الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة النصر
تفسيرُ سورةِ النصر كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةالخطاب الذي يرد في كتاب الله مفردًا، تارة يكون للنبي خاصة كقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ﴾ ، وقد يكون لكل من يفهم الخطاب كقوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ ، وقد يكون خطابًا له مقصودًا به نفسه الشريفة مع من معه من أصحابه والمخلصين من أُمته.
ومن هذا الأخير ما جاء من الخطاب في سورة النصر.
كان المؤمنون أيام قلتهم وفقرهم وكثرة عدد عدوهم وقوته واشتداده عليهم ومضايقته لهم، يمر الضجر بنفوسهم، ويأخذ الحزن منها مأخذه.
وكان يحزن ويضيق صدره لما يكذبه قومه -والحق يسطع نوره وهم يعمون عنه- حتى قال الله له: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ وقال له: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ وقال بعد ذلك ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ ﴾ .
وجاء في غير ذلك من آيات الكتاب ما يدل على أن النبي وأصحابه كانوا يضجرون ويقلقون لشدة ما كانوا يلقون.
ولا يخفى ما في القلق والضجر من استبطاء نصر الله للحق الذي بعث به نبيه، بل فيه شيء من السهو عن وعد الله بتأييد دينه.
وليس ذلك من النقص الذي يعاب به ، فإن كل مخلوق لا يعلم من غيب الله ما يعلم الله، لا بد أن يمسه هذا الضجر، ويصيبه هذا القلق، وتأخذه الشدة بهذا النسيان حتى يكون الكمال لله وحده.
قال: ﴿ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ .
ولكن الله جل شأنه قد يعده على أقرب المقربين إليه، كما قالوا حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وقد يراه النبي -إذا رجع إلى نفسه، وخرج من غمرة الشدة- ذنبًا يتوب إلى الله ويستغفره منه.
ولهذا ورد له الأمر الإلهي بالاستغفار مما كان منه من حزن وضجر في أوقات الشدة ...
ورد له ذلك الأمر في صورة البشارة بقرب مجيء الفتح والنصر حيث قال ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ فعبر بإذا المفيدة لتحقيق وقوع ما يضاف إليه، أي عندما ترى نصر الله لدينه الحق على الباطل، ويفتح الله بينك وبين قومك، فيجعل لك الغلبة عليهم، ويضعف أمرهم في التمسك بعقائدهم الباطلة.
(ورأيت الناس) عند ذلك (يدخلون في دين الله)، وهو دينك الذي جئتهم به لزوال ذلك الغطاء الذي كان يحول بينهم وبينه، وهو غطاء قوة الباطل فيقبلون عليه (أفواجًا): أي طوائف وجماعات لا آحادًا كما كان ذلك في بدء الأمر أيام الشدة.
إذا حصل ذلك كله -وهو لا ريب حاصل- (فسبح بحمد ربك): أي فنزه ربك عن أن يهمل الحق ويدعه للباطل يأكله، وعن أن يخلف وعده في تأييده، وليكن هذا التنزيه بواسطة حمده والثناء عليه بأنه القادر الذي لا يغلبه غالب، والحكيم الذي إذا أمهل الكافرين ليمتحن قلوب المؤمنين، فلن يضيع أجر العاملين، ولا يصلح عمل المفسدين والبصير بما في قلوب المخلصين والمنافقين، فلا يذهب عليه رياء المرائين.
(واستغفره): أي اسأله أن يغفر لك ولأصحابك ما كان من القلق والضجر والحزن لتأخر زمن النصر والفتح.
والاستغفار إنما يكون بالتوبة الخالصة.
والتوبة من القلق إنما تكون بتكميل الثقة بوعد الله وتغليب هذه الثقة على خواطر النفس التي تحدثها الشدائد.
وهو -وإن كان مما يشق على نفوس البشر- ولكن الله علم أن نفس نبيه قد تبلغ ذلك الكمال، فلذلك أمره به، وكذلك تقاربه قلوب الكُمَّل من أصحابه وأتباعه ، والله يتقبل ذلك منهم.
(إنه كان توابًا) أي إنه سبحانه لا يزال يوصف بأنه كثير القبول للتوبة لأنه رب يربي النفوس بالمحن، فإذا وجدت الضعف أنهضها إلى طلب القوة، وشدد هممها بحسن الوعد: ولا يزال بها حتى تبلغ الكمال.
وهي في كل منزلة تتوب عن التي قبلها، وهو سبحانه يقبل توبتها فهو التّواب الرحيم.
وكأن الله يقول إذا حصل الفتح وتحقق النصر، وأقبل الناس على الدين الحق، فقد ارتفع الخوف، وزال موجب الحزن، فلم يبق إلا تسبيح الله وشكره، والنزوع إليه عما كان من خواطر النفس، فلن تعود الشدة تأخذ نفوس المخلصين ما داموا على تلك الكثرة في ذلك الإخلاص.
ومن هذا أخذ النبي أن الأمر قد تم، ولم يبق له إلا أن يسير إلى ربه فقال -فيما روي عنه- "إنه قد نعيت إليه نفسه" والله أعلم.