تفسير محمد عبده سورة الإخلاص

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الإخلاص

تفسيرُ سورةِ الإخلاص كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

تفسير سورة الإخلاص كاملةً (محمد عبده)

قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ٣ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدٌۢ ٤

"سورة الإخلاص" وهي سورة ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ  ﴾ تشتمل على أهم الأركان التي قامت عليها رسالة النبي  وهي ثلاثة: الأول: توحيد الله وتنزيهه.

والثاني: تقرير الحدود العامة للأعمال ببيان الصالحات وما يقابلها وذلك هو الشريعة.

والثالث: أحوال النفس بعد الموت من البعث وملاقاة الجزاء من ثواب وعقاب.

وأول هذه الأركان هو التوحيد والتنزيه لإخراج العرب وغيرهم من الشرك والتشبيه، وهو ركن الأركان، وأول مأمور به من أصول الإيمان ..

فيصح أن يكون الأمر بتبليغ ما في هذه السورة صادرًا من الحق جل شأنه تحقيقًا لأمر رسالته  ، ولإرشاد الناس إلى ما يجب أن يعتقدوه في جانب الله.

ولا حاجة إلى أن يسأل بعض العرب النبي  : ما هو نسب الله؟

حتى تنزل السورة جوابًا لهذا السؤال.

وإنما حاجة القوم -بل العالم الإنساني- كانت ماسة إلى بعثة النبي  لدعوة المشركين في العرب وأهل الكتاب في سورة واحدة وتعريفهم بالله في أوجز عبارة وأجزلها.

ولما بينا لا يستغرب ما ورد في الخبر من أنها تعدل ثلث القرآن، لأن من عرف معناها حق المعرفة، وأدرك ما أشارت إليه صاحب البصيرة المستنيرة -لم يكن بقية ما جاء في التوحيد والتنزيه عنده إلا تفصيلًا لما علم، وشرحًا لما حصل.

(قل هو): أي الخبر الحق المؤيد بالبرهان الذي لا يرتاب فيه.

وهو ما يعبر عنه النحويون بالقصة أو الحديث (الله أحد).

الأحد: هو الواحد الذي لا كثرة في ذاته فهو ليس بمركب من جواهر مختلفة، فليس بمادي، ولا هو من أُصول متعددة غير مادية، كما يزعم بعض أرباب الأديان -من أنه أصلان فاعلان أو أنه أصول تعتبر واحدًا وهي متعددة- سواء عقل ذلك أم لم يعقل ..

فإن الله بريء منه، لأن العقلاء أجمعت على أن موجد العالم -وهو الله- واجب الوجود.

ووجوب الوجود يستلزم ببداهة العقل وحدة الذات، لأن التعدد في الذات مستلزم لافتقار المجموع إلى الأجزاء، فلا يكون المجموع -المسمى بالله أو موجد العالم- واجب الوجود.

وكذلك الأفراد نفسها لا يكون كل واحد واجب الوجوب لأنه يختلف عن الآخر بمميزه، وذلك المميز غير ما يشتركان فيه من الوجود، فيكون كل منها مركبًا، والمركب غير واجب كما ذكرنا.

فلم يبق إلا أن يكون واجب الوجود واحدًا - فالله أحد.

ثم إن جميع ما يصل إليه عقلنا وحواسنا من هذا العالم يدخل في نظام واحد يرتبط بعضه ببعض تمام الارتباط، وهو يدل على أن موجده واحد، وتعدد الأصول فيه من مخترعات الأوهام، فيجب أن يخلص العقل منها.

ونكر الخبر أن المقصود أن يخبر عن الله بأنه واحد لا بأنه لا واحد سواه.

فإن الوحدة تكون لكل واحد، تقول: لا أحد في الدار بمعنى لا واحد من الناس فيها.

والذي كان يزعمه المخاطبون هو التعدد في ذاته، فأراد نفي ذلك بأنه أحد.

وهو تقرير لخلاف ما يعتقد به أهل الأصلين من المجوس، وما يعتقده القائلون بالثلاثة منهم ومن غيرهم.

﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ  ﴾ .

الصمد: هو السيد الذي يصمد إليه ويقصد في الحوائج ..

قال الشاعر: لقد بكر الناعي بخير بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد وهذه القضية (الله الصمد) من الكلمات الجامعة التي تملأ النفس مما قصد بها دون جهد ولا تعب ..

لأن تعريف الصمد -مع العلم بأن لفظ الجلالة معرفة- صير الجملة معرفة الطرفين.

وهي تفيد الحصر، كما تقول: زيد العالم -إذا كان مخاطبك يعتقد أن غيره يشاركه في العلم- فتدفع ظنه بذلك، تريد أنه لا عالم سواه.

فهذه الآية تقول لك: إن حاجة ما في الوجود لا تتوجه إلى غيره، وإن محتاجًا لا يجوز له أن يتوجه في طلب حاجته إلى سواه.

فقد أفادتنا أن جميع المسببات تنتهي إليه، وجميع ما يسري فيها من الوجود فهو من إيجاده، وأن صاحب الاختيار، كالإنسان، إذا أراد أن يحصل مسببًا من سبب فعليه أن يبحث عن طريقة ارتباطه به -على حسب ما أمره الله بالبحث والنظر والتدبر في مخلوقاته- ليعلم كيف يسري الوجود الموهوب من واجب الوجود من الأسباب إلى المسببات، ثم يذهب بها يسندها إلى مبدئها، وهو الأمر الإلهي.

هذا فيما يظهر فيه السبب والمسبب، ويظهر فيه أثر الكسب وعمل الإرادة والقوى الممنوحة البشرية.

أما ما هو وراء ذلك مما لا دخل للإرادة فيه، فعلى صاحب الحاجة أن لا يتوجه في المعونة عليها -بعد الأخذ بالأسباب- إلا إلى الله وحده، فهو المستأثر بالعمل فيما وراء ما جعل لك فيه عملًا.

وقوله: الصمد يشعر بأنه الذي ينتهي إليه الطلب مباشرة بدون واسطة ولا شفيع، وهو في ذلك يدعو إلى ما يخالف عقيدة مشركي العرب الذين يعتقدون بالوسائط والشفعاء.

وكثير من أهل الأديان الأخر يعتقدون بأن لرؤسائهم منزلة عند الله ينالون بها التوسط لغيرهم في نيل مبتغياتهم فيلجأون إليهم أحياء أو أمواتًا، ويقومون بين أيديهم أو عند قبورهم خاشعين خاضعين، كما يخشعون لله بل أشد خشية.

ثم هو الصمد في تحديد الحدود العامة للأعمال، ووضع أصول الشرائع.

فلا بد أن يرد إلى ما أنزل جميع ما يقع الاختلاف فيه، وليس من المباح أن يرجع إلى قول غيره متى نطق صريح كتابه بخلافه.

وعلى الناس كافة أن يرجعوا إلى الكتاب، فإذا لم يكونوا عارفين به رجعوا إلى العارف وطالبوه بالدليل منه.

وعليهم أن يهتموا بأن يعرفوا منه أصول ما يعتقدون وما يعلمون، فإن لم يفعلوا اختلفت الآراء، وحجبت المذاهب كتاب الله، فدرس معناه، وذهبت الحكمة من إنزاله عبثًا لتعلق الناس بقول غير المعصوم، وعما هم عن هدى المعصوم، فكانوا بمنزلة من لم تأتهم رسالة، وإنما يعملون بما يقول لهم زعماؤهم الذين لا يجدون دليلًا على امتيازهم بالزعامة، فيكونون مستمسكين بما لم ينزل به الله سلطانًا فيسقطون في مهاوي الشقاء الدنيوي والأخروي.

(لم يلد ولم يولد): ينزه الله عن أن يلد أحدًا، ويشير إلى أن فساد رأي القائلين بأن له أبنًا أو بنات -وهم مشركو العرب والهند والنصارى وغيرهم- ويبين لهم أن الإبنية تستلزم الولادة -والتعبير بالانبثاق ونحوه لا يغير المعنى- والولادة إنما تكون من الحي الذي له مزاج، وما له مزاج فهو مركب ونهايته إلى انحلال وفناء، وهو -جل شأنه- منزه عن ذلك.

وقوله: (لم يولد) يصرح ببطلان ما يزعمه بعض أرباب الأديان من أن ابنًا لله يكون إلهًا ويعبد عبادة الإله، ويقصد فيما يقصد فيه الإله ..

بل لا يستحي الغالون منهم، أن يعبروا عن والدته "بأم الله القادرة".

فإن المولود حادث، ولا يكون إلا بمزاج، وهو لا يسلم من عاقبة الفناء.

ودعوى أنه أزالي مع أبيه مما لا يمكن تعقله ولا تغير من حقيقة الأمر شيئًا.

فإذا أراد أحد من هؤلاء أن يدعي التنزيه، فما عليه إلا أن يقلع عن هذه الألفاظ والنسب ويقول كما نقول: ﴿ اللَّهُ أَحَدٌ  اللَّهُ الصَّمَدُ  لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  ﴾ الكفوء: معناه المكافئ والمماثل في العمل والقدرة.

وهو نفي لما يعتقده بعض المبطلين من أن لله ندًا في أفعاله يعاكسه في أعماله، على نحو ما يعتقد بعض الوثنيين في الشيطان مثلًا ..

فقد نفى بهذه السورة جميع أنواع الإشراك، وقرر جميع أصول التوحيد والتنزيه.

وأصل تركيب الآية ولم يكن أحد كفؤًا له.

ولكن قدم المجرور لأن الحديث عن الله، وأشد الاهتمام إنما هو بتنزيهه، فقدم ضميره مع الجار في حيز الكون المنفي، ثم قدم المنفي نفسه -وهو الكفوء- لأن العناية موجهة إلى نفيه، وأخر من سلبت عنه المكافأة لأنه لم يؤت به في الكلام إلا لقصد تعميم النفي فقط ..

وإلا فقد كان يكفي أن يقال: وليس له كفوء.

ولكن العبارة على ما في الآية أبين وأجمل ..

والله أعلم.

وقد قال الله في تفصيل ما أجملته هذه السورة: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا  لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا  تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا  أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا  وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا  إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا  لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا  وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا  ﴾ .

وقال: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ  لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ وقال: ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ  سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ  ﴾ .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده