تفسير محمد عبده سورة الفيل

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الفيل

تفسيرُ سورةِ الفيل كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

تفسير سورة الفيل كاملةً (محمد عبده)

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ ١ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍۢ ٢ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ٣ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍۢ مِّن سِجِّيلٍۢ ٤ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍۢ مَّأْكُولٍۭ ٥

(ألم تر): أي ألم تنظر أو ألم تعلم (كيف فعل ربك): أي الحالة التي وقع عليها عمل الله الذي يتولى أمرك.

﴿ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ  ﴾ : وهو الحيوان المعروف.

وبين تلك الحالة التي وقع عليها الفعل الإلهي بقوله: ﴿ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ  ﴾ : الكيد: هو تدبير السوء.

والتضليل: التضييع.

والهمزة في ألم تر وألم يجعل للتقرير.

أي أنك ترى ما كان عليه فعل الله بأولئك القوم، وذلك أنه ضيع تدبيرهم وخيب سعيهم، (وأرسل عليهم طيرًا أبابيل).

الأبابيل: الفرق والجماعات يتبع بعضها بعضًا من طير أو خيل مثلًا.

والطير هو ما يطير في الهواء، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، وسواء كان مرئيًا لك أم غير مرئي.

والسجيل: الطين المتحجر -وأصل الكلمة فارسية دخلت في العربية- أي حجارة من طين متحجر.

والعصف: ورق الزرع.

والمأكول: الذي أكله الدود أو السوس، أو أكل الدواب بعضه، وتناثر من بين أسنانها بعضه.

السورة الكريمة تعلمنا أن الله سبحانه يريد أن يذكر نبيه، ومن تبلغه رسالته، بعمل عظيم من أعماله الدالة على عظم قدرته، وأن كل قدرة دونها فهي خاضعة لسلطانها، وأنه القاهر فوق عباده لا يمنعهم منه عزة، ولا تتعاصى عليه منهم قوة...

ذلك العمل العظيم هو أن قومًا أرادوا أن يتعززوا بفيلهم ليغلبوا بعض عباده على آمرهم، ويصلوا إليهم بشر وأذى، فأهلكهم الله، ورد كيدهم، وأبطل تدبيرهم بعد أن كانوا في ثقة بعَدَدهم وعُدَدهم، فلم يفدهم ذلك شيئًا.

وكان يمكننا أن نكتفي بذلك المعنى من الآيات، ولا نزيد عليه أدنى تفصيل.

وهو كاف في الاعتبار والعظة، كما اكتفينا بذلك في أصحاب الأخدود...

لكن في هذه السورة يجوز لنا التفصيل، لأن واقعة الفيل في ذاتها -كما ورد في هذه الآيات- معروفة متواترة الرواية، حتى أنهم جعلوها مبدأ تاريخ يحددون به أوقات الحوادث..

فيقولون: ولد عام الفيل، وحدث كذا لسنتين بعد عام الفيل.

ونحو ذلك.

وما تواتر من الواقعة، هو أن قائدًا حبشيًا -ممن كانوا قد غلبوا على اليمن- أراد أن يعتدي على الكعبة المشرفة ويهدمها ليمنع العرب من الحج إليها، أو ليقهرهم ويذلهم، فتوجه بجيش جرار إلى مكة لذلك، واستصحب معه فيلًا أو فيلة كثيرة زيادة في الإرهاب وحشر الخوف إلى القلوب.

ولم يزل سائرًا يغلب من يلاقيه حتى وصل إلى "المُغَمَّس" بالقرب من مكة، ثم أرسل إلى أهل مكة يخبرهم أنه لم يأت لحربهم، وإنما أتى لهدم البيت.

ففزعوا منه، وانطلقوا إلى شعف الجبال ينتظرون ما هو فاعل.

وفي اليوم الثاني فشا في جند الحبشي داء الجدري والحصبة...

قال عكرمة: وهو أول جدري ظهر ببلاد العرب.

وقال يعقوب بن عتبة فيما حدث: إن أول ما رؤيت الحصبة والجدري ببلاد العرب ذلك العام.

وقد فعل ذلك الوباء بأجسامهم ما يندر وقوع مثله، فكان لحمهم يتناثر ويتساقط.

فذعر الجيش وصاحبه وولوا هاربين، وأصيب الحبشي، ولم يزل يسقط لحمه قطعة قطعة وأنملة أنملة حتى انصدع صدره ومات في صنعاء.

هذا ما اتفقت عليه الروايات، ويصح الاعتقاد به.

وقد بينت لنا هذه السورة الكريمة أن ذلك الجدري أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش بواسطة فرق عظيمة من الطير مما يرسله الله مع الريح.

فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه.

وأن كثيرًا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر وأن هذا الحيوان الصغير -الذي يسمونه الآن بالمكروب- لا يخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يحصي عددها إلا بارئها..

ولا يتوقف ظهور أثر قدرة الله تعالى في قهر الطاغين على أن يكون الطير في ضخامة رؤوس الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب، ولا على أن يكون له ألوان خاصه به، ولا على معرفة مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها..

فلله جند من كل شيء.

وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد وليس في الكون قوة إلا وهي خاضعة لقوته.

فهذا الطاغية الذي أراد أن يهدم البيت، أرسل الله عليه من الطير ما يوصل إليه مادة الجدري أو الحصبة، فأهلكته وأهلكت قومه قبل أن يدخل مكة.

وهي نعمة من الله غمر بها أهل حرمه -على وثنيتهم- حفظًا لبيته حتى يرسل من يحميه بقوة دينه،  ...

وإن كانت نقمة من الله حلت بأعدائه أصحاب الفيل الذين أرادوا الاعتداء على البيت دون جرم اجترمه ولا ذنب اقترفه.

هذا ما يصح الاعتماد عليه في تفسير السورة، وما عدا ذلك فهو مما لا يصح قبوله إلا بتأويل إن صحت روايته...

ومما تعظم به القدرة أن يؤخذ من استعز بالفيل -وهو أضخم حيوان من ذوات الأربع جسمًا- ويهلك بحيوان صغير لا يظهر للنظر، ولا يدرك بالبصر، حيث ساقه القدر.

لا ريب عند العاقل أن هذا أكبر وأعجب وأبهر!!

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد