الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الكافرون
تفسيرُ سورةِ الكافرون كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءة(الكافر): هو المعاند الجاحد الذي رأى ضياء الحق أغمض عينيه وإذا سمع الحرف من كلمته سد أذنيه..
ذلك الذي لا يبحث في دليل بعد عرضه عليه ولا يذعن لحجة إذا اخترقت فؤاده، بل يدفع جميع ذلك حبًا فيما وجد نفسه فيه مع الكثير ممن حوله، واستند في التمسك به إلى تقليد من سلفه.
فهذا الصنف هو الذي قال الله فيه: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ .
بعض هذا الصنف -بل الغالب من أفراده- يقول للداعي إلى الحق، أو يحدث نفسه ليلهيها عن فهمه: إلى ما يدعونا؟!
إلى الله؟
فنحن نعتقد به.
إلى توحيده؟
فنحن نوحده.
وغاية ما في الأمر نتخذ شفعاء إليه نسأله بحقهم عنده، أو بمكانتهم لديه..
إلى عبادته؟
فنحن نركع ونسجد له!
وغاية ما عندنا -زيادة على ذلك- أننا نعظم أولياءه وأهل الشفاعة عنده، ونتوسل إليهم ليتوسلوا إليه.
هذه وساوسهم وهذه أمانيهم، فأراد الله سبحانه أن يقطع العلاقة بينهم وبين ما عليه الداعي إلى الحق بأصرح ما يمكن أن يصرح به فقال له: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ : أي أن الإله الذي تزعمون أنكم تعبدونه ليس هو الذي أعبده لأنكم إنما تعبدون ذلك الذي يتخذ الشفعاء أو الولد، أو الذي يظهر في شخص، أو يتجلى في صورة معينة، أو نحو ذلك مما تزعمون.
وإنما أعبد إلهًا منزهًا عن جميع ما تصفون به إلهكم.
﴿ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾ أي أنكم لستم بعابدين إلهي الذي أدعو إليه، كما تزعمون.
فإنكم زعمتم أن الذي تعبدونه يتقرب إليه بتعظيم الوسائط لديه فتوسلتم بها إليه، وتعتقدون أنه يقبل توسطها عنده.
فهذا الذي تعبدونه ليس الذي أعبد، فلهذا لا تعبدون ما أعبد، بل تعصونه وتخالفون أمره.
ثم لما كانوا يظنون أن عبادتهم التي يؤدونها أمام شفعائهم، أو في المعابد التي أقاموها لهم وبأسمائهم، أو يؤدونها لله في المعابد الخاصة به، أو في خلواتهم -وهم على اعتقادهم بالشفعاء- عبادة لله خالصة، وأن النبي لا يفضلهم في شيء..
نفى أن تكون عبادته مماثلة لعبادتهم، وأن تكون عبادتهم مماثلة لعبادته فقال: ﴿ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ ﴾ .
فما هذه مصدرية، وليست بالموصولة مثل التي تقدمت، أي ولا أنا بعابد عبادتكم.
(ولا أنتم عابدون ما أعبد): أي ولا أنتم عابدون عبادتي.
فمفاد الجملتين الأوليين الاختلاف التام في المعبود.
ومفاد الجملتين الأخريين تمام الاختلاف في العبادة: فلا معبودنا واحد، ولا عبادتنا واحدة، لأن معبودي ذلك الإله الواحد المنزه عن الند والشفيع، المتعالي عن الظهور في شخص معين أو المحاباة لشعب أو واحد بعينه، الباسط فضله لكل من أخلص له، الآخذ قهرة بناصية كل من نابذ المبلغين الصادقين عنه.
والذي تعبدونه على خلاف ذلك..
وعبادتي مخلصة لله وحده، وعبادتكم مشوبة بالشرك، مصحوبة بالغفلة عن الله تعالى فلا تسمى على الحقيقة عبادة، فأين هي من عبادتي؟
﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ ﴾ دينكم مختص بكم لا يتعداكم إلي، فلا تظنوا أني عليه أو على شيء منه، (ولي دين) أي ديني هو دين خاص بي، وهو الذي أدعو إليه، ولا مشاركة بينه وبين ما أنتم عليه.
ولا يخفى أن هذا المعنى الذي بيناه، هو ما يهدي إليه أسلوب السورة الشريفة -خصوصًا هذه الآية الأخيرة (لكم دينكم ولي دين)- فإنها صريحة في أن المراد نفي الخلط المزعوم.
وما دلت عليه السورة هو ما دلت عليه آية ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ أي لا علاقة بينك وبينهم لا في المعبود ولا في العبادة.
وأما ما قيل من غير ذلك، فإن صح شيء مما ورد فيه، فأحمله على معناه مستقلًا عن معنى السورة، ولا تغتر بكل ما يقال.
فأفضل ما تفهم هو أقرب ما يفهم.
والله أعلم.