تفسير محمد عبده سورة البلد

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة البلد

تفسيرُ سورةِ البلد كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 14 دقيقة قراءة

تفسير سورة البلد كاملةً (محمد عبده)

لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ١ وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٢ وَوَالِدٍۢ وَمَا وَلَدَ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ ٤ أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌۭ ٥ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًۭا لُّبَدًا ٦ أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ ٧ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُۥ عَيْنَيْنِ ٨ وَلِسَانًۭا وَشَفَتَيْنِ ٩ وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ ١٠ فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ ١١ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوْ إِطْعَـٰمٌۭ فِى يَوْمٍۢ ذِى مَسْغَبَةٍۢ ١٤ يَتِيمًۭا ذَا مَقْرَبَةٍ ١٥ أَوْ مِسْكِينًۭا ذَا مَتْرَبَةٍۢ ١٦ ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ ١٧ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ ١٨ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ ١٩ عَلَيْهِمْ نَارٌۭ مُّؤْصَدَةٌۢ ٢٠

(لا أقسم) عبارة من عبارات القسم والتأكيد في لسانا لعرب، كما تقدم ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ  ﴾ في سورة "كورت"، و (البلد) المشار إليه هو مكة لان السورة مكية، ولما يدل عليه قوله: ﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ  ﴾ .

والحل: هو الحلال.

والخطاب للنبي  ، ومعنى كونه حلًا، أنه قد استحل لأهل مكة.

استحلوا إيذاءه وإعناته ومطاردته، واستباحوا منه حرمة الأمن في ذلك البلد الأمين حتى اضطروه إلى الهجرة.

﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ  ﴾ عطف على هذا البلد داخل في المقسم به، والمراد منه: أي والد وأي مولود من الإنسان والحيوان والنبات، كما يرشد إليه التنكير، وكما هو مختار ابن جرير وجمع من المحققين: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ  ﴾ هذا هو الخبر المقصود تأكيده بالقسم المتقدم، والكبد: المشقة والتعب، قال لبيد: يا عين هل بكيت اربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد أي في شدة الأمر وعظم الخطب ومنه المكابدة لمقاساة الشدائد أقسم بمكة لتفخيم شأنها، وصرح بذكرها -على طريق الإشارة إليها مرتين- لزيادة التفخيم، وأتي بجملة (وأنت حل بهذا البلد) واعترض بها بين العاطف والمعطوف ليفيد إن مكة عظيم شانها جليل قدرها في جميع الأحوال، حتى في هذه الحالة التي لم يرع أهلها في معاملتك تلك الحرمة التي خصها الله بها.

وفي هذا من تنبيههم وإيقاظهم من غفلتهم وتقريعهم على ما حطوا من منزلة بلدهم ما فيه.

ثم اقسم بوالد وما ولد ليلفت نظرنا إلى رفعة قدر هذا الطور من أطوار الوجود -وهو طور التوالد- وإلى ما فيه من بالغ الحكمة وإتقان الصنع، والى ما يعاينه الوالد والمولود في إبداء النشء وتكميل الناشئ وإبلاغه حده من النمو المقدر له.

فإذا تصورت في النبات كم تعانى البذرة في أطوار النمو: من مقاومة فواعل الجو، ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان، وتستعد إلى أن تلد بذرة أو بذورًا أخرى تعمل عملها، وتزين الوجود بجمال منظرها، أحضرت ذلك في ذهنك، والتفت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان، حضر لك من أمر الوالد والمولود فيهما ما هو أعظم، ووجدت من المكابدة والعناء الذي يلاقيه كل منهما في سبيل حفظ الأنواع، واستبقاء جمال الكون بصورها ما هو اشد وأجسم.

انظر كيف أشار سبحانه في القسم إلى التمهيد إلى المقسم عليه، فكان القسم توكيدًا للخبر بصيغته، وتأكيدًا له وبرهانًا عليه بإشارته.

فإن الإنسان نوع من أنواع الوالد والمولود، فحق له إن يخلق في كبد وكد ونصب..

لا تغفل عن موضع قوله: ﴿ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ  ﴾ .

فانه -مع ما فيه من تقريع المستحلين لحرمته  - يشتمل على بيان أن ما يصيبه من ذلك فهو من شان الإنسان، وقد قدر على كل مولود منه.

وفيه من تسليته  عن ذلك الإيذاء ما هو ظاهر، ثم إنه جمع بين البلد المعظم والوالد والولد -مع الاعتراض بتلك الجملة- ليشير إلى أن مكة على ما بها من عمل أهلها ستلد من الأمر العظيم ما يكون إكليلًا لمجد النوع الإنساني، وهو دين الإسلام الذي جاء به عليه  ، وأن العناء الذي يلاقيه من اختصه الله بوحيه إنما هو العناء الذي يصيب الوالد في تربية ولده، والمولود في بلوغ الغاية من سير نموه، وفيه من الوعد بإتمام نوره ما فيه.

ربما تقول: إن كون الإنسان مخلوقًا في كبد وتعب أمر مشهود وشيء معروف معهود، فما الحاجة إلى تأكيد الأخبار به؟

فنقول لك في الجواب: إن هذا الخبر إنما ورد لتسلية الناصب وحمله على الصبر -كما يدل عليه قوله بعد ذلك: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  ﴾ - وتنبيه المغرور الجاهل.

أما الأول، فإنه إذا غلبه التعب، وقهرته المشقة في القصد الذي وجه عزيمته إليه، أحاطت به الآلام فيتمثل له بين عينيه شخص من شقائه يخيل له -وهو في حمي الضجر- إن هذا العدو يطارده وحده، فيتمنى أن يكون له حظ غيره ممن سبقه أو ممن هم معه.

فهو -على هذه الحالة- في اشد الحاجة إلى تأكيد الخبر بأن الإنسان في أي فرد من أفراده خلق في كبد، وإنما يتفاوت الناس فيما ينصبون له.

وطعم الموت في شيء حقير كطعم الموت في شيء عظيم وأما الثاني، فهو الذي يشعر بقوة في بدنه يستطيع أن يصارع بها الأقران، ويقارع بها الأنداد، أو يحس بعزة في سلطانه، ورفعة في مكانه وبسطة في جاهه، أو ينظر إلى ما لديه من وفرة المال وغزارة الغني، فيشمخ بأنفه، ويظن أنه واحد في صنفه، وأن الناس من دونه ليسوا منه إلا كما يكون العابد من معبوده، فكبيرهم يجب عنده إن يستذل، وصغيرهم يستعبد ويسترذل ويخيل له -في حاله هذه- أنه أعلى من أن تتناوله يد القدر، أو تدنو منه عادية الدهر.

فهذا المفتون بقوته، أو السكران بسلطته، أو المأخوذ بثروته في أشد ما يكون من الحاجة إلى تأكيد الخبر بأن الإنسان خلق في كبد، فإذا رجع إلى نفسه ورأي انه في عناء من تصريف قواه في عمله، بل وفي أكله وشربه وحماية أهله في سربه، تمثلت له الحقيقة من ضعفه، ورجع إلى الحق إذا ذكر به من أهله.

ولما كان هذا القسم الأخير -وهو قسم المفتونين بما أصابوا من النعم- هو الأجدر بأن يقصد بالخطاب، ويعنى بالتذكير، قال الله عقب الخبر: ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ  ﴾ ، أي أيظن -مع ما هو فيه من العناء من ميلاده إلى ساعة عناده- أنه قد بلغ من القوة أو العزة أو المنعة إلى حيث لا يقدر عليه، فالضمير في (أيحسب) عائد على الإنسان باعتبار تحققه في بعض أفراده من هذا الصنف الذي ذكرناه.

ما أجهله لو ظن!!

فإن الذي ينشأ في وجوده ضعيفًا، يحتاج في أصغر أمره إلى المعين، وتملك ناصيته تلك اليد التي أنشأته، وتأخذه تلك القدرة التي أبدعته.

(يقول) أي الإنسان (أهلكت) أي أنفقت (مالًا لبدًا) أي كثيرًا، أعاد الضمير على الإنسان باعتبار صنف أخر من أفراده، وهم أولئك الأغنياء البخلاء المراءون الذين يكنزون أموالهم ولا ينفقونها إلا على شهواتهم وفي توفير لذاتهم، ثم إذا حملوا على عمل من أعمال الخير قالوا أننا ننفق كثيرًا من أموالنا في أعمال غير التي تدعوننا إليها.

أفيحسب هؤلاء الأغنياء أن لم يرهم احد، وأن سرائرهم تخفى على المتصرف في ضمائرهم؟

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ  ﴾ فهو إذا أبصر فإنما يبصر بنعمتنا عليه فيهما ﴿ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ  ﴾ فهو إذا تكلم فإنما يتكلم بما وهبناه من لدنا؟

حتى قوله الذي يرائي فيه إذ يقول أهلكت مالًا لبدًا.

﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ : النجد مشهور في الطريق المرتفعة.

والمراد بهما هنا طريقا الخير والشر، وإنما سماهما نجدين ليشير إلى أن في كل منهما وعورة وصعوبة مسلك، فليس الشر بأهون من الخير كما يظن، وإلى أنهما واضحان جليان لا يخفي واحد منهما على سالك، إلا أودعنا في فطرته التمييز بين الخير والشر، وأقمنا له من وجدانه وعقله أعلامًا تدله عليهما، ثم وهبناه الاختيار..

فإليه أن يختار أي الطريقين شاء.

وقد ورد في الحديث ما يشير إلى ما ترمي إليه هذه الآية من إن الله تعالى لم يجعل الشر أحب إلى أنفسنا من الخير-كما يزعمه بعض أهل النظر في الأخلاق الإنسانية- فالذي وهب الإنسان هذه الآلات، وأودع باطنه تلك القوى، لا يمكن للإنسان أن يفلت من قدرته، ولا يجوز أن يخفي عليه شيء من سريرته.

اقتحم الأمر: دخل فيه بشدة.

والعقبة: الطريق الوعرة في الجبل يصعب سلوكها.

لكن الله تعالى فسر لنا المراد بالعقبة هنا حيث قال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ  فَكُّ رَقَبَةٍ  ﴾ إلخ فأراد منها الطريق التي يصعب سلوكها إلى حيث تنال سعادة الدنيا والآخرة، وإنما كانت صعبة السلوك لمعارضة الهوى، ومغالبة الشهوة لسالكها.

وفك الرقبة: عتقها، أو المعاونة عليه.

وقد ورد في فضل العتق ما بلغ معناه حد التواتر، فضلًا عما ورد في الكتاب، وهو يرشد إلى ميل الإسلام إلى الحرية وجفوته للأسر والعبودية.

والمسغبة: المجاعة، والسغب: هو الجوع.

وفسره أبو حيان بالجوع العام.

والمقربة: القرابة في النسب.

يقال هو ذو قرابتي وذو مقربتي، بمعنى إن نسبي يتصل بنسبه.

والمسكين ذو المتربة: هو الفقير الشديد الفقر اللاصق بالتراب.

يقال: ترب، أي افتقر، ويقال: فقر مدقع أو فقير مدقع، بمعني لاصق بالدقعاء، وهي التراب.

والذين تواصوا بالصبر، هم الصابرون على ما يصيبهم وعما يفوتهم في سبيل الله، الذين -مع صبرهم- ينصح بعضهم بعضًا بالتزام الصبر، فهم صابرون وأعوان لإخوانهم على الصبر.

والرحمة: وجدان الرحمة بالناس مع ظهور أثر ذلك في مسامحتهم وفي معاونة المحتاجين منهم.

بعد أن اخبر الله جل شأنه بأنه الإنسان قد خلق في كبد، لام الجاهل المغرور على استغراقه في غروره حتى كأنه يظن أن لن يقدر عليه أحد، مع أن ما هو فيه من المكابدة كان كافيًا لإيقاظه من غفلته واعترافه بعجزه، وبعد أن وبخ المرائين الذين ينفقون أموالهم طلبًا للشهرة وحبًا في الأحدوثة، وقرعهم على افتخارهم بما يصنعون مع خلو بواطنهم من حسن النية، أراد أن يبين لهؤلاء وأولئك أنه سبحانه مصدر لأفضل ما يتمتعون به من البصر والنطق والعقل المميز بين الخير والشر والنفع والضر، فهو مهدي ذلك إليهم، وهو القادر على سلبه منهم.

وما أعجز من يفقد بصره ونطقه وعقله!.

ثم إن واهب هذه القوى لا تخفي عليه أعمالها، وهو الحافظ لكونها، فمحاولة الظهور بخلاف ما تكنه السرائر ضرب من الغفلة والعبث بالنفس على الحقيقة.

ثم هو قد أدرج في ذلك البيان وجه المنة بهذه النعمة.

وكان على الإنسان -بعد ما وهب التمييز بين الحسن والقبيح والخير والشر، وبعد ما منح من تلك القوى التي سبق ذكرها- أن يشكر تلك النعم، ويختار طريق الخير، ويرجح سبيل السعادة، فيصعد فيها إلى حيث يلقي غايتها.

وكان عليه أن يندفع في تلك السبيل، ويهجم عليها بكل قوته، وذلك بأن يفيض على الناس بشيء مما أفاض الله عليه.

وأفضل ذلك أن يعين على تحرير الأرقاء من البشر، أو يواسي الأيتام من أقاربه في أيام العوز وعزة الطعام، أو يطعم المساكين الذين لا وسيلة لهم إلى كسب ما يقيمون به حياتهم من الضعفاء والعجزة، أو لبيان أنواع الخير.

والقصد إنما هو إلى التحلي بالخلق الذي يصدر عنه أحد هذه الأفعال، ثم مع ذلك يكون صحيح الإيمان صادق السر مع ربه، صبورًا على أذي الناس وما يصيبه من المكاره في سبيل الدعوة إلى الحق أو المحافظة عليه، رحيمًا بعباد الله، مواسيًا لهم، مساعدًا لهم عند نزول الشدائد بهم، ثم يكون مع هذا حريصًا على أن يكونوا مثله في الصبر والمرحمة فيحملهم على ذلك بقوله وفعله.

هذه هي الطريقة التي كان من حق العقل أن يرشد إليها، لكن الإنسان قد خدعه غروره، فلم يقتحم هذه العقبة، كما قال سبحانه: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ  ﴾ إلخ، بل اقتحم تلك العقبة الأخرى: عقبة الحرص على المال، والتكبر بالقوة والثروة، وهي عند أهل الحق أوعر العقبتين، فهي مثار الحسد ومزدحم الخصام مع مقاومة العقل الصحيح والذوق السليم، غير أن الحيوانية وحضور لذاتها هي التي تسهل سلوكها مع ما فيها من الهلكة.

قال المفسرون: إن قوله تعالى ﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ  ﴾ نزل في أبي الأشد (سيد بن كلدة الجمحي) وكان مغترًا بقوته البدنية كما يقولون: إن قوله ﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا  ﴾ جاء في الحارث بن نوفل، وكان يقول: أهلكت مالًا لبدًا في الكفارات منذ أطعت محمدًا.

وقد يجوز أن يكون في الآيات إشارة إلى تلك الحوادث الحاضرة وقت النزول غير أن معناها على الحقيقة عام كما رأيت.

أما ما قيل من أن (لا) إذا دخلت على الماضي وجب تكرارها ولم تكرر في الآية، فذلك لا يلتفت إليه، لأن الكتاب نفسه حجة في الفصاحة.

وقد ورد في كلامهم عدم تكرارها، وقال أبو مسلم -للتخلص من مخالفة القاعدة في تكرار لا- إن (لا) في الآية مخفف ألا التي للتحضيض، كأنه قيل فهلا اقتحم العقبة، ولكن ورد عليه انه لم يعرف تخفيف إلا التحضيضية أيضًا، فالحق الرجوع إلى ما قلنا.

وأما التعبير بالماضي في اقتحم وفي ثم كان، فلأن الكلام فيما وقع من نوع الإنسان منذ نشأته، وأن الحيوانية غلبته فصرفته إلى سبيل غير التي كان يقوده إليها عقله، إلا من هدى الذين وهم الذين ذكرهم بقوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ إلخ.

أي أن الإنسان -في ذلك الصنف الأغلب من أفراده- لم يكن من الذين امنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة.

﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ  ﴾ الإشارة في أولئك إلى الذين امنوا وتواصوا إلخ.

ومعنى أصحاب الميمنة من أهل اليمين، وأهل اليمين -في لسان الدين الإسلامي- عنوان السعداء.

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ  ﴾ الذين تمر عليهم آيات الله -سواء كانت كونية، كالآيات التي ذكرت في هذه السورة من خلقة الإنسان في كبد، ومن تمتعه بقواه الظاهرة والباطنة، أو سائر الآيات الأخر في خلق الإنسان وما بين يديه من سائر الموجودات ولا يعتبرون بها، أم كانت آيات قوليه وإرادة على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام، كالقرآن الذي هو آية الآيات للدين الإسلامي -تمر عليهم هذه الآيات ولا يرتقون من النظر فيها إلى معرفة الصراط الذي يجب إن يستقيموا عليه في الاعتقاد والعمل..

هؤلاء أصحاب المشأمة: أي من أهل الشمال.

وأهل الشمال -في لسان الدين- هم الأشقياء.

فكأنه قال: والذين كفروا بآياتنا هم الأشقياء، وقد تكون الميمنة والمشأمة من اليمن والشؤم، فأولئك ميامين على أنفسهم، وهؤلاء مشائيم.

﴿ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ  ﴾ : أي مطبقة عليهم، من أصدت الباب إذا أغلقته في لغة قريش وقرأ بعض السبعة موصدة بدون همز، من أوصدته، وإغلاق النار عليهم عبارة عن تخليدهم فيها، وسد سبيل الخلاص منها..

وهؤلاء الذين وجه إليهم هذا الوعيد هم الذين ذكر حالهم في قوله: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ  ﴾ إلخ، فإن ما نسبه إليهم في تلك الآيات السابقة إنما هو عارض يلحق الكفر بآيات الله الباهرة وآية من آياته.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله