الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الأعلى
تفسيرُ سورةِ الأعلى كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 11 دقيقة قراءة﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ .
اسم الله في مثل هذه الآية هو ما يعرف به، والله إنما يعرف لنا بصفاته، فلا تعرفه أذهاننا إلا بأنه العالم القادر الحكيم إلى آخر ما دلنا عليه النظر في خلقه، وهدانا إليه الوجدان السليم في وصفه.
وهذا هو الاسم الذي يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام في قراءة من قرأ في سورة الرحمن: ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذُو الجَلَاِل وَالإِكْرَامِ ﴾ .
والاسم بهذا المعنى -(ما يعرف به المسمى)- هو الوجه في قوله تعالى: ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ﴾ .
فإن الوجه يعرف به صاحبه، بل لا يكاد يعرف صاحب الوجه إلا بوجهه، والاسم بهذا المعنى هو المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلِّهَا ﴾ أي رسوم الأشياء وما تعرف الأشياء به.
فاسم الله هو ما يمكن لأذهاننا أن تتوجه إليه به.
والله يأمرنا بتسبيح هذا الاسم، أي تنزيهه عن أن يكون فيه ما لا يليق به من شبه المخلوقات، أو ظهوره في واحد منها بعينه.
أو اتخاذه شريكًا أو ولدًا أو ما ينحو هذا النحو، فلا توجه عقولنا إليه إلا بأنه خالق كل شيء، المحيط علمه بدقائق الموجودات.
كما قال ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾ فعلينا أن نعرفه بأنه خلق الكائنات وأوجدها وسواها، أي وضع خلقها على نظام كامل لا تفاوت فيه ولا اضطراب، كما تراه فيما يظهر لك من خلق السموات والأرض.
وأنه ﴿ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ ، أي قدر لكل حي ما يصلحه مدة بقائه وهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع بما فيه منفعة له ووجه الهرب مما يخشى غائلته.
وأنه ﴿ الَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴾ ، أي أنبت النبات جميعه، وما من نبت ينبت إلا وهو يصلح أن يكون مرعى لحيوان ما من الأجناس الحية.
ثم بعد أن أنبت النبات ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴾ والغثاء هو الهشيم، أو الهالك البالي، والأحوى الذي يميل لونه إلى السواد.
ذكر بعد الخلق التسوية، وبعد تقرير المصالح وتحديدها الهداية، والتسوية والهداية كمالان للخلق والتقدير، وأتبع إخراج المرعى بجعله غثاء أحوى، وجعله غثاء إنما هو إفناؤه وإماتته وإزالة الحياة عنه.
وكان يلوح للذهن أن يعقب إخراج النبات بذكر كمال من كمالات وجوده: كالنضرة والخضرة والترعرع وما أشبه ذلك..
جاء الأسلوب على هذا الوجه لأن الخلق الأول عام في الأجسام الفانية وفي العوالم الباقية: كعوالم ما وراء هذه الخليقة الدنيا، فكله من خلقه، وكله قد سواه ووضعه على أكمل نظام في الدنيا وفيما وراءها.
والتقدير لمصالح الأحياء عام شامل لما للإنسان -بل ولما لغيره- من عالم الملك ونحوه.
فتلك العوالم الروحية حياة، ولحياتها شؤون مقدرة قدرها مبدعها.
وهداية الإنسان إنما هي لروحه الباقية التي لا تفنى، وكذلك هداية الأرواح العالية من سكان تلك العوالم التي لا نعرف منها إلا ما هدانا إليه الوحي، وقليلًا ما أرشدنا إليه العقل، هداية باق إلى شئون باقية إلى أن يشاء الله، فحق أن يتبع الخلق بالتسوية التي لا تفارقه ولا نهاية لها، وتقدير المصالح لكل حي بالهداية التي منها ما لا نهاية له كهداية الإنسان وما يشبهه.
أما النبات فإنما يعقب نموه وبلوغه الغاية منه اليبس والجفاف وصيرورته هشيمًا باليًا.
وهو في هذه الحالة لا يخلو من المنفعة فإنه قد يكون طعامًا لكثير من أنواع الحيوان، وهو هشيم متغير اللون، فكأنه قال الذي أحكم كل شيء صنعه: ما يبقى وما يفنى.
فنحن مأمورون أن نعرف الله جل شأنه بأنه القادر العالم الحكيم الذي شهدت بصفاته هذه آثاره في خلقه التي ذكرها في وصف نفسه في قوله ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾ إلخ، وأن لا ندخل في هذه الصفات معنى مما لا يليق به كما أدخل الملحدون الذين اتخذوا من دونه شركاء له أو عرفوه بما يشبه به خلقه.
وإنما توجه إلينا الأمر بتسبيح الاسم دون تسبيح الذات ليرشدنا إلى أن مبلغ جهدنا ومنتهى ما تصل إليه عقولنا أن نعرف الصفات بما يدل عليها، أما الذات فهي أعلى وأرفع من أن تتوجه عقولنا إليها إلا بما نلحظ من هذه الصفات التي تقوم عليها الدلائل، وترشد إليها الآيات، لهذا أمرنا بتسبيح اسمه تكليفًا لنا بما يسعه طوقنا.
والله أعلم.
بعد أن أمر الله نبيه بتسبيح اسمه، وعلم أمته المأمورة بأمر الله له كيف يمكنها أن تعرف الاسم الذي تسبحه -على نحو ما ذكرنا- وعد نبيه بأنه سيقرئه من كتابه ما فيه تنزيه الله وتبيين ما أوجب أن يعرف من صفاته وما فيه تشريع لأحكامه، ووعده بأن ما يقرئه إياه لا ينساه فقال ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى ﴾ أي سننزل عليك كتابًا تقرأه ولا تنسى منه شيئًا بعد نزوله عليك.
ولما كان الوعد على وجه التأبيد، واللزوم ربما يوهم أن قدرة الله لا تسع تغييره، وأن ذلك خارج عن إرادته جل شأنه، جاء بالاستثناء في قوله: ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ .
فإنه إذا أراد أن ينسيك شيئًا لم يعجزه ذلك، فالقصد هو إلى نفي النسيان رأسًا.
وقالوا إن ذلك -كما يقول الرجل لصاحبه "أنت سهيمي فيما أملك إلا ما شاء الله"- لا يقصد استثناء شيء.
وهو من استعمال القلة في معنى النفي.
وعلى ذلك جاء الاستثناء في قوله تعالى في سورة هود: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ .
أي غير مقطوع.
فالاستثناء في مثل هذا للتنبيه على أن ذلك التأبيد والتخليد بكرم من الله وسعة جود لا بتحتيم عليه وإيجاب، وأنه لو أراد أن يسلب ما وهب لم يمنعه من ذلك مانع.
وما ورد من أنه نسي شيئًا كان يذكره، فذلك -إن صح- فهو في غير ما أنزل الله عليه من الكتاب والأحكام التي أمر بتبليغها.
وكل ما يقال غير ذلك فهو من مدخلات الملحدين التي جازت على عقول المغفلين فلوثوا بها ما طهره الله، فلا يليق بمن يعرف قدر صاحب الشريعة ، ويؤمن بكتاب الله، أن يتعلق بشيء من ذلك.
ويقول ﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴾ تأكيد للوعد مع الاستثناء، أي أن الذي وعدك بأن سيقرئك وأنه سيحفظك ما تقرأ فلا تنساه، عالم بالجهر والسر فلا يفوته شيء مما يكون في نفسك، وهو مالك قلبك وعقلك وخافي سرك، وفي قدرته أن يحفظ عليك ما وهبك وإن كان ذلك من خفيات روحك، ولو شاء لسلبه ولن تستطيع دفعه لأنك لا تستطيع أن تخفي عنه شيئًا.
ولما كان في الوعد بالإقراء الوعد بتشريع الأحكام كما ذكرنا -وقد يكون في الأحكام ما يصعب على المخاطبين احتماله- أردف ذلك الوعد بما يزيده حلاوة في ذوق النفس فقال: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴾ : أي نوفقك للشريعة السمحة التي يسهل على النفوس قبولها ولا يصعب على العقول فهمها.
بعدما وعده بذلك الفضل العظيم، أخذ يأمره بتذكير عباده وتنبيههم من غفلاتهم، وتوجيههم إلى ما هو خير لهم من تنزيه اسم الله تعالى والاستعداد لامتثال أوامره والتزام أحكامه، فقال ﴿ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ وأشار بقوله ﴿ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾ إلى ما عليه حال أهل الباطل القائمين على ما ورثوا عن آبائهم، وإلى جمودهم وصلابة جهلهم، وأن الذكرى ربما لا تنجح فيهم.
قالوا "وذلك كما تقول للواعظ عظ المكارين إن سمعوا منك".
