الإسلام > القرآن > سور > سورة 81 التكوير > الآية ٧ من سورة التكوير
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 140 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة التكوير: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله ( وإذا النفوس زوجت ) أي جمع كل شكل إلى نظيره كقوله ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) الصافات : 22 وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن الصباح البزار حدثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن النعمان بن بشير أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وإذا النفوس زوجت ) قال : الضرباء كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله وذلك بأن الله عز وجل يقول ( وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون ) الواقعة 7 10 ] قال هم الضرباء .
ثم رواه ابن أبي حاتم من طرق أخر عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير أن عمر خطب الناس فقرأ ( وإذا النفوس زوجت ) فقال : تزوجها أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم وفي رواية هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة أو النار .
وفي رواية عن النعمان قال سئل عمر عن قوله تعالى ( وإذا النفوس زوجت ) فقال يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار فذلك تزويج الأنفس وفي رواية عن النعمان أن عمر قال للناس ما تقولون في تفسير هذه الآية ( وإذا النفوس زوجت ) ؟
فسكتوا .
قال ولكن هو الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة والرجل يزوج نظيره من أهل النار ثم قرأ ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ) وقال العوفي عن ابن عباس في قوله ( وإذا النفوس زوجت ) قال ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ( وإذا النفوس زوجت ) قال الأمثال من الناس جمع بينهم وكذا قال الربيع بن خثيم والحسن وقتادة واختاره ابن جرير وهو الصحيح قول آخر في قوله ( وإذا النفوس زوجت ) قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا أحمد بن عبد الرحمن حدثني أبي عن أبيه عن أشعث بن سوار ] عن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال يسيل واد من أصل العرش من ماء فيما بين الصيحتين ومقدار ما بينهما أربعون عاما فينبت منه كل خلق بلي من الإنسان أو طير أو دابة ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على الأرض قد نبتوا ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد فذلك قول الله تعالى : ( وإذا النفوس زوجت ) وكذا قال أبو العالية وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري أيضا في قوله ( وإذا النفوس زوجت ) أي زوجت بالأبدان .
وقيل زوج المؤمنون بالحور العين وزوج الكافرون بالشياطين حكاه القرطبي في " التذكرة .
وقوله: ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بضعهم: أُلحِقَ كلُّ إنسان بشكله، وقُرِنَ بين الضُّرَباءِ والأمثال.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن سماك، عن النعمان بن بشير، عن عمر رضي الله عنه ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: هما الرجلان يعمَلان العمل الواحد يدخلان به الجنة، ويدخلان به النار .
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة، وقال: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ، قال: ضرباءَهم .
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: هما الرجلان يعملان العمل يدخلان به الجنة أو النار .
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب أنه سمع النعمان بن بشير يقول: سمعت عمر بن الخطاب وهو يخطب، قال: وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ثم قال: ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: أزواج في الجنة، وأزواج في النار .
حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن النعمان بن بشير، قال: سُئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، عن قول الله: ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، وبين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار .
حدثني محمد بن خلف، قال: ثنا محمد بن الصباح الدولابي، عن الوليد، عن سماك، عن النعمان بن بشير، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، والنعمان عن عمرو قال: ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: الضرباء كلّ رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله، وذلك أن الله يقول: وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال: هم الضرباء .
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة .
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قوله: ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: ألحق كلّ امرئ بشيعته .
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: الأمثال من الناس جُمِع بينهم .
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: لحق كلُّ إنسان بشيعته، اليهود باليهود، والنصارى بالنصارى .
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن خثيم ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: يحشر المرء مع صاحب عمله .
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع،: قال: يجيء المرء مع صاحب عمله .
وقال آخرون: بل عني بذلك أن الأرواح ردّت إلى الأجساد فزوّجت بها: أي جعلت لها زوجا.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، عن أبي عمرو، عن عكرِمة ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: الأرواح ترجع إلى الأجساد .
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن الشعبيّ أنه قال في هذه الآية ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: زوّجت الأجساد فردّت الأرواح في الأجساد .
حدثني عبيد بن أسباط بن محمد، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن عكرِمة ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: ردّت الأرواح في الأجساد .
حدثني الحسن بن زريق الطهوي، قال: ثنا أسباط، عن أبيه، عن عكرمة، مثله.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، قال: أخبرنا داود، عن الشعبيّ، في قوله: ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) قال: زوّجت الأرواح الأجساد .
وأولى التأويلين في ذلك بالصحة، الذي تأوّله عمر بن الخطاب رضي الله عنه للعلة التي اعتلّ بها، وذلك قول الله تعالى ذكره: وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً ، وقوله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وذلك لا شكّ الأمثال والأشكال في الخير والشرّ، وكذلك قوله: ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) بالقرناء والأمثال في الخير والشرّ.
وحدثني مطر بن محمد الضبي، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ قال: سيأتي أوّلها والناس ينظرون، وسيأتي آخرها إذا النفوس زوّجت .
قوله تعالى : وإذا النفوس زوجت قال النعمان بن بشير : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وإذا النفوس زوجت قال : " يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله " .
وقال عمر بن الخطاب : يقرن الفاجر مع الفاجر ، ويقرن الصالح مع الصالح .
وقال ابن عباس : ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة ، السابقون زوج - يعني صنفا - وأصحاب اليمين زوج ، وأصحاب الشمال زوج .
وعنه أيضا قال : زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين ، وقرن الكافر بالشياطين ، وكذلك المنافقون وعنه أيضا : قرن كل شكل بشكله من أهل الجنة وأهل النار ، فيضم المبرز في الطاعة إلى مثله ، والمتوسط إلى مثله ، وأهل المعصية إلى مثله ; فالتزويج أن يقرن الشيء بمثله ; والمعنى : وإذا النفوس قرنت إلى أشكالها في الجنة والنار .
وقيل : يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من ملك وسلطان ، كما قال تعالى : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم .
وقال عبد الرحمن بن زيد : جعلوا أزواجا على أشباه أعمالهم ليس بتزويج ، أصحاب اليمين زوج ، وأصحاب الشمال زوج ، والسابقون زوج ; وقد قال جل ثناؤه : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم أي أشكالهم .
وقال عكرمة : وإذا النفوس زوجت قرنت الأرواح بالأجساد ; أي ردت إليها .
وقال الحسن : ألحق كل امرئ بشيعته : اليهود باليهود ، والنصارى بالنصارى ، والمجوس بالمجوس ، وكل من كان يعبد شيئا من دون الله يلحق بعضهم ببعض ، والمنافقون بالمنافقين ، والمؤمنون بالمؤمنين .
وقيل : يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان ، على جهة البغض والعداوة ، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء والمؤمنين .
وقيل : قرنت النفوس بأعمالها ، فصارت لاختصاصها به كالتزويج .
{ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } أي: قرن كل صاحب عمل مع نظيره، فجمع الأبرار مع الأبرار، والفجار مع الفجار، وزوج المؤمنون بالحور العين، والكافرون بالشياطين، وهذا كقوله تعالى: { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا } { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا } { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ } .
وعن ابن عباس أيضا قال : هي اثنتا عشرة خصلة ، ستة في الدنيا وستة في الآخرة ، وهي ما ذكره بقوله - عز وجل - : ( وإذا النفوس زوجت ) وروى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية ؟
فقال : يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة ، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار وهذا [ معنى ] قول عكرمة .
وقال الحسن وقتادة : ألحق كل امرئ بشيعته ، اليهودي باليهودي والنصراني بالنصراني .
قال الربيع بن خثيم : يحشر الرجل مع صاحب عمله .
وقيل : زوجت النفوس بأعمالها .
وقال عطاء ومقاتل : زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين ، وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين .
وروي عن عكرمة قال : وإذا النفوس زوجت ردت الأرواح في الأجساد .
«وإذا النفوس زوجت» قرنت بأجسادها.
إذا الشمس لُفَّت وذهب ضَوْءُها، وإذا النجوم تناثرت، فذهب نورها، وإذا الجبال سيِّرت عن وجه الأرض فصارت هباءً منبثًا، وإذا النوق الحوامل تُركت وأهملت، وإذا الحيوانات الوحشية جُمعت واختلطت؛ ليقتصَّ الله من بعضها لبعض، وإذا البحار أوقدت، فصارت على عِظَمها نارًا تتوقد، وإذا النفوس قُرنت بأمثالها ونظائرها، وإذا الطفلة المدفونة حية سُئلت يوم القيامة سؤالَ تطييب لها وتبكيت لوائدها: بأيِّ ذنب كان دفنها؟
وإذا صحف الأعمال عُرضت، وإذا السماء قُلعت وأزيلت من مكانها، وإذا النار أوقدت فأضرِمت، وإذا الجنة دار النعيم قُرِّبت من أهلها المتقين، إذا وقع ذلك، تيقنتْ ووجدتْ كلُّ نفس ما قدَّمت من خير أو شر.
( وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ ) وقوله : ( زُوِّجَتْ ) من التزويج وهو جعل الشئ زوجا لغيره ، بعد أن كان كلاهما فرداً ، ويطلق الزوج - أيضاً - على الصنف والنوع ، كما فى قوله - تعالى - ( وَمِن كُلِّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين ) أى : وإذا النفوس اقترنت كل واحدة منها ببدنها ، أو بمن يشبهها ، أو بعملها .قال الفخر الرازى قوله : ( وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ ) فيه وجوه : أحدها : قرنت الأرواح بالأجساد .ثانيها : يصيرون فيها - أى : يوم القيامة - ثلاثة أصناف ، كما قال - تعالى - ( وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً ) ثالثها : أنه يضم إلى كل نصف من كان من طبقته ، فيضم الطائع إلى مثله .
.
اعلم أنه تعالى ذكر اثني عشر شيئاً، وقال: إذا وقعت هذه الأشياء فهنالك ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ فالأول: قوله تعالى: ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ وفي التكوير وجهان: أحدهما: التلفيف على جهة الاستدارة كتكوير العمامة، وفي الحديث نعوذ بالله من الحور بعد الكور أي من التشتت بعد الألفة والطي واللف، والكور والتكوير واحد، وسميت كارة القصار كارة لأنه يجمع ثيابه في ثوب واحد، ثم إن الشي الذي يلف لا شك أن يصير مختفياً عن الأعين، فعبر عن إزالة النور عن جرم الشمس وتصييرها غائبة عن الأعين بالتكوير، فلهذا قال بعضهم: كورت أي طمست، وقال آخرون: انكسفت، وقال الحسن: محى ضؤوها وقال المفضل بن سلمة: كورت أي ذهب ضؤوها، كأنها استترت في كارة الوجه الثاني: في التكوير يقال: كورت الحائط ودهورته إذا طرحته حتى يسقط، قال الأصمعي: يقال طعنه فكوره إذا صرعه، فقوله: ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ أي ألقيت ورميت عن الفلك وفيه قول ثالث: يروى عن عمر أنه لفظة مأخوذة من الفارسية، فإنه يقال للأعمى كور، وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: ارتفاع الشمس على الابتداء أو الفاعلية الجواب: بل على الفاعلية رافعها فعل مضمر، يفسره كورت لأن ﴿ إذا ﴾ ، يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط.
السؤال الثاني: روي أن الحسن جلس بالبصرة إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن فحدث عن أبي هريرة أنه عليه السلام، قال: إن الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة، فقال الحسن، وما ذنبهما؟
قال: إني أحدثك عن رسول الله فسكت الحسن، والجواب: أن سؤال الحسن ساقط، لأن الشمس والقمر جمادان فإلقاؤهما في النار لا يكون سبباً لمضرتهما، ولعل ذلك يصير سبباً لازدياد الحر في جهنم، فلا يكون هذا الخبر على خلاف العقل الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَإذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ﴾ .
أي تناثرت وتساقطت كما قال تعالى: ﴿ وإذا الكواكب انتثرت ﴾ والأصل في الانكدار الانصباب، قال الخليل: يقال انكدر عليهم القوم إذا جاؤوا أرسالاً فانصبوا عليهم، قال الكلبي: تمطر السماء يومئذ نجوماً فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على وجه الأرض، قال عطاء: وذلك أنها في قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من النور، وتلك السلاسل في أيدي الملائكة، فإذا مات من في السماء والأرض تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة.
الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَإذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴾ .
أي عن وجه الأرض كقوله: ﴿ وسيرت الجبال فكانت سراباً ﴾ أو في الهواء كقوله: ﴿ تمر مر السحاب ﴾ .
الرابع: قوله: ﴿ وإذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴾ .
فيه قولان: القول الأول: المشهور أن ﴿ العشار ﴾ جميع عشراء كالنفاس في جمع نفساء، وهي التي على حملها عشرة أشهر، ثم اسمها إلى أن تضع لتمام السنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها وأعزها عليهم، و ﴿ عطلت ﴾ قال ابن عباس: أهملها أهلها لما جاءهم من أهوال يوم القيامة، وليس شيء أحب إلى العرب من النوق الحوامل، وخوطب العرب بأمر العشار لأن أكثر مالها وعيشها من الإبل.
والغرض من ذلك ذهاب الأموال وبطلان الأملاك، واشتغال الناس بأنفسهم كما قال: ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُۥنَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ وقال: ﴿ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ﴾ .
والقول الثاني: أن العشار كناية عن السحاب تعطلت عما فيها من الماء، وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه أشبه بسائر ما قبله، وأيضاً فالعرب تشبه السحاب بالحامل، قال تعالى: ﴿ فالحاملات وقراً ﴾ .
الخامس: قوله تعالى: ﴿ وإذا الوحوش حُشِرَتْ ﴾ .
كل شيء من دواب البر مما لا يستأنس فهو وحش، والجمع الوحوش، و ﴿ حشرت ﴾ جمعت من كل ناحية، قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، قال المعتزلة: إن الله تعالى يحشر الحيوانات كلها في ذلك اليوم ليعوضها على آلامها التي وصلت إليها في الدنيا بالموت والقتل وغير ذلك، فإذا عوضت على تلك الآلام، فإن شاء الله أن يبقى بعضها في الجنة إذا كان مستحسناً فعل، وإن شاء أن يفنيه أفناه على ما جاء به الخبر، وأما أصحابنا فعندهم أنه لا يجب على الله شيء بحكم الاستحقاق، ولكنه تعالى يحشر الوحوش كلها فيقتص للجماء من القرناء، ثم يقال لها موتى فتموت، والغرض من ذلك هذه القصة هاهنا وجوه: أحدها: أنه تعالى إذا كان (يوم القيامة) يحشر كل الحيوانات إظهاراً للعدل، فكيف يجوز مع هذا أن لا يحشر المكلفين من الإنس والجن؟
الثاني: أنها تجتمع في موقف القيامة مع شدة نفرتها عن الناس في الدنيا وتبددها في الصحاري، فدل هذا على أن اجتماعها إلى الناس ليس إلا من هول ذلك اليوم والثالث: أن هذه الحيوانات بعضها غذاء للبعض، ثم إنها في ذلك اليوم تجتمع ولا يتعرض بعضها لبعض وما ذاك إلا لشدة هول ذلك اليوم، وفي الآية قول آخر: لابن عباس وهو أن حشر الوحوش عبارة عن موتها، يقال إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم حشرتهم السنة، وقرئ حشرت بالتشديد.
السادس: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ .
قرئ بالتخفيف والتشديد، وفيه وجوه: أحدها: أن أصل الكلمة من سجرت التنور إذا أوقدتها، والشيء إذا وقد فيه نشف ما فيه من الرطوبة، فحينئذ لا يبقى في البحار شيء من المياه ألبتة، ثم إن الجبال قد سيرت على ما قال: ﴿ وسيرت الجبال ﴾ وحينئذ تصير البحار والأرض شيئاً واحداً في غاية الحرارة والإحراق، ويحتمل أن تكون الأرض لما نشفت مياه البحار ربت فارتفعت فاستوت برؤوس الجبال، ويحتمل أن الجبال لما اندكت وتفرقت أجزاؤها وصارت كالتراب وقع ذلك التراب في أسفل الجبال، فصار وجه الأرض مستوياً مع البحار، ويصير الكل بحراً مسجوراً.
وثانيها: أن يكون ﴿ سجرت ﴾ بمعنى ﴿ فجرت ﴾ وذلك لأن بين البحار حاجزاً على ما قال: ﴿ مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ ﴾ فإذا رفع الله ذلك الحاجز فاض البعض في البعض، وصارت البحار بحراً واحداً، وهو قول الكلبي:.
وثالثها: ﴿ سجرت ﴾ أوقدت، قال القفال: وهذا التأويل يحتمل وجوهاً الأول: أن تكون جهنم في قعور البحار، فهي الآن غير مسجورة لقيام الدنيا، فإذا انتهت مدة الدنيا أوصل الله تأثير تلك النيران إلى البحار، فصارت بالكلية مسجورة بسبب ذلك والثاني: أن الله تعالى يلقي الشمس والقمر والكواكب في البحار، فتصير البحار مسجورة بسبب ذلك والثالث: أن يخلق الله تعالى بالبحار نيراناً عظيمة حتى تتسخن تلك المياه، وأقول هذه الوجوه متكلفة لا حاجة إلى شيء منها، لأن القادر على تخريب الدنيا وإقامة القيامة لابد وأن يكون قادراً على أن يفعل بالبحار ما شاء من تسخين، ومن قلب مياهها نيراناً من غير حاجة منه إلى أن يلقى فيها الشمس والقمر، أو يكون تحتها نار جهنم.
واعلم أن هذه العلامات الستة يمكن وقوعها في أول زمان تخريب الدنيا، ويمكن وقوعها أيضاً بعد قيام القيامة، وليس في اللفظ ما يدل على أحد الاحتمالين، أما الستة الباقية فإنها مختصة بالقيامة.
السابع: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ .
وفيه وجوه: أحدها: قرنت الأرواح بالأجساد.
وثانيها: قال الحسن: يصيرون فيها ثلاثة أزواج كما قال: ﴿ وَكُنتُمْ أَزْوَٰجًا ثَلَٰثَةً فَأَصْحَٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ مَآ أَصْحَٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ ﴾ .
وثالثها: أنه يضم إلى كل صنف من كان طبقته من الرجال والنساء، فيضم المبرز في الطاعات إلى مثله، والمتوسط إلى مثله وأهل المعصية إلى مثله، فالتزويج أن يقرن الشيء بمثله، والمعنى أن يضم كل واحد إلى طبقته في الخير والشر.
ورابعها: يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من ملك وسلطان كما قال: ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴾ قيل فزدناهم من الشياطين.
وخامسها: قال ابن عباس زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين.
وسادسها: قرن كل امرئ بشيعته اليهودي باليهودي والنصراني بالنصراني، وقد ورد في خبر مرفوع.
وسابعها: قال الزجاج: قرنت النفوس بأعمالها.
واعلم أنك إذا تأملت في الأقوال التي ذكرناها أمكنك أن تزيد عليها ما شئت.
الثامن: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الْموْءُدَةُ سُئِلَتْ ﴾ .
﴿ بِأىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴾ .
فيه مسائل: المسألة الأولى: وأديئد مقلوب من آد يئود أوداً ثقل قال تعالى: ﴿ ولا يؤوده حفظهما ﴾ أي يثقله؛ لأنه إثقال بالتراب كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد بقاء حياتها ألبسها جبة من صوف أو شعر لترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا بلغت قامتها ستة أشبار فيقول لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أقاربها وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها إلى البئر فيقول لها انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى يستوي البئر بالأرض، وقيل: كانت الحامل إذا قربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنت رمتها في الحفرة، وإذا ولدت ابناً أمسكته، وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: ما الذي حملهم على وأد البنات؟
الجواب: الخوف من لحوق العار بهم من أجلهم أو الخوف من الإملاق، كما قال تعالى: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ وكانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله فألحقوا البنات بالملائكة، وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد فافتخر الفرزدق به في قوله: ومنا الذي منع الوائدات *** فأحيا الوئيد فلم توأد السؤال الثاني: فما معنى سؤال الموؤدة عن ذنبها الذي قتلت به، وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها؟
الجواب: سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها، وهو كتبكيت النصارى في قوله لعيسى: ﴿ أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ﴾ .
المسألة الثانية: قرئ سألت، أي خاصمت عن نفسها، وسألت الله أو قاتلها، وقرئ قتلت بالتشديد، فإن قيل: اللفظ المطابق أن يقال: ﴿ سئلت * بأي ذنب قتلت ﴾ ومن قرأ سألت فالمطابق أن يقرأ: ﴿ بأي ذنب قتلت ﴾ فما الوجه في القراءة المشهورة؟
قلنا: الجواب: من وجهين: الأول: تقدير الآية: وإذا الموؤودة سئلت (أي سئل) الوائدون عن أحوالها بأي ذنب قتلت والثاني: أن الإنسان قد يسأل عن حال نفسه عند المعاينة بلفظ المغايبة، كما إذا أردت أن تسأل زيداً عن حال من أحواله، فتقول: ماذا فعل زيد في ذلك المعنى؟
ويكون زيد هو المسئول، وهو المسئول عنه، فكذا هاهنا.
التاسع: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾ .
قرئ بالتخفيف والتشديد يريد صحف الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته، ثم تنشر إذا حوسب، ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها، أي فرقت بينهم.
العاشر: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا السَّمَآءُ كُشِطَتْ ﴾ .
أي كشفت وأزيلت عما فوقها، وهو الجنة وعرش الله، كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء، وقرأ ابن مسعود: قشطت، واعتقاب القاف والكاف كثير، يقال لبكت الثريد ولبقته، والكافور والقافور.
قال الفراء: نزعت فطويت.
الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾ .
أوقدت إيقاداً شديداً وقرئ سعرت بالتشديد للمبالغة، قيل: سعرها غضب الله، وخطايا بني آدم، واحتج بهذه الآية من قال: النار غير مخلوقة الآن، قالوا: لأنها تدل على أن تسعيرها معلق بيوم القيامة.
الثاني عشر: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا الجنةُ أُزْلِفتْ ﴾ .
أي أدنيت من المتقين، كقوله: ﴿ وأزلفت الجنة للمتقين ﴾ .
ولما ذكر الله تعالى هذه الأمور الإثني عشر ذكر الجزاء المرتب على الشروط الذي هو مجموع هذه الأشياء فقال: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ ﴾ .
ومن المعلوم أن العمل لا يمكن إحضاره، فالمراد إذن ما أحضرته في صحائفها، وما أحضرته عند المحاسبة، وعند الميزان من آثار تلك الأعمال، والمراد: ما أحضرت من استحقاق الجنة والنار فإن قيل كل نفس تعلم ما أحضرت، لقوله: ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً ﴾ فما معنى قوله: ﴿ علمت نفس ﴾ ؟
قلنا: الجواب: من وجهين: الأول: أن هذا هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط، وإن كان اللفظ موضوعاً للقليل، ومنه قوله تعالى: ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ كمن يسأل فاضلاً مسألة ظاهرة ويقول: هل عندك فيها شيء؟
فيقول: ربما حضر شيء وغرضه الإشارة إلى أن عنده في تلك المسألة ما لا يقول به غيره.
فكذا هاهنا الثاني: لعل الكفار كانوا يتعبون أنفسهم في الأشياء التي يعتقدونها طاعات ثم بدا لهم يوم القيامة خلاف ذلك فهو المراد من هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿ فَلآ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴾ .
﴿ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴾ .
الكلام في قوله: ﴿ لاَ أُقْسِمُ ﴾ قد تقدم في قوله: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة ﴾ ، ﴿ الجوار الكنس ﴾ فيه قولان: الأول: وهو المشهور الظاهرة أنها النجوم الخنس جمع خانس، والخنوس والانقباض والاستخفاء تقول: خنس من بين القوم وانخنس، وفي الحديث الشيطان يوسوس إلى العبد فإذا ذكر الله خنس أي انقبض ولذلك سمي الخناس ﴿ والكنس ﴾ جمع كانس وكانسة يقال: كنس إذا دخل الكناس وهو مقر الوحش يقال كنس الظباء في كنسها، وتكنست المرأة إذا دخلت هودجها تشبه بالظبي إذا دخل الكناس.
ثم اختلفوا في خنوس النجوم وكنوسها على ثلاثة أوجه فالقول الأظهر: أن ذلك إشارة إلى رجوع الكواكب الخمسة السيارة واستقامتها فرجوعها هو الخنوس وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس، ولا شك أن هذه حالة عجيبة وفيها أسرار عظيمة باهرة القول الثاني: ما روي عن علي عليه السلام وعطاء ومقاتل وقتادة أنها هي جميع الكواكب وخنوسها عبارة عن غيبوبتها عن البصر في النهار وكنوسها عبارة عن ظهورها للبصر في الليل أي تظهر في أماكنها كالوحش في كنسها والقول الثالث: أن السبعة السيارة تختلف مطالعها ومغاربها على ما قال تعالى: ﴿ بِرَبّ المشارق والمغارب ﴾ ولا شك أن فيها مطلعاً واحداً ومغرباً واحداً هما أقرب المطالع والمغارب إلى سمت رؤوسنا، ثم إنها تأخذ في التباعد من ذلك المطلع إلى سائر المطالع طول السنة، ثم ترجع إليه فخنوسها عبارة عن تباعدها عن ذلك المطلع، وكنوسها عبارة عن عودها إليه، فهذا محتمل فعلى القول الأول يكون القسم واقعاً بالخمسة المتحيرة، وعلى القول الثاني يكون القسم واقعاً بجميع الكواكب وعلى هذا الاحتمال الذي ذكرته يكون القسم واقعاً بالسبعة السيارة، والله أعلم بمراده.
والقول الثاني: أن ﴿ الجوار الكنس ﴾ وهو قول ابن مسعود والنخعي أنها بقر الوحش، وقال سعيد بن جبير: هي الظباء، وعلى هذا الخنس من الخنس في الأنف وهو تقعير في الأنف فإن البقر والظباء أنوفها على هذه الصفة ﴿ والكنس ﴾ جمع كانس وهي التي تدخل الكناس والقول هو الأول، والدليل عليه أمران: <div class="verse-tafsir"
في التكوير وجهان: أن يكون من كوّرت العمامة إذا لففتها، أي: يلف ضوءها لفاً فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق، وهو عبارة عن إزالتها والذهاب بها؛ لأنها ما دامت باقية كان ضياؤها منبسطاً غير ملفوف.
أو يكون لفها عبارة عن رفعها وسترها؛ لأنّ الثواب إذا أريد رفعه لفّ وطوي؛ ونحوه قوله: ﴿ يَوْمَ نَطْوِى السماء ﴾ [الأنبياء: 104] وأن يكون من طعنه فجوّره وكوّره: إذا ألقاه، أي: تلقى وتطرح عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار، فإن قلت: ارتفاع الشمس على الابتداء أو الفاعلية؟
قلت: بل على الفاعلية رافعها فعل مضمر يفسره كوّرت؛ لأنّ (إذا) يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط ﴿ انكدرت ﴾ انقضت قال: أَبْصَرَ خِرْبَانٌ فَضَاءَ فَانْكَدَرْ ويروى في الشمس والنجوم: أنها تطرح في جهنم ليراها من عبدها كما قال: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98] ، ﴿ سُيّرَتْ ﴾ أي على وجه الأرض وأبعدت.
أو سيرت في الجوّ تسيير السحاب كقوله ﴿ وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب ﴾ [النمل: 88] والعشار في جمع عشراء، كالنفاس في جمع نفساء: وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة، وهي أنفس ما تكون عند أهلها وأعزّها ﴿ عُطِّلَتْ ﴾ تركت مسيبة مهملة.
وقيل: عطلها أهلها عن الحلب والصر، لاشتغالهم بأنفسهم وقرئ ﴿ عطلت ﴾ بالتخفيف ﴿ حُشِرَتْ ﴾ جمعت من كل ناحية.
قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص.
وقيل: إذا قضى بينها ردّت تراباً فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته.
كالطاووس ونحوه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: حشرها موتها.
يقال: إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم حشرتهم السنة.
وقرئ ﴿ حشرت ﴾ بالتشديد ﴿ سُجِّرَتْ ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، أي: ملئت وفجر بعضها إلى بعض حتى تعود بحراً واحداً.
وقيل: ملئت نيراناً تضطرم لتعذيب أهل النار.
وعن الحسن: يذهب ماؤها فلا تبقى فيها قطرة ﴿ زُوّجَتْ ﴾ قرنت كل نفس بشكلها وقيل: قرنت الأرواح بالأجساد.
وقيل بكتبها وأعمالها.
وعن الحسن هو كقوله: ﴿ وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثلاثة ﴾ [الواقعة: 7] وقيل: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين وأد يئد مقلوب من آد يؤد: إذا أثقل.
قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ [البقرة: 255] ، لأنه إثقال بالتراب: كان الرجل إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحييها: ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية؛ وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها: طيبيها وزينيها، حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليهالتراب، حتى تستوي البئر بالأرض.
وقيل: كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة؛ فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابناً حبسته فإن قلت: ما حملهم على وأد البنات؟
قلت: الخوف من لحوق العار بهم من أجلهنّ.
أو الخوف من الإملاق، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق ﴾ [الإسراء: 31] ، وكانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به، فهو أحق بهنّ.
وصعصعة بن ناجية ممن منع الوأد؛ فبه افتخر الفرزدق في قوله: وَمِنَّا الَّذِي مَنَعَ الْوَائِدَاتِ ** فَأَحْيَا الْوَئِيدَ فَلَمْ تُوأَدِ فإن قلت: فما معنى سؤال المؤودة عن ذنبها الذي قتلت به؛ وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها؟
قلت: سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها نحو التبكيت في قوله تعالى لعيسى: ﴿ أأنت قلت للناس...
﴾ إلى قوله: ﴿ ...
سبحانك مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ ﴾ [المائدة: 116] ، وقرئ ﴿ سألت ﴾ ، أي: خاصمت عن نفسها، وسألت الله أوقاتلها؛ وإنما قيل ﴿ قُتِلَتْ ﴾ بناء على أن الكلام إخبار عنها؛ ولو حكى ما خوطبت به حين سئلت.
فقيل: قتلت أو كلاهما حين سئلت لقيل: قتلت.
وقرأ ابن عباس رضي عنهما: قتلت، على الحكاية وقرئ ﴿ قتلت ﴾ ، بالتشديد، وفيه دليل بين على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بالذنب، وإذا بكت الله الكافر ببراءة الموؤدة من الذنب: فما أقبح به، وهو الذي لا يظلم مثقال ذرّة أن يكرّ عليها بعد هذا التبكيت فيفعل بها ما تنسى عنده فعل المبكت من العذاب الشديد السرمد، وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه سئل عن ذلك، فاحتجّ بهذه الآية ﴿ نشرت ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد، يريد: صحف الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته، ثم تنشر إذا حوسب.
عن قتادة: صحيفتك يا ابن آدم تطوى على عملك، ثم تنشر يوم القيامة، فلينظر رجل ما يملي في صحيفته وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا قرأها قال: إليك يساق الأمر يا ابن آدم.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يحشر الناس عراة حفاة.
فقالت أمّ سلمة: كيف بالنساء؟
فقال: شغل الناس يا أمّ سلمة قالت: وما شغلهم؟
قال: نشر الصحف فيها مثاقيل الذرّ ومثاقيل الخردل» ويجوز أن يراد: نشرت بين أصحابها، أي فرقت بينهم.
وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية، وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم وحميم أي مكتوب فيها ذلك، وهي صحف غير صحف الأعمال ﴿ كُشِطَتْ ﴾ كشفت وأزيلت، كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء وقرأ ابن مسعود ﴿ قشطت ﴾ واعتقاب الكاف والقاف كثير.
يقال: لبكت الثريد ولبقته، والكافور والقافور ﴿ سُعّرَتْ ﴾ أوقدت إيقاداً شديداً وقرئ ﴿ سعرت ﴾ بالشديد للمبالغة.
قيل: سعرها غضب الله تعالى وخطايا بني آدم ﴿ أُزْلِفَتْ ﴾ أدنيت من المتقين، كقوله تعالى: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ [ق: 31] ، قيل: هذه اثنتا عشرة خصلة.
ست منها في الدنيا، وست في الآخرة.
و ﴿ علمت ﴾ هو عامل النصب في ﴿ إِذَا الشمس كُوّرَتْ ﴾ وفيما عطف عليه.
فإن قلت: كل نفس تعلم ما أحضرت، كقوله: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا ﴾ [آل عمران: 30] لا نفس واحدة فما معنى قوله: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ﴾ ؟
قلت: هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه.
ومنه قوله عز وجل: ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ [الحجر: 2] ومعناه: معنى كم وأبلغ منه.
وقول القائل: قَدْ أَتْرُكُ الْقِرْنَ مُصْفَرَّا أَنَامِلُهُ وتقول لبعض قوّاد العساكر: كم عندك من الفرسان؟
فيقول: رب فارس عندي.
أو لا تعدم عندي فارساً، وعنده المقانب: وقصده بذلك التمادي في تكثير فرسانه.
ولكنه أراد إظهار براءته من التزيد، وأنه ممن يقلل كثير ما عنده، فضلا أن يتزيد، فجاء بلفظ التقليل، ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنّ قارئاً قرأها عنده، فلما بلغ ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ (14) ﴾ قال: وانقطاع ظهرياه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذا العِشارُ ﴾ النُّوقُ اللَّواتِي أتى عَلى حَمْلِهِنَّ عَشَرَةُ أشْهُرٍ جَمْعُ عُشَراءَ.
﴿ عُطِّلَتْ ﴾ تُرِكَتْ مُهْمَلَةً، أوِ السَّحائِبُ عُطِّلَتْ عَنِ المَطَرِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾ جُمِعَتْ مِن كُلِّ جانِبٍ أوْ بُعِثَتْ لِلْقِصاصِ ثُمَّ رُدَّتْ تُرابًا، أوْ أُمِيتَتْ مِن قَوْلِهِمْ: إذا أجْحَفَتِ السَّنَةُ بِالنّاسِ حَشَرَتْهُمْ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ.
﴿ وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ ﴾ أُحْمِيَتْ أوْ مُلِئَتْ بِتَفْجِيرِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ حَتّى تَعُودَ بَحْرًا واحِدًا، مِن سَجَرَ التَّنُّورَ إذا مَلَأهُ بِالحَطَبِ لِيَحْمِيَهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورَوْحٌ بِالتَّخْفِيفِ.
﴿ وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ قُرِنَتْ بِالأبْدانِ أوْ كُلٌّ مِنها بِشَكْلِها، أوْ بِكِتابِها وعَمَلِها أوْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ ونُفُوسُ الكافِرِينَ بِالشَّياطِينِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ} قرنت كل نفس بشكلها الصالح مع الصالح فى لجنة والطالح مع الطالحح فى النار أو قرنت الأرواح بالأاجساد أو بكتبها وأعمالها أو نفوس المؤمنين بالحور العين ونفوس الكافرين بالشياطين
﴿ وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ أيْ: قُرِنَتْ كُلُّ نَفْسٍ بِشَكْلِها، أخْرَجَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: يُقْرَنُ الرَّجُلُ الصّالِحُ مَعَ الرَّجُلِ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، ويُقْرَنُ الرَّجُلُ السُّوءُ مَعَ الرَّجُلِ السُّوءِ في النّارِ؛ فَذَلِكَ تَزْوِيجُ الأنْفُسِ.
وفي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ رَواهُ النُّعْمانُ أيْضًا ما يَقْتَضِي ظاهِرُهُ ذَلِكَ وقالَ بَعْضٌ: هَذا في المَوْقِفِ؛ أنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الطَّبَقاتِ الأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ.
وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: تُقْرَنُ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِأزْواجِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، ونُفُوسُ الكافِرِينَ بِالشَّياطِينِ.
وقِيلَ: تُقْرَنُ كُلُّ نَفْسٍ بِكِتابِها، وقِيلَ: بِعَمَلِها، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ تُقْرَنُ كُلُّ نَفْسٍ بِخَصْمِها فَلا يُمْكِنُها الفِرارُ مِنهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ كُلِّ نَفْسٍ ذا خَصْمٍ بَيْنَ الِانْتِفاءِ، وأيًّا ما كانَ فالنَّفْسُ بِمَعْنى الذّاتِ، والتَّزْوِيجُ جَعْلُ الشَّيْءِ زَوْجًا؛ أيْ: مُقارَنًا.
وقالَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والشَّعْبِيُّ: تُقْرَنُ النُّفُوسُ بِأزْواجِها؛ وذَلِكَ عِنْدَ البَعْثِ، والنَّفْسُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الرُّوحِ، وقَرَأ عاصِمٌ: «زُوِّجَتْ» عَلى فُوعِلَتْ.
<div class="verse-tafsir"
وهي تسع وعشرون آية مكية قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ قال أبو الليث رحمه الله حدثنا الحاكم أبو الفضل قال حدثنا محمد بن أحمد الكاتب المروزي حدثنا محمد بن حموية النيسابوري قال: حدثنا إبراهيم بن موسى قال: حدثنا هشام عن عبد الله عن يحيى بن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن عمر ما- عن النبيّ قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إليَّ يَوْمَ القِيَامَةِ فَلْيَقْرَأْ إذَا الشَّمْسُ كُوِّرتْ» وعن ابن عباس- ما- في قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ يعني: ذهب ضوؤها وكذلك قال الضحاك وعكرمة يعني: اضمحلت وذهبت ويقال تكور كما تكور العمامة يعني: جُمِع ضوؤها ولُفَّ كما تُلف العمامة قوله تعالى: وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ يعني: تناثرت وتساقطت وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ يعني: قُلعت عن الأرض وسُيِّرت في الهواء كقوله: وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً [الكهف: 47] يعني: خالية ليس عليها شيء من الماء والشجر وغيرها ثم قال: وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ يعني: النوق الحوامل عطّلها أربابها اشتغالاً بأنفسهم وواحدها: عشراء وهي الناقة التي أتت على حملها عشرة أشهر وهي في الحمل فلا يطلعها أهلها إلا في يوم القيامة وهذا على وجه المثل لأن في يوم القيامة لا يكون ناقة عشراء، ولكن أراد به المثل يعني: أن هول يوم القيامة بحال لو كان عند الرجل عشراء يعطلها واشتغل بنفسه ثم قال: وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ يعني: جُمِعَتْ وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ يعني: ضجرت بعضها إلى بعض فصارت بحراً واحداً فملئت وكثر ماؤها كقوله: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) [الطور: 6] يعني: الممتلئ ويقال: سجرت أي أحميت بالكواكب إذا تساقطت وفيها قال ابن عباس إذا كان يوم القيامة كوَّر الله تعالى الشمس والقمر والنجوم في البحر ثم بعث الله تعالى ريحاً دبوراً فتنفخها فتصير ناراً وهو قوله: وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ أي: أحميت.
وقال قتادة: سجرت أي: غار ماؤها، وقال الزجاج وقد قيل إنه جعل مياهها ناراً يعذب بها الكفار فهذه الأشياء الست التي ذكرها قبل النفخة الأخيرة والتي ذكرها بعدها تكون بعد النفخة الأخيرة وهو قوله: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قال الكلبي ومقاتل: يعني: نفوس المؤمنين قرنت بالحور العين ونفوس الكفار بالشياطين.
وقال عمر بن الخطاب- - في قوله: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قال الفاجر مع الفاجر والصالح مع الصالح وقال أبو العالية الرياحي قرنت الأجساد بالأرواح وقال القتبي الزوج القرين كقوله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات: 22] يعني: قرناءهم ثم قال: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ أي: قرنت نفوس الكفار بعضها ببعض والعرب تقول زوجت إبلي إذا قرنت بعضها ببعض ويقال: وإذا النفوس زوجت يعني: الأبرار مع الأبرار في زمرة والأشرار مع الأشرار في زمرة ثم قال: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ.
وكان العرب إذا ولد لأحدهم ابنة دفنها حية وهي الموءودة فتسأل يوم القيامة بأي ذنب قتلك أبوك وإنما يكون السؤال على وجه التوبيخ لقائلها يوم القيامة لأن جوابها قتلت بغير ذنب وهو مثل قوله تعالى: يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [المائدة: 116] وإنما سؤاله وجوابه تبكيت على من ادعى هذا عليه وقال عكرمة الموؤدة المدفونة، كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت فكانت أوان ولادتها حفرت حفرة فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة وإن ولدت غلاما حبسته وقرئ في الشاذ وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ يعني: المقتولة سئلت لأبويها بأي ذنب قتلتماني ولا ذنب لي قوله تعالى: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ يعني تطايرت الصحف وهي الكتب التي فيها أعمال بني آدم، قرأ ابن كثير وأبو عمرو سجرت وسعرت مخففتين، ونشرت مشددة وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم سجرت وسعرت مشددتين ونشرت مخففة وقرأ حمزة والكسائي سجرت ونشرت مخففتين وسعرت مشددة فمن شددها فلتكثير ومن خففها فعلى غير التكثير قوله تعالى: وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ يعني: نزعت من أماكنها كما يكشف الغطاء عن الشيء يعني: كشفت عما فيها ثم قال عز وجل: وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ يعني: للكافرين وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ قربت للمتقين فجواب هذه الأشياء قوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ يعني عند ذلك تعلم كل نفس ما عملت من خير أو شر وهذا كقوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [آل عمران: 30] الآية.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ قيل: هي صُحُفُ الأَعْمَالِ، وقيل: هي الصُّحُفُ التي تَتَطَايَرُ بالأَيْمَانِ والشَّمائلِ، والكَشْطُ: التقشيرُ وذلك كما يُكْشَطُ جلدُ الشاةِ حينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَّماءِ هُو طَيُّها/ كَطَيِّ السّجلّ، وسُعِّرَتْ معناه: أُضْرِمَتْ «١» نارُها، وأزلفت الجنة معناه: قُرِّبَتْ ليدخلَها المؤمنونَ، قال الثعلبي: قُرِّبَتْ لأهلها حتى يرونها، نظيرُه، وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ [ق: ٣١] .
عَلِمَتْ نَفْسٌ عندَ ذلك مَّا أَحْضَرَتْ من خيرٍ أو شرٍ وهو جوابٌ لقولهِ إِذَا الشَّمْسُ وما بعدها، انتهى.
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)
وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ لا إمَّا زائدةٌ وإما أنْ تكونَ رَدّاً لِقَوْلِ قريشٍ في تكذيبهم نبوة نبينا محمّد ع، ثُمَّ أَقْسَمَ تعالى بالخُنَّسِ الجوارِ الكنَّسِ، وهي في قولِ الجمهور: الدَّرَارِي السَّبْعَةُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطَارِدُ والمرِّيخُ والزُّهْرَةُ والمُشترِي، وقال عليّ: المرادُ الخمسةُ دونَ الشمسِ والقمر وذلك أنّ هذه الكواكبَ تَخْنِسُ في جَرْيها أي: تَتَقَهْقَرُ فيما ترى العين، وهي جَوارٍ في السماءِ، وهي تَكْنِسُ في أَبراجها أي: تَسْتَتر «٢» ، الثعلبي: وقال ابن زيدِ تَخْنِسُ أي: تَتَأَخَّرُ عَنْ مَطَالِعِها كلَّ سَنَة، وتَكْنِسُ بالنَّهار، أي: تستترُ فلاَ تُرَى، انتهى «٣» ، وعَسْعَسَ الليلُ في اللغةِ إذا كَان غَيْرَ مُسْتَحْكَمِ الإظْلاَمِ، قال الخليل: عَسْعَسَ الليلُ: إذا أَقْبَلَ وأَدْبَرَ، وقال الحَسَنُ: وقَعَ القَسَمُ بإقبالهِ «٤» ، وقال ابن عباسٍ وغيره: بلْ وَقَعَ بإدبارهِ «٥» ، وقال المبرد: أقسم بإقباله وإدباره «٦»
سُورَةُ التَّكْوِيرِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ رَوى أبُو عَبْدِ اللهِ الحاكِمُ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «مَن أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ » .
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُوِّرَتْ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أظْلَمَتْ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ الفَرّاءُ: ذَهَبَ ضَوْؤُها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٍ.
والثّانِي: ذَهَبَتْ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: اضْمَحَلَّتْ.
والثّالِثُ: غُوِّرَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ الأنْبارِيِّ، وهَذا مِن قَوْلِ النّاسِ بِالفارِسِيَّةِ: كُورْبَكَرْدُ.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: هو بِالفارِسِيَّةِ كُورْبُورُ.
والرّابِعُ: أنَّها تُكَوَّرُ مِثْلَ تَكْوِيرِ العِمامَةِ، فَتُلَفُّ وتُمْحى، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى: " كُوِّرَتْ " جُمِعَ ضَوْؤُها، ولُفَّتْ كَما تُلَفُّ العِمامَةُ.
ويُقالُ: كَوَّرْتُ العِمامَةَ عَلى رَأْسِي أُكَوِّرُها: إذا لَفَفْتُها.
قالَ المُفَسِّرُونَ: تُجْمَعُ الشَّمْسُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ثُمَّ تُلَفُّ ويُرْمى بِها في البَحْرِ.
وقِيلَ: في النّارِ.
وقِيلَ: تُعادُ إلى ما خُلِقَتْ مِنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ أيْ: تَناثَرَتْ، وتَهافَتَتْ.
يُقالُ: انْكَدَرَ الطّائِرُ في الهَواءِ: إذا انْقَضَّ ﴿ وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ ﴾ عَنْ وجْهِ الأرْضِ، فاسْتَوَتْ مَعَ الأرْضِ ﴿ وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ اللُّغَةِ: العِشارُ: النُّوقُ الحَوامِلُ، وهي الَّتِي أتى عَلَيْها في الحَمْلِ عَشْرَةُ أشْهُرٍ فَقِيلَ لَها: العِشارُ لِذَلِكَ، وذَلِكَ الوَقْتُ أحْسَنُ زَمانِ حَمْلِها، وهي تَضَعُ إذاوَضَعَتْ لِتَمامٍ في سَنَةٍ، فَهي أنْفَسُ ما لِلْعَرَبِ عِنْدَهُمْ، فَلا يُعَطِّلُونَها إلّا لِإتْيانِ ما يَشْغَلُهم عَنْها، وإنَّما خُوطِبَتِ العَرَبُ بِأمْرِ العِشارِ، لِأنَّ أكْثَرَ عَيْشِهِمْ ومالِهِمْ مِنَ الإبِلِ.
ومَعْنى " عُطِّلَتْ " سُيِّبَتْ وأُهْمِلَتْ، لاشْتِغالِهِمْ عَنْها بِأهْوالِ القِيامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا الوُحُوشُ ﴾ يَعْنِي: دَوابَّ البَحْرِ ﴿ حُشِرَتْ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ماتَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: جُمِعَتْ إلى القِيامَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وقَدْ زِدْنا هَذا شَرْحًا في [الأنْعامِ: ١١١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، " سُجِرَتْ " بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها.
وَفِي المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أُوقِدَتْ فاشْتَعَلَتْ نارًا، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَبِسَتْ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّالِثُ: مُلِئَتْ بِأنْ صارَتْ بَحْرًا واحِدًا، وكَثُرَ ماؤُها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُرِنَتْ بِأشْكالِها، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الصّالِحُ مَعَ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، والفاجِرُ مَعَ الفاجِرِ في النّارِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: رُدَّتِ الأرْواحُ إلى الأجْسادِ، فَزُوِّجَتْ بِها، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
وعَنْ عِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: زُوِّجَتْ أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ العِينِ، وأنْفُسُ الكافِرِينَ بِالشَّياطِينِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: المَوْؤُودَةُ: البِنْتُ تُدْفَنُ وهي حَيَّةٌ، وكانَ هَذا مِن فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ.
ويُقالُ: وأدَ ولَدَهُ، أيْ: دَفَنَهُ حَيًّا.
قالَ الفَرَزْدَقُ: ومِنّا الَّذِي مَنَعَ الوائِدا تِ فَأحْيا الوَئِيدَ ولَمْ يُوأدِ يَعْنِي: صَعْصَعَةَ بْنَ صُوحانَ، وهو جَدُّ الفَرَزْدَقِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى سُؤالِها: تَبْكِيتُ قاتِلِيها في القِيامَةِ، لِأنَّ جَوابَها: قُتِلْتُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ.
ومِثْلُ هَذا التَّبْكِيتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ ﴾ ؟!
[المائِدَةُ: ١١٦] .
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " سَألَتْ " بِفَتْحِ السِّينِ، وألِفٍ بَعْدَها ﴿ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾ بِإسْكانِ اللّامِ، وضَمِّ التّاءِ الأخِيرَةِ.
وسُؤالُها هَذا أيْضًا تَبْكِيتٌ لِقاتِلِيها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ المَرْأةُ في الجاهِلِيَّةِ إذا حَمَلَتْ، فَكانَ أوانُ وِلادِها حَفَرَتْ حَفِيرَةً، فَتَمَخَّضَتْ عَلى رَأْسِ الحَفِيرَةِ، فَإنْ ولَدَتْ جارِيَةً رَمَتْ بِها في الحَفِيرَةِ، وإنْ ولَدَتْ غُلامًا حَبَسَتْهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ " نُشِرَتْ " بِالتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.
والمُرادُ بِالصُّحُفِ: صَحائِفُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ تُنْشَرُ لِلْحِسابِ ﴿ وَإذا السَّماءُ كُشِطَتْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: نُزِعَتْ، فَطُوِيَتْ.
وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: " قُشِطَتْ " بِالقافِ، وهَكَذا تَقُولُهُ قَيْسٌ، وتَمِيمٌ، وأسَدٌ: بِالقافِ.
وأمّا قُرَيْشٌ، فَتَقُولُهُ بِالكافِ، والمَعْنى واحِدٌ.
والعَرَبُ تَقُولُ: القافُورُ، والكافُورُ، والقِسْطُ، والكِسْطُ.
وإذا تَقارَبَ الحَرْفانِ في المَخْرَجِ تَعاقَبا في اللُّغاتِ، كَما يُقالُ: حَدَثٌ، وحَدَتٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كُشِطَتْ كَما يُكْشَطُ الغِطاءُ عَنِ الشَّيْءِ، فَطُوِيَتْ.
وقالَ الزَّجّاجُ: قُلِعَتْ كَما يُقْلَعُ السَّقْفُ.
و ﴿ سُعِّرَتْ ﴾ أُوقِدَتْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " سُعِّرَتْ " مُشَدَّدَةً.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى واحِدٌ.
إلّا أنَّ مَعْنى المُشَدَّدِ: أُوقِدَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
و ﴿ أُزْلِفَتْ ﴾ قُرِّبَتْ مِنَ المُتَّقِينَ.
وجَوابُ هَذِهِ الأشْياءِ ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ ﴾ أيْ: إذا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلِمَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ كُلُّ نَفْسٍ ما أحْضَرَتْ مِن عَمَلٍ، فَأُثِيبَتْ عَلى قَدْرِ عَمَلِها.
ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ ﴾ : لِهَذا جَرى الحَدِيثُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هاهُنا اثْنَتا عَشْرَةَ خِصْلَةً، سِتَّةٌ في الدُّنْيا، وسِتَّةٌ في الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ ﴿ وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾ ﴿ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾ ﴿ وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴾ ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ ﴾ هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها.
و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ..
تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ.
و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ.
و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ.
و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ.
و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والبَحْرِ المَسْجُورِ ﴾ ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا ﴾ ، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى.
و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً ﴾ ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ : « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿ الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ ﴾ ، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ.
وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ.
و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا ﴾ ، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ.
واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ.
و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ.
و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ.
و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ ﴾ ، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.
<div class="verse-tafsir"
الافتتاح ب ﴿ ذا ﴾ افتتاح مشوِّق لأن ﴿ إذا ﴾ ظرف يستدعي متعلَّقاً، ولأنه أيضاً شرط يؤذن بذكر جَواب بعده، فإذا سمعه السامع ترقب ما سيأتي بعده فعند ما يسمعه يتمكن من نفسه كمال تمكّن، وخاصة بالإطناب بتكرير كلمة ﴿ إذا ﴾ .
وتعدّدِ الجمل التي أضيف إليها اثنتيْ عشرة مرة، فإعادة كلمة ﴿ إذا ﴾ بعد واو العطف في هذه الجمل المتعاطفة إطناب، وهذا الإِطناب اقتضاهُ قصد التهويل، والتهويل من مقتضيات الإِطناب والتكرير، كما في قصيدة الحارث بن عَبَّاد البَكري: قرّبا مَربط النعامة مني *** إلخ.
وفي إعادة ﴿ إذا ﴾ إشارة إلى أن مضمون كل جملة من هذه الجمل الثنتي عشرة مستقل بحصول مضمون جملة الجواب عند حصوله بقطع النظر عن تفاوت زمان حصول الشروط فإن زمن سؤال الموءودة ونشر الصحف أقرب لعلم النفوس بما أحضرت أقرب من زمان تكوير الشمس وما عطف عليه مما يحصل قبل البعث.
وقد ذكر في هذه الآيات اثنا عشر حدثاً فستة منها تحصل في آخر الحياة الدنيوية، وستة منها تحصل في الآخرة.
وكانت الجمل التي جعلت شروطاً ل ﴿ إذا ﴾ في هذه الآية مفتتحة بالمسند إليه المخبَر عنه بمسندٍ فعْلِيَ دون كونها جملاً فعلية ودون تقدير أفعال محذوفة تفسرها الأفعال المذكورة وذلك يؤيد قول نحاة الكوفة بجواز وقوع شرط ﴿ إذا ﴾ جملة غيرَ فعلية وهو الراجع لأن ﴿ إذا ﴾ غير عريقة في الشرط.
وهذا الأسلوب لقصد الاهتمام بذكر ما أسندت إليه الأفعال التي يغلب أن تكون شروطاً ل ﴿ إذا ﴾ لأن الابتداء بها أدخل في التهويل والتشويق وليفيد ذلك التقديمُ على المسند الفعلي تَقَوِّيَ الحكم وتأكيده في جميع تلك الجمل رداً على إنكار منكريه فلذلك قيل: ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ ولم يقل: إذا كورت الشمس، وهكذا نظائره.
وجواب الشروط الاثني عشر هو قوله: ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ وتتعلق به الظروف المشْرَبة معنى الشرط.
وصيغة الماضي في الجمل الثِنْتَي عشرة الواردة شروطاً ل ﴿ إذا ﴾ مستعملةٌ في معنى الاستقبال تنبيهاً على تحقق وقوع الشرط.
وتكوير الشمس: فساد جِرمها لتداخل ظاهرها في باطنها بحيث يختل تركيبها فيختل لاختلاله نظام سيرها، من قولهم: كَوَّر العمامة، إذا أدخل بعضها في بعض ولفّها، وقريب من هذا الإطلاق إطلاق الطيّ في قوله تعالى: ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب ﴾ [الأنبياء: 104].
وفسر ﴿ كورت ﴾ بمعنى غورت.
رواهُ الطبري عن ابن جبير وقال: هي كلمة معربة عن الفارسية وأن أصلها بالفارسية كُور بِكْر (بضم الكاف الأولى وسكون الراء الأخيرة) وعلى ذلك عُدّت هذه الكلمة مما وقع في القرآن من المعرّب.
وقد عدها ابن السبكي في نظمه الكلمات المعربة في القرآن.
وإذا زال ضوء الشمس انكدرت النجوم لأن معظمها يستنير من انعكاس نور الشمس عليها.
والانكدار: مطاوع كَدَّره المضاعف على غير قياس، أي حصل للنجوم انكدار من تكدير الشمس لها حين زال عنها انعكاس نورها، فلذلك ذكر مطاوع كدر دون ذكر فاعل التكدير.
والكُدرة: ضد الصفاء كتغير لون الماء ونحوه.
وفسر الانكدار بالتساقط والانقضاض، وأنشدوا قول العجاج يصف بازياً: أبصَر خِرْبَانَ فَضَاءً فانكدر *** ومعنى تساقطها تساقط بعضها على بعض واصطدامها بسبب اختلال نظام الجاذبية الذي جعله الله لإمساكها إلى أمد معلوم.
وتسيير الجبال انتقالها من أماكنها بارتجاج الأرض وزلزالها.
وتقدم في سورة النبأ.
و ﴿ العِشار ﴾ جمع عُشراء وهي الناقة الحامل إذا بلغت عشرة أشهر لحملها فقاربت أن تضع حملها لأن النوق تحمل عاماً كاملاً، و ﴿ العشار ﴾ أنفس مكاسب العرب ومعنى ﴿ عطلت ﴾ تركت لا ينتفع بها.
والكلام كناية عن ترك الناس أعمالهم لشدة الهول.
وعلى هذا الوجه يكون ذلك من أشراط الساعة في الأرض فيناسب ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ .
ويجوز أن تكون ﴿ العشار ﴾ مستعارة للأسحبة المحملة بالمطر، شبهت بالناقة العُشراء.
وهذا غير بعيد من الاستعمال، فهم يطلقون مثل هذه الاستعارة للسحاب، كما أطلقوا على السحابة اسم بكر في قول عنترة: جَادت عليه كلُّ بِكر حُرَّةٍ *** فتركن كُل قَرارة كالدرهم فأطلق على السحابة الكثيرة الماء اسم البكرِ الحرة، أي الأصيلة من النوق وهي في حملها الأول.
ومعنى تعطيل الأسحبة أن يَعْرض لها ما يحبس مطرها عن النزول، أو معناه أن الأسحبة الثقال لا تتجمع ولا تحمل ماء، فمعنى تعطيلها تكونها، فيتوالى القحط على الأرض فيهلك الناس والأنعام.
وعلى هذا الوجه فذلك من أشراط الساعة العلوية فيناسب تكوير الشمس وانكدار النجوم.
و ﴿ الوحوش ﴾ : جمع وَحش وهو الحيوان البري غير المتأنس بالناس.
وحَشرها: جمعها في مكان واحد، أي مكان من الأرض عند اقتراب فناء العالم فقد يكون سبب حشرها طوفاناً يغمر الأرض من فيضان البحار فكلما غمر جزءاً من الأرض فرت وحوشه حتى تجتمع في مكان واحد طالبة النجاة من الهلاك، ويُشعر بهذا عطف ﴿ وإذا البحار سُجرت ﴾ عليه.
