الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الغاشية
تفسيرُ سورةِ الغاشية كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 13 دقيقة قراءةالغاشية: هي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتغمرهم أهوالها.
والمراد منها هنا يوم القيامة، أي هل سمعت قصة يوم القيامة وما يقع فيه؟
وهو استفهام لتعظيم الأمر مع تقريره.
(وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ)، أي يظهر عليها الذل والخزي النازل بأصحابها وهكذا يقال فيما بعد.
أو عبر بالوجوه عن الأشخاص، فالذل لهم.
أي أناس -يوم تغشى الغاشية- أذلاء.
(عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ) وقع منها عمل في الدنيا وأصابها فيه نصب أي تعب، ولم تستفد من عملها سوى نصبها.
فأثر الخيبة وحبوط العمل ظاهر عليها، ولا حاجة للقول بأنها عاملة ناصبة في ذلك اليوم نفسه، فإن عاملة ناصبة بمنزلة قوله حابطة أعمالها، أو جعلت أعمالها هباء منثورًا، وهذا هو الذي يقع يومئذ.
وإنما يجب اختيار هذا المعنى لاتفاقه مع بقية الآيات في غير هذه السورة، ولأن هذه الآية تقابل قوله في أهل الجنة ﴿ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴾ .
وذلك السعي هو الذي كان في الدنيا.
﴿ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾ صلى النار: قاسي حرها.
وهذه الوجوه تعذب بتلك النار لأن أعمالها في الدنيا كانت خاسرة غلب عليها الشر، وجانبها أو قل فيها الخير.
وتلك النار الحامية الحارة لا نعرف كنهها ولا كيفية إيقادها، ولكنا نؤمن بها، وبأن عمال السوء وحلفاء الباطل يصلونها.
(العين) ينبوع الماء (والآنية) الشديدة الحرارة من أنى الماء يأني إذا سخن وبلغ في الحرارة غايتها.
فإذا عطش أهل النار عطشهم الخاص بهم في تلك الدار، وطلبوا ما يطفئ لهب ظمئهم جيء لهم بماء من ينبوع بلغ ماؤه من الحرارة غايتها، فهو لا يطفئ لهبًا، ولا ينقع غلة، فإذا خوت بطونهم، وأحسوا من الجوع ما يدفعهم إلى طلب الطعام فـ ﴿ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ﴾ .
قال الفراء: الضريع هو نبت يقال له الشبرق، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس.
قالوا: وهو مرعى سوء لا تعقد عليه السائمة شحمًا ولا لحمًا، وإن لم تفارقه إلى غيره ساءت حالها.
والضريع أيضًا القشر الذي على العظم تحت اللحم، وقيل هو جلد على الضلع، وعلى كل حال فهو طعام رديء ﴿ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴾ : أي إذا طلب أهل النار الطعام ليدفعوا به ما يصيبهم من ألم الجوع الذي يلائم عالمهم الأخروي وحياتهم في تلك الدار الباقية، قدم إليهم من الطعام ما لا يدفع جوعًا ولا يفيد سمنًا، أي ليس له أثر من آثار الطعام.
وسمى الله ذلك الطعام بالضريع تشبيهًا له به، وإلا فذلك العالم عالم الآخرة ليس فيه نمو أبدان، ولا تحلل مواد على نحو ما يكون للأحياء في هذه الحياة الدنيا، بل ذلك عالم خلود وبقاء، واللذائذ فيه لذائذ سعادة، والآلام فيه آلام شقاء.
فكل ما يقع في ذلك العالم فإنما بينه وبين ما يقع في عالمنا وجوه مشابهة لا وحدة مجانسة.
وقد جاء في الكتاب الكريم في الحاقّة: ﴿ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ والغسلين ما شأنه أن يغسل عن الأبدان كالقيح والصديد ونحوهما.
وفي سورة الواقعة: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ﴾ إلى آخر الآيات.
وفي الدخان: ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ ﴾ .
وفي الصافات: ﴿ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴾ .
فهذا كله يدل على أن طعام أهل النار شيء يوافق النشأة الآخرة.
وقد عبر الله عنه بالعبارات المختلفة، وكلها مما يصور في أذهاننا بشاعته وخبثه لتنفر منه نفوسنا، وتطلب كل وسيلة للفرار منه، فتبعد بذلك عن العقائد الفاسدة والأعمال الخاسرة.
ولما وفى المكذبين حقهم من الوصف، أقبل على أهل الإخلاص والصدق يقر أعينهم بما سيلقون ذلك اليوم من فضله.
(نَاعِمَةٌ) ذات بهجة وحسن، كما قال ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيِمِ ﴾ .
ولا تكون كذلك إلا إذا كانت متنعمة فرحة بما لاقت من جزاء سعيها في الدنيا، فهي لسعيها راضية على ضد ما عليه تلك العاملة الناصبة.
و(الجنة) هي دار النعيم في الآخرة، وسميت بهذا الاسم من الاجتنان، وهو الستر لتكاثف أشجارها وتظليلها بالتفاف أغصانها.
ووصفها بالعلو لأن خير الأماكن ما كان رفيعًا أو هي عالية رفيعة في أوصافها ومزاياها، كما سيذكر ذلك في قوله ﴿ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ﴾ .
أي لا تسمع تلك الوجوه، أي أولئك المخلصون الذين عبر عنهم بالوجوه، أو لا تسمع أنت -أيها المخاطب في تلك الجنة- لغوًا، أي كلامًا لا يعتد به، ولا شتمًا، ولا سبًا، ولا فحشًا، ولا باطلًا- كل ذلك مما يصح أن يطلق عليه اسمه اللغو لأنه قول لا فائدة فيه.
وإنما عجل بهذا الوصف الشريف عقب ذكر الجنة قبل ذكر بقية أنواع النعيم لدفع ما يسبق إلى الأذهان عند ذكر الجنة ونعيمها من أحوال أهل الترف والمولعين بالشهوات من تمضية الأوقات في اللهو، والقول اللغو، وإطلاق الألسن عن قيد الأدب، فيجعلون من متممات النعيم قذائف الهجر والفحش..
فقد سارع إلى تنزيه أهل الجنة عما هو من لوازم نعيم غيرهم في الدنيا.
وفي ذلك تنبيه للمؤمنين إلى أنه لا يليق بهم أن يكونوا من أهل اللغة مهما فاض عليهم النعيم، واتسعت لهم النعمة، بل ذاك مما ينزهون عنه حتى إذا رفعت عنهم التكاليف، ووصلوا إلى فضاء الرحمة الذي لا سخط فيه ولا نقمة.
فنعيمهم ينبغي أن يكون نعيم أهل الفضل والجد، لا نعيم أهل الجهل والحمق.
فاعتبر بهذه الحكمة، ثم انظر كيف قدم من الأوصاف للجنة وضروب نعيمها ما هو روحاني يليق بأرباب النفوس العالية والمقامات الرفيعة في العرفان وكمال الوجدان، فذكر الرضا بالسعي، ولذته فوق اللذائذ، فإنه لا لذة تفوق عند العامل لذة سروره بعمله، ثم أتبعه بالتنزه عن اللغو وما لا فائدة فيه، وهو أسمى ما يطلب الكامل أن يحيا به.
ثم جاء بعد ذلك بما له شبه باللذائذ الجسمانية المعهودة لنا في هذه الحياة فقال: ﴿ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴾ أي ينبوع ماء جار، والماء الجاري -إذا كان من الينابيع- يكون في العادة باردًا صافيًا، لهذا وصف العين بالجارية، ثم في منظر الماء الجاري من مسرة النفس ما هو معلوم.
و(السرر): جمع سرير، وهو معروف: ما يجلس أو ينام عليه.
وأفضل السرر ما كان مرفوعًا عن الأرض كما هو معروف.
فكأن تلك السرر توضع لأهل النعيم على مقربة من العين الجارية فيجلسون عليها وبجانبهم (أكواب موضوعة) على جانب العين، فإذا أرادوا التمتع بلذيذ الشراب تناولوا بها من الماء، والأكواب: جمع كوب، وهو الكوز الذي لا عروة له، -"ما يعرف في لسان العامة بالكباية"-، ثم في الجنة، غير السرر التي توضع على جوانب العيون.
(نمارق مصفوفة) والنمارق: جمع نمرقة -بضم النون وكسرها- وهي الوسادة -"المسماة في عرف العامة مسندًا ومخدة"- وسواء كانت هذه النمارق مصفوفة فوق الأسرة أو في جوانب المساكن.
(وزرابي مبثوثة) الزرابي: البسط، وقيل البسط التي فيها خمل.
وروي عن المؤرج أنه قال في هذه الآية "أو زرابي: النبت إذا اصفر واحمر، وفيه خضرة، وقد أزرب".
فلما رأوا الألوان في البسط والفرش شبهوها بزرابي النبت.
ومبثوثة: أي مبسوطة أو مفرقة هنا وهناك، كما تراه في بيوت أهل النعمة.
كل ذلك لتصوير النعمة والرفاهة واللذة، وإلا فنعيم تلك الدار الآخرة مما لا يشبهه في هذه الدار نعيم.
فهل آن لهؤلاء الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالله ووعده ووعيده أن يعتبروا بهذا الترتيب الإلهي، وأن يقدموا الإحسان في العمل حتى يبلغوا فيه غاية يرضون سعيهم عندها، وأن يبدأوا بتنزيه أقوالهم عن اللغو، وأنفسهم عن اللهو بما تلهو به الحيوانات من طعام وشراب؟..
ثم بعد أن يلبسوا من الفضائل أفضل حللها، يتناولون من نعمة الله ما يرفعهم، ويطيب عيشهم، ويتمتعون بذلك المتاع الحسن.
هل آن لهم أن يتدبروا كتابهم، وأن يرجعوا إلى سيرة نبيهم، فينهضوا إلى طلب ما أعد الله لهم، ولا يرتكسوا فيما أركس الله فيه الأمم قبلهم؟
عرفت أن الكلام مسوق من أوله لتقرير أمور الآخرة، وما يكون من شأن الناس يوم القيامة، وفي المخاطبين منكرون جاحدون، أو مقرون غافلون لا ينظرون في عملهم إلى ما هم عليه هاجمون، فأراد الله إقامة الحجة على أولئك، وتنبيه هؤلاء بتوجيه نظرهم إلى آثار قدرته فيما بين أيديهم، وما يقع تحت بصرهم من الخلق، فقال ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ ﴾ إلخ وإنما خص الإبل لأنها أفضل دواب العرب، وأعمها نفعًا.
ولأنها، على الحقيقة، خلق عجيب، فإنها -على شدتها وعظم قوتها- تنقاد للضعيف، ولا تمانع الصغير.
ثم في تركيبها ما أعدها لحمل الأثقال ونقلها إلى البلاد الشاحطة.
ثم هي تبرك لتحمل عن قرب ويسر.
ثم تنهض بما تحمل، مع صبر على السير والعطش والجوع، واكتفائها من المرعى بما لا يكاد يرعاه سائر البهائم.
وفيها غير ذلك من المزايا التي لا يماثلها فيها حيوان آخر، وليس اختصاص الإبل لعظم جثتها حتى يرد الفيل.
والفيل -وإن كان فيه بعض مزايا الإبل- فهو لا يدر اللبن، ولا يؤكل لحمه، ولا يسهل قياده سهولة قيادة الإبل.
ورفع السماء: إمساك ما فوق من شموس وأقمار ونجوم، كل منها في مداره، لا يختل سيره، ولا يفسد نظامه.
ونصب الجبال: إقامتها علمًا للسائر وملجأ من الجائر.
وهي، في الأغلب، نزهة للناظر.
وسطح الأرض: تمهيدها وتوطئتها ليتيسر للناس أن يقيموا عليها ويمشوا في مناكبها.
وإنما حسن ذكر الجمال مع السماء والجبال والأرض لأن هذه الجملة من المخلوقات هي ما يقع تحت نظر العرب في أوديتهم وبواديهم، فحسن أن ينتظمها الذكر كما انتظمها النظر.
فلو نظر الجاحدون والغافلون فيها تحت نظرهم من هذه الأشياء، وكيف قامت -كل على حاله التي هو عليها- لعلموا أنها صنعة لا توجد ولا تحفظ إلا بموجد لها وحافظ، وهو الله جل شأنه، وأن القادر على خالق هذه الكائنات وحفظها ووضعها على قواعد الحكمة، قادر على أن يرجع الناس إلى يوم يُوَفَّى فيه كل عامل جزاء عمله.
وكما أن الله خلق ذلك كله، والناس لا يعلمون طريقة خلقه، وإنما يعرفون منه ما شاهدوه.
كذلك ينشئ الله ما ينشئ في ذلك اليوم، وهم لا يعرفون طريقة إنشائه، وإنما يرون فيه كما يرون اليوم ما يرون في هذه المخلوقات، فإذا كان الأمر ظاهرًا جليًا، وما هي إلا نظرة فتهجم عليهم العبرة ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ .
إن الفطرة سائقة بنفسها إلى الاعتقاد بصانع قادر، وهي ميسرة بذاتها إلى الإذعان بأنه قادر على إنشائها في خلق آخر ترى فيه شقاء أو نعيمًا.
وإنما قد تتحكم الغفلات، وتغلب الأهواء، فتحتاج النفوس إلى مذكر يردها إلى ما كان عساه تنساق إليه غرائزها، لهذا سمى الله هذا النوع من الاستذلال تذكيرًا.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴾ : تحديد للأمر الذي بعث الله لأجله نبيه ، وهو تذكير الناس بما نسوه من أمر ربهم.
وليس في سلطانه، ، أن يخلق الاعتقاد فيهم، ولا من المفروض عليه أن يقوم رقيبًا على قلوبهم.
كما قال ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾ .
وقال: ﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾ .
والمسيطر: المتسلط.
قال بعض المولعين بالنسخ والتغيير إن هذه الآية نسخت بآيات الجهاد، كأن الجهاد شرع في الإسلام لقهر النفوس على الاعتقاد.
وخفي على القائل أن القهر لا يحدث إيمانًا، وأن الإكراه لا أثر له في الدين، وأن الجهاد ينقطع وجوبه متى خضع المحارب لأداء الجزية مع بقائه على دينه -إن كان يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا- في رأي الأكثر.
ومن البديهي أنه لا حاجة إلى القول بالنسخ، فإن النبي ليس بمسيطر على قلوب الناس سواء كان محاربً الهم أو مسالمًا.
وقد يشعر نفي السيطرة بأن الناس جميعًا مختارون، وهم سواء فيما هم به مجزيون، فحبل كل على غاربه يذهب إلى حيث شاء من المذاهب، ومع ما شاء من الأهواء.
فقال الله رفعًا لخاطر السوء: ﴿ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى ﴾ إلخ.
أي إنك وإن كنت داعيًا وليس لك سلطان على ما تعقد قلوبهم، فالله هو المسيطر عليهم، وصاحب السلطان على سرائرهم..
فمن تولى منهم، وأعرض عن الذكرى المسوقة إليه (وَكَفَرَ): أي جحد الحق المعروض عليه.
فالله تعالى يعذبه العذاب الأكبر في الآخرة، وقد يضم إلى عذاب الآخرة عذاب الدنيا.
فكلمة (إلا) بمعنى لكن وفيها الاستثناء من عموم الأحوال التي أفادها نفي السيطرة.
ثم أكد ذلك الحكم -وهو تعذيب الله لمن تولى وكفر- بقوله: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ .
أي لا مفر للمعرضين ولا خلاص لهم من الويل الذي أوعدوا به، فإنهم راجعون إلينا، وقد حق القول منا في عقابهم، فنحن نحاسبهم على ما كسبت قلوبهم.
والإياب: الرجوع -كما رأيت- والله أعلم.