وليس الشرط قيدًا في الأمر، فقد أجمع أهل الدين -سلفهم وخلفهم- على أن الأمر بالتذكير عام، نفعت الذكرى أم لم تنفع.
وعمله شاهد على ذلك.
ولذلك أردف هذا الأمر بقوله ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ﴾ فالذكرى نافعة حتمًا في فريق من الناس، وهو الذي يخشى الله ويخشى عاقبة الجحود والعناد مع ظهور الدليل ووضوح وجه الحق، وإنما يتجنب الذكرى ولا ينتفع بها الأشقى الذي غلبه شقاؤه، وحق عليه الخذلان بإعراضه عن النور الساطع والبرهان القاطع، وهذا الفريق -الذي لا يخلو منه زمن- سيلقى من الله جزاءه، كما قال ﴿ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ﴾ وصف النار بالكبرى لأنها نار تلك الدار الآخرة، وهي أشد إيلامًا لمن يعذبون بها من هذه النار التي نعرفها، فتلك أكبر من هذه.
ثم إن من شقي ولقي عذابه بتلك النار يخلد فيها، لا ينقطع عذابه عند غاية، ولا يجد لآلامه نهاية، فهو لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة طيبة فيسعد، فنفي الحياة لا يناقض نفي الموت، لأن الحياة المنفية هي الحياة التي يرغب فيها ويتمنى صاحبها أن تدوم.
وحياة المعذب بتلك النار الكبرى ممقوتة ند صاحبها يتمنى لو فقدها في لحظة تمر عليه، فكأنها ليست بحياة.
إياك أن تنخدع بما يقوله أولئك الذين يلبسون لباس العلماء، ويزعمون مزاعم السفهاء من أنه لا يجب عليهم التذكير ولا النصح العام لعامة المسلمين، لأن التذكير لا ينفع، والنصح لا ينجع، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ إَنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى ﴾ فقيد الأمر بالنفع، فإن ذلك منهم ضلال وتضليل، لأن الشرط إنما ذكر لما بيناه.
ولو صدق قولهم لما وجب التذكير في وقت من الأوقات، لأنه لا يخلو زمان من معاندين، ولا يسلم قائل من جاحدين.
وقد يعرف بعضهم أنه إنما ينطق عن هوى، ولكنه يدافع عن جهله، ويحتج لكسله وجبنه، ويحب أن يزين نفسه في أعين الناس، وإن أوقعها في سخط الله.
بعد أن وصل وعيد الأشقياء بذكرهم عاد إلى وعد أهل الخشية بالفلاح، فقال ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾ .
وتزكى: تطهر من دنس الرذائل، ورأسها جحود الحق، وقسوة القلب.
والفلاح الفوز والسعادة في الدارين.
وإنما يناله من طهرت نفسه، وزكا سره، وصفا قلبه ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾ ، أي لاحظ بسره ما يعرف من ربه بأن يحضر في قلبه صفاته العلية فخشع، فصلى ههنا بمعنى خشع ولجا إلى الله، فهو كقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ وقد يكون مع الخشوع صلاة من الصلوات المكتوبة أو جميعها، وإنما عبر عن الخشوع بالصلاة لأنه لبها والمقصود منها، وهي بدونه شبح بلا روح.
يقول السامعون لهذا الوعد الكريم - ممن قست قوبهم، ولم يأخذوا من العبادات إلا بصورها، وظنوا أن ذلك غاية ما يطالب الله به عباده -نحن المتطهرون، ونحن الذاكرون، ونحن المصلون، فنحن المفلحون...
فيرد الله قولهم وينفي زعمهم بإثبات أنهم كاذبون وفي زعمهم واهمون، ويحتج عليهم بقوله: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ .
ولو صح قولكم لآثرتم الآخرة وهي خير وأبقى.
وإيثار الحياة الدنيا تقديم ملاذها والاشتغال بها والإنفاق فيها مع الانصراف عما يعد السعادة في الدار الآخرة.
أراد الله أن يؤيد الحق الذي يوحيه إلى نبيه بإثبات أنه هو بعينه الحق الذي ذكر في صحف إبراهيم وموسى: فدين الله واحد، وأمره واحد، ووعده ووعيده واحد، وإنما تختلف صوره، وتتعدد مظاهره.
فإذا كان المخاطبون قد آمنوا بإبراهيم أو بموسى فعليهم أن يؤمنوا بمحمد لأنه لم يأت إلا بما جاء في صحفهم، وإنما هو مذكر أو محي لما مات من شرعهم.
والإشارة في هذا إلى ما تضمنه قوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾ .