأنها مما لا يحيط به العرفان.

فمن ذا الذي يعلمك بمقدار مآلها إلا الذي أوجدها وأعدها لأهلها؟..

هي (نار الله الموقدة): أي النار التي لا تنسب إلا إليه سبحانه، لأنه هو منشئها في عالم لا يعلمه سواه، وهي ملتهبة التهابًا لا يدرك كنهه غيره سبحانه، ولا يمكننا الوقوف على حقيقة تلك النار، وإنما الذي نعرفه أن للعذاب بها ألمًا أشد من ألم الإحراق بنار الدنيا.

ولذلك وصفها بوصف ليس من أوصاف نيران الدنيا، فقال: ﴿ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ  ﴾ .

ولا يخفى عليك أن الفؤاد إنما يطلق على القلب إذا لوحظ أنه بمعنى موضع الوجدان والشعور، فكأنه قال التي تعلو مشاعرهم ومداركهم ومواطن الوجدان من نفوسهم أي أن سلطان هذه النار على قوى الوجدان والشعور التي هي مواطن النيات والمقاصد ومساكن الفضائل والرذائل.

وقد قيل: إن معنى الاطلاع ههنا المعرفة والعلم، أي أن هذه النار تعرف ما في الأفئدة فتأخذ من تعرفهم أهلًا لها من أهل الوجدان الخبيث.

والنار التي تعرف من يستحق العذاب بها لا تكون من النيران المعروفة لنا في الدنيا بالضرورة.

وعلى كل لا يخلو الكلام -على هذا التأويل الثاني- من التمثيل والتجوز.

ثم قال: (إنها عليهم مؤصدة): أي مطبقة، لا مخلص لهم منها.

(في عمد ممددة) العمد جمع عمود، وهو معروف.

والممددة: المطولة، أي أن إطباقها عليهم وإغلاقها في عمد طويلة تمد على أبوابها بعد أن تؤصد.

وهو تصوير لشدة الإطباق وإحكامه، وتأكيد لليأس من الخلاص.

أما كون العمد كعمدنا، فذلك مما لا يمكن معرفته، لأن شأن الآخرة غير شأن الدنيا -كما معلوم- فلا وجه للبحث فيه: وذلك يكون عند نزول العذاب...

يجد المعذب أنه لا مخلص له مما هو فيه: سواء خلص بعد ذلك إن كان من المؤمنين الخاطئين، أم لم يخلص إن كان من الذين أحاطت بهم خطيئاتهم فكانوا من الهالكين.

نعوذ بالله من غضبه ونسأله أن يحفظنا من نقمه.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل