الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الكوثر
تفسيرُ سورةِ الكوثر كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةكان المستهزئون من قريش -كالعاص بن وائل، وعقبة بن أبي معيط، وأبي لهب وأمثالهم- إذا رأوا أبناء النبي يموتون يقولون: بتر محمد.
أي لم يبق له ذكر في أولاده من بعده، ويعدون ذلك عيبًا يلمزون به، وينفرون به الناس من أتباعه وكانوا إذا رأوا ضعف المسلمين وفقرهم وقلتهم يستخفون بهم، ويهونون أمرهم، ويعدون ذلك مغمزًا في الدين، ويأخذون القلة والضعف دليلًا على أن الدين ليس بحق، ولو كان حقًا لنشأ مع الغنى والقوة...
شأن السفهاء مع الحق في كل زمان أو مكان غلب فيه الجهل.
وكان المنافقون إذا رأوا ما فيه المؤمنون من الشدة والبأساء يمنون أنفسهم بغلبة إخوانهم القدماء من الجاحدين، وينتظرون السوء بالمسلمين لقلة عددهم وخلو أيديهم من المال.
وكان الضعفاء -من حديثي العهد بالإسلام من المؤمنين- تمر بنفوسهم خواطر السوء عندما تشيد عليهم حلقات الضيق...
فأراد الله سبحانه أن يمحص من نفوس هؤلاء ويكبت الآخرين، فأكد الخبر لنبيه أن ما يخيله النظر القصير قليلًا هو الكثير البالغ الغاية في الكثرة، ليؤكد له الوعد بأنه هو الفائز، وأن متبعه هو الظافر، وأن عدوه هو الخائب الأبتر الذي يمحى ذكره، ويعفى أثره -.
فقال: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ .
الكوثر: صيغة مبالغة من الكثرة.
ومعناه الشيء البالغ من الكثرة حد الإفراط.
قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم رجع ابنك؟
قالت: بكوثر.
وقال الكميت: وأنت كثير يا ابن مروان طيب وكان أبوك ابن العقائل كوثرًا وقد اختلف في معنى الكوثر اختلافًا كثيرًا.
ولكن تعريف اللفظ يدل على أن المقصود به كان أمرًا معهودًا للسامعين تذهب أذهانهم إليه عند سماعه -وإن كانوا لم يعهدوا وصفه بأنه أكثر الكثير- وهو الذي كان يستقله أعداؤه.
والذي أعطيه النبي -وكان معروفًا لسامعي الكتاب- هو النبوة، والدين الحق والهدى، وما فيه سعادة الدارين الدنيا والآخرة.
ولهذا فإني أذكر لك ما قاله جمع من الأئمة.
فقال أبو بكر بن عياش ويمان بن وثاب: الكوثر هم أصحابه وأشياعه إلى يوم القيامة.
وقال الحسين بن الفضل: هو تيسير القرآن وتخفيف الشرائع.
وقيل: هو الإسلام.
وقال هلال: هو التوحيد.
وقال عكرمة: هو النبوة.
وقال جعفر الصادق: هو نور قلبه .
وقيل: هو العلم والحكمة.
وقال ابن كيسان: هو الإيثار "أي إيثاره غيره بالمنفعة على نفسه".
وقيل: هو الفضائل التي وهبه الله إياها.
وذهب جماعة من الأئمة إلى أنه الخير الكثير، والنعم الدنيوية والأخروية من فضائل وفواضل.
وهو ما رواه ابن جرير وابن عساكر عن مجاهد، وهو المشهور عن ابن عباس.
وأخرج البخاري وابن جرير والحاكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكوثر الخير الذي أعطاه الله تعالى إياه.
قال أبو بشر: قلت لسعيد فإن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة قال: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه .
ويروى هذا الجواب عن ابن عباس نفسه أيضًا.
فإذا جرينا على أن الكوثر هو النبوة أو العلم والحكمة، أو نور القلب -وهو الهدى والرشاد- كان المعنى إن الذي أعطيناك من هذه المواهب هو الكثير الذي لا يكثره شيء، وإن استقله الضعفاء، أو استخف به الأعداء.
وأي كثير يعد كثيرًا بالنسبة إلى الهدى والرشاد ومعرفة طريق السعادة؟
أليس الهدى منبع القوة والعزة، وهو الذي يحفظهما بعد حصولهما؟
إذ القوة والمال -إذا لم تكن معهما الهداية التي تقيم صاحبها على الطريق المستقيم- لا بقاء لهما، ومصيرهما إلى الزوال، ومصير كثرتهما إلى قلة.
وكما قال سيدنا علي : "العلم يحفظك وأنت تحفظ المال".
ولا سبيل إلى حفظ المال إلا بالعلم.
والجهل والضلال مضيعة كل شيء من جاه أو مال.
وعلى أن الكوثر هو الخير الدنيوي والأخروي يكون المراد: إن هؤلاء المستعجلين بالسيئة يظنون أنك في قل وضعف، وأن أغنياءهم وأقوياءهم في عز ونعمة، ولا يعلمون أننا قد أعطيناك من الخير الذي يعظم في نفوسهم مما لا يعرفون، ومن الخير المدخر لك في الغيب مما لا يدركون شيئًا كثيرًا لا تحد كثرته.
وأما أن هناك نهرًا في الجنة اسمه الكوثر، وأن الله أعطاه نبيه..
