الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الطارق
تفسيرُ سورةِ الطارق كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءة﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾ يقسم سبحانه بالسماء -وقد قلنا إنها كل ما علانا- فهو قسم بالعالم العلوي وما فيه.
ثم خصص بعض ما في ذلك العالم السماوي وأقسم بالطارق.
والطارق عندهم: كل ما أتاك ليلًا.
ولما كان اللفظ عامًا، والمقسم به كائن معين، وشيء خاص مما يصدق عليه الطارق -أراد أن يبين ما قصد منه بما يدل على تفخيم أمره، وتعظيم شأنه (وما أدراك ما الطارق)، وهو استفهام يقصد به -في عرف خطابهم- تعظيم المستفهم عنه، كأنه -في فخامة شأنه- مما لا تمكن إحاطة الإدراك به.
فيقال وما الذي يدريك ما هو كذا؟
(والنجم الثاقب) جنس النجم الذي يثقب ضوؤه الظلماء، كأن الظلام جلد أسود والنجم يثقبه، وإنما عظم الله امره لما فيه من الهداية الحسية والمعنوية والشؤون الأخرى التي يعلمها الله ويعلمها الراسخون في علوم أسراره في خليقته.
وإنما سمي النجم الثاقب بالطارق، لأنه لا يظهر إلا ليلًا، وضوء الشمس في النهار يخفيه (إن كل نفس لما عليها حافظ) قرء (لما) بالتشديد و(لما) بالتخفيف.
والمشددة بمعنى إلا، و "إن" معها تكون نافية.
والمخففة مركبة من اللام و "ما" الزائدة في الإعراب، و "إن" كانت لمعنى التأكيد، وتكون "إن" مخففة من إن.
وعلى كلتا القراءتين فالمعنى أن كل نفس عليها حافظ ورقيب يراقبها في جميع أطوار وجودها حتى تنتهي إلى أجلها، وذلك الحافظ الرقيب هو الله، وهذا هو المقسم عليه.
فالله جل شأنه يقسم لنا أن كل نفس من الأنفس عليها رقيب، وليس في النفوس نفس أهملت من رعاية ذلك الرقيب المدبر لشؤونها.
فإذا ارتاب مرتاب في ذلك (فلينظر الإنسان مم خلق) إلخ فقوله: فلينظر الإنسان، بمنزلة الدليل على الدعوى المقسم عليها زيادة في التأكيد.
ووجه ذلك أن الماء الدافق من المائع الذي لا تصوير فيه ولا تقدير للآلات التي يظهر فيها عمل الحياة كالأعضاء ونحوها.
ثم إن هذا السائل ينشأ خلقًا كاملًا كالإنسان، مملوءًا بالحياة والعقل والإدراك، قادرًا على القيام بخلافته في الأرض.
فهذا التصوير والتقدير، وإنشاء الأعضاء والآلات البدنية، وإيداع كل عضو من القوة ما به يتمكن من تأدية عمله في البدن، ثم منح قوة الإدراك والعقل، كل هذا يستحيل أن يكون بدون حافظ يراقب ذلك كله ويدبره، وهو الله جل شأنه.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ من قبيل التفريع على ما ثبت في القضية الأولى.
كأنه يقول فإذا عرفت أن كل نفس عليها رقيب، فمن الواجب على الإنسان أن لا يهمل نفسه، وأن يتفكر في خلقه، وكيف كان ابتداء نشوئه ليصل بذلك إلى أن الذي أنشأه أول مرة قادر على أن يعيده، فيأخذ نفسه بصالح الأعمال والأخلاق، ويعدل بها عن سبل الشر، فإن عين الرقيب لا تغفل عنها في حال من الأحوال.
و(الصلب) هو كل عظم من الظهر فيه فقار.
ويعبر عنه في كلام العامة بسلسلة الظهر.
وقد يطلق بمعنى الظهر نفسه إطلاقًا لاسم الجزء على الكل.
و(الترائب) موضع القلادة من الصدر، وكنى بالصلب عن الرجل، وبالترائب عن المرأة.
أي أن ذلك الماء الدافق إنما يكون مادة لخلق الإنسان إذا خرج من بين الرجل والمرأة، ووقع في المحل الذي جرت عادة الله أن يخلقه فيه، وهو رحم المرأة.
فقوله ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنَ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾ وصف لا بد من ذكره لبيان أن الإنسان إنما خلق من الماء الدافق المستوفي شرائط صحة الخلق منه.
بعد ما لفت الإنسان ووجه نظره إلى بدء نشأته ليعلم أنه في أطوار خلقته ومدة بقائه في قبضة مدبر حفيظ عليه، ساقه إلى نتيجة أخرى لذلك النظر يسهل الوصول إليها بعد أحكامه، وهي أن الذي قدر على خلقه من الماء الدافق الذي لا صورة فيه ولا تقدير ولا مثال فيه للشخص المخلوق، قادر على أن يرجع هذا الشخص بعد موته، بل هذا أسهل وأيسر لسبق مثال الشخص وتقدم صورته في الخلق الأول، فقال سبحانه ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾ فهذه الآية استئناف كلام لبيان نتيجة من نتائج النظر السابق، أي اعلم -بعد ما أحكمت نظرك- أن الله قادر على إزعاجك وإعادتك إلى الحياة في ذلك اليوم إلى يوم القيامة.
وهو اليوم الذي تبلى فيه السرائر، وتتصفح الضمائر، ويظهر الطيب والخبيث، فلا يبقى في سريرة سر، بل تنقلب كل خفية إلى الجهر، فلا يكون جدال ولا حجاج، ولا يستطيع المسيء أن يقول قد كنت محسنًا، ولا يبقى لذوي الأعمال إلا انتظار الجزاء على ما قدموا: فإما حلول عقاب، وإما مصير إلى حسن ثواب، ولا تكون لأحد قوة على الإفلات مما قدر له جزاء لعمله إن كان سيئًا، ولا ناصر ينصره فيحميه مما حتم عليه أن يقع فيه.
وهذا هو معنى ترتيب قوله ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴾ على قوله ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾ .
بعد أن أكد سبحانه بالقسم الأول على أن على الأنفس رقيبًا، واستدل عليه، وذلك إثبات للألوهية، وتقرير لإحاطة علم الله وقدرته بالأنفس في جميع أطوارها -وهو الركن الأول من أركان عقائد الدين- وبعد أن بيَّن قدرته على إعادة الإنسان بعد موته -وهو إثبات لليوم الآخر الذي هو الركن الثاني- جاء بنا إلى الركن الثالث من أركان عقائد الدين، وهو رسالة سيدنا محمد ، فابتدأ الكلام فيه بقسم أيضًا لشدة نزاع الجاحدين فيها حيث قال ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾ إلخ.
إن الله يقسم بالأمر له مزية يعرفها المخاطب إعظامًا لتلك المزية.
لهذا قال: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾ .
الرجع في لسان العرب هو الماء.
وأمتع شيء ينتظره المخاطبون من السماء هو الماء ماء المطر.
ومن فسر الرجع بالمطر لم يبتعد عن المعنى.
(والصدع) النبات، لأنه يصدع الأرض، أي يشقها، وأفضل ما تميل إليه الأنفس من الأرض نباتها.
أقسم بالسماء التي تفيض عليكم بمائها، والأرض التي تقيم معاشكم بنباتها، أن هذا القول الذي جاءكم به محمد لقول فصل، أي حق واضح ولا مجال للريب فيه، فلا تشتبك فيه الظنون، ولا تتلاحم الأوهام، ولا يعود إليه نقض، وهو لذلك جد الجد فلا يكون هزلًا.
بعد أن بيّن الأركان الثلاثة لعقائد الدين: وهي الألوهية والمعاد والرسالة -أخذ يذكرنا بحال الجاحدين للحق المحاربين له بقوله ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾ الكيد: المكر.
فإذا أسند إلى الله للمشاكلة -كما في هذه الآية- أريد منه لازمه، وهو الوصول بالعامل إلى عاقبة عمله من حيث لا يشعر بها.
وقد يكون المكر والكيد إيقاع المكروه على غرة، وأخذ الممكور به من حيث لا يعلم كيف أُخذ.
فيكون استعماله في جانب الحق على الحقيقة لأن الله يمهل الحائدين عن أمره الصادين عن سبيله، ثم يأخذهم وهم نائمون على فراش الأمن، وهذا هو ما يعبر عنه في اللغة بالمكر.
وإن كان في جانب المخلوق يحتاج إلى حيلة لأن لا قوة له هو ما يعبر عنه في اللغة بالمكر.
وإن كان في جانب المخلوق يحتاج إلى حيلة لأنه لا قوة له على مثل هذا إلا بالحيلة، وفي جانب الخالق يتبرأ من الحيلة لأنه -جل شأنه- له الحول كله والقوة جميعها.
يقول -والله أعلم- إن الذين يحرصون على ما كانوا عليه، ولا يستمعون قولك فيما تدعوهم إليه، ويزينون للناس مشايعتهم على أهوائهم، ويموهون الأباطيل ليخدعوا بها عقولهم، أولئك قوم ماكرون خادعون لا يريدون بك ولا بمن ينخدع لهم إلا السوء.
غير أني قد قضيت بأن لا مفر لهم من عاقبة أمرهم، ولا محيد لهم عما تؤدي إليه سيئات أعمالهم، فيصيبهم العقاب من حيث لا يشعرون، فلا يحزنك ما ترى منهم، ولا تستبطئ حلول النكال بهم، بل مهلهم.
أي لا تستعجل عقابهم.
و ﴿ أَمْهِلْهُمْ ﴾ بمعنى مهلهم، فهو بدل منه للتأكيد، أو تكرير بلفظ آخر للتأكيد كذلك.
و (رويدًا) أي قليلًا.
وفي ذلك وعيد شديد لهم بأن ما يصيبهم قريب، سواء كان في الحياة الدنيا أو فيما بعد الموت.
ثم فيه الوعد للنبي ، بل لكان داع إلى الحق الذي جاء به، أنه سيبلغ من النجاح ما يستحقه عمله، وأن المناوئين له هم الخاسرون.