الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الشمس
تفسيرُ سورةِ الشمس كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 11 دقيقة قراءة﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ ضحى الشمس: ضوئها.
يقسم بالشمس نفسها، سواء ظهرت أو غابت.
لأنها خلق عظيم، ويقسم بضوئها لأنه مبعث الحياة، ومجلي الهداية في عالمها الفخيم.
وهل كنت ترى حيًا أو تبصر ناميًا، أو هل كنت تجد نفسك لولا ضياء الشمس جل مبدعه.
﴿ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾ يقسم بالقمر إذا تلا الشمس، وذلك في الليالي البيض من الليلة الثالثة عشرة من الشهر إلى السادسة عشرة.
وهو قسم بالقمر عند امتلائه، أو قربه من الامتلاء، إذ يضئ الليل كله من غروب الشمس إلى الفجر، وهو قسم في الحقيقة بالضياء في طور آخر من أطواره، وهو ظهوره وانتشاره الليل كله.
وقال الحسن والفراء: تلاها تبعها في كل وقت، لأنه يستضئ منها، فهو يتلوها لذلك.
ولكن التقييد بقوله: (إذا تلاها)، يدل على أن القسم متعلق بالقمر وهو في حالة خاصة، فهو مقسم به على طور خاص، وهو ما ذكرناه، ثم عاد إلى القسم بالضياء تحت عنوان أخر فقال: ﴿ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ﴾ ، أي والنهار إذا جلى الشمس، أي أظهرها، ولا يخفي أن النهار هو وقت انتشار ضوء الشمس من وقت شروقها أو قربه إلى وقت غروبها..
كل ذلك للإشارة إلى تعظيم أمر الضياء، وإعظام قدر النعمة فيه، وألفات أذهاننا إلى أنه من آيات الله الكبرى ونعمه العظمي.
وقوله: ﴿ إِذَا جَلَّاهَا ﴾ بيان للحالة التي ينطق فيها النهار بتلك الحكمة الباهرة، والآية الظاهرة، وهي حالة الصحو.
أما يوم الغيم الذي لا تظهر فيه الشمس، فحاله معك أشبه بحال الليل الذي يقسم به في قوله: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾ .
بعد أن أقسم بالضياء تحت أسماء مختلفة، أقسم بالليل في حالة واحدة، وهي حالة ما يغشي الشمس، أي يعرض دون ضوئها فيحجبه عن الأبصار، وذلك في ليالي الظلمة الحالكة التي لا أثر لضوء الشمس فيها، لا مباشرة كما في النهار، ولا بالواسطة كضوء القمر المستفاد منها.
وهذه الليالي هي قليلة كما لا يخفي، فإن أغلب ليالي الشهر لا تخلو من ضوء القمر في أول الليل أو في آخره أو في جميعه، وهو ضوء مستفاد من الشمس، وإنما هي ليلة أو ليلتان وبعض ليال أخر.
ولقلة أوقات الظلمة عبر في جانبها بالمضارع المفيد للحاق الشيء وعروضه متأخرًا عما هو أصل في نفسه، أما النهار فانه يجلي الشمس دائمًا من أوله إلى أخره، وذلك شان له في ذاته، ولا ينفك عنه إلا لعارض كالغيم أو الكسوف قليل العروض، ولهذا عبر في جانبه بالماضي المفيد لوقوع المعني في فاعله بدون إفادة أنه مما ينفك عنه وأقسم بالظلمة هنا -كما اقسم بها في سورة الفجر- لأنه أمر يهولك ويدخل عليك فيه من انقباض النفس عن الحركة، واضطرارها للوقوف عن العمل، وركونها إلى السكون، ما لا تجد عنه مفرًا فهذا سلطان من الخوف مبهم لا تحيط بأسبابه ولا بتفصيل أطواره، فهو أشبه بالجلال الإلهي يأخذك من جميع أطرافك وأنت لا تدري من أين أخذك!
وهو مظهر من مظاهره ثم في هذا السكون من راحة الجسم والعقل وتعويض ما فقداه بالتعب بياض النهار ما لا تحصي فوائده، فلذلك اقسم الله به ليوجه نظرنا إلى ما فيه من ذلك كله.
﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾ : السماء اسم لما علاك وارتفع فوق راسك.
وأنت إنما تتصور -عند سماعك لفظ السماء- هذا الكون الذي فوقك فيه الشمس والقمر وسائر الكواكب تجري في مجاريها وتتحرك في مداراتها، هذا هو السماء وقد بناه الله أي رفعه، وجعل كل كوكب من الكواكب منه بمنزلة لبنة من بناء سقف أو قبة أو جدران تحيط بك، وشد هذه الكواكب بعضها إلى بعض برباط الجاذبية العامة، كما تربط أجزاء البناء الواحد بما يوضع بينها مما تتماسك به.
والذي بني السماء هو الله جل شأنه، غير أنه لما كان الخطاب موجهًا إلى قوم لا يعرفون الله بصفاته الجليلة، وكان مرمى الخطاب أن ينظروا في هذا الكون العظيم نظرة من يطلب للأثر مؤثرًا ما، وللمسبب سببًا ما، لينتقلوا من ذلك إلى معرفة الله تعالى، عبر عن نفسه جل شأنه بما التي هي الغاية في الإبهام، على أن من وما بالنسبة إلى الله سواء، لأن من للعاقل الذي يعرفه المتخاطبون وما لغير العاقل كذلك.
والله جل شأنه لا يطلق عليه العاقل ولا غير العاقل بذلك المعني، وإنما هو عالم يعلو تصوره على منال العقول، فيعبّر عنه بكل لفظ يفيد اللذات الموجودة مع مراعاة التنزيه.
(وطحا الأرض): وطأها وجعلها فراشا، كما قال: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾ وليس في ذلك دليل على أن الأرض غير كروية، كما يزعم بعض الجاهلين، والذي طحاها هو الله.
بعد أن اقسم الله بالضياء والظلمة، أقسم بالسماء وما فيها من الكواكب جملة، وبالذي بناها وجعلها مصدرًا للضياء لأن الشمس والقمر وسائر الكواكب من أجزاء ذلك البناء، وبالأرض والذي جعلها لنا فراشًا وجعلها مصدرًا للظلمة، فإنها هي التي يحجب بعض أجزائها ضوء الشمس عن البعض الآخر فيظهر الظلام في هذا الآخر.
ولما لم يذكر في جانب السماء سوى البناء -وهو ربط بعض أجرامها ببعض- ولم يذكر إيجاد كل جرم، لان هذا البناء الظاهر هو الذي تفهمه عقول المخاطبين، وفيه منافعهم من انتشار الضياء وقيام أعلام الهداية -اقتصر في جانب الأرض بذكر الطحو، وهو التمهيد وفيه منافع الناس من سكنى الأرض والانتفاع بما يوجد على ظهرها من نبات وحيوان.
بعد هذا اقسم بالنفس الإنسانية والذي (سواها): أي عد لها بان ركب فيها قواها الباطنة والظاهرة، وحدد لكل قوة وظيفة تؤديها، وألف لها الجسم الذي تستخدمه من أعضاء قابلة لاستعمال تلك القوى، لهذا فرع على التسوية قوله ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ فإن تمام التسوية أن وهبها العقل الذي يميز بين الخير والشر، والفجور: إتيان ما ينتهي بالنفس إلى الخسران والهلكة، والتقوى: إتيان ما يحفظ النفس من سوء العاقبة.
والأعمال التي بها تشقي النفوس معروفة لذوي العقول كالأعمال التي بها تسعد.
فهذه الآية في معناها كآية ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ .
فقد منح الله النفوس قوة التمييز، كما وهبها قوة الاختيار، فمن رجح طريق الخير افلح، ومن رجح طريق الشر خاب، ولهذا استطرد عقب ذكر الإلهام بقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ أي قد ربح وفاز من زكى نفسه ونماها وأعلاها حتى بلغ بها ما هي مستعدة له من كمال القوى العقلية والعملية، وأثمرت بذلك ثمراتها الطيبة له ولمن حوله من الناس.
﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ ، التدسية: النقص والإخفاء.
ومن سلك سبيل الشر، وطاوع داعي الشهوة البهيمية، فقد فعل ما يفعل سائر البهائم، فلم يظهر عمل القوة العاقلة التي خص بها الإنسان، فاندرج صاحب تلك النفس في عداد سائر الحيوان دون الإنسان، وبذلك يختفي من بين العقلاء، ويذهب امتيازه الذي كرم الله به نوعه.
وهل تكون خيبة أعظم، وخسران أكبر من هذا المسخ الذي يجلبه الشخص على نفسه بسوء عمله؟
فما أجمل هذا التعبير!
وما أحواه للمعاني الرفيعة!
ثم هل التفت إلى ما في التزكية مما يناسب النور والسماء؟!
وما في التدسية مما يلائم الظلمة والأرض؟!
وجواب القسم محذوف -مثله في سورة البروج- وأقام الدليل عليه بما جاء في قوله: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ .
وهذا من ضروب الإيجاز التي اختص بها القران دون سائر الكلام.
وسنذكر ذلك الجواب بعد تفسير الدليل عليه.
ثمود: قوم من العرب البائدة، بعث الله إليهم نبيًا اسمه صالح ، ولما سأله قومه آية على صدقه جعل الله آيته في ناقته، وقد جاء في كتابنا العزيز أن هذه الآية هي أن جعل لها شربًا تختص به، ولهم شرب يختصون به في يوم معلوم، وأن تأكل في أرض الله ولا يمسها أحد بسوء، فإذا مسوها بسوء، أخذهم العذاب.
فالآية -في الحقيقة- هي أخذهم بالعذاب إذا مسوها بالسوء.
قال في سورة هود ﴿ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ .
وقال في سورة الشعراء: ﴿ قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
وكان على القوم جميعًا أن يرعوا أمر الله في هذه الناقة فلا يداعوا أحدا يصيبها بالأذى، ولكنهم طغوا وخرجوا عما يرشد إليه العقل الصحيح، فكذبوا صالحًا ، فهذا قوله: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ﴾ أي كذبت بنبيها بسبب طغيانها وبغيها، ثم اتبعت واحدًا من هذه القبيلة -سماه المفسرون، ولا حاجة بنا إلى تسميته لأنه يجب علينا أن نقف عند ما وقف عنده الكتاب- وكان ذلك المنبعث أشقي القبيلة لأنه تحرش للشر من دونهم، وانطلق ينحر الناقة، فهذا قوله تعالى ﴿ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ﴾ أي أن التكذيب كان عند ذلك، أي كان ذلك علامة التكذيب الظاهرة، فإنه كذب صالحًا في وعيده بالعذاب، وانبعث يهلك الناقة..
ولما سكت القوم وتركوه يفعل، كانوا مكذبين مثله.
﴿ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ صالح: احذروا واتقوا ﴿ نَاقَةَ اللَّهِ ﴾ التي جعلها آية نبيه.
﴿ وَسُقْيَاهَا ﴾ : أي شربها الذي اختصها الله به في يومها، فلا تؤذوا الناقة، ولا تتعدوا عليها في شربها ويوم شربها ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ فيما جاء به، ولم يسمع ذلك الشقي ذلك التحذير، ولم يصغ إلى الإنذار ﴿ فَعَقَرُوهَا ﴾ ، العاقر لها: ذلك المعتدي الذي لقبه بأشقاها ولكنهم لما سكتوا عنه، ولم يمنعوه، ورضوا بفعله، نسب العقر إليهم جميعًا، فلذلك عمتهم النقمة ﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ ﴾ : أي أطبق عليهم العذاب، وقال بعضهم الدمدمة: إهلاك في استئصال.
وقيل: الدمدمة التدمير.
﴿ فَسَوَّاهَا ﴾ أي سوى القبيلة -وهي ثمود- في العقوبة، فلم يفلت منها أحد، أو المعني سواها بالأرض، أي دمر مساكنها على ساكنيها.
﴿ وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا ﴾ أي أن الله في عزته وجبروته أهلك هؤلاء المكذبين ولا يخاف عاقبة إهلاكهم لأنه لا هو ظالم فيخفيه الحق، ولا هو ضعيف فيتناوله المكروه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
في هذا الذي سمعته في خبر ثمود ما يدلك على جواب القسم، كأنه قال ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾ إلخ، لينزلن بالمكذبين منكم مثل ما نزل بثمود، إذ كذبت نبيها فأصابها العذاب، فلستم بأشد باسًا منها، ولا شقيكم أشد بطشًا من شقيها.
ولقد صدق الله وعده فأهلك من أهلك منهم في واقعة بدر بأيدي المؤمنين، ثم لم يزل العذاب والخزي ينزل بالمكذبين من أهل مكة ومن حولهم، بالقتل تارة، والأبعاد أُخرى، حتى لم يبق في جزيرة العرب مكذب، ولو استمرت الدعوة على ما كانت عليه من نشأتها أيام الصحابة ، لم يبقي في الأرض مكذب.
والله أعلم.