تفسير محمد عبده سورة الفجر

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الفجر

تفسيرُ سورةِ الفجر كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 21 دقيقة قراءة

تفسير سورة الفجر كاملةً (محمد عبده)

وَٱلْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍۢ ٢ وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ ٣ وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِى ذَٰلِكَ قَسَمٌۭ لِّذِى حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ٧ ٱلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى ٱلْبِلَـٰدِ ٨ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُوا۟ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلْأَوْتَادِ ١٠ ٱلَّذِينَ طَغَوْا۟ فِى ٱلْبِلَـٰدِ ١١ فَأَكْثَرُوا۟ فِيهَا ٱلْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ١٤ فَأَمَّا ٱلْإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكْرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَكْرَمَنِ ١٥ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَهَـٰنَنِ ١٦ كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ ١٧ وَلَا تَحَـٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ١٨ وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلًۭا لَّمًّۭا ١٩ وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبًّۭا جَمًّۭا ٢٠ كَلَّآ إِذَا دُكَّتِ ٱلْأَرْضُ دَكًّۭا دَكًّۭا ٢١ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفًّۭا صَفًّۭا ٢٢ وَجِا۟ىٓءَ يَوْمَئِذٍۭ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍۢ يَتَذَكَّرُ ٱلْإِنسَـٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكْرَىٰ ٢٣ يَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى ٢٤ فَيَوْمَئِذٍۢ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٌۭ ٢٥ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٌۭ ٢٦ يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةًۭ مَّرْضِيَّةًۭ ٢٨ فَٱدْخُلِى فِى عِبَـٰدِى ٢٩ وَٱدْخُلِى جَنَّتِى ٣٠

كثر خلاف المفسرين والرواة في معنى كل من (الفجر وليال عشر) إلى آخر ما أقسم به.

وقد يفسر الواحد منهم الفجر بمعنى، ثم يأتي في الليالي العشر بما لا يلائمه.

وغالب ذلك يجري على خلاف ما عودنا الله في نسق كتابه الكريم، وقد جرت سنة الكتاب بأنه إذا أُريد تعيين يوم أو وقت ذكره بعينه: كيوم القيامة في لا ﴿ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ  ﴾ ، وكاليوم الموعود في سورة ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوُجِ  ﴾ وكليلة القدر في سورتها.

فإذا أطلق الزمن ولم يقيد، كان المراد ما يعمه معنى الاسم، كما سبق في قوله: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ  وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ  ﴾ .

فالفجر ههنا -على هذا- هو جنس ذلك الوقت المعروف الذي يظهر فيه بياض النهار في جلد الليل الأسود، وينبعث الضياء لمطاردة الظلام، وهو وقت تنفس الصبح، وهو معهود في كل يوم فصح أن يُعَرَّف بالألف واللام.

والمراد -والله أعلم- من ﴿ لَيَالٍ عَشْرٍ  ﴾ ليال يتشابه حالها مع حال الفجر، وهي ما يكون ضوء القمر فيها مطاردًا لظلام الليل إلى أن تغلبه الظلمة.

فكأنه وضع التناسب على شيء من التقابل، فضوء الصبح يهزم ظلمة الليل، ثم يسطع النهار ولا يزال الضوء إلى الليل.

وضوء الأهلة في عشر ليال من أول كل شهر يشق الظلام ثم لا يزال الظلام يغالبه إلى أن يغلبه فيسدل على الكون حجبه.

ولما كانت هذه الليالي العشر غير متعينة في كل شهر ذكرها منكرة، وذلك أن ضوء الهلال قد يظهر حتى يغلب أول الظلمة في أول ليلة من الشهر، وقد يكون ضئيلًا يغيب ضوؤه في الشفق فلا يعد شيئًا.

فالليالي العشر تبتدئ تارة من أول ليلة وأُخرى من الليلة الثانية، لذلك نكرها على أنها ليال عشر من كل شهر.

﴿ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر  ﴾ : أي الزوج والفرد من هذه الليالي أيضًا.

فهو يقسم بها على الجملة، ثم يقسم بما حوته من زوج وفرد.

ثم بعد أن أقسم بضروب من أوقات الضياء، أقسم بالليل، مرادًا منه الظلمة، وكثيرًا ما يطلق اسم الليل وتراد ظلمته.

وسريان الظلمة ودخولها على المبصرات حتى تسترها أمر معروف عند المخاطبين.

ولما كان ظلام الليل واختلاط قطعة عظيمة منه بضوء القمر في الليلة الواحدة مقصودًا إلى تفخيم أمره بالقسم، خص الليالي التي يظهر فيها ضوء القمر مع تغلب الظلام فيها بعشر فقط، وإلا فقد يكون ظلام في أكثر من عشر من الشهر لكن زمنه قليل لا يليق ذكره بمقام التفخيم.

وفي الفجر وتفريجه كربة الليل من جهة وتنبيه العامل إلى استقبال عمله بالنهار من جهة أُخرى.

وفي ليالي القمر واستمالتها الأنفس للسمر، وتيسير السير في السفر -خصوصًا أيام الحر، وهي أغلب أيام الحياة في بلاد العرب- ثم في قصر مدة بقاء القمر، وانتظار هجوم الظلمة، وابتغاء الغنيمة مع الاستعداد للسكون عندما يرخي الظلام ستاره، في كل ذلك رغبات للأنفس ورهبات، وللهواجس غدوات وروحات وللأماني فيها دبيب ووثبات، فهو جدير أن يقسم به.

كما قال ﴿ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ  ﴾ .

الحجر، بكسر الحاء، العقل، والاستفهام للتقرير وتفخيم أمر المقسم به.

وليس في هذه السورة قسم بالضوء الخالص كبياض النهار، وما يكون في ليالي القمر عند امتلائه، بل ذلك سيجيء قوله ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا  وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا  ﴾ فلينتبه إلى هذه الدقائق حتى لا يفوت العقل ما فيها من الحقائق.

وقد وقع هذا القسم في هذه السورة.

بعد قوله في آخر السورة السابقة ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ  ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ  ﴾ وقبل قوله في السورة ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ  ﴾ إلخ.

فكان جوابه مفهومًا لا يحتاج إلى ذكر، وفي تركه إرسال لنفس القارئ في تأمل ما مضى وما يتبع ليجد الجواب بينهما فيتمكن المعنى منه فضل تمكن، والجواب أن ناصية المكذبين لبيدي، ولئن أمهلتهم فلن أهملهم ولآخذنهم أخذي الأمم قبلهم.

(عاد) جيل من العرب العاربة أو البائدة، يقول النسابون إنه من ولد عوص بن إرم بن سام بن نوح  ، وسواء صح النسب أم لم يصح، فقد كان ذلك الجيل معروفًا باسم عاد ويلقب أيضًا بإرم، وبقي مشهورًا عند العرب بذلك و(ذات العماد) وصف لإرم التي هي قبيلة عاد نفسها.

ومعنى ذات العماد: سكان الخيام حلًّا وارتحالًا، أو ذات العماد الرفيعة والقوة المنيعة.

عبر بالعماد عن العلو والشرف والقوة.

وكانت منازلهم بالرمال والأحقاف إلى حضر موت.

وقد بلغت عاد من الشدة والقوة مبلغًا لم يصل إليه سواها في عهدها ولذلك قال: ﴿ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ  ﴾ .

والاستفهام في ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ  ﴾ للتذكير والتقرير.

وقد بيّن الله كيف فعل بهم في سور أُخرى من القرآن، فقد جاء في سورة الحاقة ﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ  سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا  ﴾ والصرصر: الباردة.

والعاتية: الشديدة الهبوب، لا بركة فيها.

والحسوم المتتابعات المشائيم.

وقد يروي المفسرون هنا حكايات في تصوير إرم ذات العماد كان يجب أن ينزه عنها كتاب الله، فإذا وقع إليك شيء من كتبهم، ونظرت في هذا الموضع منها، فتخط ببصرك ما تجده في وصف إرم، وإياك أن تنظر فيه.

وثمود قبيلة من العرب البائدة كذلك، من ولد "كاثر" وهو المسمى في التوراة "جاثر" بن إرم بن سام.

وإرم هو المعروف في التوراة "بآرام"، هكذا يذكر النسابون، وسواء صح النسب أم لم يصح، فثمود معروفة عند العرب باسمها، ومنزلها بالحجر بين الشام والحجاز.

﴿ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ  ﴾ أي قطعوا الصخر ونحتوه، كما قال تعالى: ﴿ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ  ﴾ فقد انعم الله عليهم بالقوة والعقل حتى صنعوا لأنفسهم بيوتًا من الصخر بذلك الوادي الذي كانوا يقيمون فيه.

وقد يصح ما قال بعضهم إن معنى (جابوا الصخر بالواد)، أنهم قطعوا الصخر، واتخذوا منه واديًا يخزنون فيه الماء لمنافعهم.

ولا يفعل ذلك إلا أهل القوة والفهم من الأمم.

(وفرعون): هم حاكم مصر الذي كان في عهد موسي  .

وللمفسرين في الأوتاد اختلاف كبير، وأظهر أقوالهم ملائمة للحقيقة أن الأوتاد المباني العظيمة الثابتة، وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد!

فإنها هي الأهرام، ومنظرها في عين الرائي منظر الوتد الضخم المغروز في الأرض، بل إن شكل هياكلهم العظيمة في أقسامها شكل الأوتاد المقلوبة، يبتدئ القسم عريضًا، وينتهي بأدق مما ابتدأ وهذه هي الأوتاد يصح نسبتها إلى فرعون على إنها معهودة للمخاطبين.

﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ  ﴾ : صفة للمذكرين جميعًا من عاد وما بعدها، ومعنى طغيانهم في البلاد إن كل قوم من هذه الأقوام طغوا في بلدهم، والطغيان تجاوز القدر المعروف في العمل أو غيره، وهو هنا سوء استعمال السلطان والقوة، والخروج بهما عن حد القصد والمعدلة، والإسراف في هضم الحقوق اغترارًا بعظم القدرة.

من أوتي القوة فسخرها لسلطان الشهوة فتناول ما ليس له، ومنه الحق أهله، فقد عمل على تبديد نظام الجماعة، وتقطيع روابط الألفة بينهم، وحمل كل نفس على اتخاذ الأثرة قاعدة عملها، ومصدر سيرها في سعيها، فيكثر الفساد، إذ لا معنى للفساد في شيء إلا اختلال نظامه وهلاك قوامه، ومتى تحكمت الأثرة في أنفس قوم، وغفل كل واحد منهم على ارتباط وجوه بوجود الآخر، عمل بعضهم لإهلاك بعض، وانتهي الأمر بهم الانمحاء من سجل الأمم القائمة..

لهذا قال: ﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ  ﴾ بعد إن قال: ﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ  ﴾ .

ثم جاء بعد ذكر كثرة الفساد بعاقبتها التي لا مفر للأمم منها فقال: ﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ  ﴾ .

والسوط لفظ شاع استعماله في الجلد المضفور الذي يضرب به، وان كان في الأصل اسمًا للخلط والمزج.

وقد شبه الله ما يصبه عليهم من ضروب العذاب التي ذكرها في كتابه في مواضع أخر بالسوط لأن السوط يضرب به في العقوبات، والله تعالى إنما ينزل العذاب بالأمم عقوبة لها على ما يفرط منها، وصب السوط: إنزاله بشدة مع توالي ضرباته بلا انقطاع.

(المرصاد): المكان الذي يقوم به الرصد، وهو القوم الذين يرصدون، أي يرقبون بالخير أو الشر.

والكلام على التمثيل: أي إن ربك القائم بتدبير أمرك رقيب على عباده لا يفوته من شؤونهم شيء، ثم هو مجاز كل عامل بعمله فلا يفلته احد، فلا يظنن أهل الطغيان الذين يكثرون في الأرض الفساد إن يتلفتوا من الله وعقابه.

والجملة تأكيد لجواب القسم المفهوم من سابق الكلام ولاحقه -على ما سبق تقديره- أو هي تعليل لتعذيب الله من ذكر من الأمم بسبب طغيانهم وإفسادهم في أُمورهم.

هذا شان ربك لا يفوته في شؤون عباده نقير ولا قطمير، ولا يهمل أُمة تعدت في أعمالها حدود شرائعه القوية، بل يأخذها بذنوبها أخذ العزيز المقتدر، كما أن الراصد القائم على الطريق ليأخذ من يمر به بما يريده من خير أو شر، لا يفرط بما رصد له.

فإذا أردت أن تعرف شان الإنسان وغفلته وسوء ظنه بربه، فهو ما يتلي عليك، وبهذا البيان تعرف موقع الفاء في قوله ﴿ فَأَمَّا الإنسان  ﴾ إلخ، كأنه قال هذا شأن ربك، وسيتلى عليك شأن الإنسان عقب ما تلوث من شأن ربك.

(الابتلاء): الاختبار.

ويقال بلاه يبلوه وابتلاه يبتليه بالخير والشر ليظهر ما لديه من شكر وكفر، وقوله ﴿ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ  ﴾ بيان لأثر الابتلاء، كما إن قوله فيما بعد ﴿ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ  ﴾ : أي ضيقه عليه، بيان لأثر الابتلاء في الآية الآتية وبقية الألفاظ مفهومة المعنى.

وحاصل ما ذكر الله من شان الإنسان في هاتين الآيتين: أنه إذا أنعم الله عليه وأوسع له في الرزق، ظن أن الله قد اصطفاه لذلك ورفعه على من سواه وجنبه منازل العقوبة، فيذهب مع هواه فيفعل ما يشتهي، ولا يبالي أكان ما يصنع خيرًا أم شرًا فيطغني ويفسد في الأرض.

وقد عبر عن هذا الظن الفاسد والغرور المهلك بقوله ﴿ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ  ﴾ .

أي إن الله أكرمني بنعمته، ومن يكرمه الله لا يؤاخذه على عمل يعمله وإذا امتحنه الله بالفقر فضيق عليه الرزق، وربما كان ذلك من الله لا عن إهانة له ولا إرادة لإذلاله، بل ليمحص قلبه بالإخلاص له، وليظهر قوة صبره، بل لتزهر تلك القوي الجليلة التي قد تكون كامنة فيه، كما تظهر آيات ذلك في كثير من أرباب العزائم وذوي الأعمال العظائم، فإن الفقر لا يزيدهم إلا شكرًا، ولا تزداد قواهم به إلا شحذًا، فإذا امتحن الله الأغلب من البشر بالفقر، لم يستعمل صحيح الفكر، ولم يعتصم بالصبر، بل ذهب يقول إن ربي قد أهانن، ومن أهانه الله وصغرت قيمته عنده، لم تكن لله عناية بعمله، فكيف يؤاخذه بما يصدر منه من شر، أو يكافئه على ما يصنع من خير؟

فلا شكره يكافأ بإحسان، ولا كفره يجازي بعقوبة، فينطلق لذلك يكسب عيشه بأية وسيلة عَنَّت له، لا يقف عند حد، ولا تحجزه شريعة فيلتقي مع الجبارين في سبيل واحدة: سبيل الفجور وبخس الحقوق وإفساد نام العامة.

وأنت ترى أن أحوال الناس إلى اليوم لا تزال كما ذكر الله في هذه الآية الكريمة.

فان أرباب السلطة والقوة يظنون أنهم في امن من عقاب الله، ولا يعرفون شيئًا من شرعه يمنعهم عملًا مما تسوق إليه شهواتهم، وإنما يذكرون الله بألسنتهم، ولا يعرفون له سلطانًا على قلوبهم، والفقراء الأذلاء قد صغرت نفوسهم عند أنفسهم، فهم لا يبالون بما يفعلون، وإذا ذكروا الله فإنما هي حروف وأصوات لا تمتاز في منفعتها عن أصوات بقية العجماوات.

تلك حالة الإنسان الذي لم يمتعه الله بعقل سليم ودين صحيح، أما الذين أنعم الله عليهم بنعمة العقل والدين، فأولئك الذين ترتقي إلى مثل حالهم مرتبة الإنسان، فيفارقون تلك الغرائز الحيوانية الأولي، ويعلون إلى المقام الذي لا تذهلهم فيه القوة، ولا يشغلهم فيه الفقر عن مراعاة الحدود المعروفة فيما هو حق لهم أو عليهم.

ومعنى هذه الآية يميل إلى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا  إِلَّا الْمُصَلِّينَ  ﴾ .

تعلم إن المخاطبين بهذه الآية كانوا يزعمون أنهم على شيء من دين إبراهيم، أو أنهم كانوا يدعون إن لهم دينًا يأمرهم وينهاهم ويقربهم إلى الله زلفى، فإذا سمعوا هذا التهديد وذلك الوعيد، ورأوا في الخطاب ما ينعي عليهم فساد غرائزهم، همت نفوسهم بمدافعة ما يفجعهم من ذلك، وأخذت توسوس لهم بان هذا الكلام إنما ينطبق على أناس ممن سواهم، أما هم فهم لم يزالوا من الشاكرين الذاكرين غير الغافلين، فالله يرد عليهم زعمهم ويقيم لهم دليلًا واضحًا على كذب ما تحدثهم به أنفسهم.

ويقول ﴿ كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ  ﴾ إلخ، أي لو كان غنيكم لم يعمه الطغيان، وفقيركم لم يطمس بصيرته الهوان، وكنتم لا تزالون على الحال التي يرتقي إليها الإنسان لشعرت نفوسكم بما عسي يقع فيه اليتيم، فعنيتم بإكرامه، فان الذي يفقد أباه معرض لفساد طبيعته إذا أُهملت تربيته، ولم يعامل بما فيه إكرامه وما فيه رفع نفسه عن دنايا الأمور وسفاسفها، ولو كنتم على ما تحدثكم به أنفسكم من الصلاح لوجدتم الشفقة تحرك قلوبكم إلى التعاون على طعام المسكين الذي لا يجد ما يقتات به مع العجز عن تحصيله.

(والتحاض): تفاعل من الحض، وهو الحث والترغيب، وربما بسطنا القول في حكمه الله جل شأنه في العناية بشان اليتيم والإكثار في كتابه الكريم من ذكره، والحث على إصلاح أمره في محل أخر إن شاء الله.

وإذا لم تكرموا اليتيم، ولو يوصِ بعضكم بعضًا بطعام المسكين، فقد كذبت مزاعمكم في أنكم من قوم صالحين، وإنما ذكر التحاض على الطعام، ولم يكتف بالإطعام، فيقول ولم تطعموا المسكين، ليصرح لك بالبيان الجلي إن أفراد الأمة متكافلون، وأنه يجب أن يكون لبعضهم على بعض عطف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع التزام كل لما يأمر به وابتعاده عما ينهي عنه.

ثم إن إهمالكم أمر اليتيم، وخلو قلوبكم من الرحمة للمسكين، لم يكن عن زهد في لذائد الحياة الدنيا، كما هو شأن بعض من يسام الحياة ولا يكون له هم إلا التخلص من متاعبها، فيكفف على شأن نفسه، وينخزل من العالم، ولا يهتم بشؤونهم، بل إنكم مع ذلك ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا  ﴾ .

والتراث: الميراث.

واللم: الشديد كما ذهب إليه جمهور اللغويين.

ولا حاجة إلى تفسيره بمعني الجمع، ثم ارتكاب التأويل، أي أنكم تأكلون المال الذي يتركه من يتوفي منكم، وتشتدون في أكله حتى تحرموا صاحب الحق من حقه.

﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ  ﴾ مطلقًا ميراثًا أو غيره ﴿ حُبًّا جَمًّا  ﴾ أي كثيرًا، ولو كنتم ممن لم يبال بالدنيا وأهلها لتركتم ما يترك الأموات لأيتامهم وفقراء أهلهم، ولما شاركتموهم في شيء لا كسب لكم فيه ولا دخل لأعمالكم في تحصيله، ولما ازداد حبكم في المال إلى الحد الذي أنتم عليه.

فشرهكم إلى المال، وقرمكم إلى اللذات، وانصراف أنفسكم إلى التمتع بها، وشعوركم بمقدار الحاجة إلى المال في تقويم شؤونكم، ثم قسوة قلوبكم، وشلل وجدانكم إلى حد لا يألم الحال المسكين، ولا ينظر إلى ما تجر إليه الاستهانة بشؤون اليتامى من فساد أخلاقهم وتعطيل قواهم، وانتشار العدوى منهم إلى معاشريهم وما يصيب الأمة من ذلك.

كل هذا منكم دليل على أن ما تزعمونه من اعتقادكم بإله يأمركم وينهاكم، وأن لكم دينًا يعظكم، زعم باطل.

وإذا غششتم أنفسكم بدعوى أنكم تتذكرون الزواجر وتراعون الأوامر مع بقائكم على ما وصف من حالكم، فإنما ذلك منكم مقال لا تصدقه فعال.

(الدك): الهدم، وكسر الحائط والجبل.

و(دكًا دكًا): أي دكًا متتابعًا و صفًا صفًا أي صفوفًا متعددة ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ  ﴾ هو كقوله تعالى ﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى  ﴾ أي كشفت جهنم للناظرين بعد أن كانت غائبة عنهم، فكأنها كانت بعيدة وجاءت إليهم، أما إسناد المجيء إلى الله في قوله: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ  ﴾ ، ففيه رأي السلف  ، وهو أن ذلك مجيء نؤمن به ولا نطلب معناه، ولكنه يمثل لنا الهيبة والعظمة وظهور السلطان الإلهي في ذلك اليوم، وهو الأفضل.

وفيه مذهب الخلف، وهو أنه على تقدير، وجاء أمر ربك، أو أنه من قبيل التمثيل لتجلي السطوة الإلهية على القلوب كما تتجلي أبهة الملك للأعين إذا جاء في جيوشه ومواكبه -ولله المثل الأعلى- (والتذكر): استحضار ما كان منسيًا.

والذكرى تطلق ويراد منها العظة والعبرة، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ  ﴾ ولا يلزم من حضور ما كان منسيًا أن تحصل العبرة، فإن العبرة إنما تكون حيث ينفع الاعتبار، فلذلك قال: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان  ﴾ أي عند ذلك تذهب الغفلة ويذكر الإنسان الغافل ما كان منه أيام غفلته، ولكن لا تكون له ذكرى أي عظة فينتفع بها.

و ﴿ قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي  ﴾ أي قدمت عملًا ينفعني في حياتي الحقيقية وهي الحياة الآخرة.

قرئ (يعذب ويوثق) مبنيًا للمجهول، أي يومئذ لا يصاب أحد بعذاب مثل العذاب الذي يصيب ذلك الإنسان الذي أبطره الغني وأفسده الفقر، ولا يحبس أحد حبسه، فإن الوثاق معناه الشد والربط كما يكون بالسلاسل والأغلال، وقرئ الفعلان بالبناء للفاعل، أي لا يقع من المعذبين وصانعي العذاب مثل العذاب الذي يقع على ذلك الإنسان، فالمعني واحد في الوجهين.

ومعنى الآيات الكريمة أن ما يزعمه الأغنياء الجبارون والفقراء الخاسرون من أنهم لربهم ذاكرون - مع فراغ قلوبهم من الرأفة بالضعفاء، وامتلائها بحب المال، وفيضانها بالميل إلى الشهوات زعم لا حقيقة له، وإنما يتذكرون ربهم على الحقيقة في ذلك اليوم العظيم عندما يشهدون الهول، ويعوزهم الحول، ويظهر له مكانهم من العذاب والنكال.

ولكن ليس في هذا التذكر موعظة تحمل على العمل النافع.

فان تلك الدار دار جزاء لا دار أعمال وإنما يبقي لأولئك الخاسرين الحسرة والندامة، ويقول قائلهم: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي  ﴾ .

وتكرر ذكر اليوم في قوله أولًا ﴿ إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ  ﴾ إلخ.

ليقوي عندك استحضار دك الأرض، وظهور الجلال الإلهي، ثم إن التنوين في يومئذ الأولى نائب عن دكت الأرض ومجيء ربك والملك، وفي يومئذ يتذكر نائب عن ذلك وعن مجيء جهنم، وفي يومئذ الثالثة ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ  ﴾ إلخ، ينوب التنوين عما تقدم وعما تضمنه قوله: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي  ﴾ .

فكأنه قال: وجيء يوم تدك الأرض ويجيء ربك والملك صفًا صفًا بجهنم يوم تدك الأرض ويأتي ربك ويجاء بجهنم يتذكر الإنسان إلخ.

فيوم تهدم الأرض، ويأتي ربك، ويجاء بجهنم، ويتذكر الإنسان ويقول (يا ليتني قدمت لحياتي - لا يعذب عذابه أحد، إلخ).

ولا يخفي ما في ذلك من تقوية الذكرى لمن له قلب يذكر ووجدان يشعر.

بعد أن ذكر حال الإنسان وقد خلي وطبعه وحرصه وجشعه، واستولت عليه رغبات جسمه، وخرجت به عن سلطان العقل وحكمه، ثم ذكر عاقبته وما يصير إليه في الحياة الأخرى، انتقل بنا إلى ذكر الإنسان إذا ارتقي عن ذلك الطبع، وترفع عن مراتع الحيوانية، واستعلى برغائبه إلى المطامح الروحانية، فكان في الغني شاكرًا، لا يتناول إلا الحق، ولا يمنع صاحب الحق حقًا، ويعنى بحال اليتيم، ويطعم المسكين، ويحمل غيره على الاقتداء به فيما هو خير له ولمن حوله، وكان في الفقر صابرًا لا يمد يده إلى مال ليس من حقه، ولا يأتي الدنية، ولا يطلب لغيره الرزية، ولا يغفل -مع فقره- شان اليتيم، ولا يغفل عما يألم له المسكين..

فإذا لم تمكنه المعونة بالمال أمكنته المساعدة بالمقال، وبهذا يستحق وصف المطمئن، فإن راكن إلى ربه في جميع أمره، واقف عند شرعه، ثابت القدم بمعرفة الحق والسلوك في سبيله، لا تزعزعه الشهوات، ولا تضطرب به الرغبات، ويستحق أن يخاطب باسم النفس التي هي روح تنزع إلى ما يليق بالروح، ولا ينادي باسم الإنسان الذي يشير إلى ما في تكوينه من النزعة الحيوانية، لأنه لم يسلطها عليه، بل استخدمها لتكميل نفسه وإرجاعها إلى معهدها المقدس، فكانت جديرة بجوار ربها، وهي راضية بعملها في الدنيا وبمرجعها في الآخرة، لأنها لم تكن قط ساخطة، لا هي تسخط في غناها، ولا تسخط حالها في فقرها، ولا تسخط صنيع ربها بها، وهي مرضية لان من كانوا معها في الدنيا راضون عنها لحسن صنعها، والله راض عنها لصلاح عملها.

فقال سبحانه: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ  ﴾ .

ومفاجأة السامع بهذا النداء ضرب من ضروب إيجاز القران التي لا تخطر لبشر على بال، فان التقي الخائف الذي يخاف مقام ربه -إذا سمع ذلك الوعيد المتقدم- أخذت الرهبة نفسه، وأفعمت الخشية قلبه، فبينا هو كذلك إذ ينقذه هذا النداء، ويصعد به إلى أكرم فناء، ويصفه بالمطمئن ليذهب عنه الخوف، وبالراضي المرضي ليبعد عنه خشية الغضب، أما الشقي فقد يلهو بأنه ليس وحده في الشقاء، بل الناس في كل ما يوعد به سواء، فيفجعه نداء الأبرار بأوصاف الخيار إلى قرب الجوار فتبغته الدهشة وتفزعه الوحشة.

الرجوع إلى الله تمثيل للكرامة عنده، وإلا فالله معنا حيث كنا.

والدخول في عباده أن تكون منهم.

والعباد الذين يستحقون نسبة الاختصاص به، هم العباد المكرمون.

والجنة معروفة.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله