الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الليل
تفسيرُ سورةِ الليل كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 20 دقيقة قراءة﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾ يبتدئ في هذه السورة بأن يقسم بالليل، وهو الظلمة، لأنها الأنسب بما ختمت به السورة السابقة من الدمدمة وإطباق العذاب، ولأنها أليق بما عليه سعي أغلب الناس الذي سيذكر في قوله: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ والتعبير في الغشيان بالمضارع لما سبق من عروض الظلمة لأصل النور الذي هو أكمل مظاهر الوجود، حتى عبر به عن الوجود نفسه، أما (تجلي النهار) فهو لازم له، لهذا عبر عنه بالماضي، كما سبق بيانه.
﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾ الذي خلف الذكر والأنثى هو الله سبحانه، وعبر عنه بما إلفاتًا لنظر المخاطبين إليه من حيث هو سبب موجود فقط، حتى لا يبادر منكر الألوهية إلى الانصراف عن الخطاب بمجرد الشعور بأن المتكلم يذكر له من صفات الله العلية ما لا يعتقده -كما أشرنا إليه في تفسير السورة السابقة- وإنما أقسم بذاته بهذا العنوان لما فيه من الأشعار بصفة العلم المحيط بدقائق المادة وما فيها، والإشارة إلى الإبداع في الصنع، إذ لا يعقل أن هذا التخالف بين الذكر والأنثى في الحيوان يحصل بمحض الاتفاق من طبيعة لا شعور لها بما تفعل كما يزعم بعض الجاحدين، فإن الأجزاء الأصلية في المادة متساوية النسب إلى كون الذكر أو كون الأنثى.
فتكوين الولد من عناصر واحدة -تارة ذكرًا وتارة أنثى- دليل على أن واضع هذا النظام عالم بما يفعل محكم فيما يضع ويصنع!
﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ : هذا هو جواب القسم.
يؤكد بالقسم السابق ما تضمنه هذا الخبر من أن سعي الناس مختلف مفترق في صفته ونوعه، فمنه الحسن، ومنه القبيح، ومنه المفيد، ومنه الضار، ومنه ما ينقيه الإخلاص، ومنه ما يعكره الرياء وطلب المكافأة عليه من الناس ولو بحسن الثناء على فاعله، ومنه الإعطاء، ومنه المنع، ومنه التكذيب بالحسنى، ومنه التصديق بها، ومنه التقوى ومن الفجور، ومفترق في عاقبته، فمنه ما يشقى به الساعي، ومنه ما يسعد به، ثم فصل ذلك التفرق في النوع والعاقبة بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى ﴾ إلخ.
فإن خطر لك سؤال: كيف يقسم سبحانه على أن سعي الناس شيء مختلف، مع أن هذه القضية بديهية، لأن جميع من يفهم الخطاب يعلم أن مساعي الناس وأعمالهم مختلفة متنوعة إلى هذه الأنواع التي ذكرت، ومثل هذا الخبر البديهي لا يحتاج إلى تأكيد، بل الإخبار به غير مفيد، فإني أجيبك أولًا بأن المقسم عليه هو الإجمال والتفصيل معًا.
ولا شك في إن الوعد على الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى بالتيسير لليسرى، والوعيد على البخل والاستغناء والتكذيب بالحسنى بالتيسير للعسرى، يحتاج إلى تأكيد، فيكون التأكيد لمجموع الأخبار لا للأول منها فقط، وثانيًا بما أشرنا إليه في بيان معنى (شتى) من أن الافتراق واقع في أنواع الأفعال وصفاتها، وواقع في عاقبتها وما يعود منها على فاعلها.
ولما كان فعلة الشر إنما اختاروا طريقه لاعتقادهم أن إتيانه أفضل عائدة عليهم من تجنبه، وأنه لا يفضي بهم إلى ما يكرهون، كانوا كأنهم اعتقدوا بوحدة العاقبة في سعيهم وسعي مخالفيهم من أهل الخير، فاحتاج الأمر إلى أن يؤكد لهم الخبر بأن السعي مختلف في الغاية والعاقبة، كما هو مختلف في الصفة والنوع، وهذا هو الذي يشعر به وصل التفصيل بالفاء، فإن التفصيل سيق لبيان عاقبة كل قبيل من السعي، فوصله بالفاء يفيد أنه كان شيئًا داخلًا فيما سبقه.
ثم كيف تزعم بداهة الخبر باختلاف الأعمال في الصفة، مع أن البخيل مثلًا إنما يمسك الفضل من ماله ولا ينفقه في أعمال البر، وهو يعتقد أنه لم يمنع حقًا، وأنه وَفَّي حق الحق، لأن في توفير المال صون النفس عن الحاجة وتمتيعها بالكرامة وعلو المنزلة، وهو أمر مطلوب لأهل العقل، فهو -باعتقاده هذا- قد أدخل عمله في جنس أعمال المقتصدين وأهل الوقار والكرامة، وكذلك الحاسد مثلًا يرى ما يصنعه في طلب الوسائل لإزالة نعمة محسودة من باب السعي في إزالة المنكر والدفاع عن حق للنفس أو للعامة، وهو بهذه العقيدة يدرج عمله في أعمال المجاهدين في إنكار المنكر وحمل الناس على المعروف.
وهكذا يمكنك أن تخلص بنظرك في باطن كل مقترف لرذيلة فنجده يمثلها بمثال الفضيلة، فقد اختلط عليه وصف مساعيه بوصف مساعي غيره.
وأنت ترى اغلب الناس على هذه الحال، فكانوا في أشد الحاجة إلى تأكيد الخبر بان الأعمال والمساعي شتى مختلفة كل الاختلاف، أو منزلين منزلة من يحتاج إلى ذلك لتلبيسهم على أنفسهم.
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ أعطي المال لسد حاجة المسكين، أو إغاثة المعدم الكريم، أو للإغاثة على النفع العميم.
(واتقي) أي خاف من الشر وإيصال الأذى إلى الناس، فحمى نفسه من ذلك، أو كره الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فوقي نفسه من ارتكاب شيء منها، (وصدق بالحسنى) أي بالخصلة التي هي أحسن من غيرها، أي صدق بثبوت الفضيلة والعمل الطيب، وبالفرق بين الفضيلة والرذيلة وبين العمل الطيب والخبيث، واعتقد بأن هناك خيرًا وشرًا، وأن من مزايا الإنسان أن يفعل الخير ويتجنب الشر.
فان التصديق بذلك هو مصدر الصالحات بلا ريب، وهو مقدم في الترتيب الوجودي على بذل المال في سبيل الحق والرحمة، وعلى اتقاء المفاسد والخطايا، ولكنه قدم هذين في الذكر عليه للاهتمام بهما، ولأنهما الدليلان على تحققه حقيقة، ولأنهما ثمرته الدانية.
وكثير من الناس يظن نفسه مصدقًا بفضل الخير على الشر، وأن الخير أولي بالإنسان، ولكن هذا التصديق قد يكون سرابًا في النفس خيله الوهم وصوره التقليد الأعمى، ثم لا يصدر عنه الأثر الذي يليق به، بل تجد صاحبه رديء الملكة، قسي القلب، بعيدًا عن الحق، قريبًا من الباطل، بخيلًا في الخير، مسرفًا في الشر، ولا تجد له مع ذلك كلامًا إلا في الفضيلة وحسن جزائها، والرذيلة وسوء عاقبتها.
فهو -كما يقول بعض الأدباء: "يحسن وصف الفضيلة وحروفها تئن من لوكها بفمه وجزها بسن قلمه!".
فالتصديق بالحسن لا يعد تصديقًا، ولا ينظر الله إليه، ولا يجود كرمه بالوعد عليه إلا إذا صدر عنه أثره الذي لا ينفك عنه، وهو بذل المال واتقاء مفاسد الأعمال.
ومن فعل ذلك يسره الله لليسرى أي هيأة لأيسر الخطتين وأسهلهما في أصل الفطرة، وهي خطة تكميل النفس وإنمائها بالكمال إلى أن تبلغ المقام الذي تجد فيه سعادتها، وإنما كانت هذه الخطة هي اليسرى والأسهل لتوفر الدواعي إليها وكثرة البواعث عليها، فان الإنسان إنما يمتاز عن غيره من سائر الحيوان الأعجم بالتفكير في الأعمال، وتقدير ثمراتها، ووزن نتائجها.
وحاجة كل إنسان إلى أن يعنيه غيره ظاهرة كذلك بسذاجة الفطرة، فإحساسه بحاجة غيره واندفاعه إلى سدها، مما تنبه إليه الفطرة، فأولى أن تنبهه الفطرة إلى أن لا يلحق الأذى بمن لم يؤذه، وأن لا يأتي من القبائح شيئًا لظهور ضررها بالناس..
فهو مدفوع إلى ذلك كله بأصل فطرته الإنسانية، لكنه يحتاج -في الاستقامة على هذه الطريقة- إلى صحة عقل ينظر بنفسه فيما يختار، ويميز بنظره فيما يسمح بين ما ينبغي أن يتبع وما يجب أن يدفع، فإذا حصَّل الشخص ذلك وظهرت آثاره في أعماله، سهل الله ما هو مسوق إليه بأصل فطرته، وهو تكميل نفسه لتسعد بمزاياها في الدنيا والآخرة، وذلك لجري سنة الله في خلقه بأن كل عمل من أعمال العاقل يفتح له باب بصيرة في نوع ذلك العمل، ويكون مبدأ عادة للنفس تأنس بملابستها.
ففاعل الخير للخير يذوق لذته، ويجد حلاوته، فتزيد فيه رغبته وتشتد إليه عزيمته، وهذا هو التيسير الإلهي!
﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ أي إن من امسك ماله أو أنفقه في شهواته ولذاته ولم ينفقه في الطرق التي بيناها، فإنه يعد باخلًا على خلاف ما يعتقد كثير من الناس من أن البخيل هو الذي لا يتمتع بماله في التلذذ بمأكله ومشربه وملبسه، فهذا بمجرده لا يعد بخلًا، لا شرعًا ولا في اصطلاح علماء تهذيب الأخلاق، وإنما البخيل هو الذي لا يبذل ماله في سبيل الخير -خصت أو عمت- وإن أنفق جميع أمواله في لذاته ولذات أمثاله، أو هو الذي لا يعطي الحق فيما يطالبه به الحق ومنفعة العامة، والمرحمة للخاصة من أعظم أنواع الحق، (واستغني) أي عد نفسه غنيًا عن الناس بما لديه من المال، فلا يري له حاجة إليهم، فلذلك لا يجد المرحمة في قلبه لضعفائهم فيبذل ماله لدفع ضرورتهم، ولا يحس بأنه عضو من جماعتهم فينفق من ماله فيما يعود بالمنفعة عليهم، ولا يبالي بما يصيبهم من فساد أو سلامة فهو لا يتقي شرًا يفعله فيهم، فيكون شريرًا فاحشًا، فمعنى (استغنى) يقابل معنى (اتقى) في جميع مشتملاته.
وأمثال هؤلاء المستغنين -الذين لا يحسون بوجود الناس إلا عند حاجتهم إليهم- كثيرون فيما بيننا، بل هم الأكثر، بل لا تكاد تجد بين المسلمين سواهم.
فإن الكلمة العامة في أفواه جميعهم: "نحن ما لنا" و "أنا مالي" و "دع الخلق للخالق"، ونحو ذلك مما يطول سرده، (وكذب بالحسنى) أي كذب بثبوت الفضيلة، وبأنها أصل من أصول الإنسانية، وركن من أركان وجودها، فلا يعرف إلا ما يلذ له ويمنعه في حاضره، ولا يبالي بما عدا ذلك، ضر غيره أو نفعه.
وهذا التكذيب هو الأصل في البخل والاستغناء بمعناهما السابق، لان من صدق بالحسنى -ذلك الضرب من التصديق الذي سبق بيانه- لا يمكن أن يبخل ولا أن يستغني بالمعنى الذي سبق ذكره.
ويدخل في المكذبين بالحسنى أولئك الذين يتكلمون بها تقليدا لغيرهم ولكن لا يظهر أثرها في أعمالهم، فهم مكذبون رغم أنوفهم، والله يعدهم مكذبين مهما لبسوا على أنفسهم، وهذا هو السر في تقديم ذكر البخل والاستغناء على التكذيب بالحسنى، لأنهما أثرها وثمرتها، فإذا ظهرا في عمل الإنسان ثبت تكذيبه بالحسنى، ومن كانت حاله هذه فقد مرنت نفسه على الشر، وتعودت على الخبث، واستشري فيها الفساد، فيسهل الله له -على حسب ما جرت به سنته سبحانه- تلك الخطة العسرى، وهي الخطة التي يحط فيها الإنسان من نفسه، ويغض من حقها، وينزل بها إلى حضيض البهيمية، ويغمسها في أوحال الخطيئة.
وهي أعسر الخطتين على الإنسان لأنه لا يجد معينًا عليها لا من فطرته ولا من الناس.
ولو اتفق أن جماعة أو قومًا فسدت أخلاقهم جميعًا، ووجد كل منهم فيمن حوله من يعينه على الشر، سلط الله عليهم من غيرهم من ينزل العقاب بهم جميعًا، فيسلبهم ما آتاهم الله من نعمه، ويضعهم تحت نير المذلة، كما نشاهده ويقع تحت نظرنا كل يوم، فلا ريب إن هذه الخطة هي أعسر الخطتين، ولكن كاسب الشر معان عليها لتعود نفسه على مقارفة ما هو منها بسبيل.
﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ﴾ ما استفهامية: أي وماذا يفيده ماله إذا تردى وهلك، سواء كان بالموت الذي يدركه عند أجله فهو يقبل على عذاب أليم، أو تردى في مغبات بخله وسيئات أعماله بأن حل الانتقام به في الحياة الدنيا، فإنه لا يجد من الناس منجدًا ولا من رحمة الله مغيثًا..
فماذا يفيده ماله؟
ولما كان هنا موضع أن يقول قائل: كيف يخلق الله الناس ويكلهم إلى أهوائهم، ثم يعاقبهم على ما تجرهم إليه؟
أو أن يقول إذا كان الله هو واهب تلك القوى والآلات البدنية فكل ما كان من متناولها وانساقت إليه فهي مسيرة إليه بمقتضى غريزتها، فكيف يؤاخذ الله على فعل فاعل أطلق الله له الإرادة في عمله وأعطاه القدرة عليه؟..
لما كان ذلك مما يقال في جميع الأزمان، قال الله: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾ .
أي إننا خلقنا الإنسان وجعلنا من جوهر إنسانيته العقل والاختيار، وألهمناه التمييز بالعقل بين الحق والباطل وبين الخير والشر، ثم بعثنا له من كملة أفراده الأنبياء، وشرعنا لهم الأحكام، وبينا لهم العقائد تعليمًا له وإرشادًا.
فهذا هو ما يقتضيه خلق الإنسان من حيث هو إنسان.
ثم بعد ذلك هو مختار: فإما أن يسلك مسلك الخير فيسلم ويسعد، وإما أن يذهب مذهب الشر فيعطب ويشقى.
ومن هذا نفهم معنى (علينا)، فليس فيه أن ذلك واجب عليه كما يظنه بعض السفهاء، بل معناه أننا حيث أردنا أن نخلق الإنسان نوعًا ممتازًا عن سائر أنواع الحيوان، كان لا بد في إرادتنا هذه أن نخلق الإنسان نوعًا ممتازًا عن سائر أنواع الحيوان، كان لا بد في إرادتنا هذه أن نضع في جوهره ما يميزه وهو العقل، وأن نضع له شريعة تعليمية حتى يعد بذلك نوعًا ممتازًا عن غيره من الأنواع.
﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ﴾ أي نحن المالكون الحياة الدنيا، وهي الأولى، والحياة الآخرة.
وإنما قدم الآخرة في الذكر-مع أنها الآخرة في الوجود- ليبادر إلى تأكيد وجودها.
وإذا كان ملك الحياتين لله كان هديه هو الذي يجب اتباعه فيهما، لأن المالك لأمر عالم بوجوه التصرف فيه.
فما مكنك منه بهداه، وأرشدك إليه من ذلك فلا تحد عنه.
ولهذا المعنى تراه رتب على القضيتين (إن علينا للهدى) (وإن لنا للآخرة والأولى) قوله ﴿ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ﴾ : أي لرحمتنا بكم، وعلمنا الكامل بمصالحكم، أسدينا إليكم الهدى، فأنذرتكم نارًا تلتهب.
وتلك النار أعدت في الآخرة لمن سيذكره الله بعد، وهي نار يجب علينا الإيمان بها، ولكن لا ينبغي لنا البحث في حقيقتها لأنها من أمور الآخرة التي استأثر الله بعلم حقائقها.
وإنما هي عذاب أليم لمن يصلاها.
(لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى).
يصلاها: يعذب فيها.
والأشقى: من هو أشد شقاء من غيره.
ومن كذب: من وقع منه تكذيب ما.
وتولى: أعرض عن وجهة الحق وانصرف ولم يعد إليها بالتوبة والندم.
(وسيجنبها الأتقى): أي أن أشد الناس تقوى هو الذي لا يدخل هذه النار بالمرة، ولا يمسه لهبها.
واعلم أن الناس أقسام: منهم الأبرار الذين منحهم الله من قوة العقل وصفاء اليقين ما بعد بهم عن الفواحش ظاهرها وباطنها، ودفعهم إلى محاسن الأعمال جليلها وصغيرها، فلم يقارفوا خطيئة، ولم يقصروا في خير.
ومنهم الذين يلون هؤلاء، وهم من تغلبهم الشهوة أحيانًا فيقعون في الذنب، أو يقصرون في الواجب، ثم يثوب إليهم رشدهم فيتوبون ويندمون.
وهذان القسمان يدخلان في الأتقى، وهم الذين ذكرهم الله في سورة آل عمران في قوله: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ ﴾ إلخ.
ومنهم من يخلط بين الخير والشر فيعتقد بالله مثلًا ويقترف بعض السيئات لكنه يصر عليها ولا يتوب عنها، فهذا الإصرار منه يدل على أنه غير مصدق حق التصديق بما جاء فيها من الوعيد كما يرشد إليه العقل.
لأن البديهة تأبى أن يصدق الشخص بسوء عاقبة أمر تمام التصديق ثم يصر على إتيانه دون أسف ولا ندم.
وكما تدل عليه السنة، فقد ورد في الصحيح:"لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن".
ومعناه أن صورة الوعيد، وصورة الأمر الإلهي تذهب عن ذهن المخالف، ويوجد عنده ضروب أخرى من الصور تقاوم أثر هذه في النفس وتغلب عليها.
فهذا الفاسق المصر يدخل في الأشقى، وهو صنف من أصنافه، لأنه كذب ضربًا ما من التكذيب وتولى فلم يرجع بالتوبة.
ومنهم الكافرون الجاحدون، وهم صنف آخر من الأشقى.
فالنار التي وصفها الله يدخلها الفاسقون من المؤمنين تحت عنوان مكذبين متولين ضربًا من التكذيب والتولي، تغليظًا عليهم، ولكنهم لا يخلدون فيها.
ويدخلها الكافرون الجاحدون وهم فيها خالدون، وينجو منها الأتقى بصنفيه: الأبرار والخالطين التائبين.
وإنما صح دخول المصر في الأشقى لأن الخالط التائب له شقاء، وكفى بالندم ومحاسبة النفس شقاء عظيمًا لمن يعرف قدره.
وصح دخول الخالطين التائبين في قسم الأتقى لأنهم أعظم تقوى من المصرين.
وفي المصرين على بعض السيئات شيء من التقوى يصدهم عن بعضها كما هو ظاهر.
فالخالط التائب والمؤمن المصر على خطيئة -إذا لم تحط به خطيئاته- كل منهما يشارك صاحبه ويفارقه، وبذلك أكسب كل صاحبه وصفه: الخالط التائب له شقاء بالندم والأسف فيشارك المصر في ضرب من الشقاء، ويكون المصر أشقى منه.
والمصر فيه شيء من التقوى بالإيمان فيشارك التائب في التقوى، ولكن التائب أتقى منه.
وما أجمل ما قاله الإمام الغزالي في مثل هذا!
وإنا نأتي بعبارته قال:"كل علم يراد ليكون باعثًا على عمل فلا يقع التفصي عن عهدته ما لم يصر باعثًا عليه.
فالعلم بضرر الذنوب إنما أريد ليكون باعثًا على تركها.
فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان.
وهو المراد بقوله :"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن".
"وما أراد به نفي الإيمان الذي يرجع إلى علوم المكاشفة: كالعلم بالله ووحدانيته وصفاته وكتبه ورسله، فإن ذلك لا ينافيه الزنا والمعاصي.
وإنما أراد به نفي الإيمان بكون الزنا مبعدًا عن الله تعالى موجبًا للمقت.
كما إذا قال الطبيب: هذا سم فلا تتناوله.
فإذا تناوله، يقال تناوله وهو غير مؤمن، لا بمعنى أنه غير مؤمن بوجود الطبيب وكونه طبيبًا وغير مصدق به، بل المراد أنه غير مصدق بقوله إنه سم مهلك.
فإن العالم بالسم لا يتناوله أصلًا".
"فالعاصي بالضرورة ناقص الإيمان، وليس الإيمان بابًا واحدًا، بل هو نيف وسبعون بابًا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.
ومثاله قول القائل: الإنسان ليس موجودًا بل هو نيف وسبعون موجودًا: أعلاها القلب والروح، وأدناها إماطة الأذى عن البشرة بأن يكون مقصوص الشارب، مقلوم الأظافر، نقي البشرة من الخبث، حتى يتميز عن البهائم المرسلة الملوثة بأرواثها، المستكرهة الصور بطول مخالبها وأظلافها".
"وهذا مثال مطابق.
فالإيمان كالإنسان، وفقد شهادة التوحيد يوجب البطلان بالكلية، كفقد الروح.
والذي ليس له إلا شهادة التوحيد والرسالة، هو كإنسان مقطوع الأطراف، مفقوء العينين، فاقد لجميع أعضائه الباطنة والظاهرة لا أصل الروح".
"وكما أن من هذا حاله قريب من أن يموت فتزايله الروح الضعيفة المنفردة التي تخلف عنها الأعضاء التي تمدها وتقويها، فكذلك من ليس له إلا أصل الإيمان، وهو مقصر في الأعمال، قريب من أن تقتلع شجرة إيمانه إذا صدمتها الرياح العاصفة المحركة للإيمان في مقدمة قدوم ملك الموت ووروده.
فكل إيمان لم يثبت في اليقين أصله، ولم تنتشر في الأعمال فروعه لم يثبت على عواصف الأهوال عند ظهور ناصية ملك الموت وخيف عليه سوء الخاتمة".
أفلا يجدر بمثل هذا أن يدخل في الأشقى الذي كذب وتولى هذا النوع من التكذيب والتولي؟
ثم ذكر الأتقى بأفضل مزاياه فقال: ﴿ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ : الأتقى بقسميه-سواء كان محسنًا بارًا، أو كان ظالمًا لنفسه تائبًا- يعطي من ماله في سبيل الله ومرحمة الفقراء لا لغرض آخر سوى أنه يريد أن يتزكى، وأن تنمو نفسه وتتدرج في قوتها الروحية حتى تبلغ أشدها في الحياة الروحانية فتستوي على عرش الإنسانية تستخدم قواها الجسدانية فيما خلقت لأجله.
فهو لا ينفق شيئًا من ماله رئاء الناس يطلب به مدحتهم-اللهم إلا أن تكون هفوة من غير الأبرار- وينفق من ماله، وليس لأحد عنده يد سابقة يحب أن يجازيه بها، أي ينفق من ماله على شخص، وليس لذلك الشخص عنده نعمة يريد مكافأته عليها.
أما إعطاء المال على وجه المكافأة، فهو ضرب من المعاملة والتجارة الدنيوية لا يتفاضل به الناس في الخير؛ وإنما يريد المحسن والخالط بما ينفق وجه ربه الأعلى.
أي يرغب مرضاته.
والعبارة معروفة في تخاطب العرب، يقال: فعلت كذا ابتغي وجه فلان، أي لم يحملني على الفعل إلا إجلاله وقصد مرضاته وخيفة الوقوع فيما يغضبه، ولذلك أتبع الآية بقوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ : أي سوف يرضى الله عن ذلك الأتقى الطالب بصنعه رضاه.
يجوز للتقي أن يعطي من ماله لمكافأة نعمة عليه لأحد من الناس، لكن ذلك لا يكون أثرًا من آثار التقوى.
بل الذي يعد من آثار التقوى، هو بذل المال في سبيل الخير، كما قدمنا.
وقد يعرض لبعض الأفراد من قسم الأتقى أن يرائي في إنفاق ما ينفق من ماله لكنه يرجع فيندم ويتوب، والتوبة تعود على العمل بالإخلاص، وتبعث على العود إلى الإنفاق مع خلوص النية فيه لله تعالى، فيصدق عليه أنه يؤتي ماله يتزكى إلخ.
والاستثناء في قوله ﴿ إلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ﴾ ، منقطع كما ترى.
والتعبير بسوف لإفادة أن الرضا يحتاج إلى بذل كثير، ولا يكفي القليل من المال لأن يبلغ العبد درجة الرضا الإلهي.
وبتفسير الأتقى والأشقى على النحو الذي سمعته تبطل تلك الإشكالات التي أوردها المفسرون في الحصر.
وما أشكل عليهم إلا تقيدهم بالعادة في استعمال ألفاظ كذب وتولى، وتحكيمهم عاداتهم واصطلاحاتهم التي وضعوها من عند أنفسهم لأنفسهم في كتاب الله تعالى وسنة رسوله.
ثم إنهم يوردون ههنا أسبابًا للنزول، وأن الآيات نزلت في سيدنا أبي بكر الصديق لأنه اشترى من أرقاء المسلمين ضعفاء وأعتقهم من ماله لا يبتغي في ذلك إلا وجه الله.
ورووا غير ذلك وقالوا إن الأشقى هو أمية بن خلف.
وقيل غير ذلك، ومتى وجد شيء من ذلك في الصحيح لم يمنعنا من التصديق به مانع، ولكن معنى الآيات لا يزال عامًا -كما رأيت- والله أعلم.