تفسير سورة التكوير الآيات ١-٢٩ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 81 التكوير > الآيات ١-٢٩

إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ ١ وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ ٢ وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ ٣ وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ ٤ وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ ٥ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ ٦ وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ ٧ وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ ٨ بِأَىِّ ذَنۢبٍۢ قُتِلَتْ ٩ وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ ١٠ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ ١١ وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ١٢ وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ١٣ عَلِمَتْ نَفْسٌۭ مَّآ أَحْضَرَتْ ١٤ فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ١٥ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ ١٦ وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ١٧ وَٱلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ١٨ إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍۢ كَرِيمٍۢ ١٩ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍۢ ٢٠ مُّطَاعٍۢ ثَمَّ أَمِينٍۢ ٢١ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍۢ ٢٢ وَلَقَدْ رَءَاهُ بِٱلْأُفُقِ ٱلْمُبِينِ ٢٣ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍۢ ٢٤ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَـٰنٍۢ رَّجِيمٍۢ ٢٥ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ٢٦ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ لِّلْعَـٰلَمِينَ ٢٧ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ٢٨ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 15 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

ابتدأ سبحانه بذكر يوم القيامة بما يكون فيه من الحوادث، ليعظم شأنه، ويفخم هوله.

ويقول في ذلك اليوم تعلم كل نفس ما أحضرته من أعمالها، أي يتبين لها ما كان منها من خير أو شر، ويذهب الالتباس الذي كان يغر المغرورين، وينكشف الغطاء عن تلبيس المرائين، ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه  وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه  ﴾ .

والحوادث التي تقع من أول يوم القيامة إلى ساعة الحساب -على ما هو مذكور في هذه السورة- هي: أولًا، تكوير الشمس، وتكويرها دهورتها وسقوطها، وذلك عند خراب العالم الذي يعيش فيه الحي حياته الدنيا، فإن عالمه الآخر الذي ينقلب إليه لا يبقى فيه شيء من هذه الأجرام.

فالشمس تسقط ويمحى ضوؤها، وثانيًا: انكدار النجوم، وهو تناثرها وانقضاضها حتى تذهب ويمحى لألاؤها.

يقال انكدر عليهم القوم إذا جاءوا أرسالًا حتى ينصبوا عليهم.

وتسيير الجبال: يكون عند الرجفة التي تزلزل الأرض، فتقطع أوصالها، وتفصل منها جبالها، فتسير مقذوفة في الفضاء، وقد تمر على الرؤوس مر السحاب.

وهذه الحوادث تقع متى جاء الأجل، واقتضت الحكمة الإلهية أن تخرب الأرض ويتبدل نظام هذا الكون الحاضر بالنظام الذي يستقر عليه أمره بعد ذلك الاضطراب.

ولا ريب في أنه إذا كورت الشمس وتناثرت الكواكب وأرجفت الأرض حتى انفصلت عنها جبالها كان الخوف عظيمًا والعرب عميمًا.

فمن كان حيًا إذ ذاك غشيه من أمر نفسه ما يذهله عن أفضل ما له لديه، فتعطل (العشار) وهي جمع عشراء بضم العين وفتح الشين، وهي النياق إذا مضى على حملها عشرة أشهر حتى تلد، وهي أكرم مال كان عند المخاطبين، فيهملونها ويدعونها تذهب حيث شاءت، لعظم الهول وشدة الكرب.

قيل إن تعطيل العشار حقيقي، لأنه حكاية الحال في بداية الخراب.

والناس والحيوان لا يزالون أحياء فيصيبهم ما يصيبهم ثم يهلكون.

ويدل عليه قوله بعد ذلك (وإذا الوحوش حشرت) وحشر الوحوش إما جمعها لاستيلاء الرعب عليها وخروجها من أحجارها وأوكارها ونسيانها ما كانت تخافه، فتفر منه فتحشر هائمة لا يخشى بعضها بعضًا، ولا يخشى جميعها سطوة الإنسان.

وقيل حشر الوحوش موتها وهلاكها.

يقال: إذا أجحفت السنة بالقحط والجدب وأضرت بالناس، حشرتهم السنة، أي أهلكتهم.

وهلاكها من هول ذلك الحادث الأعظم.

وقال القرطبي: إن تعطيل العشار تمثيل لشدة الكرب، وإلا فلا عشار ولا تعطيل.

كأنه قال بعد ذكر ما سبق من تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال: "وكان من هول هذه الحوادث ما يصرف حاضرها عن أكرم الأشياء عليه، حتى لو كان عنده عشار لعطلها وأهملها".

وقيد قيل في حشر الوحوش إنه جمعها يوم القيامة للحساب، وهو ضعيف بعيد، لأن الكلام الآن في حوادث التخريب قبل البعث بالفعل.

وأول الكلام في البعث قوله: (وإذا النفوس زوجت).

أما تسجير البحار فهو أن يفجر الزلزال ما بينها حتى تختلط وتعود بحرًا وحدًا، وهو بمعنى الملء، فإن كل واحد منها يمتلئ حتى يفيض ويختلط بالآخر.

وتسجير البحار على هذا المعنى لازم لما سبقه من تقطع أوصال الأرض وانفصال الجبال.

ويدل على رجحان هذا التأويل ظاهر قوله تعالى في سورة الانفطار (وإذا البحار فجرت).

وقد يكون تسجيرها إضرامها نارًا، فإن ما في بطن الأرض من النار يظهر إذ ذاك بتشققها وتمزق طبقاتها العليا.

أما الماء فيذهب عند ذلك بخارًا ولا يبقى في البحار إلا النار، أما كون باطن الأرض يحتوي على نار فقد ورد به بعض الأخبار، ورد أن البحر غطاء جهنم، وإن لم يعرف في صحيحها، ولكن البحث العلمي أثبت ذلك، ويشهد عليه غليان البراكين -وهي جبال النار- كما تشهد عليه الزلازل الشديدة التي تشق الأرض والجبال في بعض الأطراف كما وقع في (جاوا) من عدة سنوات، فإن آثار النار في بطن الأرض قد ظهرت فيها ظهورًا لا شبهة تطرأ على الذهن بعده.

وبعد أن عدد ما يحدث من مقدمات الفناء، وبطلان الحياة في الأرض، وامتناع المعيشة فيها، أخذ يذكر ما يكون بعد ذلك من البعث والنشور، وما يأتي بعده فقال (وإذا النفوس زوجت)، أي زوجت الأرواح بأبدانها، وهي النشأة الآخرة.

وفي الآية ما يشعر بأن النفوس كانت باقية من يوم الموت المعتاد إلى يوم المعاد، وإنما تزوج بالبدن بعد أن كانت منفردة عنه.

وبعد البعث يكون الشروع في الحساب.

ومنه أن يؤتى بالموءودة فتسأل بين يدي وائدها عن السبب الذي قتلت لأجله ليكون الجواب أشد وقعًا على الوائد، فإنها ستجيب أنها قتلت بلا ذنب جنته.

وذلك أن الوأد هو دفن البنت في صغرها حية.

وكان عادة من أشنع العوائد فاشية في العرب أيام الجاهلية.

وكان لهم في ذلك تفنن.

فمنهم من كان إذا ولدت له بنت وأراد أن يستحييها ولا يقتلها أمسكها مهانة إلى أن تقدر على الرعي ثم ألبسها جبة من صوف أو شعر وأرسلها في البادية ترعى له أبله.

وإن أراد أن يقتلها تركها حتى إذا كانت سداسية قال لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض.

وعند بعضهم كانت الوالدة إذا جاءها المخاض حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة.

فإذا ولدت بنتًا رمت بها فيها، وإن ولدت ابنًا حبسته.

فانظر إلى هذه القسوة، وغلظ القلب، وقتل البنات البريئات بغير ذنب سوى خوف الفقر أو العار- كيف استبدلت بالرحمة والرأفة بعد أن خالط الإسلام قلوب العرب.

فما أعظم نعمة الإسلام على الإنسانية بأسرها بمحوه هذه العادة القبيحة!

الصحف التي تنشر يوم القيامة بعد البعث هي صحف الأعمال.

والذي يجب علينا اعتقاده أن أعمال العباد تظهر لهم ثابتة مبينة لا يرتابون فيها يوم الجزاء.

ويعبر عن معنى ذلك الثبوت والبيان بنشر صحف الأعمال، أما كون الصحف على مثال الأوراق التي نكتب عليها في الدنيا أو على مثال الألواح أو ما يشبه ذلك مما جرى استعماله للكتابة عليه، فذلك مما لم يصل علمنا إليه، ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرو عن المعصوم  فيه نص قاطع.

وكشط السماء: إزالتها كما يكشط الجلد عن الذبيحة، أي وإذا السماء كشفت وطويت ولم يبق هناك شيء يسمى سماء أو غطاء.

وهذا إنما يكون بخلو ذلك العالم الجديد من الكواكب، بل بخلوه مما يطلق عليه في الدنيا اسم الأعلى والأسفل.

(والجحيم) جهنم التي يعاقب بالعذاب فيها أهل الكفر والطغيان.

(وتسعيرها) إيقادها إيقادًا شديدًا.

والواجب على المؤمن أن يعلم أن هناك نارًا للعذاب اسمها جهنم، وأنها تسعر وتوقد على المعنى الذي يريده اللَّه، أي أن ألم من قضي عليه بالدخول فيها من أشد الآلام التي تحدث عن إمساس النيران للأجسام الحية.

أما كون الإيقاد بالحطب أو الفحم الحجري أو الخشبي أو ما أشبه ذلك مما هو معروف عندنا في حياتنا هذه، فذلك غير واجب أن يعتقد به.

وإزلاف الجنة إدناؤها وتقريبها من المتقين، كقوله تعالى: ﴿ وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ  ﴾ .

والجنة دار الثواب كما هو معروف.

وقوله ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ  ﴾ جواب لجميع ما سبق من الشروط.

والمقصود، كما قدمنا، أن ذلك يكون يوم القيامة، وهو ممتد من تكوير الشمس وما بعده إلى أن يرى أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.

وليس يلزم من ذلك أن علم النفس بما جاءت به أعمالها يبتدئ من أول جزء منه، بل إنما يكون بعد البعث ونشر الصحف.

وقد أورد الجواب على هذا الأسلوب، ولم يأت بلفظ يفيد التعميم كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا  ﴾ .

وإن كان المعنى ههنا عليه ليفيد ما أراده من وجه أبلغ على ما جرت به عادتهم في الخطاب عند إرادة التهويل، فإن التقليل في مقام التهويل إنما يؤتى به للمبالغة في التكثير، كما في قوله تعالى: ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ  ﴾ .

ومعناه المقصود: كم يود.

وكما يقول قائد لمن سأله: كم عندك من الفرسان؟

رب فارس عندي.

أو لا تعدم عندي فارسًا.

وهو يريد أن ما عنده من الفرسان كثير لا يحصيه، ولا يريد أن يتزيد به.

فإن قال قائل: لم جيء بذكر كشط السماء بعد ذكر البعث ونشر الصحف وشيء من الحساب، وقبل ذكر تسعير الجحيم وإزلاف الجنة- وكان من حق كشط السماء أن يذكر في حوادث التخريب بعد انكدار النجوم؟

قلنا: هذا يدل على أن كشط السماء ههنا لا يقصد منه تخريب العالم العلوي كما قال: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ  ﴾ فإن هذا قد تقدم في تكوير الشمس وانكدار النجوم، وإنما يقصد الغطاء والحجاب الذي يعلوك فلا تبصر ما وراءه.

وقد فصل في هذه السورة ما أجمله في سورة "ق" عند بيان ما يسبق الحساب، فقد قال هناك: (ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد) وقال هنا ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ  ﴾ إلى آخر قوله: ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ  ﴾ .

وفصل هناك في بيان الحساب ما أجمله في هذه السورة، فإنه اكتفى منه هنا بذكر سؤال الموءودة ونشر الصحف وكشط السماء، وقال هناك: ﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ  لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ  وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ  أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ  ﴾ .

وهو في مقابلة قوله هنا: ﴿ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ  ﴾ ، ثم ذكر ست آيات فيما يتعلق بأهل جهنم، وقال بعدها: ﴿ وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ  ﴾ .

وأتبع ذلك بوصف حال أهل الجنة في آيات كثيرة أيضًا- فهذا يدلك على أن كشف الغطاء هناك هو كشط السماء هنا، وكل من السورتين تفسر الأخرى.

ما أجمل هناك فصل هنا، وما أجمل هنا فصل هناك.