وذكر هذا بالنسبة إلى الوحوش إيماء إلى شدة الهول فالوحوش التي من طبعها نفرة بعضها عن بعض تتجمع في مكان واحد لا يعدو شيءٌ منها على الآخر من شدة الرعب، فهي ذاهلة عما في طبعها من الاعتداء والافتراس، وليس هذا الحشرَ الذي يُحشَر الناس به للحساب بل هذا حشر في الدنيا وهو المناسب لما عدّ معه من الأشراط، وروي معناه عن أبي بن كعب.
وتسجير البحار: فيضانها قال تعالى: ﴿ والبحر المسجور ﴾ في سورة الطور (6).
والمراد تجاوز مياهها معدل سطوحها واختلاط بعضها ببعض وذلك من آثار اختلال قوة كرة الهواء التي كانت ضاغطة عليها، وقد وقع في آية سورة الانفطار (3): ﴿ وإذا البحار فجرت ﴾ وإذا حدث ذلك اختلط ماؤها برملها فتغير لونه.
يقال: سَجّر مضاعفاً وسَجَر مخففاً.
وَقُرِئ بهما فقرأه الجمهور مشدداً.
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب مخففاً.
وقوله تعالى: ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ شروع في ذكر الأحوال الحاصلة في الآخرة يوم القيامة وقد انتقل إلى ذكرها لأنها تحصل عقب الستة التي قبلها وابتدئ بأولها وهو تزويج النفوس، والتزويج: جعل الشيء زوجاً لغيره بعد أن كان كلاهما فرداً، والتزويج أيضاً: جعل الأشياء أنواعاً متماثلة قال تعالى: ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ [الرعد: 3] لأن الزوج يطلق على النوع والصنف من الأشياء والنفوس: جمع نفس، والنفس يطلق على الروح، قال تعالى: ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ﴾ [الفجر: 27، 28] وقال: ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ [الأنعام: 93].
وتطلق النفس على ذات الإنسان قال تعالى: ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق ﴾ [الأنعام: 151] وقال: ﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم ﴾ [الجمعة: 2] وقال: ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ [النور: 61] أي فليسلم الداخل على أمثاله من الناس.
فيجوز أن يكون معنى النفوس هنا الأرواح، أي تزوج الأرواح بالأجساد المخصصة لها فيصير الروح زَوجاً مع الجسد بعد أن كان فرداً لا جسم له في برزخ الأرواح، وكانت الأجساد بدون أرواح حين يعاد خلقها، أي وإذا أعطيت الأرواح للأجساد.
وهذا هو البعث وهوالمعنى المتبادر أولاً، وروي عن عكرمة.
ويجوز أن يكون المعنى وإذا الأشخاص نُوعت وصنفت فجعلت أصنافاً: المؤمنون، والصالحون، والكفار، والفجار، قال تعالى: ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون ﴾ [الواقعة: 7 10] الآية.
ولعل قصد إفادة هذا التركيب لهاذين المعنيين هو مقتضِيَ العدول عن ذكر ما زُوجت النفوس به.
وأول منازل البعث اقتران الأرواح بأجسادها، ثم تقسيم الناس إلى مراتبهم للحشر، كما قال تعالى: ﴿ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ [الزمر: 68] ثم قال: ﴿ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً ﴾ [الزمر: 71] ثم قال: ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً ﴾ [الزمر: 73] الآية.
وقد ذكروا معاني أخرى لتزويج النفوس في هذه الآية غير مناسبة للسياق.
وبمناسبة ذكر تزويج النفوس بالأجساد خص سؤال الموءودة بالذكر دون غيره مما يُسأل عنه المجرمون يوم الحساب.
ذلك لأن إعادة الأرواح إلى الأجساد كان بعد مفارقتها بالموت، والموت إما بعارض جسدي من انحلال أو مرض وإما باعتداء عدواني من قتل أو قتال، وكان من أفظع الاعتداء على إزهاق الأرواح من أجسادها اعتداء الآباء على نفوس أطفالهم بالوأد، فإن الله جعل في الفطرة حرص الآباء على استحياء أبنائهم وجعل الأبوين سبب إيجاد الأبناء، فالوأْد أفظع أعمال أهل الشرك وسؤال الموءودة سؤال تعريضي مراد منه تهديد وائدها وَرُعْبِهِ بالعذاب.
وظاهر الآية أن سؤال الموءودة وعقوبة من وأدها أول ما يُقْضَى فيه يوم القيامة كما يقتضي ذلك جعلُ هذا السؤال وقتاً تعلم عنده كل نفس ما أحضرت فهو من أول ما يعلم به حين الجزاء.
والوأْدُ: دفن الطفلة وهي حيّة: قيل هو مقلوب آداه، إذا أثقله لأنه إثقال الدفينة بالتراب.
قال في «الكشاف»: «كانَ الرجل إذا وُلدت له بنت فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر تَرعَى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية يقول لأمها طيّبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها ثم يدفَعُها من خَلْفها ويُهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض.
وقيل: كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة وإن ولدت ابناً حبسته ا ه.
وكانوا يفعلون ذلك خشية من إغارة العدوّ عليهم فيسبي نساءهم ولخشية الإِملاق في سني الجدب لأن الذكر يحتال للكسب بالغارة وغيرها والأنثى عالة على أهْلها، قال تعالى: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق ﴾ [الإسراء: 31] وقال: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون ﴾ [النحل: 58، 59].
وإذ قد فشا فيهم كراهية ولادة الأنثى فقد نما في نفوسهم بغضها فتحركت فيها الخواطر الإِجرامية فالرجل يكره أن تولد له أنثى لذلك، وامرأته تكره أن تولد لها أنثى خشية من فراق زوجها إياها وقد يهجر الرجل امرأته إذا ولدت أنثى.
وقد توارثت هذا الجهل أكثر الأمم على تفاوت بينهم فيه، ومن كلام بعضهم وقد ماتت ابنته: «نِعم الصهْر القَبر».
ومن آثار هذا الشعور حرمان البنات من أموال آبائهن بأنواع من الحيل مثل وقف أمْوالهم على الذكور دون الإِناث وقد قال مالك: إن ذلك من سنة الجاهلية، ورأى ذلك الحُبس باطلاً، وكان كثير من أقرباء الميت يلجئون بناته إلى إسقاط حقهن في ميراث أيهن لأخوتهن في فور الأسف على موت أبيهن فلا يمتنعن من ذلك ويرين الامتناع من ذلك عاراً عليهن فإن لم يفعلن قطَعَهن أقرباؤهن.
وتعرف هذه المسألة في الفقه بهبة بنات القبائل.
وبعضهم يعدها من الإِكراه.
ولم يكن الوأد معمولاً به عند جميع القبائل، قيل: أول من وأد البنات من القبائل ربيعةُ، وكانت كندة تئد البنات، وكان بنو تميم يفعلون ذلك، ووأدَ قيسٌ بن عاصم المِنْقَري من بني تميم ثمان بنات له قبل إسلامه.
ولم يكن الوأد في قريش البتةَ.
وكان صعصعة بن ناجية جد الفرزدق من بني تميم يفتدي من يعلم أنه يريد وأد ابنته من قومه بناقتين عُشَرَاوين وجَمَل، فقيل: إنه افتدى ثلاثمائة وستين موءودة، وقيل: وسبعين وفي «الأغاني»: وقيل: أربعمائة.
وفي «تفسير القرطبي»: فجاء الإِسلام وقد أحيا سبعين موءودة ومثل هذا في «كتاب الشعراء» لابن قتيبة وبين العددين بون بعيد فلعل في أحدهما تحريفاً.
وفي توجيه السؤال إلى الموءودة: ﴿ بأي ذنب قتلت ﴾ في ذلك الحشر إدخال الروع على من وأدها، وجعل سؤالها عن تعيين ذنب أوجَب قتلها للتعريض بالتوبيخ والتخطئة للذي وأدها وليكون جوابُها شهادة على من وأدها فيكون استحقاقه العقاب أشد وأظهر.
وجملة: ﴿ بأي ذنب قتلت ﴾ بيان لجملة ﴿ سئلت ﴾ .
و (أي) اسم استفهام يطلب به تميز شيء من بين أشياء تشترك معه في حال.
والاستفهام في ﴿ بأي ذنب ﴾ تقريري، وإنما سئلت عن تعيين الذنب الموجب قتلها دون أن تُسأل عن قاتلها لزيادة التهديد لأن السؤال عن تعيين الذنب مع تحقق الوائد الذي يسمع ذلك السؤال أن لا ذنب لها إشعار للوائد بأنه غير معذور فيما صنع بها.
وينتزع من قوله تعالى: ﴿ سئلت بأي ذنب قتلت ﴾ الواردِ في سياق نفي ذنب عن الموءودة يوجب قتلها استدلالٌ على أنّ من ماتوا من أطفال المشركين لا يعتبرون مشركين مثل آبائهم، وأول من رأيته تعرض لهذا الاستدلال الزمخشري في «الكشاف».
وذكر أن ابن عباس استدل على هذا المعنى قال في «الكشاف»: «وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذَّبون وإذأ بكَّتَ الله الكافر ببراءة الموءودة من الذنب فما أقبح به وهو الذي لا يَظلِم مثقال ذرة أن يكر على هذا التبكيت فيفعل بها ما تنسى عنده فِعل المبكّت من العذاب السرمدي.
وعن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فاحتج بهذه الآية ا ه.
فأشار إلى ثلاثة أدلة: أحدها: دلالة الإِشارة، أي لأن قوله تعالى: ﴿ بأي ذنب قتلت ﴾ يشير إلى أنها لا ذنب لها، وهذا استدلال ضعيف لأن الذنب المنفي وجودُه بطريقة الاستفهام المشوب بإنكار إنما هو الذنب الذي يخول لأبيها وأدها لا إثباتَ حرمتها وعصمة دمها فتلك قضية أخرى على تفصيل فيها.
الثاني: قاعدة إحالة فعل القبيح على الله تعالى على قاعدة التحسين، والتقبيح عند المعتزلة وإحالتهم الظلم على الله إذا عذب أحداً بدون فعله، وهو أصل مختلف فيه بين الأشاعرة والمعتزلة.
فعندنا أنَّ تصرف الله في عبيده لا يوصف بالظلم خلافاً لهم على أن هذا الدليل مبنيٌّ على أساس الدليل الأول وقد علمت أنه غير سالم من النقض.
الثالث: ما نسبه إلى ابن عباس وهو يشير إلى ما أخرجه ابن أبي حاتم بسنده إلى عكرمة أنه قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار فقد كذَّب بقول الله تعالى: ﴿ وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت ﴾ .
وقد أجيب عن القول المروي عن ابن عباس بأنه لم يبلغ مبلغ الصحّة.
وهذه مسألة من أصول الدين لا يكتفى فيها إلا بالدليل القاطع.
واعلم أن الأحاديث الصحيحة في حكم أطفال المشركين متعارضة، فروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة وابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أولاد أو ذراري المشركين.
فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين " وهذا الجواب يحتمل الوقف عن الجواب، أي الله أعلم بحالهم كقول موسى عليه السلام: ﴿ علمُها عند ربي في كتاب ﴾ [طه: 52] جواباً لقول فرعون: ﴿ فما بال القرون الأولى ﴾ [طه: 51].
ويحتمل أن المعنى الله أعلم بحال كل واحد منهم لو كبر مَاذا يكون عاملاً من كفر أو إيمان، أي فيعامله بما علم من حاله.
وأخرج البخاري ومسلم (ببعض اختلاف في اللفظ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كل مولود يولد على الفِطرة فأبواه يُهودانه، أو ينصرانه أو يمجسانه " الحديث.
زاد في رواية مسلم: ثُم يقول (أي أبو هريرة) اقرأوا: ﴿ فطرت اللَّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللَّه ذلك الدين القيم ﴾ [الروم: 30] فيقتضي أنهم يولدون على فطرة الإسلام حتى يدخل عليه من أبويه أو قريبه أو قرينه ما يُغيره عن ذلك وهذا أظهر ما يستدل به في هذه المسألة.
وقال المازري في «المعلم»: فاضطرب العلماء فيهم.
والأحاديث وردت ظواهرها مختلفة واختلاف هذه الظواهر سَبب اضطراب العلماء في ذلك والقطع ههنا يبعُد ا ه.
وقول أبي هريرة: واقرأوا: ﴿ فطرت اللَّه التي فطر الناس عليها ﴾ الخ مصباح ينير وجه الجمع بين هذه الأخبار: وقد ورد في حديث الرؤيا عن سمرة بن جندب ما هو صريح في ذلك إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأما الرجل الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام وأما الوِلْدَانُ الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة ".
قال سمرة فقال بعض المسلمين: يا رسول الله " وأولادُ المشركين؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولادُ المشركين ".
واختلفت أقوال العلماء في أولاد المشركين فقال ابن المبارك وحمّاد بن سلمة وحمّاد بن زيد وإسحاق بن راهويه والشافعي هُم في مشيئة الله.
والصحيح الذي عليه المحققون والجمهور أنهم في الجنة وهو ظاهر قول أبي هريرة.
وذهب الأزارقة إلى أن أولاد المشركين تبع لآبائهم، وقال أبو عبيد: سألت محمد بن الحسن عن حديث: " كل مولود يولد على الفطرة " فقال: كان ذلك أول الإِسلام قبل أن تنزل الفرائض وقبل أن يفرض الجهاد.
قال أبو عبيد: كأنه يعني أنه لو ولد على الفطرة لم يَرِثاه لأنه مسلم وهما كافران فلما فرضت الفرائض على خلاف ذلك جاز أن يسمى كافراً وعلم أنه يولد على دينهما.
وهنالك أقوال أخرى كثيرة غير معزوة إلى معيّن ولا مستندة لأثر صحيح.
وذكر المازري: أن أطفال الأنبياء في الجنة بإجماع وأن جمهور العلماء على أن أطفال بقية المؤمنين في الجنة وبعض العلماء وقف فيهم، وقال النووي: أجمع من يُعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة.
وقرأ الجمهور: «قُتلت» بتخفيف المثناة الأولى، وقرأه أبو جعفر بتشديدها وهي تفيد معنى أنه قَتْل شديد فظيع.
ونشر الصحف حقيقته: فتح طيّات الصحيفة، أو إطلاق التفافها لتقرأ كتابتها، وتقدم في قوله: ﴿ أن يؤتَى صُحفاً مُنَشَّرة ﴾ في سورة المدثر (52)، وعند قوله: ﴿ كتاباً يلقاه منشوراً ﴾ في سورة الإسراء (13).
والمراد: صحف الأعمال، وهي إما صحف حقيقية مخالفة للصحف المألوفة، وإما مجازية أطلقت على أشياء فيها إحصاءُ أعمال الناس، وقد تقدم غير مرة.
وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: ﴿ نُشِرت ﴾ بتخفيف الشين.
وقرأه الجمهور بتشديد الشين للتكثير لكثرة الصحف المنشورة.
والكشط: إزالة الإهاب عن الحيوان الميّت وهو أعم من السلخ لأن السلخ لا يقال إلا في إزالة إهاب البقر والغنم دون إزالة إهاب الإِبل فإنه كشط ولا يقال: سلخ، والظاهر أن المراد إزالة تقع في يوم القيامة لأنها ذكرت في أثناء أحداث يوم القيامة بعد قوله: ﴿ وإذا النفوس زوجت وإذا الموؤدة سئلت ﴾ وقوله: ﴿ وإذا الصحف نشرت ﴾ .
فالظاهر أن السماء تبقَى منشقة منفطرة تعرج الملائكة بينهما وبين أرض المحشر حتى يتم الحساب فإذا قضي الحساب أزيلت السماء من مكانها فالسماء مكشوطة والمكشوط عنه هو عالم الخلود، ويكون ﴿ كشطت ﴾ إستعارة للإِزالة.
ويجوز أن يكون هذا من الأحداث التي جُعلت أشراطاً للساعة وأُخر ذكره لمناسبة ذكر نشر الصحف لأن الصحف تنشرها الملائكة وهم من أهل السماء فيكون هذا الكشط من قبيل الانشقاق في قوله تعالى: ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ [الانشقاق: 1] والانفطار في قوله تعالى: ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ إلى قوله: ﴿ علمت نفس ما قدمت وأخرت ﴾ [الانفطار: 1 5] فيكون الكشط لبعض أجزاء السماء والمكشوط عنه بعض آخر، فيكون من قبيل قوله تعالى: ﴿ لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ﴾ [الأعراف: 40] ومن قبيل الطي في قوله تعالى: ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب كما بدأنا أول خلق نعيده ﴾ [الأنبياء: 104] لأن ظاهره اتصالُ طيّ السماء بإعادة الخلق، وتصير الأشراط التي تحصل قبل البعث سبعة والأحداث التي تقع بعد البعث خمسة.
والجحيم أصله: النار ذات الطبقات من الوَقود من حَطب ونحوه بعضها فوق بعض، وصار علَماً بالغلبة على جهنم دار العذاب في الآخرة في اصطلاح القرآن، وتسعيرها أو إسعارها: إيقادها، أي هُيّئت لعذاب من حقّ عليهم العذاب.
وقرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر ورويس عن يعقوب: ﴿ سُعّرت ﴾ بتشديد العين مبالغة في الإِسعار.
وقرأه الباقون بالتخفيف.
وقوبلت بالجنة دار النعيم واسم الجنة علم بالغلبة على دار النعيم، و ﴿ أزلفت ﴾ قربت، والزلفى: القرب، أي قربت الجنة من أهلها، أي جعلت بقرب من محشرهم بحيث لا تَعَب عليهم في الوصول إليها وذلك كرامة لهم.
واعلم أن تقديم المسند إليه في الجمل الثِنْتي عشرة المفتتحات بكلمة ﴿ إذا ﴾ من قوله: ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ إلى هنا، والإِخْبار عنه بالمسند الفعلي مع إمكان أن يقال: إذا كورت الشمس وإذا انكدرت النجوم، وهكذا كما قال: ﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ﴾ [الرحمن: 37] أن ذلك التقديم لإفادة الاهتمام بتلك الأخبار المجعولة علامات ليوم البعث توسلاً بالاهتمام بأشراطه إلى الاهتمام به وتحقيق وقوعه.
وإن إطالة ذكر تلك الجمل تشويق للجواب الواقع بعدها بقوله: ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ .
وجملة: ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ يتنازع التعلق به كلمات ﴿ إذا ﴾ المتكررة.
وعن عمر بن الخطاب: «أنه قرأ أول هذه السورة فلما بلغ ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ قال: لهذا أجريت القصة» أي هو جواب القسم ومعنى ﴿ علمت ﴾ أنها تعلم بما أحضرت فتعلمه.
وقوله ﴿ نفس ﴾ نكرة في سياق الشرط مُراد بها العموم، أي علمت كل نفس ما أحضرتْ، واستفادة العموم من النكرة في سياق الإثبات تحصل من القرينة الدالة على عدم القصد إلى واحد من الجنس، والقرينة هنا وقوع لفظ نفس في جواب هذه الشروط التي لا يخطر بالبال أن تكون شروطاً لشخص واحد، وقد قال تعالى: ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء ﴾ [آل عمران: 30].
والإحضار: جعل الشيء حاضراً.
ومعنى: ﴿ علمتْ نفس ما أحضرت ﴾ حصول اليقين بما لم يكن لها به علم من حقائق الأعمال التي كان علمها بها أشتاتاً: بَعْضه معلوم على غير وجهه، وبعضه معلوم صورتُه مجهولةٌ عواقبه، وبعضه مغفول عنه.
فنزّل العلم الذي كان حاصلاً للناس في الحياة الدنيا منزلة عدم العلم، وأثبت العلم لهم في ذلك اليوم علم أعمالهم من خير أو شر فيعلَم ما لم يكن له به علم مما يحقره من أعماله ويتذكر ما كان قد علمه من قبل، وتذكُّر المنسي والمغفول عنه نوع من العلم.
وما أحضرته هو ما أسلفته من الأعمال.
ولما كانت الأعمال تظهر آثارها من ثواب وعقاب يومئذ عبر عن ظهور آثارها بالإحضار لشببه به كما يحضر الزاد للمسافر ففي فعل: ﴿ أحضرت ﴾ استعارة.
ويطلق على ذلك الإعداد كقول النبي صلى الله عليه وسلم للذي سأله متى الساعة: " ماذا أعددت لها ".
وأسند الإحضار إلى النفوس لأنها الفاعلة للأعمال التي يظهر جزاؤها يومئذ فهذا الإسناد من إسناد فعل الشيء إلى سَبب فعله، فحصل هنا مجازان: مجاز لغوي، ومجاز عقلي، وحقيقتهما في قوله تعالى: ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء ﴾ .
وجعلت معرفة النفوس لجزاء أعمالها حاصلة عند حصول مجموع الشروط التي ذكرت في الجمل الثنتي عشرة لأن بعض الأحوال التي تضمنتها الشروط مقارن لحصول علم النفوس بأعمالها وهي الأحوال الستة المذكورة أخيراً، وبعض الأحوال حاصل من قبل بقليل وهي الأحوال الستة المذكورة أولاً.
فنزل القريب منزلة المقارن، فلذلك جعل الجميع شروطاً ل ﴿ إذا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ التَّكْوِيرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي ذَهَبَ نُورُها وأظْلَمَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: غُوِّرَتْ، وهو بِالفارِسِيَّةِ كوبكرد، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّالِثُ: اضْمَحَلَّتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: نُكِّسَتْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الخامِسُ: جُمِعَتْ فَأُلْقِيَتْ، ومِنهُ كارَةُ الثِّيابِ لِجَمْعِها، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ.
﴿ وَإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: تَناثَرَتْ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ.
الثّانِي: تَغَيَّرَتْ فَلَمْ يَبْقَ لَها ضَوْءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: تَساقَطَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ العَجّاجِ أبْصَرَ خَرْبانُ فَضاءً فانْكَدَرَ تَقْضِي البازِي إذا البازِي كَسَرَ وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يَكُونَ انْكِدارُها طَمْسَ آثارِها، وسُمِّيَتِ النُّجُومُ نُجُومًا لِظُهُورِها في السَّماءِ بِضَوْئِها.
﴿ وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ ﴾ يَعْنِي ذَهَبَتْ عَنْ أماكِنِها، قالَ مُقاتِلٌ: فَسُوِّيَتْ بِالأرْضِ كَما خُلِقَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ ولَيْسَ عَلَيْها جَبَلٌ ولا فِيها وادٍ.
﴿ وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ ﴾ والعِشارُ: جَمْعُ عُشَراءَ وهي النّاقَةُ إذا صارَ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ أمْوالِهِمْ عِنْدَهم، قالَ الأعْشى هو الواهِبُ المِائَةَ المُصْطَفا ∗∗∗ ةَ إمّا مَخاضًا وإمّا عِشارًا فَتُعَطَّلُ العِشارُ لِاشْتِغالِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ مِن شِدَّةِ خَوْفِهِمْ.
وَفي ﴿ عُطِّلَتْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أُهْمِلَتْ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الثّانِي: لَمْ تَحْلِبْ ولَمْ تُدِرَّ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
وَقالَ بَعْضُهم: العِشارُ: السَّحابُ تُعَطَّلُ فَلا تُمْطِرُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنَّها الأرْضُ الَّتِي يُعَشَّرُ زَرْعُها فَتَصِيرُ لِلْواحِدِ عُشْرًا، تُعَطَّلُ فَلا تُزْرَعُ.
﴿ وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: جُمِعَتْ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الثّانِي: اخْتَلَطَتْ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَصارَتْ بَيْنَ النّاسِ.
الثّالِثُ: حُشِرَتْ إلى القِيامَةِ لِلْقَضاءِ فَيُقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: أنَّ حَشْرَها بِمَوْتِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ ﴾ فِيهِ ثَمانِيَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فاضَتْ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
الثّانِي: يَبِسَتْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: مُلِئَتْ، أُرْسِلَ عَذْبُها عَلى مالِحِها، ومالِحُها عَلى عَذْبِها حَتّى امْتَلَأتْ، قالَهُ أبُو الحَجّاجِ.
الرّابِعُ: فُجِّرَتْ فَصارَتْ بَحْرًا واحِدًا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الخامِسُ: سُيِّرَتْ كَما سُيِّرَتِ الجِبالَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
السّادِسُ: هو حُمْرَةُ مائِها حَتّى تَصِيرَ كالدَّمِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ عَيْنٌ سَجْراءُ أيْ حَمْراءُ.
السّابِعُ: يَعْنِي أُوقِدَتْ فانْقَلَبَتْ نارًا، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.
الثّامِنُ: مَعْناهُ أنَّهُ جُعِلَ ماؤُها شَرابًا يُعَذَّبُ بِهِ أهْلُ النّارِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ (سُجِرَتْ) إخْبارًا عَنْ حالِها مَرَّةً واحِدَةً، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ إخْبارًا عَنْ حالِها في تَكْرارِ ذَلِكَ مِنها مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
﴿ وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي عُمِلَ بِهِنَّ عَمَلٌ مِثْلُ عَمَلِها، فَيُحْشَرُ العامِلُ بِالخَيْرِ مَعَ العامِلِ بِالخَيْرِ إلى الجَنَّةِ، ويُحْشَرُ العامِلُ بِالشَّرِّ مَعَ العامِلِ بِالشَّرِّ إلى النّارِ، قالَهُ عَطِيَّةُ العُوفِيُّ: حِينَ يَكُونُ النّاسُ أزْواجًا ثَلاثَةً.
الثّانِي: يُزَوَّجُ كُلُّ رَجُلٍ نَظِيرَهُ مِنَ النِّساءِ فَإنَّ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ زُوِّجَ بِاِمْرَأةٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ زُوِّجَ بِاِمْرَأةٍ مِن أهْلِ النّارِ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ ﴾ الثّالِثُ: مَعْناهُ رُدَّتِ الأرْواحُ إلى الأجْسادِ، فَزُوِّجَتْ بِها أيْ صارَتْ لَها زَوْجًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ قَرَنَ كُلَّ غاوٍ بِمَن أغْواهُ مِن شَيْطانٍ أوْ إنْسانٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: زُوِّجَتْ بِأنْ أُضِيفَ إلى كُلِّ نَفْسٍ جَزاءُ عَمَلِها، فَصارَ لِاخْتِصاصِها بِهِ كالتَّزْوِيجِ.
﴿ وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾ والمَوْءُودَةُ المَقْتُولَةُ، كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا ولَدَتِ امْرَأتُهُ بِنْتًا دَفَنَها حَيَّةً، إمّا خَوْفًا مِنَ السَّبْيِ والِاسْتِرْقاقِ، وإمّا خَشْيَةَ الفَقْرِ والإمْلاقِ، وكانَ ذَوُو الشَّرَفِ مِنهم يَمْتَنِعُونَ مِن هَذا ويَمْنَعُونَ مِنهُ حَتّى افْتَخَرَ الفَرَزْدَقُ فَقالَ ومِنّا الَّذِي مَنَعَ الوائِداتِ ∗∗∗ فَأحْيا والوَئِيدَ فَلَمْ تُوأدِ وَسُمِّيَتْ مَوْءُودَةً لِلثِّقَلِ الَّذِي عَلَيْها مِنَ التُّرابِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُما ﴾ أيْ لا يُثْقِلُهُ، وقالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ ومَوْءُودَةٍ مَقْبُورَةٍ في مَفازَةٍ ∗∗∗ بِآمَتِها مَوْسُودَةٍ لَمْ تُمَهَّدِ فَقالَ تَوْبِيخًا لِقاتِلِها وزَجْرًا لِمَن قَتَلَ مِثْلَها ﴿ وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾ واخْتُلِفَ هَلْ هي السّائِلَةُ أوِ المَسْؤُولَةُ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ أنَّها هي المَسْؤُولَةُ: ﴿ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾ فَتَقُولُ: لا ذَنْبَ لِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْلَغَ في تَوْبِيخِ قاتِلِها وزَجْرِهِ.
الثّانِي: أنَّها هي السّائِلَةُ لِقاتِلِها لِمَ قُتِلَتْ، فَلا يَكُونُ لَهُ عُذْرٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وكانَ يَقْرَأُ: وإذا المَوْءُودَةُ سَألَتْ.
قالَ قَتادَةُ: يَقْتُلُ أحَدُهُما بِنْتَهُ ويَغْذُو كَلْبَهُ، فَأبى اللَّهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
﴿ وَإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾ يَعْنِي صُحُفَ الأعْمالِ إذا كَتَبَ المَلائِكَةُ فِيها ما فَعَلَ أهْلُها مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، تُطْوى بِالمَوْتِ وتُنْشَرُ في القِيامَةِ، فَيَقِفُ كُلُّ إنْسانٍ عَلى صَحِيفَتِهِ فَيَعْلَمُ ما فِيها فَيَقُولُ: ﴿ مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِتَشْدِيدِ نُشِّرَتْ عَلى تَكْرارِ النَّشْرِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ عَلى نَشْرِها مَرَّةً واحِدَةً، فَإنْ حُمِلَ عَلى المَرَّةِ الواحِدَةِ فَلِقِيامِ الحُجَّةِ بِها، وإنْ حُمِلَ عَلى التَّكْرارِ فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِلْمُبالَغَةِ في تَقْرِيعِ العاصِي وتَبْشِيرِ المُطِيعِ.
الثّانِي: لِتَكْرِيرِ ذَلِكَ مِنَ الإنْسانِ والمَلائِكَةِ الشُّهَداءِ عَلَيْهِ.
﴿ وَإذا السَّماءُ كُشِطَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها يَعْنِي ذَهَبَتْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: كَسَفَتْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: طُوِيَتْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ ﴾ الآيَةَ.
﴿ وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أُحْمِيَتْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: أُوقِدَتْ، قالَهُ مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ.
الثّالِثُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللَّهِ وخَطايا بَنِي آدَمَ، قالَهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ.
﴿ وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴾ أيْ قُرِّبَتْ، قالَ الرَّبِيعُ: إلى هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ما جَرى الحَدِيثُ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ.
﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ ﴾ يَعْنِي ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
وَهَذا جَوابُ ﴿ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ وما بَعْدَها، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: لِهَذا جَرى الحَدِيثُ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿ إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ قَسَمٌ وقَعَ عَلى قَوْلِهِ ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ ﴾ <div class="verse-tafsir"
وأخرج أحمد والترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ و ﴿ إذا السماء انفطرت ﴾ و ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ » .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ومسلم وابن ماجة والبيهقي في سننه عن عمرو بن حوشب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر ﴿ والليل إذا عسعس ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ قال: أظلمت ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ قال تغيرت ﴿ وإذا الموءودة سئلت ﴾ يقول: سألت.
وأخرج ابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ قال: أغورت.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ قال: أغورت ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ قال: تناثرت ﴿ وإذا الجبال سيرت ﴾ قال: ذهبت ﴿ وإذا العشار ﴾ عشار الإِبل ﴿ عطلت ﴾ لا راعي لها ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: أوقدت ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ قال: الأمثال للناس جمع بينهم ﴿ وإذا السماء كشطت ﴾ قال: اجتبذت.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ قال: هي بالفارسية كور.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ كورت ﴾ قال: غورت.
قال يعقوب: وهي بالفارسية كور يهود.
وأخرج ابن أبي حاتم والديلمي عن أبي مريم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله: « ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ قال: كورت في جهنم ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ قال: انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم إلا ما كان من عيسى ابن مريم وأمه ولو رضيا أن يعبدا لدخلاها» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الأهوال وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ قال: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله ريحاً دبوراً فتنفخه حتى يرجع ناراً.
وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشمس والقمر مكوران يوم القيامة، زاد البزار في مسنده في النار» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي العالية رضي الله عنه قال: ست آيات من هذه السورة في الدنيا والناس ينظرون إليه، وست في الآخرة ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ إلى ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ هذه الدنيا والناس ينظرون إليه ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ ، ﴿ وإذا الجنة أزلفت ﴾ هذه الآخرة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في الأهوال وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبيّ بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذا وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحركت واضطربت واختلطت ففزعت الجن إلى الإِنس والإِنس إلى الجن، واختلط الدواب والطير والوحش فماجوا بعضهم في بعض ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: اختلطت ﴿ وإذا العشار عطلت ﴾ أهملها أهلها ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: الجن والإِنس نحن نأتيكم بالخبر فانطلقوا إلى البحر فإذا هي نار تأجج، فبينما هم كذلك إذا انصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة وإلى السماء السابعة، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح رضي الله عنه ﴿ إذا الشمس كوّرت ﴾ قال: نكست.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ إذا الشمس كوّرت ﴾ قال: اضمحلت.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ إذا الشمس كوّرت ﴾ قال: ذهب ضوءها ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ قال: تساقطت ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: حشرها موتها ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: ذهب ماؤها، غار ماؤها قال: سجرت وفجرت سواء ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ زوجت الأرواح الأجساد.
وأخرج عبد بن حميد وابن حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ إذا الشمس كوّرت ﴾ قال: ذهب ضوءها فلا ضوء لها ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ قال: تساقطت وتهافتت ﴿ وإذا العشار عطلت ﴾ قال: سيبها أهلوها أتاهم ما شغلهم عنها فلم تصر ولم تحلب ولم يكن في الدنيا مال أعجب إليهم منها ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: إن هذه الخلائق موافيه يوم القيامة فيقضي الله فيها ما يشاء ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: ذهب ماؤها ولم يبق منها قطرة ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: الحق كل إنسان بشيعته اليهود باليهود والنصراني بالنصراني ﴿ وإذا الموءودة سئلت ﴾ قال: هي في بعض القراءة ﴿ سألت بأي ذنب قتلت ﴾ قال: لا بذنب وكان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته ويغذو كلبه، فعاب الله ذلك عليهم ﴿ وإذا الصحف نشرت ﴾ قال: صحيفتك يا ابن آدم يملي ما فيها، ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة فينظر الرجل ما يمل في صحيفته ﴿ وإذا الجحيم سعرت ﴾ قال: أوقدت ﴿ وإذا الجنة أزلفت ﴾ قال: قربت ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ من عمل قال: قال عمر رضي الله عنه إلى هاهنا آخر الحديث.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ﴿ وإذا العشار عطلت ﴾ قال: هي الإِبل ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: حشرها موتها ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: ترجع الأرواح إلى أجسادها ﴿ وإذا الموءودة سئلت ﴾ قال: أطفال المشركين.
قال ابن عباس: الموءودة هي المدفونة، كانت المرأة في الجاهلية إذا هي حملت فكان أوان ولادها حفرت حفرة فتمخضت على رأس تلك الحفرة، فإن ولدت جارية رمت بها في تلك الحفرة، وإن ولدت غلاماً حبسته.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: فمن زعم أنهم في النار فقد كذب بل هم في الجنة.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن خيثم في قوله: ﴿ إذا الشمس كوّرت ﴾ قال: رمي بها ﴿ وإذا النجوم انكدرت ﴾ قال: تناثرت ﴿ وإذا الجبال سيرت ﴾ قال: سارت ﴿ وإذا العشار عطلت ﴾ لم تحلب ولم تصر وتخلى منها أهلها ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: أتى عليها أمر الله ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: فاضت ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: كل رجل مع صاحب عمله ﴿ وإذا الموءودة سئلت ﴾ قال: كانت العرب من أفعل الناس لذلك ﴿ وإذا الجحيم سعرت ﴾ أوقدت ﴿ وإذا الجنة أزلفت ﴾ قربت إلى هاهنا انتهى الحديث فريق في الجنة وفريق في السعير.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: حشر البهائم موتها، وحشر كل شيء الموت غير الجن والإِنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ قال: يحشر كل شيء حتى إن الذباب ليحشر.
وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: اختلط ماؤها بماء الأرض.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى يقول: لقد نازعتهم حسباً قديماً ** وقد سجرت بحارهم بحاري وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: فتحت وسيرت.
وأخرج البيهقي في البعث من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: تسجر حتى تصير ناراً.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن والضحاك رضي الله عنه ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: غار ماؤها فذهب.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن شمر بن عطية رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ قال: تسجر كما يسجر التنور.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث وأبو نعيم في الحلية عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن قوله: ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: يقرن بين الرجل الصالح مع الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع السوء في النار، فذلك تزويج الأنفس.
وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: هو الرجل يزوّج نظيره من أهل النار يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴾ [ الصافات: 22] .
وأخرج ابن مردويه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿ إذا النفوس زوّجت ﴾ قال: هما الرجلان يعملان العمل يدخلان الجنة والنار» .
وأخرج ابن منيع عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ قال: تزويجها أن يؤلف كل قوم إلى شبههم، وقال: ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يسيل واد من أصل العرش من ماء فيما بين الصبحتين، ومقدار ما بينهما أربعون عاماً، فينبت منه كل خلق بلي من الإِنسان أو طير أو دابة ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على وجه الأرض قد نبتوا ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد، فذلك قول الله: ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ قال: زوّج الروح للجسد.
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي ﴿ وإذا النفوس زوّجت ﴾ قال: زوّج الروح من الجسد وأعيدت الأرواح في الأجساد.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الكلبي قال: زوّج المؤمنون الحور العين والكفار الشياطين.
وأخرج الفراء عن عكرمة في قوله: ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ قال: يقرن الرجل في الجنة بقرينه الصالح في الدنيا، ويقرن الرجل الذي كان يعمل السوء في الدنيا بقرينه الذي كان يعينه في النار.
وأخرج أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن سلمة بن زيد الجعفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الوئيد والموءودة في النار، إلا أن تدرك الإِسلام فيعفو الله عنها» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الضحى مسلم بن صبيح أنه قرأ: ﴿ وإذا الموءودة سألت ﴾ قال: طلبت قاتلها بدمائها.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والطبراني وابن مردويه عن خدامة بنت وهب قالت: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: ذاك الوأد الخفي وهو ﴿ الموءودة ﴾ » .
وأخرج الطبراني عن صعصعة بن ناجية المجاشعي وهو جد الفرزدق قال: «قلت يا رسول الله إني عملت أعمالاً في الجاهلية فهل لي فيها من أجر؟
قال: وما عملت؟
قال: أحييت ثلثمائة وستين موءودة أشتري كل واحد منهن بناقتين عشراوين وجمل، فهل لي في ذلك من أجر؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لك أجره إذ منّ الله عليك بالإِسلام» .
وأخرج البزار والحاكم في الكنى والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿ وإذا الموءودة سئلت ﴾ قال: «جاء قيس بن عاصم التميمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعتق عن كل واحدة رقبة، قال إني صاحب إبل.
قال: فأهد عن كل واحدة بدنة» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وإذا الصحف نشرت ﴾ قال: إذا مات الإِنسان طويت صحيفته ثم تنشر يوم القيامة فيحاسب بما فيها.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما نزلت ﴿ إذا الشمس كوّرت ﴾ قال عمر: لما بلغ ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ قال: لهذا أجري الحديث.
وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن علي في قوله: ﴿ فلا أقسم بالخنس ﴾ قال: هي الكواكب تكنس بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأصبغ بن نباتة عن عليّ في قوله: ﴿ فلا أقسم بالخنس ﴾ قال: خمسة أنجم زحل وعطارد والمشتري وبهرام والزهرة ليس في الكواكب شيء يقطع المجرة غيرها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: الخنس نجوم تجري يقطعن المجرة كما يقطع الفرس.
وأخرج ابن مردويه والخطيب في كتاب النجوم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس ﴾ قال: هي النجوم السبعة زحل وبهرام وعطارد والمشتري والزهرة والشمس والقمر، خنوسها رجوعها، وكنوسها تغيبها بالنهار.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه من طرق عن ابن مسعود في قوله: ﴿ بالخنس الجواري الكنس ﴾ قال: هي بقر الوحش.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ الجواري الكنس ﴾ قال: البقر تكنس إلى الظل.
وأخرج ابن المنذر من طريق خصيف عن ابن عباس ﴿ الجواري الكنس ﴾ قال: هي الوحش تكنس لأنفسها في أصول الشجر تتوارى فيه.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ بالخنس ﴾ قال: الظباء.
وأخرج عبد بن حميد وابن راهويه والبيهقي في البعث عن عليّ ﴿ الجواري الكنس ﴾ قال: هي الكواكب.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس ﴾ قال: هي النجوم تبدو بالليل وتخفى بالنهار تكنس.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ بالخنس الجواري الكنس ﴾ قال: النجوم تخنس بالنهار.
وأخرج عبد بن حميد عن المغيرة قال: سأل إبراهيم مجاهداً عن قول الله: ﴿ فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس ﴾ قال: لا أدري.
قال إبراهيم: ولم لا تدري؟
قال: إنكم تقولون عن عليّ إنها النجوم، فقال: كذبوا.
فقال مجاهد: هي بقر الوحش، والخنس الجواري حجرتها.
فقال إبراهيم: هو كما قلت.
وأخرج عبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني قال: ﴿ بالخنس الجواري الكنس ﴾ هي النجوم الدراري التي تجري تستقبل المشرق.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي ميسرة قال: ﴿ الجواري الكنس ﴾ بقر الوحش.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ الجواري الكنس ﴾ قال: هي الظباء إذا كنست كوانسها.
وأخرج عبد بن حميد عن جابر بن زيد ﴿ الجواري الكنس ﴾ قال: هي الظباء ألم ترها إذا كانت في الظل كيف تكنس بأعناقها ومدت نظرها؟.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ الجواري الكنس ﴾ قال: البقر.
وأخرج الحاكم أبو أحمد في الكنى عن العدبس قال: كنا عند عمر بن الخطاب فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين ما الجواري الكنس؟
فطعن عمر مخصرة معه في عمامة الرجل، فألقاها عن رأسه، فقال عمر: أحروري والذي نفس عمر بن الخطاب بيده؟
لو وجدتك محلوقاً لأنحيت القمل عن رأسك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ والليل إذا عسعس ﴾ قال: إذا أدبر ﴿ والصبح إذا تنفس ﴾ قال: إذا بدا النهار حين طلع الفجر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة ﴿ والليل إذا عسعس ﴾ قال: إذا أدبر ﴿ والصبح إذا تنفس ﴾ قال: إذا أضاء وأقبل.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ والليل إذا عسعس ﴾ قال: إذا أظلم.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ والليل إذا عسعس ﴾ قال: إقباله، ويقال: إدباره.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ والليل إذا عسعس ﴾ قال: إقبال سواده قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت قول النابغة: كأنما خدما قالوا وما وعدوا ** ال تضمنه من عسعس وأخرج الطحاوي والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن علي أنه خرج حين طلع الفجر فقال: نعم ساعة الوتر هذه، ثم تلا ﴿ والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنه لقول رسول كريم ﴾ قال: جبريل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ إنه لقول رسول كريم ﴾ قال: هو جبريل وفي قوله: ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: كنا نحدث أنه الأفق الذي يجيء منه النهار وفي لفظ إنه الأفق من حيث تطلع الشمس.
وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: ما أحسن ما أثنى عليك ربك ﴿ ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ﴾ فما كانت قوتك وما كانت أمانتك؟
قال: أما قوّتي فإني بعثت إلى مدائن لوط وهي أربع مدائن، وفي كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم هويت بهم فقتلتهم، وأما أمانتي فلم أومر بشيء فعدوته إلى غيره» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل ليلة الإِسراء اكشف عن النار، فكشف عنها فنظر إليها فذلك قوله: ﴿ مطاع ثم أمين ﴾ على الوحي ﴿ وما صاحبكم بمجنون ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم» .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن أبي صالح في قوله: ﴿ مطاع ثم أمين ﴾ قال: أمين على سبعين حجاباً يدخلها بغير إذن ﴿ وما صاحبكم بمجنون ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم وفي قوله: ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: كنا نحدث أنه الأفق الذي يجيء منه النهار، وفي لفظ: إن الأفق من حيث تطلع الشمس.
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: جبريل في رفرف أخضر قد سد الأفق.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: رأى جبريل له ستمائة جناح قد سد الأفق.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: إنما عنى جبريل أن محمداً رآه في صورته عند سدرة المنتهى.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هو رأى جبريل بالأفق، والأفق الصبح» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ قال: السماء السابعة.
وأخرج الدارقطني في الأفراد والخطيب في تاريخه والحاكم وصححه وابن مردويه عن عاشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها ﴿ وما هو على الغيب بظنين ﴾ بالظاء.
وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن ابن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها ﴿ وما هو على الغيب بظنين ﴾ وفي لفظ ﴿ بضنين ﴾ بالضاد.
وأخرج عبد بن حميد عن هشام بن عروة قال: كان أبي يقرؤها ﴿ وما هو على الغيب بظنين ﴾ فقيل له: في ذلك.
فقال: قالت عائشة: إن الكتاب يخطئون في المصاحف.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقرأ ﴿ بظنين ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ بضنين ﴾ وقال: ببخيل.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: زعموا أنها في المصاحف وفي مصحف عثمان ﴿ بضنين ﴾ .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن مجاهد وهرون قال: في حرف أبيّ بن كعب ﴿ بضنين ﴾ يعني بالضاد.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ يقول: ما كان يضن عليكم بما يعلم.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضن بما أنزل الله عليه.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ قال: كان هذا القرآن غيباً أعطاه الله تعالى محمداً بذله وعلمه ودعا إليه وما ضن به.
وأخرج ابن المنذر عن الزهري ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ قال: لا يضن بما أوحي إليه.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قرأها ﴿ وما هو على الغيب بظنين ﴾ قال: ما هو على القرآن بمتهم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ وما هو على الغيب بظنين ﴾ قال: ليس بمتهم على ما جاء به وليس بضنين على ما أوتي به.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال: الظنين المتهم، والضنين البخيل.
وأخرج عبد بن حميد عن زر قال: الغيب القرآن في قراءتنا ﴿ بظنين ﴾ متهم وفي قراءتكم ﴿ بضنين ﴾ ببخيل.
وأخرج عبد بن حميد عن زر قال: الغيب القرآن في قراءتنا ﴿ بظنين ﴾ متهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ قال: أن يتبع الحق.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ قالوا: الأمر إليها إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فهبط جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كذبوا يا محمد ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ﴾ ففرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن سعد والبيهقي في الأسماء والصفات عن وهب بن منبه قال: قرأت اثنين وتسعين كتاباً كلها أنزلت من السماء وجدت في كلها أن من أضاف إلى نفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سلمان بن موسى قال: لما نزلت ﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ قال أبو جهل: جعل الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله: ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن القاسم بن مخيمرة قال: لما نزلت ﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ قال أبو جهل: أرى الأمر إلينا فنزلت ﴿ وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ﴾ .
(قوله تعالى) (١) ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين، والمنافقين بالشياطين (٢) (٣) ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ (٤) (٥) (٦) (٧) وروى (النعمان بن بشير) (٨) (٩) - قال: يقترن الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك قوله: تزويج (١٠) وهذا المعنى روي عنه بألفاظ مختلفة أحدها: ما ذكرنا، والآخر: هما الرجلان يعملان العمل يدخلان (به) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) ونحو هذا روى الفراء (بإسناده) (١٥) (١٦) (١٧) قال (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (وهذا معنى قول) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (وروى) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقال أبو إسحاق: قرنت كل [شيعة] (٢٨) (٢٩) وروي هذا مرفوعًا من طريق النعمان بن بشير عن النبي - - أنه قال في هذه الآية: "الضُّرَباء كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله" (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (وحكى أبو إسحاق قولًا فقال) (٣٤) (٣٥) (٣٦) ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ ﴾ هي مفعولة من الوأد، (وكانت العرب إذا ولدت لأحدهم بنت، دفنها حية مخافة العار، أو الحاجة، يقال وأد يئد وأدًا فهو وائد، والمفعول به موءود.
قال الفرذدق (٣٧) ومنا الذي مَنَع الوائدات ...
فأحيا الوئيدَ فلم تُؤْد) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (١) في (ع): فقال.
(٢) بياض في (ع).
(٣) ورد قوله في: " التفسير الكبير" 31/ 70، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 229، "البحر المحيط" 8/ 433.
(٤) سورة الصافات: 22.
(٥) "تفسير مقاتل" 230/ أ، "بحر العلوم" 3/ 452، "الكشف والبيان" ج 13: 44/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 452، "المحرر الوجيز" 5/ 442، "زاد المسير" 8/ 190، "البحر المحيط" 8/ 433، "روح المعاني" 30/ 52.
(٦) "بحر العلوم" 3/ 452، "الكشف والبيان" ج 13: 44/ ب، "الدر المنثور" 8/ 430 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٨) تقدمت ترجمته في سورة غافر.
(٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١٠) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 350، "جامع البيان" 3/ 69، "معالم التنزيل" 4/ 452 ، "الباب التأويل" 4/ 356، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 508، "الدر المنثور" 8/ 429 وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، وأبي نعيم في الحلية، "المستدرك" 2/ 516: كتاب التفسير: تفسير سورة إذا الشمس كورت، وصححه، ووافقه الذهبي.
(١١) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١٢) انظر قوله في: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 350، "جامع البيان" 30/ 69، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 508، "الدر المنثور" 8/ 430 وعزاه إلى ابن مردويه، "المستدرك" 2/ 516: كتاب التفسير: تفسير سورة إذا الشمس كورت، وصححه ووافقه الذهبي.
(١٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١٤) ورد نحو قوله في: "بحر العلوم" 3/ 452، "الكشف والبيان" ج 13: 44/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 452، "زاد المسير" 8/ 189، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 229، "الدر المنثور" 8/ 430.
(١٥) والإسناد كما هو عند الفراء: قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا الفراء، قال: حدثني أبو الأحوص سلام بن سليم، عن سعيد بن مسروق، عن أبي سفيان، عن عكرمة.
(١٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١٧) "معاني القرآن" 3/ 239 - 240، "معالم التنزيل" 4/ 452، وانظر: "الدر المنثور" 8/ 430.
(١٨) أي الفراء.
(١٩) "معاني القرآن" 3/ 239 - 240.
(٢٠) بياض في (ع).
(٢١) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 350 - 351، "جامع البيان" 30/ 70، "معالم التنزيل" 4/ 452.
(٢٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢٣) ساقط من النسختين، وأثبت ما رأيت فيه استقامة الكلام، لا سيما أنه ورد مثله عن الحسن، وقتادة انظر: "جامع البيان" 30/ 70، "الكشف والبيان" ج 13: 44/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 452، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 230.
(٢٤) ورد معنى قوله في: "جامع البيان" 30/ 70، وعبارته: الأمثال من الناس جمع بينهم.
(٢٥) ما بين القوسين سافط من (أ).
(٢٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٢٧) "اجامع البيان" 30/ 70، "الكشف والبيان" ج 13: 44/ ب، "النكت والعيون" 6/ 214، "معالم التنزيل" 4/ 452، "المحرر الوجيز" 5/ 442، "زاد المسير" 8/ 190، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 230، "البحر المحيط" 8/ 433.
(٢٨) في كلا النسختين: شيء، وأثبت ما جاء في معاني الزجاج لاستقامة المعنى به، ولأنه مصدر القول عن أبي إسحاق.
(٢٩) معاني القرآن وإعرابه 5/ 290.
(٣٠) وردت الرواية في: "جامع البيان" 30/ 69، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 508.
(٣١) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٣٢) ورد في نسخة (أ) عبارة: وحكى أبو إسحاق قولًا وليس هنا بموضعه الصحيح.
وورد في نسخة: ع نفس العبارة بانتظام وسلامة عبارة.
انظر: رقم 5 من المتن.
(٣٣) ورد قوله في "جامع البيان" 30/ 70.
(٣٤) ما بين القوسين ورد في نسخة: أفي غير هذا الموضع، وهو خطأ، وقد بينته.
راجع حاشية: 3 من هذه الصفحة.
(٣٥) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 290.
(٣٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٣٧) تقدمت ترجمته في سورة النساء.
(٣٨) ورد البيت في (وأد) في "تهذيب اللغة" 14/ 243 برواية: "وعمي" بدلًا من: "ومنا"، و"وأحيا" بدلًا من: "فأحيا"، "مقاييس اللغة" 6/ 78، وذكر عجز البيت، "الصحاح" 2/ 546، وكلاهما برواية: "وأحيا" بدلًا من: "فأحيا"، "لسان العرب" 3/ 442 برواية: "وجدي" بدلًا من: "ومنا"، "وأحيا" بدلًا من: "فأحيا"، "تاج العروس" 2/ 520، برواية: "وعمي" بدلًا من: "ومنا".
كما ورد في "الكامل" 2/ 596، و604 برواية: "وأحيا"، ولم أعثر عليه في ديوانه.
(٣٩) ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 14/ 243: (وأد).
(٤٠) انظر: المرجع السابق، وأيضًا: "مقاييس اللغة" 6/ 78، "الصحاح" 2/ 546، "لسان العرب" 3/ 442، "تاج العروس" 2/ 520، وجميعها في (وأد)، "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 290 برواية: "فأحيا البنات".
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها ملئت وفجر بعضها إلى بعض حتى تعود بحراً واحداً، والآخر مُلئت نيراناً لتعذيب أهل النار، والثالث فرغت من مائها ويبست.
وأصله من سَحْرتُ التنور إذا ملأتها، فالقول الأول والثاني أليق بالأصل.
والأول والثالث موافق لقوله ﴿ فجرت ﴾ ﴿ وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن التزويج بمعنى التنويع لأن الأزواج هي الأنواع، فالمعنى جعل الكافر مع الكافر والمؤمن مع المؤمن، والثاني: زوجت نفوس المؤمنين بزوجاتهم من الحور العين، والثالث: زوجت الأرواح والأجساد أي ردت إليها عند البعث الأول هو الأرجح، لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن عمر بن الخطاب وابن عباس ﴿ وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴾ الموؤدة هي البنت التي كان بعض العرب يدفنها حية من كراهته لها، ومن غيرته عليها فتسأل يوم القيامة بأي ذنب قتلت على وجه التوبيخ لقاتلها، وقرأ ابن عباس: ﴿ وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ * بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴾ بضم القاف وسكون اللام وضم التاء، واستدل ابن عباس بهذه الآية على أن اولاد المشركين في الجنة لأن الله ينتصر لهم ممن ظلمهم ﴿ وَإِذَا الصحف نُشِرَتْ ﴾ هي صحف الأعمال تنشر ليقرأ كل أحد كتابه، وقيل: هي الصحف التي تتطاير بالأيمان والشمائل بالجزاء ﴿ وَإِذَا السمآء كُشِطَتْ ﴾ الكشط هو التقشير كما يكشط جلدة الشاة حي تسلخ، وكشط السماء هو طيها كطي السجل قاله ابن عطية، وقيل: معناه كشفت وهذا أليق بالكشط ﴿ وَإِذَا الجحيم سُعِّرَتْ ﴾ أي أوقدت وأحميت.
﴿ وَإِذَا الجنة أُزْلِفَتْ ﴾ أي قربت ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ ﴾ هذا جواب إذا المكررة في المواضع قبل هذا، ومعناه علمت كل نفس ما أحضرت من عمل، فلفظ النفس مفرد يراد بكه الجنس والعموم وقال ابن عطية: إنما أفدرها ليبين حقارتها وذلتها، وقال الزمخشري: هذا من عكس كلامهم الذي يقصد به الإفراط فيما يعكس عنه ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ [الحجر: 2] ومعناه التكثير، وكذلك هنا معناه أعم الجموع ﴿ مَّآ أَحْضَرَتْ ﴾ عبارة عن الحسنات والسيئات.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ سجرت ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
﴿ قتلت ﴾ بالتشديد: يزيد و ﴿ نشرت ﴾ مخففاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم غير يحيى وحماد ﴿ الجوار ﴾ ممالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو في رواية ﴿ بظنين ﴾ بالظاء: ابن كثير وعلي وأبو عمرو ويعقوب.
الباقون: بالضاد.
الوقوف ﴿ كورت ﴾ ه ص ﴿ انكدرت ﴾ ه ص ﴿ سيرت ﴾ ه ك ﴿ عطلت ﴾ ه ك ﴿ حشرت ﴾ ه ك ﴿ سجرت ﴾ ه ك ﴿ زوّجت ﴾ ه ك ﴿ سئلت ﴾ ه ك ﴿ قتلت ﴾ ه ج لاعتراض الاستفهام بين النسق ﴿ نشرت ﴾ ه ص ﴿ كشطت ﴾ ه ك ﴿ سعرت ﴾ ه ك ﴿ أزلفت ﴾ ه ك الاستفهام بين السنق ﴿ نشرت ﴾ ه ص ﴿ كشطت ﴾ ه ك ﴿ سعرت ﴾ ه ك ﴿ أزلفت ﴾ ه ك ﴿ أحضرت ﴾ ه ط لتمام الشرط والجزاء والتقدير إذا كورت الشمس كورت ارتفعت الشمس بفعل مضمر تفسيره الظاهر وكذلك ما بعدها.
وقوله ﴿ علمت ﴾ جواب عن الكل وهو العامل في " إذا " وما عطف عليها ﴿ بالخنس ﴾ ه لا ﴿ الكنس ﴾ ه لا ﴿ عسعس ﴾ ه ك ﴿ تنفس ﴾ ه ك ﴿ كريم ﴾ ه ك ﴿ مكين ﴾ ه ك ﴿ أمين ﴾ ه ط بناء على أن ما بعده مستأنف ومن جعل ﴿ وما صاحبكم ﴾ وما بعدها معطوف على جواب القسم لم يقف على ﴿ أمين ﴾ إلى قوله ﴿ فأين تذهبون ﴾ .
﴿ بمجنون ﴾ ه ج ﴿ المبين ﴾ ه ج ﴿ بضنين ﴾ ه ج ﴿ رجيم ﴾ ه ج ﴿ تذهبون ﴾ ه ط ﴿ للعالمين ﴾ ه لا لأن ما بعده بدل البعض ﴿ يستقيم ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: إنه لما ذكر الطامة والصاخة في خاتمتي السورتين المتقدمتين أردفهما بذكر سورتين مشتملتين على أمارات القيامة وعلامات يوم الجزاء.
أما هذه ففيها اثنا عشر شيئاً أوّلها تكوير الشمس وفيه وجهان: أحدهما إزالة النور لأن التكوير هو التلفيف على جهة الاستدارة كتكوير العمامة.
وفي الحديث " نعوذ بالله من الحور بعد الكور" أي من التشتت بعد الألفة والاجتماع، ومنه كارة القصار وهي ثوب واحد يجمع ثيابه فيه.
ولا يخفى أن الشيء الذي يلف يصير مخفياً عن الأعين فعبر عن إزالة النور عن جرم الشمس وصيرورتها غائبة عن الأعين بالتكوير.
الثاني أن يكون من قولهم طعنه فحوره وكوره إذا ألقاه أي ألقيت ورميت عن الفلك.
وثانيها انكدار النجوم أي تساقطها وتناثرها والأصل في الانكدار الانصباب وكل متراكب ففهي كدورة فلهذا يقال للجيش الكثير دهماء.
قال الخليل: انكدر عليهم القوم إذا جاءوا أرسالاً فانصبوا عليهم.
قال الكلبي: تمطر السماء يومئذ نجوماً فقال عطاء: وذلك أنها في قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من النور وتلك السلاسل في أيدي الملائكة، فإذا مات من في السماء والأرض تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة.
ويروى في الشمس والنجوم أنها تطرح في جهنم ليراها من عبدها.
وثالثها تسيير الجبال وقد مر في سورة " عم ".
ورابعها تعطيل العشار وهي جمع عشراء كالنفاس في نفساء.
والعشراء الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع الحمل لتمام السنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها وهم العرب فخوطبوا بما هو مركوز في أذهانهم مصوّر في خزانة خيالهم، والغرض بيان شدّة الاشتغال بأنفسهم حتى يعطلوا ويهملوا ما هو أهم شيء عندهم.
وقيل: العشار هي السحاب تعطلت عما فيها من الماء، ولعله مجاز من حيث إن العرب تشبه السحاب بالحامل.
قال الله ﴿ فالحاملات وقرا ﴾ وخامسها حشر الوحوش والوحش ضد ما يستأنس به من دواب البر.
قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، وفيه أنه إذا كان لا يهمل أمر الوحوش فكيف يهمل أمر المكلفين.
قال الإمام فخر الدين: وفيه دليل على أن هول ذلك اليوم بلغ مبلغاً لا يفرغ الوحوش للنفار عن الإنسان ولا بعضها للاحتراز عن بعض مع العداوة الطبيعية بين بعض الأصناف حتى صار بعضها غذاء بعض.
قلت: هذا الاستدلال ضعيف فإن الوحوش في الدنيا أيضاً مجتمعة مع الناس ومع أضدادها لكن في أمكنة مختلفة، فلم لا يجوز أن تكون في القيامة أيضاً كذلك.
وعن ابن عباس في رواية إن حشر الوحوش عبارة عن موتها وذلك إذا قضى بينها فردّت تراباً فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاوس ونحوه.
يقال: إذا اجتاحت السنة الناس وأموالهم حشرتهم السنة أي أماتتهم.
السادس تسجير البحار أي تنشيف ما فيها من الرطوبة حتى لا يبقى فيها شيء من المياه وقد سبق في " الطور".
السابع تزويج النفوس وهو اقتران الأرواح بالأجساد.
وقال الحسن: هو كقوله ﴿ وكنتم أزواجاً ثلاثة ﴾ أي صنفتم أصنافاً ثلاثة وقريب منه قول من قال: هو أن يضم كل واحد إلى من يجانسه في طبقته من خير أو شر.
وقول من قال: هو أن يقرن بين الرجل وبين من كان يلازمه في الدنيا من ملك أو سلطان.
وقال ابن عباس: زوّجت نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بالشياطين، ويقرب منه قول الزجاج هو أن تقرن النفوس بأعمالها.
الثامن سؤال الموؤدة.
قال جار الله: وأد يئد مقلوب آد يؤد إذا أثقل لأنه إثقال بالتراب، وكانوا يدفنون بناتهم في الأرض أحياء خوفاً من الفقر ولخوف العار كما مر في " النحل " وغيره.
ومعنى هذا السؤال تبكيت قاتلها كما يخاطب عيسى بقوله ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ والغرض تبكيت النصارى.
وقيل: الموؤدة هي التي تسأل نفسها فهي السائلة والمسؤول عنها.
وإنما قيل ﴿ قتلت ﴾ ماضياً مجهولاً غائباً بناء على أن الكلام إخبار عنها، ولو حكى ما خوطبت به حين سئلت لقيل قتلت مجهولاً مخاطباً، ولو حكى كلامها حين سألت لقيل قتلت متكلماً مجهولاً وبه قرأ ابن عباس.
قالت المعتزلة وبه يحتج صاحب الكشاف: إن في الآية دلالة على أن أطفال المشركين لا يعذبون لأنه إذا بكت الكافر بسببها فلأن لا يعذبها أولى.
ويمكن أن يجاب بأن تعذيب الوائد للوأد من جهة أنه تصرف في ملك الله بغير حق لا ينافي تعذيب الموؤدة من جهة أخرى وهي أن حكمها في الإسلام والكفر حكم أبيها.
التاسع نشر صحف الأعمال.
عن قتادة: هي صحيفتك يا ابن آدم تطوى على عملك حين موتك ثم تنشر يوم القيامة فلينظر رجل يملى في صحيفته.
ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها أي فرقت بينهم.
وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنة عالية وتقع صحيفة الكافر في يده في سموم وحميم أي مكتوب فيها ذلك وهي صحف غير صحف الأعمال قاله في الشكاف.
العاشر كشط السماء كما يكشط الإهاب عن الذبيحة.
والغطاء عن الشيء أي كشفت وأزيلت عما فوقها وهو الجنة وعرش الله تعالى.
الحادي عشر والثاني عشر تسعير الجحيم أي إيقادها وإزلاف الجنة أي إدناؤها.
استدل بعضهم بالآية على أن النار غير مخلوقة الآن لأنه علق تسعيرها بيوم القيامة، ويمكن المعارضة بأنها تدل على أن الجنة مخلوقة وإلا لم يمكن إزلافها على أن تعليق تسعير الجحيم بيوم القيامة لا ينافي وجودها قبل ذلك غير موقدة ايقاداً شديداً.
وقيل: يسعرها غضب الله عز وجل وخطايا بني آدم.
وقوله ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ كقوله ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً ﴾ والتنوين في ﴿ نفس ﴾ للتقليل على أنه مفيد للتكثير بحسب المقام نحو ﴿ قد يعلم الله ﴾ ﴿ ربما يود الذين كفروا ﴾ ويجوز عندي أن يكون للتعظيم أو للنوع يعني النفس الإنسانية لا النباتية ولا الحيوانية ولا الفلكية عند القائلين بها.
وإسناد الإحضار إلى الأنفس مجاز لأن الملائكة أحضروها في الصحف أو في الموازين إلا أنها لما تسبب منها ذلك أسند إليها على أن آثار أعمالها إنما تلوح عليها.
قال أهل التأويل: هذه الأحوال يمكن اعتبارها في وقت القيامة الصغرى وهي حالة الموت، فالشمس النفس الناطقة، وتكويرها قطع تعلقها، وانكدار النجوم تساقط القوى، وتسيير الجبال انعزال الأعضاء الرئيسة عن أفعالها، والعشار البدن يهمل أمرها، وحشر الوحوش ظهور نتائج الأفعال البهيمية والسبعية على الشخص، وتسجير البحار نفاد الأوهام الباطلة والأماني الفارغة فإنه بحر لا ساحل له دون الموت الاختياري أو الاضطراري، وتزويج النفوس انضمام كل ملكة إلى جنسها الظلمة إلى الظلمة والنور إلى النور، والموؤدة القوّة التي ضيعها المكلف في غير ما خلقت لأجله.
وسمعت بعض المحققين من أساتذتي أنها كل مسألة سنحت للخاطر ولم تقيد بالكتابة حتى غابت.
والسماء سماء الأرواح والباقي ظاهر.
وحين أثبت المعاد شرع في النبوّات فأكدها بالحلف.
والخنس جمع خانس، والكنس جمع كانس.
والأكثرون على أنها السيارات الخمسة الجاريات مع النيرين في أفلاكها بالارتباطات المعلومة من الهيئة وقد ذكرنا طرفاً منها في البقرة بقوله ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ وفي قوله ﴿ فسواهن سبع سموات ﴾ فخنوسها رجوعها ومنه الخناس للشيطان، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس ومنه كنس الوحش إذا دخل كناسه.
والمنجمون يسمون زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد متحيرة لمشاهدة الوقوف والرجوع منها بعد الاستقامة وهي حركتها الخاصة من المغرب إلى المشرق على توالي البروج أي من الحمل إلى الثور ثم إلى الجوزاء وهكذا على الترتيب.
فإذا تحركت القهقرى بعكس هذا الترتيب شبه الحركة اليومية.
يقال: إنها راجعة أقسم الله بها إذ أحوالها أغرب ورباطاتها مع الشمس أعجب كما بين في ذلك العلم.
وعن علي وهو قول عطاء ومقاتل وقتادة أنها هي جميع الكواكب وخنوسها غيبتها عن البصر بالنهار وكنوسها ظهورها للبصر في الليل كما يظهر الوحش من كناسه.
وعن ابن مسعود والنخعي أنها بقر الوحش وخنوسها صفة لأنوفها ومنه " رجل أخنس وامرأة خنساء " وفي هذا القول بعد عن الخنس المقسم بها لأنه لا يناسب ما بعده.
وقال أهل التأويل: هي الحواس الخمس تظهر آثارها تارة وتغيب أخرى.
ثم أقسم بالليل والنهار.
ومعنى عسعس أقبل وأدبر فهو من الأضداد، وتنفس الصبح مجاز عن تخلصه من ظلمة الليل كنفس المكروب إذا وجد راحة أو مجاز عما يكون عنده من روح ونسيم.
والضمير في ﴿ إنه ﴾ للقرآن، والرسول الكريم جبرائيل، وكرمه على ربه أن جعله واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء، وكرمه في نفسه أنه لا يدل إلا على الخير والكمال.
ومعنى كون القرآن قول جبرائيل أنه وصل منه إلى النبي وذلك أن النزاع وقع من الكفرة في أنه قول محمد أو هو من السماء فأثبت الثاني ليلزم نفي الأول.
وفي لفظ رسوله دلالة على أنه ليس قوله بالاستقلال.
وقوله ﴿ ذي قوّة ﴾ كقوله ﴿ ذي مرة ﴾ وقد مر بالنجم.
وقوله ﴿ عند ذي العرش ﴾ أي عند ربه بالقرب كقوله ﴿ ومن عنده ﴾ والمكين ذو الجاه الذي يعطى ما يسأل يقال مكن فلان بضم الكاف مكانة.
وقوله ﴿ ثم ﴾ إشارة إلى الظرف المذكور أي مطاع عند الله في الملائكة المقربين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه ﴿ أمين ﴾ على الوحي والسفارة وقد عصمه الله من الخيانة والزلل.
استدل في الكشاف بالآيات على تفضيل الملك على الأنبياء وقال: لأنه وصف جبرائيل بصفات الكرامة، ثم وصف النبي بقوله ﴿ وما صاحبكم بمجنون ﴾ وشتان بين الوصفين.
قلت: أمثال هذا التغليط من باب الجنون وهذا نشأ من سماع لفظ المجنون.
والتحقيق أن ذكر جبرائيل ومدحه وقع استطراداً لبيان مدح النبي والمبالغة في صدقه فإن الكفرة زعموا أن القرآن إفك افتراه مجنون به وأعانه عليه قوم آخرون فلم يكن بد من نفي الجنون عنه.
ووصف جبرائيل بالأمانة والمكانة وغيرهما فإن شرف الرسول يدل على شرف المرسل إليه وصدقه، فالعجب من الزمخشري أنه كيف سمع لفظ المجنون فاعتراه حتى استدل به على مفضولية أشرف المخلوقات، ولم يعلم أن ذكر جبرائيل ووصفه بأوصاف الكمال اتفق لغرض تزكية النبي .
والعجب من الإمام فخر الدين الرازي أيضاً أنه كيف أورد حجته الواهية في تفسيره ولم يتعرض للجواب عنه مع كمال حرصه على تزييف أدلتهم.
ثم حكى أنه قد رأى جبرائيل على صورته الأصلية بحيث حصل عنده علم ضروري بأنه ملك مقرب لا شيطان رجيم فقال ﴿ ولقد رآه بالأفق المبين ﴾ وهو أفق الشمس كما مر في " النجم ".
ثم أخبر عن صدقه وإشفاقه فقال ﴿ وما هو على الغيب بضنين ﴾ ومن قرأ بالظاء الذي مخرجه من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا كالذال والثاء فهو من الظنة التهمة أي ليس بمتهم بل هو ثقة فيما يؤدي عن الله بواسطة جبرائيل.
ومن قرأ بالضاد الذي مخرجه من أصل حافة اللسان وما بينهما من الأضراس ومن يمين اللسان أو يساره وإخراجه من الجانب الأيسر الأسهل، وقد يسهل على بعض الناس كلاهما فمعناه أنه لا يضن بالوحي أي لا يبخل به من الضن وهو البخل، وفيه أنه يكتم شيئاً من الوحي مما أمر بإظهاره وأنه لا يمنع المستعدّين من الإرشاد والكمال ﴿ فأين تذهبون ﴾ بعد هذه البيانات وفيه استضلال لهم كقولك لتارك الجادّة إعتسافاً أين تذهب، مثلت حالهم في ترك الحق والعدول عنه إلى الباطل براكب التعاسيف الذي يستأهل أن يقال له أين تذهب.
قوله ﴿ لمن شاء ﴾ فائدة هذا الإبدال أن نفع التذكير يعود إليهم فكأن غيرهم لم يوعظ والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم صراط الله الذي له ما في السموات والأرض.
ولا يخفى ما بينها وبين قوله ﴿ فأين تذهبون ﴾ من التناسب والطباق وفيه دليل القدرية إلا أن قوله ﴿ وما تشاؤن إلا أن يشاء الله ﴾ فيه دليل الجبرية كما مر في آخر ﴿ هل أتى ﴾ وغيره والله الموفق.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ هذا ليس بابتداء خطاب، ولكنه جواب عن سؤال تقدم؛ فيشبه أن يكون السؤال عن وقت لقاء الأنفس الأعمال؛ فنزل قوله: ﴿ إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ إشارة إلى أحوال ذلك الوقت وآثارها؛ على ما نذكر المعنى الذي له وقع لتبين الأحوال دون تبيين الوقت في سورة ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ﴾ .
واختلف في قوله - : ﴿ كُوِّرَتْ ﴾ .
قال بعضهم: هي فارسية، معربة، وهي بالعربية: غورت.
وقال بعضهم: ﴿ كُوِّرَتْ ﴾ ، أي: ذهب ضوءها؛ يقال: كور الليل على النهار، أي: أذهب نوره وضياءه؛ فالتكوير بغطي لون الشيء عن الأبصار، فقيل: كورت الشمس، أي: حبس ضوءها على الأبصار بالطمس؛ فيكون فيه إنباء أنه يطمس ظاهرها، ثم يرد التغيير في نفسها فتتلف وتتلاشى، ومنه يقال: كور العمامة؛ إذا لفها على رأسه فتغطيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ ﴾ : تناثرت: وتساقطت، وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ ﴾ .
وقيل: ذهب ضوءها؛ فكأن ضوءها يذهب أولا، ثم تناثر بعد ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴾ ، أي: قلعت عن أماكنها وسيرت، كما قال في آية أخرى: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ﴾ ، وهي إذا قلعت تكثرت؛ حتى لا يتبين للناظر سيرها؛ لكثرتها؛ فيحسبها جامدة، وهي تسير، فهذا أول تغير يظهر منها، ثم تصير كثيبا مهيلا، ثم كالعهن المنفوش، ثم هباء منثورا إلى أن تتلاشى وتتلف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴾ ، فالعشار هي النوق الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر، وهي من أنفس الأموال عند أهلها؛ فيخبر أن أربابها يعطلونها في ذلك اليوم ولا يتلفتون إليها؛ لشغلهم بأنفسهم في ذلك، وهو كما قال: ﴿ وْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ ﴾ الى قوله: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴾ قيل: جمعت، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن تجمع كلها فتتلف وتهلك.
والثاني: أن تحشر مرات يحييها بعد موتها؛ فيضع الله فيها ما شاء؛ فيكون في هذا إخبار عن عظم هول ذلك اليوم؛ حتى يؤثر الهول في الوحوش، والشمس، والقمر، والسماوات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ قيل: فجرت، وسنذكر تأويل التفجير فيما بعد، [إن شاء الله ].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ قيل: قرنت.
ثم اختلف في معنى القرآن: فقال بعضهم: قرن زوجها إليها.
وقال بعضهم: يقرن كل بأهل شيعته؛ فيقرن الكفرة بالشياطين، وأهل الشراب بأهل الشراب، وأهل الزنى بأهل الزنى، وقال [الله عز وجل -:] ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ إلى قوله ﴿ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ ﴾ ، ففي هذا إخبار أن المعذب منهم إذا رأى عدوه يعذب عذابه، ويكون في العذاب الذي هو فيه لم يتسل شيئا، ولم ينل به راحة، وإن كان المرء في الدنيا إذا رأى عدوه يعذب عذابه يتسلى بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴾ ، وقرأ بعضهم: (وإذا الموءودة سألت) وهذا هو الظاهر أنت كومن هي السائلة، أي: تسأل إياهم: بأي ذنب قتلت؟!
وتقول: بأي ذنب قتلتموني؟!.
وكانت العرب تدفن بناتها، يقال: وأدته: أي: دفنته.
ثم القراءة المعروفة: ﴿ سُئِلَتْ ﴾ ، هي تحتمل أوجها ثلاثة: أحدها: ذكر أبو عبيد وقال: إن قتلتها تسأل: بأي ذنب قتلت الموءودة؟!.
و[الثاني:] يحتمل أن تسأل الموءودة عند حضرة الذين وأدوها: بأي ذنب قتلْتِ؟!
يريد بالسؤال تخويف وتهويل للذين وأدوها، لا سؤال استخبار واستفهام، وهو كقوله - -: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، وليس يسأل عن هذا سؤال استخبار واستفهام، ولكن يسأل سؤال تخويف وتهويل لمن ادعى أن عيسى - - هو الذي أمرهم أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله.
و[الثالث:] جائز أن تسأل الموءودة: أتدعي أو لا تدعي؟
وما الذي تدعي عليهم؟
فيبدأ بها السؤال، كما يرى المدعي في الشاهد هو الذي يبدأ بالسؤال، فيقال له: ما تدعي على هذا؟
فقوله: ﴿ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴾ كأنها إذا سئلت عن الذي ادعت، قالت: ﴿ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴾ ، أي: الكتب نشرت للحساب، وهي التي فيها أعمال ابن آدم وقتما تدفع إليهم بأيمانهم وشمائلهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ ﴾ ، قيل: قشرت، وذلك أن تتناثر النجوم، وتطمس الشمس، فتطوى كطي السجل للكتب.
وقيل: كشفت، تكشف السماء، كما يكشف الغطاء عن الشيء.
ويقال: كشطت؛ أي: قلعت كما يقلع السقف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يحدث تسعيرها؛ فيكون في علم الحدثيَّة، وكذلك في قوله - -: ﴿ وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾ يحتمل أن يبتدئ تسجيرها، ولما تسجر من قبل.
وجائز أن يراد من التسجير والتسعير على ما كان من قبل؛ لقوله: ﴿ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ﴾ وقد كان وقودها بغير هذين، ثم يزاد في وقودها بالناس والحجارة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴾ قيل: قربت؛ فأضيف إليها التقريب؛ لأن أهلها إذا قربوا إليها فقد فقرت هي إليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ ﴾ ، أي: ما أحضرت من خير أو شر؛ كقوله : ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً ﴾ الآية [آل عمران: 30].
أو تعلم ما أحضرتها الملائكة الذين كتبوا عليها.
<div class="verse-tafsir"
وإذا النفوس قُرِنت بمن يماثلها، فَيُقْرن الفاجر بالفاجر، والتقي بالتقي.
<div class="verse-tafsir" id="91.lJZMD"
ابتدأ سبحانه بذكر يوم القيامة بما يكون فيه من الحوادث، ليعظم شأنه، ويفخم هوله.
ويقول في ذلك اليوم تعلم كل نفس ما أحضرته من أعمالها، أي يتبين لها ما كان منها من خير أو شر، ويذهب الالتباس الذي كان يغر المغرورين، وينكشف الغطاء عن تلبيس المرائين، ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ﴾ .
والحوادث التي تقع من أول يوم القيامة إلى ساعة الحساب -على ما هو مذكور في هذه السورة- هي: أولًا، تكوير الشمس، وتكويرها دهورتها وسقوطها، وذلك عند خراب العالم الذي يعيش فيه الحي حياته الدنيا، فإن عالمه الآخر الذي ينقلب إليه لا يبقى فيه شيء من هذه الأجرام.
فالشمس تسقط ويمحى ضوؤها، وثانيًا: انكدار النجوم، وهو تناثرها وانقضاضها حتى تذهب ويمحى لألاؤها.
يقال انكدر عليهم القوم إذا جاءوا أرسالًا حتى ينصبوا عليهم.
وتسيير الجبال: يكون عند الرجفة التي تزلزل الأرض، فتقطع أوصالها، وتفصل منها جبالها، فتسير مقذوفة في الفضاء، وقد تمر على الرؤوس مر السحاب.
وهذه الحوادث تقع متى جاء الأجل، واقتضت الحكمة الإلهية أن تخرب الأرض ويتبدل نظام هذا الكون الحاضر بالنظام الذي يستقر عليه أمره بعد ذلك الاضطراب.
ولا ريب في أنه إذا كورت الشمس وتناثرت الكواكب وأرجفت الأرض حتى انفصلت عنها جبالها كان الخوف عظيمًا والعرب عميمًا.
فمن كان حيًا إذ ذاك غشيه من أمر نفسه ما يذهله عن أفضل ما له لديه، فتعطل (العشار) وهي جمع عشراء بضم العين وفتح الشين، وهي النياق إذا مضى على حملها عشرة أشهر حتى تلد، وهي أكرم مال كان عند المخاطبين، فيهملونها ويدعونها تذهب حيث شاءت، لعظم الهول وشدة الكرب.
قيل إن تعطيل العشار حقيقي، لأنه حكاية الحال في بداية الخراب.
والناس والحيوان لا يزالون أحياء فيصيبهم ما يصيبهم ثم يهلكون.
ويدل عليه قوله بعد ذلك (وإذا الوحوش حشرت) وحشر الوحوش إما جمعها لاستيلاء الرعب عليها وخروجها من أحجارها وأوكارها ونسيانها ما كانت تخافه، فتفر منه فتحشر هائمة لا يخشى بعضها بعضًا، ولا يخشى جميعها سطوة الإنسان.
وقيل حشر الوحوش موتها وهلاكها.
يقال: إذا أجحفت السنة بالقحط والجدب وأضرت بالناس، حشرتهم السنة، أي أهلكتهم.
وهلاكها من هول ذلك الحادث الأعظم.
وقال القرطبي: إن تعطيل العشار تمثيل لشدة الكرب، وإلا فلا عشار ولا تعطيل.
كأنه قال بعد ذكر ما سبق من تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال: "وكان من هول هذه الحوادث ما يصرف حاضرها عن أكرم الأشياء عليه، حتى لو كان عنده عشار لعطلها وأهملها".
وقيد قيل في حشر الوحوش إنه جمعها يوم القيامة للحساب، وهو ضعيف بعيد، لأن الكلام الآن في حوادث التخريب قبل البعث بالفعل.
وأول الكلام في البعث قوله: (وإذا النفوس زوجت).
أما تسجير البحار فهو أن يفجر الزلزال ما بينها حتى تختلط وتعود بحرًا وحدًا، وهو بمعنى الملء، فإن كل واحد منها يمتلئ حتى يفيض ويختلط بالآخر.
وتسجير البحار على هذا المعنى لازم لما سبقه من تقطع أوصال الأرض وانفصال الجبال.
ويدل على رجحان هذا التأويل ظاهر قوله تعالى في سورة الانفطار (وإذا البحار فجرت).
وقد يكون تسجيرها إضرامها نارًا، فإن ما في بطن الأرض من النار يظهر إذ ذاك بتشققها وتمزق طبقاتها العليا.
أما الماء فيذهب عند ذلك بخارًا ولا يبقى في البحار إلا النار، أما كون باطن الأرض يحتوي على نار فقد ورد به بعض الأخبار، ورد أن البحر غطاء جهنم، وإن لم يعرف في صحيحها، ولكن البحث العلمي أثبت ذلك، ويشهد عليه غليان البراكين -وهي جبال النار- كما تشهد عليه الزلازل الشديدة التي تشق الأرض والجبال في بعض الأطراف كما وقع في (جاوا) من عدة سنوات، فإن آثار النار في بطن الأرض قد ظهرت فيها ظهورًا لا شبهة تطرأ على الذهن بعده.
وبعد أن عدد ما يحدث من مقدمات الفناء، وبطلان الحياة في الأرض، وامتناع المعيشة فيها، أخذ يذكر ما يكون بعد ذلك من البعث والنشور، وما يأتي بعده فقال (وإذا النفوس زوجت)، أي زوجت الأرواح بأبدانها، وهي النشأة الآخرة.
وفي الآية ما يشعر بأن النفوس كانت باقية من يوم الموت المعتاد إلى يوم المعاد، وإنما تزوج بالبدن بعد أن كانت منفردة عنه.
وبعد البعث يكون الشروع في الحساب.
ومنه أن يؤتى بالموءودة فتسأل بين يدي وائدها عن السبب الذي قتلت لأجله ليكون الجواب أشد وقعًا على الوائد، فإنها ستجيب أنها قتلت بلا ذنب جنته.
وذلك أن الوأد هو دفن البنت في صغرها حية.
وكان عادة من أشنع العوائد فاشية في العرب أيام الجاهلية.
وكان لهم في ذلك تفنن.
فمنهم من كان إذا ولدت له بنت وأراد أن يستحييها ولا يقتلها أمسكها مهانة إلى أن تقدر على الرعي ثم ألبسها جبة من صوف أو شعر وأرسلها في البادية ترعى له أبله.
وإن أراد أن يقتلها تركها حتى إذا كانت سداسية قال لأمها طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء، فيبلغ بها البئر فيقول لها انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي البئر بالأرض.
وعند بعضهم كانت الوالدة إذا جاءها المخاض حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة.
فإذا ولدت بنتًا رمت بها فيها، وإن ولدت ابنًا حبسته.
فانظر إلى هذه القسوة، وغلظ القلب، وقتل البنات البريئات بغير ذنب سوى خوف الفقر أو العار- كيف استبدلت بالرحمة والرأفة بعد أن خالط الإسلام قلوب العرب.
فما أعظم نعمة الإسلام على الإنسانية بأسرها بمحوه هذه العادة القبيحة!
الصحف التي تنشر يوم القيامة بعد البعث هي صحف الأعمال.
والذي يجب علينا اعتقاده أن أعمال العباد تظهر لهم ثابتة مبينة لا يرتابون فيها يوم الجزاء.
ويعبر عن معنى ذلك الثبوت والبيان بنشر صحف الأعمال، أما كون الصحف على مثال الأوراق التي نكتب عليها في الدنيا أو على مثال الألواح أو ما يشبه ذلك مما جرى استعماله للكتابة عليه، فذلك مما لم يصل علمنا إليه، ولن يصل إليه بمجرد العقل، ولم يرو عن المعصوم فيه نص قاطع.
وكشط السماء: إزالتها كما يكشط الجلد عن الذبيحة، أي وإذا السماء كشفت وطويت ولم يبق هناك شيء يسمى سماء أو غطاء.
وهذا إنما يكون بخلو ذلك العالم الجديد من الكواكب، بل بخلوه مما يطلق عليه في الدنيا اسم الأعلى والأسفل.
(والجحيم) جهنم التي يعاقب بالعذاب فيها أهل الكفر والطغيان.
(وتسعيرها) إيقادها إيقادًا شديدًا.
والواجب على المؤمن أن يعلم أن هناك نارًا للعذاب اسمها جهنم، وأنها تسعر وتوقد على المعنى الذي يريده اللَّه، أي أن ألم من قضي عليه بالدخول فيها من أشد الآلام التي تحدث عن إمساس النيران للأجسام الحية.
أما كون الإيقاد بالحطب أو الفحم الحجري أو الخشبي أو ما أشبه ذلك مما هو معروف عندنا في حياتنا هذه، فذلك غير واجب أن يعتقد به.
وإزلاف الجنة إدناؤها وتقريبها من المتقين، كقوله تعالى: ﴿ وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ .
والجنة دار الثواب كما هو معروف.
وقوله ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾ جواب لجميع ما سبق من الشروط.
والمقصود، كما قدمنا، أن ذلك يكون يوم القيامة، وهو ممتد من تكوير الشمس وما بعده إلى أن يرى أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.
وليس يلزم من ذلك أن علم النفس بما جاءت به أعمالها يبتدئ من أول جزء منه، بل إنما يكون بعد البعث ونشر الصحف.
وقد أورد الجواب على هذا الأسلوب، ولم يأت بلفظ يفيد التعميم كقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ﴾ .
وإن كان المعنى ههنا عليه ليفيد ما أراده من وجه أبلغ على ما جرت به عادتهم في الخطاب عند إرادة التهويل، فإن التقليل في مقام التهويل إنما يؤتى به للمبالغة في التكثير، كما في قوله تعالى: ﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ .
ومعناه المقصود: كم يود.
وكما يقول قائد لمن سأله: كم عندك من الفرسان؟
رب فارس عندي.
أو لا تعدم عندي فارسًا.
وهو يريد أن ما عنده من الفرسان كثير لا يحصيه، ولا يريد أن يتزيد به.
فإن قال قائل: لم جيء بذكر كشط السماء بعد ذكر البعث ونشر الصحف وشيء من الحساب، وقبل ذكر تسعير الجحيم وإزلاف الجنة- وكان من حق كشط السماء أن يذكر في حوادث التخريب بعد انكدار النجوم؟
قلنا: هذا يدل على أن كشط السماء ههنا لا يقصد منه تخريب العالم العلوي كما قال: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ فإن هذا قد تقدم في تكوير الشمس وانكدار النجوم، وإنما يقصد الغطاء والحجاب الذي يعلوك فلا تبصر ما وراءه.
وقد فصل في هذه السورة ما أجمله في سورة "ق" عند بيان ما يسبق الحساب، فقد قال هناك: (ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد) وقال هنا ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾ إلى آخر قوله: ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴾ .
وفصل هناك في بيان الحساب ما أجمله في هذه السورة، فإنه اكتفى منه هنا بذكر سؤال الموءودة ونشر الصحف وكشط السماء، وقال هناك: ﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ .
وهو في مقابلة قوله هنا: ﴿ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾ ، ثم ذكر ست آيات فيما يتعلق بأهل جهنم، وقال بعدها: ﴿ وَأُزْلِفَتْ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ .
وأتبع ذلك بوصف حال أهل الجنة في آيات كثيرة أيضًا- فهذا يدلك على أن كشف الغطاء هناك هو كشط السماء هنا، وكل من السورتين تفسر الأخرى.
ما أجمل هناك فصل هنا، وما أجمل هنا فصل هناك.
وأنه بكشف الغطاء أو كشط السماء يظهر لكل نفس عملها، وتقوم عليها شهودها، فتبصر ما لم تكن تبصره من قبل، ثم ترى ما أعد لها من جنة أو نار..
فسبحان من أودع في كتابه ما يهدينا إلى لبابه.
(فلا أقسم) عبارة من عبارات العرب في القسم يراد بها تأكيد الخبر، كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم.
ويقال إنه يؤتى بها في القسم إذا أريد تعظيم المقسم به.
كأن القائل يقول: إني لا أعظمه بالقسم، لأنه عظيم في نفسه.
والمعنى في كل حال على القسم.
وقال تعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ إلخ..
و(الخنس) جمع خانسة، من خنس إذا رجع.
و(الكنس) جمع كانسة، من كنس الظبي إذا استتر في كناسه، وهو موضع في الشجر يأوي إليه من شدة الحر أو غيرها و(الجواري): جمع جارية من الجري.
(الخنس، الجواري الكنس).
قيل هي الدراري الخمسة وهي: عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، وذلك لأنها تجري مع الشمس، ثم ترى راجعة حتى تختفي في ضوء الشمس.
فرجوعها في رأي العين هو خنوسها، واختفاؤها هو كنوسها.
وقيل هي الكواكب جميعها، فإنها لا تزال جارية راجعة علينا بعد مغيبها، غائبة عنا بعد طلوعها.
(وعسعس) الليل أدبر.
قال العجاج: حتى إذا الصبح لها تنفسا وانجاب عنها ليلها وعسعسا وتنفس الصبح تبلج وامتد حتى صار نهارًا بينًا.
وأقسم بهذه الدراري أو الكواكب جميعها لينوه بشأنها من جهة ما في حركاتها في الدلائل على قدرة مصرفها ومقدرها، وإرشاد تلك الحركات إلى ما في كونها من بديع الصنع وإحكام النظام، مع نعتها في القسم بما يبعدها عن مراتب الألوهية من الخنوس والكنوس تقريعًا لمن خصها بالعبادة واتخذها من دونه أربابًا.
وفي الليل إذا أدبر زوال تلك الغمة التي تغمر الأحياء بانسدال الظلمة بعد ما استعادت الأبدان نشاطها، وانتعشت من فتورها.
وفي الصبح إذا تنفس بشرى الأنفس بالحياة الجديدة في النهار الجديد، تنطلق فيه الإرادات إلى تحصيل الرغبات، وسد الحاجات، واستدراك ما فات، والاستعداد لما هو آت.
وقوله (إنه لقول رسول كريم) جواب القسم، وهو المقسم عليه المراد توكيده.
وقرن لا أقسم بالفاء حيث قال: (فلا أقسم) -وهي تدل على تعلق ما بعدها بما قبلها- يدلنا على أن الضمير في أنه لذلك الخبر المتقدم، وهو (إذا الشمس كورت) إلخ، ويفهم منه القرآن ضمنًا كأنه يقول: إذا وقعت هذه الأمور كلها كان ما ذكرت، وذلك خبر لا ريبة فيه فإني أقسم إلخ.
وهذا أظهر من إعادة الضمير على القرآن بجملته، لأنه لم يتقدم له ذكر حتى يقرن القسم على أنه كذلك بالفاء.
و(الرسول الكريم) هو جبريل.
وإنما كان قوله لأنه هو حامله إلى النبي .
وقد وصفه بأنه (ذو قوة)، كما وصفه في سورة أخرى بأنه شديد القوى، ذو مرة- وهي الحصافة في العقل والرأي، والمتانة فيهما.
ومكين عند ذي العرش، أي صاحب مكانة وشرف لديه سبحانه.
وصاحب العرش هو اللَّه.
ومن معاني العرش الملك.
وهو مطاع في الملأ الأعلى أمين فيه.
و(ثم) بمعنى هناك، أي في العالم الإلهي.
وهو عالم لا يعلم حقيقته إلا اللَّه وهو علام الغيوب.
(وما صاحبكم بمجنون) صاحبهم هو نبينا .
ونفى عنه وصف الجنون لأن بعض قريش كان يرميه بذلك عندما يسمع منه غريب الخبر عن اليوم الآخر وغيره من مواضع العبر، مما لم يكن معروفًا لهم ولا مألوفًا لعقولهم.
والتعبير عنه بصاحبهم أبلغ في الاستدلال عليهم، فإنه معهم من صغره إلى كبره، وما عرفوا منه إلا كمال العقل والتبريز في الفضل، فكيف يوصف بالجنون عندما يدعي الرسالة من ربه، وعلم شيء من غيبه بإذنه؟
(ولقد رآه) أي أن محمدًا قد رأى جبريل بالأفق الأعلى الواضح المظهر لما يرى فيه من جهة المشرق أو المغرب، أو عند سدرة المنتهى، فذلك مما لا يفهم من هذه الآية.
وهذه الرؤية بتمثل جبريل للنبي في مثال يبصر، فهو قد ظهر له وتجلى لعينيه على أنه جبريل فعرفه.
(وما هو على الغيب بضنين) قرئ بالظاء وبالضاد.
والمعنى على القراءة الأولى: وما محمد بمتهم على الغيب، أي أنه صادق في أخباره عن اليوم الآخر وحوادثه والوحي وما يجيء به.
وكما أنه لم يعرف عنه الكذب في ماضي حياته فهو غير متهم فيما يحكيه عن رؤية جبريل.
وعلى الثانية يكون المعنى إنه لا يبخل بما يأتيه من الوحي ولا يقصر في تبليغه.
وسمي الوحي غيبًا لا يعرفه ولا يفهم حقيقته من البشر إلا الذي يوحى إليه.
(وما هو بقول شيطان رجيم) أي لما كان صاحبكم قد عرف بصحة العقل، وبالأمانة على الغيب، فلا يكون ما يحدث به من خبر الآخرة والجنة والنار والشرائع والأحكام قول شيطان رجيم، تظنون أنه قد تبعه وخالط عقله.
(فأين تذهبون) أي مسلك تسلكون، وقد قامت عليكم الحجة، وأحاط بكم الحق من جميع جوانبكم؟
ما هذا الذي يتلوه عليكم محمد (إلا ذكر للعالمين) موعظة يتذكرون بها ما غرز اللَّه في طباعهم من الميل إلى الخير، وإنما أنساهم ذكره ما طرأ على اطباعهم من ملكات السوء التي تحدثها أمراض الاجتماع وقوله ﴿ لِمَنْ شَاءَ ﴾ إلخ بدل من العالمين، أي أنه ذكر يتذكر به من وجه إرادته لأن يستقيم على الجادة الواضحة، جادة الحق والعدل.
أما من صرف نفسه عن ذلك ولم يرد إلا الاعوجاج والانحراف عن طريق الحق والصواب، فذلك الذكر لا يؤثر فيه ولا يخرجه من غفلته.
فعلى مشيئة المكلف تتوقف الهداية.
ولا ريب في أن كل مكلف قد فرض عليه أن يوجه فكره نحو الحق ليطلبه وأن يحفز عزمه إلى الخير ليكسبه.
ولما كان ترتيب الذكر والانتفاع به على مشيئة العبد أن يستقيم ربما يوهم أن الإنسان مستقل باختياره، سلطان لنفسه، وحاكم لأمره، منقطع العلاقة في إرادة عن سلطان إلهه، استدرك لدفع هذا الوهم بقوله (وما تشاءون إلا أن يشاء اللَّه)، أي إن إرادتكم إنما هي لو مخلوقة، وهو الذي أودعها فيكم، ولو شاء لسلبكم إياها، وجعلكم من الحيوانات التي ليس لها إرادة العاقل أو أحط من ذلك بحيث لا تكون لكم إرادة بالمرة.
وأتى بالوصف لبيان العلة في الحكم حيث قال (رب العالمين)، أي أنه لما كان رب العالمين أجمعين، وهو مانحهم كل ما يتمتعون به من القوى: إرادة أو غيرها، وهو مع ذلك صاحب السلطان الأعلى عليهم-كانت إرادتكم مستندة في الحقيقة إلى إرادته، وخاضعة لسلطانه، فلو شاء أن يحولها إلى وجه غير الذي اتجهت إليه لتحولت، ولو شاء محوها بالمرة لمحيت.
له الأمر وهو على كل شيء قدير.