فلا يفهم من معنى الآية، بل الذي يدل عليه سياق السورة وموضع نزولها، هو الذي بيناه من أحد القولين.
والأول -وهو النبوة وما في معناه- أرجح.
أما الاعتقاد بوجود هذا النهر في الجنة، فموقوف على تواتر الأخبار التي وردت به.
وقد ذهب جماعة إلى أنها متواترة المعنى، فيجب الاعتقاد بوجود النهر على وجه عام دون تفصيل أوصافه لكثرة الخلاف فيها.
ولكن التواتر لا يصح أن يكون برأي جماعة أو برأي آخرين.
فحد التواتر هو ما تراه في القرآن: تعرفه طبقة يُؤمَن تواطؤ كل منها على الكذب إلى أن وصل إليك لا تنكره فرقة المسلمين قاطبة - فهذا التواتر هو الذي يوجب اليقين.
وليس الأمر كذلك في أحاديث النهر، فإنها -وإن كثرت طرقها- لم تبلغ هذا المبلغ، فلا يصدق عليها اسم المتواتر..
خصوصًا وأنه يظن بالرواة سهولة التصديق في مثل هذا الخبر لما فيه من غرابة الكرامة وجمال الوصف، فيسهل على كل راو الميل إلى تصديق ما يقال له.
وهذا يخل بشرط التواتر، لأن أول شرط فيه أن لا يكون في الطبقات رائحة التشيع للمروي.
وبالجملة فخبر وجود النهر من الأخبار الغيبية لا يجوز الاعتقاد به إلا بعد التيقن أنه ورد عن المعصوم .
فإذا وصلت فيه إلى اليقين الذي لا يجوز عندك تبدله وكان علمك بصدوره عنه - - كعلمك بوجود مكة أو المدينة قبل أن تراهما، فاعتقد به، وإلا ففوض الأمر إلى الله، وقل لا أعلم.
والله أعلم.
بعد أن أكد لنبيه الخبر بأن الذي أعطاه هو الكوثر الذي لا يستقل عدده ولا ينتقص قدره، وأن ما يعدونه كثيرًا وعظيمًا فهو بالنسبة إليه قليل وحقير، طالبه بالشكر على ذلك.
وأفضل الشكر الإخلاص لله في العبادة لا يشرك في التوسل إليه ولا في الخشوع القلبي له أحدًا سواه، ثم بذل المال للفقراء والمساكين.
ولهذا فرع على الخبر قوله: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ .
أي فاجعل صلاتك لربك وحده، وانحر ذبيحتك مما هو نسك لك لله وحده، فإنه هو مربيك ومسبغ النعم عليك دون سواه، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ .
نوه الله بقدر ما أعطاه ثم أمره بالشكر عليه.
وبعد ذلك استأنف الكلمة لذكر حال أعدائه ومبغضيه ووعيدهم بما سيصيبهم في أنفسهم وأموالهم فقال: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ﴾ : الشانئ معناه المبغض.
الأبتر: هو المقطوع الذي لا يبقى أثره، ولا يحسن من بعده ذكره.
شبه بقاء الذكر الحسن، واستمرار الأثر الجميل بذنب الحيوان لأنه يتبعه، وهو زينة له.
وشبه الحرمان من ذلك ببتر الذنب وقطعه، لأن البتر شاع في هذا المعنى وإن كان أصله القطع مطلقًا.
وشانئه لم يكن يشنئوه لشخصه، لأن شخصه كان محببًا إلى النفوس -كما يدل عليه تاريخه قبل الرسالة- وإنما كان الشانئون يشنئون ويمقتون ما جاء به من الهدى.
فهؤلاء هم الغارقون في الضلال، الخابطون في ظلام الجهل، فلا ريب في فساد أمرهم، وانقطاع أثرهم.
وقد حقق الله هذا الوعيد في شانئيه في زمنه - - من العرب وغيرهم.
فقد جرهم الخذلان إلى غاية الخسران، ولم يبق لهم إلا سوء الذكر لبعضهم والنسيان التام لبقيتهم..
بخلاف النبي ، ومن اهتدى بهديه، فإن ذكرهم لا يزال رفيعًا، وأثرهم لا يزال باقيًا في نفوس الصالحين.
وممن يشنأ ما جاء به ، ويدخل فيما يضمه معنى الأبتر، أولئك الذين يتركون كتاب الله الذي جاء به، ويتمسكون بالظنون وأقوال غير المعصومين دون نظر إلى ما تجر إليه من الانحراف عن سبيل جملة الدين القويم، ويجعلون الدين شيعًا وفوقًا بعد أن صرح الكتاب بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ .
ثم يعملون على ترويج ما ألصقوه أو ألصق أسلافهم بالدين من البدع وبيع العبادات، واتخاذ الوسائط والشفعاء، مما رمي بهم إلى ما وراء الصراط المستقيم.
فإذا ذكروا بالقرآن أو دعوا إليه، لووا رؤوسهم، وذكروا لك من قول القائلين ما يصادمون به كتاب الله، ويظنون أنهم به يؤمنون، فلا عجب أن ترى الغضب الإلهي يتبعهم في كل مكان، ويقذفهم من ذلة إلى مسكنة، ومن متلفة إلى مهلكة، وهم لا يشعرون، بل ينظرون إلى ما يحل بهم وهم ضاحكون لاهون ساخرون.
نعوذ بالله من الخذلان، ونستعين به على تقرير الإيمان.