وأنه بكشف الغطاء أو كشط السماء يظهر لكل نفس عملها، وتقوم عليها شهودها، فتبصر ما لم تكن تبصره من قبل، ثم ترى ما أعد لها من جنة أو نار..

فسبحان من أودع في كتابه ما يهدينا إلى لبابه.

(فلا أقسم) عبارة من عبارات العرب في القسم يراد بها تأكيد الخبر، كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم.

ويقال إنه يؤتى بها في القسم إذا أريد تعظيم المقسم به.

كأن القائل يقول: إني لا أعظمه بالقسم، لأنه عظيم في نفسه.

والمعنى في كل حال على القسم.

وقال تعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ  وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ  إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ  ﴾ إلخ..

و(الخنس) جمع خانسة، من خنس إذا رجع.

و(الكنس) جمع كانسة، من كنس الظبي إذا استتر في كناسه، وهو موضع في الشجر يأوي إليه من شدة الحر أو غيرها و(الجواري): جمع جارية من الجري.

(الخنس، الجواري الكنس).

قيل هي الدراري الخمسة وهي: عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، وذلك لأنها تجري مع الشمس، ثم ترى راجعة حتى تختفي في ضوء الشمس.

فرجوعها في رأي العين هو خنوسها، واختفاؤها هو كنوسها.

وقيل هي الكواكب جميعها، فإنها لا تزال جارية راجعة علينا بعد مغيبها، غائبة عنا بعد طلوعها.

(وعسعس) الليل أدبر.

قال العجاج: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا وتنفس الصبح تبلج وامتد حتى صار نهارًا بينًا.

وأقسم بهذه الدراري أو الكواكب جميعها لينوه بشأنها من جهة ما في حركاتها في الدلائل على قدرة مصرفها ومقدرها، وإرشاد تلك الحركات إلى ما في كونها من بديع الصنع وإحكام النظام، مع نعتها في القسم بما يبعدها عن مراتب الألوهية من الخنوس والكنوس تقريعًا لمن خصها بالعبادة واتخذها من دونه أربابًا.

وفي الليل إذا أدبر زوال تلك الغمة التي تغمر الأحياء بانسدال الظلمة بعد ما استعادت الأبدان نشاطها، وانتعشت من فتورها.

وفي الصبح إذا تنفس بشرى الأنفس بالحياة الجديدة في النهار الجديد، تنطلق فيه الإرادات إلى تحصيل الرغبات، وسد الحاجات، واستدراك ما فات، والاستعداد لما هو آت.

وقوله (إنه لقول رسول كريم) جواب القسم، وهو المقسم عليه المراد توكيده.

وقرن لا أقسم بالفاء حيث قال: (فلا أقسم) -وهي تدل على تعلق ما بعدها بما قبلها- يدلنا على أن الضمير في أنه لذلك الخبر المتقدم، وهو (إذا الشمس كورت) إلخ، ويفهم منه القرآن ضمنًا كأنه يقول: إذا وقعت هذه الأمور كلها كان ما ذكرت، وذلك خبر لا ريبة فيه فإني أقسم إلخ.

وهذا أظهر من إعادة الضمير على القرآن بجملته، لأنه لم يتقدم له ذكر حتى يقرن القسم على أنه كذلك بالفاء.

و(الرسول الكريم) هو جبريل.

وإنما كان قوله لأنه هو حامله إلى النبي  .

وقد وصفه بأنه (ذو قوة)، كما وصفه في سورة أخرى بأنه شديد القوى، ذو مرة- وهي الحصافة في العقل والرأي، والمتانة فيهما.

ومكين عند ذي العرش، أي صاحب مكانة وشرف لديه سبحانه.

وصاحب العرش هو اللَّه.

ومن معاني العرش الملك.

وهو مطاع في الملأ الأعلى أمين فيه.

و(ثم) بمعنى هناك، أي في العالم الإلهي.

وهو عالم لا يعلم حقيقته إلا اللَّه وهو علام الغيوب.

(وما صاحبكم بمجنون) صاحبهم هو نبينا  .

ونفى عنه وصف الجنون لأن بعض قريش كان يرميه بذلك عندما يسمع منه غريب الخبر عن اليوم الآخر وغيره من مواضع العبر، مما لم يكن معروفًا لهم ولا مألوفًا لعقولهم.

والتعبير عنه بصاحبهم أبلغ في الاستدلال عليهم، فإنه  معهم من صغره إلى كبره، وما عرفوا منه إلا كمال العقل والتبريز في الفضل، فكيف يوصف بالجنون عندما يدعي الرسالة من ربه، وعلم شيء من غيبه بإذنه؟

(ولقد رآه) أي أن محمدًا  قد رأى جبريل بالأفق الأعلى الواضح المظهر لما يرى فيه من جهة المشرق أو المغرب، أو عند سدرة المنتهى، فذلك مما لا يفهم من هذه الآية.

وهذه الرؤية بتمثل جبريل للنبي  في مثال يبصر، فهو قد ظهر له وتجلى لعينيه على أنه جبريل فعرفه.

(وما هو على الغيب بضنين) قرئ بالظاء وبالضاد.

والمعنى على القراءة الأولى: وما محمد  بمتهم على الغيب، أي أنه صادق في أخباره عن اليوم الآخر وحوادثه والوحي وما يجيء به.

وكما أنه لم يعرف عنه الكذب في ماضي حياته فهو غير متهم فيما يحكيه عن رؤية جبريل.

وعلى الثانية يكون المعنى إنه لا يبخل بما يأتيه من الوحي ولا يقصر في تبليغه.

وسمي الوحي غيبًا لا يعرفه ولا يفهم حقيقته من البشر إلا الذي يوحى إليه.

(وما هو بقول شيطان رجيم) أي لما كان صاحبكم قد عرف بصحة العقل، وبالأمانة على الغيب، فلا يكون ما يحدث به من خبر الآخرة والجنة والنار والشرائع والأحكام قول شيطان رجيم، تظنون أنه قد تبعه وخالط عقله.

(فأين تذهبون) أي مسلك تسلكون، وقد قامت عليكم الحجة، وأحاط بكم الحق من جميع جوانبكم؟

ما هذا الذي يتلوه عليكم محمد  (إلا ذكر للعالمين) موعظة يتذكرون بها ما غرز اللَّه في طباعهم من الميل إلى الخير، وإنما أنساهم ذكره ما طرأ على اطباعهم من ملكات السوء التي تحدثها أمراض الاجتماع وقوله ﴿ لِمَنْ شَاءَ  ﴾ إلخ بدل من العالمين، أي أنه ذكر يتذكر به من وجه إرادته لأن يستقيم على الجادة الواضحة، جادة الحق والعدل.

أما من صرف نفسه عن ذلك ولم يرد إلا الاعوجاج والانحراف عن طريق الحق والصواب، فذلك الذكر لا يؤثر فيه ولا يخرجه من غفلته.

فعلى مشيئة المكلف تتوقف الهداية.

ولا ريب في أن كل مكلف قد فرض عليه أن يوجه فكره نحو الحق ليطلبه وأن يحفز عزمه إلى الخير ليكسبه.

ولما كان ترتيب الذكر والانتفاع به على مشيئة العبد أن يستقيم ربما يوهم أن الإنسان مستقل باختياره، سلطان لنفسه، وحاكم لأمره، منقطع العلاقة في إرادة عن سلطان إلهه، استدرك لدفع هذا الوهم بقوله (وما تشاءون إلا أن يشاء اللَّه)، أي إن إرادتكم إنما هي لو مخلوقة، وهو الذي أودعها فيكم، ولو شاء لسلبكم إياها، وجعلكم من الحيوانات التي ليس لها إرادة العاقل أو أحط من ذلك بحيث لا تكون لكم إرادة بالمرة.

وأتى بالوصف لبيان العلة في الحكم حيث قال (رب العالمين)، أي أنه لما كان رب العالمين أجمعين، وهو مانحهم كل ما يتمتعون به من القوى: إرادة أو غيرها، وهو مع ذلك صاحب السلطان الأعلى عليهم-كانت إرادتكم مستندة في الحقيقة إلى إرادته، وخاضعة لسلطانه، فلو شاء أن يحولها إلى وجه غير الذي اتجهت إليه لتحولت، ولو شاء محوها بالمرة لمحيت.

له الأمر وهو على كل شيء قدير.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل