الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة البروج
تفسيرُ سورةِ البروج كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 11 دقيقة قراءة(البروج): جمع برج، يطلق في اللغة على الحصن وعلى القصر، وعلى البروج الاثني عشر التي ترى صورها في الأشكال الحاصلة من اجتماع بعض الكواكب على نسب خاصة، وتنتقل فيها الشمس في ظاهرة الرؤية، وهي ستة في شمال خط الاستواء وستة أخرى في جنوبه، فأما التي في شماله فهي: الحمل والثور والجوزاء، وهذه الثلاثة تقطعها الشمس في ثلاثة أشهر، وهي فصل الربيع: أوله عندما تكون الشمس في الحمل في ٢٠ مارس، أو ٢١ مارس، أو ١٢ برهمات، أو ١٣ برهمات، وتنتهي عمدما تكون في آخر الجوزاء في ٢٠ أو ٢١ يونيه، و١٤ بؤنة ثم تبتدئ أشهر الصيف من ٢١ أو ٢٢ يونيه عندما تدخل الشمس في برج السرطان، ثم تنتقل إلى الأسد، ومن الأسد إلى السنبلة، وتكون في نهاية هذا البرج في ٢٢ سبتمبر وهو آخر فصل الصيف، وبالسنبلة تتم الستة الشمالية.
وأول لستة الجنوبية برج الميزان، وبحلول الشمس فيه يبتدئ الخريف في ٢٣ أو ٢٤ سبتمبر و١٤ توت، ثم تنتقل منه إلى العقرب، ومن العقرب إلى القوس، وفي نهايته ينتهي الخريف، ويبتدئ الشتاء عند حلول الشمس في برج الجدي في ٢٢ أو ٢٣ ديسمبر و١٣ أو ١٤ كيهك، ثم تصعد منه إلى الدلو ومن الدلو إلى الحوت، وهو آخر البروج الجنوبية، وفي نهايته ينتهي الشتاء.
ويبتدئ الربيع الثاني عند حلول الشمس في الحمل مرة ثانية وهكذا.
وقد فسرت البروج في الآية بالنجوم، وبالبروج المذكورة، وبالقصور على التشبيه.
ولا ريب في أن النجوم أبنية فخيمة عظيمة، فيصح إطلاق البروج عليها تشبيهًا لها بما يبنى من الحصون والقصور في الأرض، (واليوم الموعود) هو يوم القيامة لأن الله وعد به ولما نصل إليه..
(والشاهد والمشهود) كل ما له حس يشهد به، وكل محس يشهد بالحس، كما هو حقيقة معنى اللفظ.
أقسم سبحانه أولًا بما فيه غيب وشهود، وهو السماء ذات البروج: فإن كواكبها مشهود نورها، مرئي ضوؤها، معروفة حركاتها في طلوعها ومغيبها بحس البصر.
(والسماء) ما علاك مما تسميه بهذا الاسم، وفيه البروج تشاهدها، ولكن فيها غيب لا تعرفه بالحس، وهو حقيقة الكواكب، وما أودع الله فيها من القوى، وما أسكنها من الملك أو غيره.
كل ذلك غيب لا تدركه حواسنا، وإن وصل إلى الاعتقاد بشيء منه عقلنا.
ثم اقسم -جل شأنه- بما هو غيب صرف، وهو اليوم الموعود، لأنه أخبرنا بأنه سيكون، وعما يكون فيه من حوادث البعث والحساب والعقاب والثواب، ولكن شيئًا من ذلك لا يمكن أن نشهده في حياتنا هذه.
وبعد ذلك أقسم بما هو شهادة صرفة، وهو الشاهد: أي صاحب الحس، فإنه مرئي، والمشهود هو ما وقع عليه الحس.
فكأنه -جل شأنه- أقسم بالعوالم كلها -مع هذا التقسيم البديع- ليلفتك إلى ما فيها من العظم والفخامة لتعتبر بما حضرك، وتبذل الوسع في درك ما استتر عمك، وتستعد لما يستقبلك.
روي عن الحسن في تفسير قوله ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾ ، أنه قال "ما من يوم إلا وينادي: إني يوم جديد، وإني على ما يعمل في شهيد.
فاغتنمني، فلو غابت شمسي لم تدركني إلى يوم القيامة".
أما المقسم عليه فمحذوف دل عليه ما ذكره في قوله ﴿ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ﴾ إلخ وحذفه لطوله مع تبادره للذهن عند أهل اللسان، فكأنه قال: أقسم بهذا الكون العظيم، وبذلك اليوم الذي يهلك فيه ما يهلك ويقوم الناس لرب العالمين -لقد ابتلى من قبلكم من المؤمنين الموحدين ببطش أعدائهم، واشتدادهم في إيذائهم، حتى خدوا لهم الأخاديد، وملأوها بالنيران، وقذفوهم فيها، ولم تأخذهم بهم رأفة، بل كانوا يتشفون برؤية ما يحل بالمؤمنين.
وأقسم: لقد صبروا، ولقد انتقم الله ممن أوقع بهم، وأخذه بذنبه أخذ العزيز المقتدر.
ولئن صبرتم ليوفينكم أجركم، وليأخذن الله أعداءكم، ولينزلن بهم من بطشه ما لا قبل لهم به- فهذا كله قد فهم من الآيات الآتية جوابًا للقسم.
وقد أقام مقام الجواب حكاية مثل الماضين، ووعيده للكافرين، ووعده للصالحين، وما بعد ذلك تثبيتًا لقلوب المؤمنين، وحملًا لهم على الصبر والمجاهدة في سبيله.
(الأخدود): الخد في الأرض، وهو الشق، وقتل أصحابه: أي أخذوا بذنوبهم ونزل بهم نكال الدنيا وعذاب الآخرة.
وأصحاب الأخدود، قوم كافرون، ذوو بأس وقوة، أصابوا قومًا مؤمنين غاظهم إيمانهم، فحملوهم على الكفر، وأكرهوهم أن يرتدوا إليه، فأبوا فشقوا لهم شقًا في الأرض، وحشوه بالنار وجاءوا بالمؤمنين واحدًا واحدًا وألقوهم في النار، وهؤلاء القساة قعود على جوانب الشق حول النار يشاهدون احتراق الأجساد الحية وما تفعل بها النيران.
فقوله (النار) بدلًا من الأخدود: أي أن أصحاب الأخدود، هم أصحاب النار ذات الوقود، أي الشديدة لها من الحطب الكثير ما يشتد به لهبها.
(والقعود) جمع قاعد: أي قاعدون حولها ينظرون إلى ما يصلاه المؤمنون، لا يغمضون جفنًا ولا يصرفون نظرًا، حتى كأنهم يريدون أن يستثبتوا في أذهانهم أطوار العذاب ووقائعه ليؤدوا به شهادة، وذلك منتهى القسوة (وما نقموا منهم) أي ما عابوا عليهم، ولا كان للمؤمنين ذنب إليهم سوى أنهم آمنوا بالله (العزيز)، الذي لا تغلب قوته، ولا يفلت أحد من قدرته (الحميد)، الذي يحمد على كل حال، وكل فعاله حسان، حتى لو أصابك، وأنت مؤمن به -ما ظاهره النقمة، فهو: إما تهذيب لك ليربيك بالصبر، أو ابتلاء لقلبك ليعظم لك فيه الأجر.
أما تعيين أصحاب الأخدود، وأنى كانوا، ومن هم أولئك المؤمنون، وأين كان منزلهم من الأرض؟
فقد كثرت فيه الروايات.
والأشهر أن المؤمنين كانوا نصارى نجران عندما كان دينهم دين توحيد ليس فيه حدث ولا بدعة.
وأن الكافرين كانوا أمراء اليمن أو اليهود الذين لا يبعدون عن هؤلاء في حقيقة الوثنية.
غير أن المؤمن لا يحتاج في الاعتبار وإشعار الموعظة قلبه إلى أن يعرف القوم والجهة -وخاصة الدين الذي كان عليه أولئك أو هؤلاء- حتى يطير وراء القصص المشحونة بالمبالغات، والأساطير المحشوة بالخرافات.
وإنما الذي عليه: هو أن يعرف من القصة ما ذكرناه أولًا.
ولو علم الله خيرًا في أكثر من ذلك لتفضل علينا به.
وقال ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ليدل على أنه لا مفر لأولئك الظالمين من سلطانه.
وقوله ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ ليقرر أنه عليم بكل ما يكون من خلقه، فلا تخفى عليه خافية من أفعالهم، وهومجازيهم عليها.
(فتنوا المؤمنين) أي بلوهم بالأذى، وامتحنوهم بالتعذيب ليردوهم عن دينهم.
(ولهم عذاب الحريق) معطوف على قوله: (فلهم عذاب جهنم) عطف التفسير والتوضيح مع التأكد وزيادة التهويل كما تقول -لمن قرف ذنبًا- ستلقى ما يستحقه جرمك، وستلقى حبسًا في السجن وغلًا بالحديد.
فالعذاب الذي أُعد لهم في جهنم هو عذاب الحريق.
والذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يكفوا عن إيذائهم، وثبتوا على كفرهم وعنادهم، حتى أخذهم الموت، وأوعدهم الله أن يعذبهم في جهنم بالحريق: هم الضالون من كل قوم، الذين يؤذون أهل الحق والدعاة إليه من كل أمة، حرصًا على ما ألفوا من الباطل، وتشيعًا للذي وجدوا عليه أنفسهم وآباءهم الأقربين على غير بصيرة ولا استشارة للعقل الصحيح.
(البطش): الأخذ بالعنف.
وقوله: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ ﴾ إلخ، تعظيم لأمر الله، جل ذكره، بما فيه وعيد لأعدائه وتعزية لأوليائه.
فذكر شدة بطشه ليرهب قريشًا ومن معها ويعزي النبي ومن معه، وبرهن على سعة القدرة بقوله إنه هو الذي بدأ الخلق، وهو الذي يعيده، وهو في كل يوم يبتدئ خلقًا من نبات وحيوان وغيرهما، ثم إذا هلك أعاد الله خلقه مرة أخرى.
ثم هو يعيد الناس في اليوم الآخر على النحو الذي يعلمه، ثم هو الغفور لمن يرجع إليه بالتوبة.
وهو الودود لمن خلصت نفسه له بالمحبة.
و(ذو العرش) أي صاحب العظمة والسلطان.
و(المجيد) السامي الرفيع.
وأصل المجد في كلام العرب: الشرف الواسع.
(فعال) خبر لمبتدأ محذوف، وهو من صيغ المبالغة أي إنه كثير الفعل لما يريده، فلا يريد شيئًا إلا فعله طبق إرادته.
فإذا أراد إهلاك الجاحدين المماحكين، ونصر أهل الحق الصادقين، لم يعجزه ذلك.
وأين هؤلاء ممن سبقهم ممن كانوا أضل منهم، وأشد قوة.
(هل أتاك حديث الجنود) أي هل بلغك قصص أولئك الجنود، وأولي البأس من الأشداء الأقوياء، مثل فرعون وقومه وثمود وأبطالها؟
فقد كانوا أشد بأسًا وأعظم قوة من قومك، ومع ذلك فقد أخذهم الله بذنوبهم -وهكذا كل من تعلق بالباطل سقط به الباطل في الدمار.
وثمود قبيلة عظيمة من بائدة العرب لا يعرف من أخبارها -على الحقيقة- إلا ما قص الله علينا منها.
وقد أرسل الله إليها نبيه صالحًا فكفرت به، واستمرت في تمردها على الحق والعدل حتى أهلكها الله بظلمها.
فقوله: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴾ استئناف قول في ذكر عبر ماضية لو نظر فيها العاقل لاهتدى إلى سنن الله في خلقه.
فهل نظر منكرو أمره في سير من قبلهم، والتفتوا ببصائرهم إلى حال من تقدمهم، ثم أقبلوا على ما يذكرهم به، فإن وجدوا خيرًا قبلوه وإن وجدوا شرًا نبذوه؟
لا.
لم يكن منهم شيء من ذلك بل انحصر أمر أولئك الذين كفروا في التكذيب، أي أنهم غرقوا في شهوة التكذيب فغمرهم التكذيب، والولوع به حتى لم يدع لعقلهم مجالًا لنظر، او متسعًا لتدبر، ولا يزالون في تلك الغمرة حتى يؤخذوا على غرة.
﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ تميل لحالهم مع القهر الإلهي، وأنهم في قبضة العزة لا يفلتون منها ولا يفوتون الله ولا يعجزونه، كما لا يفوت الشيء ما يحيط به.
﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴾ : أي شريف، رفعه على غيره علو أسلوبه، وخلوص ما فيه للحق الذي لا يشوبه باطل.
وإتيانه بالجملة مصحوبة بحرف الإضراب يشير إلى ما أشعر به استغراقهم في التكذيب من التماسهم العذر في عدم الإيمان به من أنه أساطير الأولين، وأن ما جاء به بدعة في الدين لم يعرفها آباؤهم السابقون.
فدفع ذلك بقوله: بل هو، إلخ.
(واللوح المحفوظ): شيء أخبر الله به، وأنه أودعه كتابه ولم يعرفنا حقيقته.
فعلينا أن نؤمن بأنه شيء موجود، وأن الله قد حفظ فيه كتابه إيمانًا بالغيب.
وأما دعوى أنه جرم مخصوص في سماء معينة، ووصفه بما جاء في روايات مختلفة، هو مما لم يثبت عن المعصوم بالتواتر، فلا ينبغي أن يدخل في عقائد أهل اليقين من المؤمنين.
وما أجدرنا -لو أردنا التأويل- بأن نأخذ بما قيل من أن اللوح المحفوظ، هو لوح الوجود الحق، ومعاني القرآن وقضاياه الشريفة: لما كانت لا يأتيها الباطل ولا يدانيها الخطأ، كانت ثابتة في لوح الواقع المحفوظ الذي لا حق إلا ما وافقه، ولا باطل إلا ما خالفه، ولا باقي إلا ما رسم فيه، ولا ضائع إلا ما لم يتطبق عليه.