الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الفلق
تفسيرُ سورةِ الفلق كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءة(الفلق).
قيل: هو الصبح.
وربه: هو الله الذي وضع نظام الكواكب على أن يكون في الأرض ليل يغمر الأرض بظلمته، ثم يكون صبح فيفلق هذا الظلام ويفرج كربه عن الأنام.
وقال جمع من المفسرين: إن الفلق هو الموجود الممكن كله.
وربه هو خالقه الذي شق ظلمة العدم عنه.
ومن كان رب الوجود كله، أو رب الصبح ولا يمكن أن يأتي بالصبح سواه - فهو جدير بأن يتعوذ به ويلجأ إليه وحده دون سواه.
(من شر ما خلق): أي من كل شر وأذى يصيبك من أي شيء خلقه.
إن الله خلق الخلق لما لا نعلمه من الحكمة وقد يقفنا على حكمته في بعض خلقه.
وقد خلق كل مخلوق ليصيب من الوجود الحظ الذي قدره له، ووهبه كل ما يتم به ذلك الحظ المقدر فكل مخلوق فهو خير في نفسه لأنه أخذ مكانه من الوجود، وهو الحق الذي لا يمكن أن يزحزح عنه.
وإنما الشرور التي تعرض أمور نسبية، فما هو شر بالنسبة إليك خير لكائن آخر.
يأكلك السبع فتألم وتموت، ويحزن لك الأقارب والأصدقاء، ويحرم سعيك الأولاد والفقراء، فكل ذلك أذى وشر بالنسبة إليك وإليهم، ولكنه خير بالنسبة إلى السبع، وتكميل لحظة.
ولهذا أضاف الشر إلى ما خلق لأن الشر إنما يأتي بمراعاة تلك الإضافة.
أما أفعال الله في نفسها فكل منها خير في نفسه، كما بينا.
وهذا هو الذي يصح الاستعاذة بالله منه، والاستعانة به على أن يخلصك من أذاه.
فأنت تلجأ إلى الله أن يقيك الوقوع في نسبة مع مخلوق آخر يصيبك أذى في تلك النسبة، كأن لا يخلى بينك وبين الأسد، أو لا يدعه ينتبه إليك، أو يقدرك على دفعه..
وهكذا.
ثم خصص بعض ما خلق لكثرة ما يقع الشر فيه مع غلبة الضعف عن دفعه، فقال: ﴿ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾ أصل المعنى في مادة غسق السيلان والانصباب وأصل الوقب النقرة في الجبل ونحوه.
ووقب بمعنى دخل دخولًا لم يترك شيئًا إلا مر به.
والمراد من الغاسق هنا الليل، ووقب أي دخل وغمر كل شيء، كأنما انصب عليه، واشتدت ظلمته.
فإنه في هذا الحالة خوف موضع لأن يدهمك وأنت لا تدري كيف تخلص منه: فإن كنت بصدد سفر ضللت الطريق ولا تدري كيف تهتدي، وإن كنت في خصام مع عدو فقد يكون الظلام أشد أعوانه عليك.
ولا حاجة لتعديد ما في الظلام من أطوار الشر، فذلك مما لا يكاد يخفى على أحد من البشر.
فكان جديرًا أن يخص بالاستعاذة من شره بربه سبحانه، فهو القادر على الكفاية منه.
ثم خص مخلوقات أخر لظهور ضررها وعسر الاحتياط منه، فلا بد من الفزع إلى الله والاستنجاد بقدرته الشاملة على دفع شرها، فقال ﴿ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ﴾ .
(العقد): ما تعرفه في الخيط والحبل جمع عقدة، ثم تستعمل العقدة في كل ما ربط وأحكم ربطه.
ولذلك سمى الله الارتباط الشرعي بين الزوجين عقدة النكاح.
وسمي الإيجاب والقبول في البيع ونحوه عقدًا، ونسميه عقدة أيضًا.
(والنفث): النفخ الخفيف أو النفخ مع شيء من الريق.
و (النفاثة) من صيغ المبالغة، كالعلامة والفهامة.
ويستعمل كذلك للذكر والأنثى.
(النفاثات) جمعه.
والمراد بهم هنا النمامون، المقطعون لروابط الألفة، المحرقون لها بما يلقون عليها من ضرام دمائمهم.
وإنما جاءت العبارة كما في الآية لأن الله جل شأنه أراد أن يشبههم بأولئك السحرة المشعوذين الذين إذا أرادوا أن يحلوا عقدة المحبة بين المرء وزوجه -مثلًا فيما يوهمون به العامة- عقدوا عقدة، ثم نفثوا فيها وحلوها ليكون ذلك حلًا للعقدة التي بين الزوجين.
والنميمة تشبه أن تكون ضربًا من السحر، لأنها تحول ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة بوسيلة خفية كاذبة.
والنميمة تضلل وجدان الصديقين كما يضلل الليل من يسير فيه بظلمته، ولهذا ذكرها عقب ذكر الغاسق إذا وقب.
ولا يسهل على أحد أن يحتاط للتحفظ من النمام، فإنه يذكر عنك ما يذكر لصاحبك، وأنت لا تعلم ماذا يقول ولا ما يمكن أن يقول.
وإذا جاءك فربما دخل عليك بما يشبه الصدق حتى لا يكاد يمكنك تكذيبه، فلا بد لك من قوة أعظم من قوتك تستعين بها عليه، وهي قوة الله.
وقد رووا ههنا أحاديث في أن النبي سحره لبيد بن الأعصم وأثر سحره فيه حتى كان يخيل له أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله أو يأتي شيئًا وهو لا يأتيه، وأن الله أنبأه بذلك، وأُخرجت مواد السحر من بئر وعوفي مما كان نزل به من ذلك ونزلت هذه السورة.
ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه ، حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه يفعل شيئًا وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل، آخذ بالروح، وهو مما يصدق قول المشركين فيه: (إن تتبعون إلا رجلًا مسحورًا).
وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله، وخيل له أن شيئًا يقع وهو لا يقع، فيخيل إليه أنه يوحي إليه ولا يوحى إليه.
وقد قال كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة ولا ما يجب لها: إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بدع المبتدعين لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر.
فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح والحق الصريح في نظر المقلد بدعة!
نعوذ بالله!
يحتج بالقرآن على ثبوت السحر، ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه وعده من افتراء المشركين عليه، ويؤول في هذه ولا يؤول في تلك!
مع أن الذي قصده المشركون ظاهر، لأنهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه ، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم، وضرب من ضروبه.
وهو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد، فإنه قد خالط عقله وإدراكه في زعمهم.
والذي يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به، وأنه كتاب الله بالتواتر عن المعصوم ، فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته وعدم الاعتقاد بما ينفيه.
وقد جاء ينفي السحر عنه حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه ووبخهم على زعمهم هذا.
فإذن هو ليس بمسحور قطعًا.
وأما الحديث -على فرض صحته- فهو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد، وعصمة النبي من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد لا يؤخذ في نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجووز أن يؤخذ فيها بالظن والمظنون.
على أن الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنما يُحَصِّل الظن عند من صح عنده.
أما من قامت له الأدلة على أنه غير صحيح، فلا تقوم به عليه حجة.
وعلى أي حال فلنا بل علينا أن نفوض الأمر في الحديث ولا نحكمه في عقيدتنا ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل فإنه إذا خولط النبي في عقله -كما زعموا- جاز عليه أن يظن أنه بلّغ شيئًا وهو لم يبلّغه أو أن شيئًا نزل عليه وهو لم ينزل عليه.
والأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان..
ثم إن نفي السحر عنه لا يستلزم نفي السحر مطلقًا.
فربما جاز أن يصيب السحر غيره بالجنون نفسه، ولكن من المحال أن يصيبه لأن الله عصمه منه.
ما أضر المحب الجاهل!
وما أشد خطره على من يظن أنه يحبه!
نعوذ بالله من الخذلان.
على أن نافي السحر بالمرة لا يجوز أن يعد مبتدعًا لأن الله تعالى ذكر ما يعتقد به المؤمنون في قوله: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ ﴾ الآية، وفي غيرها من الآيات.
وردت الأوامر بما يجب على المسلم أن يؤمن به حتى يكون مسلمًا، ولم يأت في شيء من ذلك ذكر السحر على أنه مما يجب الإيمان بثبوته أو وقوعه على الوجه الذي يعتقد به الوثنيون في كل ملة.
بل الذي ورد في الصحيح هو أن تعلم السحر كفر.
فقد طلب منا أن لا ننظر بالمرة فيما يعرف عند الناس بالسحر ويسمى باسمه.
وجاء ذكر السحر في القرآن في مواضع مختلفة، وليس من الواجب أن نفهم منه ما يفهم هؤلاء العميان.
فإن السحر في اللغة معناه صرف الشيء عن حقيقته.
قال الفراء في قوله تعالى ﴿ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ ﴾ : أي أن تؤفكون وتصرفون.
سحره وأفكه بمعنى واحد.
وماذا علينا لو فهمنا من السحر الذي يفرق بين المرء وزوجه، تلك الطرق الخبيثة الدقيقة التي تصرف الزوج عن زوجته والزوجة عن زوجها؟
وهل يبعد أن يكون مثل هذا الطرق مما يتعلم وتطلب له الأساتذة، ونحن نرى كتبًا ألفت ودروسًا تلقى لتعليم أساليب التفريق بين الناس لمن يريد أن يكون من عمال السياسة في بعض الحكومات؟
وقد يكون ذكر المرء وزوجه من قبيل التمثيل، وإظهار الأمر في أقبح صورة: أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من ضروب الحيل وطرق الإفساد، أن يتمكنوا به من التفريق بين المرء وزوجه.
وسياق الآية لا يأباه، وذكر الشياطين لا يمنعنا من ذلك بعد أن سمى الله خبثاء الإنس المنافقين بالشياطين.
قال: ﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ﴾ .
وقال: ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ ، وسحر فرعون كان ضربًا من الحيلة، ولذلك قال: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾ ، وما قال إنها تسعى بسحرهم.
قال يونس: تقول العرب ما سحرك عن وجه كذا، أي ما صرفك عنه؟
ولو كان هؤلاء يقدرون الكتاب قدرة، ويعرفون من اللغة ما يكفي لعاقل أن يتكلم، ما هذروا هذا الهذر، ولا وصموا الإسلام بهذه الوصمة..
وكيف يصح أن تكون هذه السورة نزلت في سحر النبي مع أنها مكية -في قول عطاء والحسن وجابر وفي رواية ابن كريب عن ابن عباس- وما يزعمونه من السحر إنما وقع في المدينة؟!
لكن من تعود القول بالمحال لا يمكن الكلام معه بحال..
نعوذ بالله من الخبال.
(ومن شر حاسد إذا حسد): الحاسد الذي يتمنى زوال نعمة محسوده، ولا يرضى أن تتجدد له نعمة.
وهو -إذا حسد، أي أنفذ حسده وحققه بالسعي والجد في إزالة نعمة من يحسده- من أشد خلق الله أذى، ومن أخفاهم حيلة، وأدقهم وسيلة.
وليس في طاقة محسوده إرضاؤه بوجه، ولا في استطاعته الوقوف على ما يدبره من المكايد، فلا ملجأ منه إلا إلى الله وحده، فهو القادر على كف أذاه، وإحباط سعيه، وقانا الله شر الحاسدين وكف عنا كيد الكائدين.
والله أعلم.