الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الماعون
تفسيرُ سورةِ الماعون كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءة(أرأيت) ههنا بمعنى: هل عرفته وعلمت من هو على التحقيق؟.
والدين هو ما وراء المحسوس من الشؤون الإلهية التي لا تحيط بها النفس إلا من وجه معرفة آثارها في الكون المشهود ومنها إرسال الرسل المؤيدين بالأدلة القاطعة الدالة على أنهم يبلغون عن مدبر الكون ما تصلح به شؤون عباده، وأن للناس حياة أخرى يجازى فيها كل بعمله.
وكثير من الناس -بل الأغلب فيهم- يقولون إنهم يعتقدون بالدين ويصدقون بالله وبما جاء به رسله وبالحياة الآخرة، وينتحلون لأنفسهم المزايا على غيرهم ويظنون أنهم المصطفون وأن من يخالفهم قد حقت عليه كلمة الشقاء ويكتفون في الدلالة على هذه الدعوى ببعض أعمال رسمها الدين -وإن لم يكن لها أثر في قلوبهم- كالصلاة وما يشبهها مما لا ينقص مالًا ولا يجشم مشقة.
والجمهور الأعظم من النصارى واليهود والمشركين -ممن كان في زمنه - كانوا يظنون أنهم يصدقون بالدين ولا يكذبون به وغرتهم صلاتهم وصيامهم، مع أنهم كانوا في أبعد طريق عن حقيقة دينهم...
يشهد بذلك ما كان بينهم من التنافس في الباطل، واستعباد قويهم لضعيفهم، وبخل غنيهم بالمعروف يفيض به على فقيرهم.
ومع ذلك كان كل فريق منهم يعد نفسه صاحب الحظوة عند الله، ويحسب كل من خالفه في مسقط النقمة.
فأراد الله -جل شأنه- أن يعلمنا من هو المكذب بالدين، ومن تعريف المكذب به يعرف المصدق به على الحقيقة..
فبدأ الكلام بقوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ ؟
على طريقة الاستفهام لينبه السامع إلى أن الأمر خفي على المحجوب عن نفسه، المغرور بأوهامه.
والخطاب لكل من يفهم الخطاب، أي هل تبينت من هو المكذب بالدين؟
إن لم تكن تبينته (فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين).
هذا هو المكذب بالدين...
فالفاء واقعة في جواب الشرط الذي دل عليه الكلام.
(ويدع اليتيم): أي يدفعه ويزجره زجرًا عنيفًا إذا جاء يطلب منه حاجة، احتقارًا له، وتكبرًا عليه لفقده النصير وخلو ظهره من المجير.
واليتيم مظهر الضعف وممثل الحاجة، فالمستهين به مستهين بكل ضعيف، محتقر لكل محتاج.
فالمعنى أن المكذب بالدين هو الذي يغمط حق غيره تعززًا بقوته..
فكل ظالم منتهك لحرمات الحقوق مكذب بالدين، متى كان ذلك له ديانا، وسواء كان ظلمه لقليل من الناس أو كثير.
والحض على طعام المسكين: الحث عليه، ودعوة الناس إليه.
والذي لا يحض على إطعام المساكين لا يطعمهم في العادة..
فقوله: ﴿ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ كناية عن الذي لا يجود بشيء من ماله على الفقير المحتاج إلى القوت الذي لا يستطيع له كسبًا.
وليس المسكين هو الذي يطلب منك أن تعطيه وهو قادر على قوت يومه، بل هذا هو الملحف الذي يجوز الإعراض عنه وتأديبه بمنعه ما يطلب.
وإنما جاء بالكناية ليفيدك أنه إذا عرضت حاجة المسكين ولم تجد ما تعطيه، فعليك أن تطلب من الناس أن يعطوه.
وفيه حث للمصدقين بالدين على إغاثة الفقراء ولو بجمع المال من غيرهم.
وهي طريقة الجمعيات الخيرية فأصلها ثابت في الكتاب بهذه الآية، وبنحو قوله في سورة الفجر ﴿ كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ .
ونعمت الطريقة هي لإعانة الفقراء وسد شيء من حاجات المساكين.
فالمكذب بالدين هو المحقر لحقوق الضعفاء كبرًا وعتوًا، والذي يبخل بماله على الفقراء، ويبخل بسعيه عند الأغنياء لإغاثة أهل الحاجة ممن تحقق عجزهم عن كسب ما ينقذهم من الضرورة، ويقوم لهم بالكفاف من العيش.
وسواء كان المحتقر للحقوق البخيل بالمال والسعي مصليًا أو غير مصل، فصلاته لا تنفعه، ولا تخرجه من صف المكذبين بالدين، لأن المصدق بشيء لا تطاوعه نفسه بالخروج عن حد ما صدق به..
فلو صدق بالدين لعرف أن صلاته إنما هي عنوان الخشوع للقاهر الذي لا يجوز لأحد أن يشاركه في عظمته، الذي خلق الخلق، وحدد حدود الحق، وفرض على الأقوياء الرحمة والعدل في الضعفاء...
فمن لم تذكره صلاته بهذا الذي فرض عليه فهو كاذب في قوله مراء في ظاهر عمله..
ولهذا جاء سبحانه بالتفريع على تعريف المكذب بالدين في قوله ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ : أي إذا عرفت أن المكذب هو الذي أقفر قلبه من المرحمة وأجدب من العدل والمكرمة، فويل لأولئك الذين يصلون، ويؤدون ما يسمى صلاة في عرفهم من الأقوال والأفعال، وهم مع ذلك ساهون عن صلاتهم، أي غافلة قلوبهم عما يقولون وما يفعلون..
فهو يركع في ذهول عن ركوعه، ويسجد في لهو عن سجوده.
وإنما هي حركات تشبه الخطوات التي يخطوها في الطريق: ينقل قدمه من خطوة إلى أخرى، ولا يلاحظ في كل خطوة ذلك المقصد الذي قصده بمشيه.
فهو يدخل في الصلاة بنية أنها مطلوبة منه، ثم يمضي فيها بلا شعور بالقصد مما يفعل، وإنما تجري الأقوال، وتتابع الحركات على حسب العادة، بلا استحضار للمعاني في القلوب.
ثم هم ساهون عن حقيقة الصلاة والحكمة التي فرضها الله لها وهي إخضاع القُوَى لواهب القُوىَ..
وهل يجتمع الخضوع له والخروج عن أوامره فيما فرض أن يراعي من حقوق عباده؟
ولذلك قال في وصفهم: ﴿ ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ﴾ : أي يفعلون ما يرى للناس فقط، ولا يستشعرون من روح العبادة ما أوجب الله على النفوس أن تستشعره.
ثم أعاد الوصف الذي يتحقق به التكذيب بالدين مع الصلاة فقال: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ والماعون: كل ما يستعان به..
فأولئك الذين يصلون ولا يأتون من الأعمال إلا ما يرى للناس، مما لا يكلفهم بذل شيء من مالهم، ولا يخشون منه ضررًا يلحق بأبدانهم أو نقصًا يلم بجاههم، ثم يمنعون الناس معونتهم، ولا ينهضون بباعث الرحمة إلى سد حاجتهم، وتوفير ما يكفل راحتهم وأمنهم وطمأنينتهم.
أولئك لا تنفعهم صلاتهم، ولا تخرجهم من حد المكذبين بالدين، لا فرق في ذلك بين من وسموا أنفسهم بسمة الإسلام أو غيره..
فإن حكم الله واحد لا محاباة فيه للأسماء المنتحلة التي لا قيمة لها إلا بمعانيها الصحيحة المنطبقة على مراده تعالى من تحديد الأعمال وتقرير الشرائع.
فخاصة المصدق بالدين -التي تميزه عمن سواه من المكذبين- هي العدل والمرحمة وبذل المعروف للناس.
وخاصة المكذب -التي يمتاز بها عن المصدقين- هي احتقار حقوق الضعفاء وقلة الاهتمام بمن تلذعهم آلام الحاجة، وحب الأثرة بالمال، والتعزز بالقوة، ومنع المعروف عمن يستحقه من الناس.
فهل تجد نصًا أصرح من هذا في تعريف التصديق بالدين، وبيان الصفات التي يعرف بها، وفي شرح التكذيب بالدين وتفصيل لوازمه وما يتميز به عن التصديق؟..
فهل للمسلمين -أي الذين يزعمون أنهم يؤمنون بمحمد وبما جاء به- أن يقيسوا أحوالهم، وما يجدونه من أنفسهم بما يتلونه في هذه السورة الشريفة؟
ليعرفوا هل هم من قسم المكذبين أو المصدقين وليقلعوا عن الغرور برسم هذه الصلاة الذي لا أثر له إلا في ظواهر أعضائهم، وبهذا الجوع الذي يسمونه صيامًا، ولا أثر إلا في عبوس وجوههم وبذاءة ألسنتهم وضياع أوقاتهم في اللهم والبطالة..
وليرجعوا إلى الحق من دينهم فيقيموا الصلاة ويحيوا صورتها بالخشوع وتطامن القوى الإنسانية لقوة العلي الأعلى.
فلا يخرجون من الصلاة إلا وهم ذاكرون أنهم عبيد له يلتمسون رضاه في رعاية حقوق براياه..
ويجعلوا من الصوم مؤدبًا للشهوة، ومهذبًا للرغبة، ورادعًا للنفس عن الأثرة، فلا يكون في صومهم إلا الخير لأنفسهم ولقومهم، ثم يؤدوا الزكاة المفروضة، ولا يبخلوا بالمعونة فيما ينفع الخاصة والعامة؟
أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟..
أفلا ينظرون إلى ما نزل بهم من الضعف والذلة، وتسلط الأمم عليهم، وانتقاصها أرضهم من كل جانب...
فيعلموا أن هذا هو عقاب الله للمكذبين فيطلبوا النجاة من هذا كله بأخذ سبيل المصدقين، وينزعوا عن الانخداع بما سولته لهم أوهام بعض من يدعي العلم منهم؟..
فإن العيان قد كذبهم وأظهر أن سنة الله في الخلق لا تتبدل، وأن صورة الانتساب إلى دين لا تغني عن اتباع هديه الصحيح الذي يدل عليه النص بعد التواتر في النقل وإجادة التدبر من العقل.