تفسير محمد عبده سورة قريش

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة قريش

تفسيرُ سورةِ قريش كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 4 دقيقة قراءة

تفسير سورة قريش كاملةً (محمد عبده)

لِإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ ١ إِۦلَـٰفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ ٢ فَلْيَعْبُدُوا۟ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ٣ ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍۢ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ ٤

(قريش) اسم للقبائل العربية من ولد النضر بن كنانة، كما قال القرطبي وعليه الفقهاء.

أو من ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، على ما قال الزبير بن بكار أنه قول جميع النسابين.

والإيلاف: من معنى الألفة والائتلاف.

وفيه معنى أنس شيء إلى آخر وتعلقه به.

وسلامته عن النفور منه.

وكانت لقريش رحلتان: إحداهما إلى اليمن زمن الشتاء، والأخرى إلى الشام في فصل الصيف..

يذهب التجار فيهما للكسب، واجتلاب الربح، والاستكثار من الرزق.

وكانت قوافل قريش معروفة عند العرب، محترمة في نفوسهم، لأنهم سكان مكة وجيران بيت الله، فكانوا يذهبون آمنين ويعودون سالمين، لا يمسهم السوء، على كثرة ما كان بين العرب من النهب والسلب.

فكان احترام البيت ضربًا من القوة المعنوية التي كانت تحتمي بها قريش في أسفار أرباب التجارة منها..

ولهذا ألفت نفوسهم تلك الأسفار، وتعلقت بالرحيل لاستدرار مادة الرزق.

ولو نزلت مكانة البيت من نفوس العرب، ونقصت حرمته عندهم، واستطالت الأيدي بالتعدي على سفارهم -لنفروا من تلك الرحلات، وكرهتها نفوسهم، فقلت وسائل الكسب بينهم، لأن أرضهم ليست بذات زرع، وما هم بأهل صناعة مشهورة يحتاج الناس إليها فيأتونهم-وهم في عقر ديارهم- ليأخذوا منها...

فكانت تضيق عليهم مسالك الأرزاق، وتنقطع عنهم ينابيع الخير.

وهذا الإجلال -الذي ملك نفوس العرب من البيت الحرام- إنما هو من تسخير رب البيت سبحانه.

وقد حفظ حرمته برد الحبشة الذين أرادوا هدمه وإهلاكهم قبل أن ينقضوا منه حجرًا، بل قبل أن يدنوا منه، بل زاد ذلك في إجلاله لتدوم ألفتهم للأسفار والترحل في الصيف والشتاء.

فعليهم أن (يعبدوا رب هذا البيت) الذي حماه، ومكن منزلته من النفوس.

وقد (أطعمهم) بذلك، وأوسع لهم من الرزق...

ولولا ذلك لكانوا في جوع وضنك عيش.

(وآمنهم) من التعدي وتطاول الأيدي إلى أموالهم وأرواحهم..

ولولا ذلك لأخذهم الخوف من كل مكان.

فإذا كانوا يعرفون أن هذا كله إنما هو فضل رب هذا البيت، فلم يتوسلون إليه بتعظيم غيره.

وتوسيط سواه عنده، مع أنه لا فضل لأحد ممن يوسطونه في شيء من النعمة التي هم فيها: نعمة الأمن -وهي أكبر نعمة- ونعمة الرزق وكفاية الحاجة؟

من الحق أن يفردوه بالتعظيم، ويخصوه بالإخلاص.

لهذا المعنى الذي بيناه ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه السورة متعلقة بالتي قبلها، وأن اللام في قوله: لإيلاف قريش، متعلقة بقوله: فجعلهم كعصف مأكول.

أي أنه أرسل الجماعات من الطير على أصحاب الفيل ترميهم بالحجارة حتى أُصيبوا بمرض الجدري أو الحصبة وهلكوا به..

فعل ذلك كله لإيلاف قريش رحلة الشتاء.

وهو وجيه ولا ينافيه الفصل بالبسملة، وكونها سورة مستقلة، لأنه لا مانع من أن تكون سورة مستقلة متعلقة بأخرى.

والفصل إنما هو لإظهار العناية بما احتوت عليه كل من السورتين، حتى إن كل جملة مما حوتاه يصح أن تقصد لذاتها.

وما تضمنته سورة قريش جدير بالعناية، لأن الخطاب والتذكير كان لهم، وهم قومه  ، والسامعون لدعوته..

فحق أن يفصل ما يختص بهم عما قبله بفاصل يلفت الذهن إليه، وإن كان مرتبطًا به.

وبعضهم يقول: إن اللام متعلقة بمحذوف.

أي اعجبوا لإيلاف قريش وما فيه من عظم النعمة، وهو من إجلال العرب للبيت، وذلك من فضل ربه..

ومع ذلك يعظمون غيره ويتوسلون إليه بسواه، فإن لم تكن هناك نعمة سوى هذه النعمة فليعبدوه ويخلصوا له لأجلها.

وهذا خلاف لا يهم طالب العظة والاعتبار.

فوجه التذكير ظاهر: إيلافهم رحلة الشتاء بدل إيلاف قريش.

وإفراد الرحلة مع إضافتها إلى متعدد مما يعرف مثله في كلام العرب.

قال شاعرهم: * حمامة بطن الواديين ترنمي * ولم يقل بطني الواديين.

وقال آخر: كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص ولم يقل في أبعاض بطونكم.

وبقية المعنى ظاهر مما سبق بيانه والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر