تفسير محمد عبده سورة الضحى

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الضحى

تفسيرُ سورةِ الضحى كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 17 دقيقة قراءة

تفسير سورة الضحى كاملةً (محمد عبده)

وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣ وَلَلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لَّكَ مِنَ ٱلْأُولَىٰ ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًۭا فَـَٔاوَىٰ ٦ وَوَجَدَكَ ضَآلًّۭا فَهَدَىٰ ٧ وَوَجَدَكَ عَآئِلًۭا فَأَغْنَىٰ ٨ فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١

(والضحى) هو ضوء الشمس في شباب النهار.

(والليل إذا سجى) أي سكن وسكون الليل هو ما تجده من سكون أهله، وانقطاع الأحياء عن الحركة فيه.

ولما كان السجو أو السجو من لوازم الظلمة جاء فيه بالماضي، كالتجلي في النهار بخلاف الغشيان في الليل، فإنه مما يعرض له في الأوقات القليلة يغشى فيها الضياء كما سبق.

أما الضياء فيملك أغلب أجزاء الزمن.

(ما ودعك ربك وما قلى) أي ما تركك ربك وما أبغضك.

وقرئ ودعك بالتخفيف، وهي كذلك بمعنى تركك.

يقال قلاه يقلاه، وقلاه يقليه، كرماه يرميه أي كرهه وأبغضه.

(وللآخرة خير لك من الأولى) أي ولنهاية أمرك خير لك من بدايته.

(ولسوف يعطيك ربك)، من توارد الوحي عليك بما فيه إرشاد لك ولقومك، ومن ظهور دينك، وعلو كلمتك، وإسعاد قومك بما تشرع لهم، وإعلائك وإعلائهم على الأمم في الدنيا والآخرة.

(فترضى) بما تراه من تلك النعم التي ليس وراءها مطلب لطالب.

اتفقت الروايات على أن سبب نزول هذه السورة هو حصول فترة في توالي الوحي على النبي  ، فظن أو توهم أو قيل أن الله قد تركه وقلاه، ثم اختلفت فيمن ظن أو توهم أو قال.

ولا حاجة لنا بذكر ما اختلف فيه.

فإن من المحقق -وهو الذي يرشد إليه أسلوب السورة الشريفة- أن الله أراد أن يلقي الطمأنينة في نفسه  بتأكيد تلك الأخبار التي ذكرها واحدًا بعد الآخر، وأن يتسدل له على أن هذه الأخبار لا ريب فيها بما سبق من فضل الله عليه.

فالذي يعطف عليه بعنايته فيما سبق لا يزال يؤيده بتلك العناية فيما يلحق.

ثم إنه رتب على سبوغ تلك النعم أمره لشخصه الكريم بتلك الأوامر التي جاءت في قوله ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ  ﴾ إلخ.

وليس في نسق السورة ما يشير إلى أن المشركين أو غيرهم بغرض من الخطاب..

ومن أين كان للمشركين أن يعلموا فترة الوحي فيقولوا أو يطعنوا، ولكن ذلك كان شوق النبي  إلى مثل ما رأى وما فهم عن الله، وما ذاق من حلاوة الاتصال بوحيه.

وكل شوق يصحبه قلق، وكل قلق يشوبه خوف.

وهو  بشر يعلو به عن البشر الوحي وحده كما ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة من الكتاب نحو قوله: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ  ﴾ إلخ.

وقد جاء في الصحيح أن النبي  حزن لفترة الوحي حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، ولكن كان يمنعه تمثل الملك له وإخباره بأنه رسول الله حقًا، كما يأتي ذكره في سورة ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ  ﴾ ..

فذلك هو القلق والفزع الذي يحتاج إلى ما به تكون الطمأنينة، فآتاه الله ما كان في شوق إليه، وثبته بالوحي، وبشره أن تلك الفترة لم تكن عن ترك ولا عن قلى، وأقسم له على ذلك، وأشار في القسم إلى أن ما كان من سطوع الوحي على قلبه أول مرة بمنزلة الضحى، تقوى به الحياة وتنمو به الناميات، وما عرض بعد ذلك فهو بمنزلة الليل إذا سكن لتستريح فيه القوى وتستعد فيه النفوس لما يستقبلها من العمل.

ومن المعلوم أن النبي  لاقى من الوحي شدة في أول أمره حتى جاء إلى خديجة رضي الله عنها ترجف بوادره كما هو معروف في حديث الصحيحين وغيره، فكانت فترة الوحي لتثبيته  وتقوية نفسه على احتمال ما يتوالى منه حتى تتم به حكمة الله تعالى في إرساله إلى الخلق.

ولهذا قال له: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الأُولَى  ﴾ ، أي إن كرة الوحي ثانية سيكمل بها الدين، وتتم بها نعمة الله على أهله.

وأين بداية الوحي من نهايته؟

وأين الإجمال الذي جاء في قوله ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ  ﴾ إلخ، من تفصيل العقائد والأحكام الذي جاء في مثاني القرآن؟

ثم زاد الأمر تأكيدًا بقوله: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى  ﴾ على ما بيناه كأنه  كان يجد في نفسه أن للأمر تتمة لم تأت بعد.

وكأن في الفترة إبطاء بتلك التتمة، وهو شغف بحصولها، فلم تكن نفسه راضية دون أن يبلغ ما اعده له من إكمال دينه، فأكد له الوعد بأنه سيعطيه مما تتطلع نفسه إليه، ولا يزال يعطيه حتى يرضى.

ويعلن عباده المؤمنين بقوله تعالى؛ ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا  ﴾ .

وقد كان ذلك في أكثر من عشرين سنة، فاستعمال حرف التسويف لذلك.

وللمفسرين هنا كلام في الشفاعة وفي تكريم آل بيت النبوة حشروه في التفسير حشرًا، وأكثره بعيد عن روح الدين الذي جاء به القرآن، والأليق به كتب المذاهب التي ساء بها حال المسلمين وتفرقت بسببها كلمتهم.

﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى  ﴾ التعبير بلم يجدك ووجدك على متعارف الخطاب في لسان العرب: أي لم تكن كذلك وكنت كذلك.

وأصل المعنى في وجدت فلانًا كريمًا مثلًا إنني لم أكن أعرف منه الكرم فعرفته.

وذلك لا يكون في جانب الله تعالى لكنه استعمل في الإخبار بالكرم ونحوه.

أو المعنى: ألم يعلم يتمك وضلالك إلخ.

والاستفهام على كل حال للتقرير، أي أنك كنت كذلك، وكان  يتيمًا لأن والده توفي في المدينة وهو حمل في بطن أمه، فلما وضعته عطف الله عليه قلب جده عبد المطلب وقلب مرضعته حليمة على يتمه، وكفله جده خير كفالة، ثم مات جده وهو في سن ثماني سنين فكفله عمه أبو طالب بوصية من أبيه عبد المطلب.

وكان شديد العناية به في صغره، عظيم المحبة له في كبره، وما زال يحميه وينصره بعد أن أكرمه الله بالنبوة حتى قبض.

وتجرأت قريش على النبي  بعد موت عمه حتى اضطرته إلى الهجرة إلى المدينة، فذلك إيواء الله لنبيه وهو يتيم.

﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى  ﴾ نشأ  موحدًا لم يسجد لصنم، وطاهر الخلق لم يقترف فاحشة حتى عرف بين قومه بالأمين.

فضلال الشرك وضلال الهوى في العمل كانا بعيدين عن ذاته الكريمة، يرهبان الدنو من نفسه القويمة، نزهه الله عنهما من أول أمره، ليعلي منزلته عند من يرسل إليهم..

فيسمعوا قوله، ويهتدوا بهديه.

ولكن للضلال أنواع أخر: منها اشتباه المآخذ على النفس حتى تأخذها الحيرة فيما ينبغي أن تختار.

وقد عرف  فساد دين قومه من مشركي العرب، ولكن كان بين يديه دين النصرانية على ما كان عليه أهله، ودين اليهودية، وكلاهما دين توحيد، وفي كليهما شريعة لنبي.

فهل في اختيار أحد الدينين مصلحة له ولقومه؟

وهل في الدعوة إلى ما يختار منهما فلاح لنفسه ولشعبه وهو  أُمي لا يقرأ الكتب، ولا يعرف ما حوته تلك الأديان من الأحكام والشرائع؟

كيف كان يصلح ذلك وأهل كل من الدينين لم يكونوا في حالهم أرشد من قومه؟

فكان شيء من الشرك يشوب عقائدهم، وكثير من السيئات والجرائم تدنس أعمالهم، وحجتهم على الإقامة عليها ما ينسبونه إلى دينهم من نص أو تأويل.

وأعظم أنواع الضلال كانت الحيرة في أمر العرب أنفسهم، يراهم  في سخافة عقائدهم وضعف بصائرهم باستيلاء الأوهام عليهم، وفساد أعمالهم، وشؤم تلك الأعمال في أحوالهم، وتفرق كلمتهم، وتفانيهم بتسافك الدماء، وإشرافهم على الهلاك باستبعاد الغرباء لهم، وتحكم الأجانب فيهم: الحبشة ثم الفرس من جانب، والرومان من جانب آخر، ثم هم في غفلة عن مصيرهم، ينفرون من الذل ويمدون أيديهم إلى أسبابه، ويفرون من الموت وهم يتدافعون على أبوابه.

فما العمل في تقويم عقائدهم وتخليصهم من تحكم عاداتهم فيهم؟

وأي طريق ينبغي أن تسلك في إيقاظهم من سباتهم؟

ومن أي الأبواب يمكن أن يدخل إلى قلوبهم؟

ما أشدها حيرة على الصديقين!!

وما أعظمها ظلمة تغشي السالكين من أهل الصدق واليقين، إلى أن يكشفها الله بالنور المبين!!

وهي حيرة لم يكمل الحظ من شرفها إلا للنبيين والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين.

فهذا هو الذي عناه الله بالضلال في هذه الآية الكريمة.

وما أعظم الهداية في ذلك الضلال!

وما أجدره بالكُمَّل من الرجال!

وبعد هذا وهذا من اهتدى إلى الله وعرف أنه خالق الخلق كلهم، وأنه وحده المستحق للعبادة دون أحد منهم، هل يدري بنفسه بغير وحي إلهي كيف يعبده؟

وبأي وصف يصفه ويمجده؟

والناس من حوله قد شبهوه بخلقه، وقاسوه على ما يعرفون من صنعه.

أفلا يحار الموحد كيف يصف ربه، وبأي الوسائل يطلب قربه؟

كل هذه الضروب من الحيرة كانت من حظه  قبل أن تطلع عليه شمس النبوة.

وللخلاص منها كان يطلب الخلوة بغار حراء، ويتلمس هداية ربه في جوانب قلبه إلى أن سطع عليه نور الوحي فانتشله من هذا كله، واختار له دينًا قويمًا، وعلمه كيف يرشد قومه، وسن له الطريق في تخليصهم وتخليص العالم مما كان فيه من فساد العقل وسوء العمل، وهداه إلى وصف ذاته بما يليق بذاته.

وأي نعمة أكبر وأجل من هذه النعمة؟!

هذا هو معنى قوله ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى  ﴾ ، وهو معنى قوله في سورة الشورى ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمان وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ  ﴾ .

وليس في وصف النبي  بالضال على هذا المعنى شين له أو حط من شأنه، بل هذا هو فخره  وإكليل مجده: لم يكن عالمًا فعلمه الله، ولم يكن مطلعًا إلى الغيب فأطلعه الله.

وبهذا التفسير تستغني عن خلط المفسرين في التأويل.

﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى  ﴾ : العائل الفقير.

وقد كان  فقيرًا لم يترك له والده من الميراث إلا ناقة وجارية، فأغناه الله بما ربحه في التجارة، وبما وهبته خديجة من مالها.

فمن آواك في يتمك، وهداك من ضلالك، وأغناك من فقرك-لا يتركك في مستقبل أمرك.

من ذاق مرارة الضيق في نفسه فأجدر به أن يستشعرها في غيره فيمنحه ما كان هو بصدد أن يستمنحه.

كان  يتيمًا فباعد الله عنه ذل اليتيم وآواه.

فما أجدره  بأن يكرم كل يتيم شكرًا لله على نعمته!

لهذا قال الله ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ  ﴾ أي فلا تذله، بل ارفع نفسه بالأدب، وهذبه بمكارم الأخلاق ليكون عضوًا في جماعتك ينفعها وتنتفع به، ولا يفسده التذليل والهوان فيكون جرثومة فساد يتعدى أذاها إلى كل من يخالطها من أمتك.

ولو علم الناس ما في إهمال تربية الأيتام من الفساد في الأمة لقدروا عناية الله بأمرهم في كتابه قدرها، ولبذلوا من سعيهم ومن مالهم في إصلاح حال الأيتام كل ما استطاعوا.

ولو أحس كل واحد بأن الموت قريب منه، وأنه هدف لنبله لا يدري متى يأخذه عن ولد فيتركه: إما غنيًا يأكل ماله الأوصياء، أو فقيرًا يستذله الأدنياء، لتسابقوا إلى تقويم أمر اليتيم تسابقهم إلى اللذة والنعيم.

كان  حيران فأنقذه الله من حيرته.

فمن حق رعاية هذه النعمة أن يرأف بالحائرين.

لهذا قال الله له ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ  ﴾ .

والسائل هو المستفهم عما لا يعلم وليس هو طالب الصدقة، فإن هذا اللفظ لم يرد في كتاب الله عنوانًا للفقير والمسكين، بل جرت سنة الكتاب المبين على ذكرهما بوصفهما.

ثم إنه لا معنى لجعله مقابلًا لقوله ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًا  ﴾ بل كان من حقه أن يكون مقابلًا لقوله ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا  ﴾ على أنه لا يصح أن يكون مقابلًا لهذا أيضًا لأن النبي  لم يكن سائلًا قط.

ومعنى (لا تنهر) لا تزجر، أي لا تزجر سائلًا مستفهمًا مسترشدًا، وإن ضعف عقله وعظم جهله، فقد ذقت من ألم الحيرة ما يعطفك على المتحيرين، طلاب الإرشاد في العلم والدين.

وقد اخترعوا أحاديث في السائل لا أصل لها ويتنزه  عن أن تنسب إليه.

من عادة البخلاء أن يكتموا ما لهم لتقوم لهم الحجة في قبض أيديهم عن البذل، فلا تجدهم إلا شاكين من القل.

أما الكرماء فلا يزالون يظهرون بالبذل ما آتاهم الله من فضله، ويجهرون بالحمد لما أفاض عليهم من رزقه.

فلهذا صح أن يجعل التحديث بالنعمة كناية عن البذل وإطعام الفقراء وإعانة المحتاجين.

فهذا قوله ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ  ﴾ أي إنك لما عرفت بنفسك ما يكون فيه الفقير فأوسع في البذل على الفقراء.

وليس القصد هو مجرد ذكر الثروة، فإن هذا من الفخفخة التي يتنزه عنها النبي  .

ولم يعرف عنه في امتثال هذا الأمر أنه كان يذكر ما عنده من نقود وعروض، ولكن الذي عرف أنه كان ينفق ما عنده ويبيت طاويًا.

وقد يقال إن المراد من النعمة النبوة.

ولكن سياق الآيات يدل على أن هذه الآية مقابلة لقوله ﴿ وَوَجَدَكَ عَائِلًا  ﴾ ، فتكون النعمة بمعنى الغنى، ولو كانت بمعنى النبوة لكانت مقابلة لقوله ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًا  ﴾ ، وقد علمت الحق في مقابله.

والله أعلم.

توضيح وكشف إبهام كنت أمس ضائق الصدر لمرض صديق أفقد بفقده معينًا على العلم، يذكرني إذا نسيت، ويلومني لوم المحب إن أخطأت وأصررت.

جاءني، وأنا على تلك الحال، صادق في مودتي، وذكر ما يقول قائل في كلام جاء في تفسير الضحى مما وضعته على جزء "عم"، وهو: "السائل هو المستفهم عما لا يعلم، وليس هو طالب الصدقة، فإن هذا اللفظ لم يرد في كتاب الله عنوانًا للفقير والمسكين، بل جرت سنة الكتاب المبين على ذكرهما بوصفهما".

يقول القائل: كيف هذا، وقد جاء (السائل) عنوانًا للفقير أو المسكين في سورتي الذاريات والمعارج..

في الأولى ﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ  ﴾ ، وفي الثانية: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ  لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ  ﴾ .

ذكر الصادق ذلك من قول القائل فكأني ذكرت به ما كنت ناسيًا، وبادرت إلى نسخة الكتاب فأصلحت الخطأ وعولت على أن أعلن ذلك في الجرائد حتى لا يضل ضال، ولا يتطاول جاهل، وماذا علي في ذلك ولست أعلى كعبًا في استحضار الكتاب من الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، حين همّ بعقاب من يقول: إن نبينا محمدًا،  قد مات.

حتى ذَكَّره الصديق،  بقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ  ﴾ ، فقال: كأني لم أسمعها من قبل -أو كما قال- وحين شدد في أمر المغالات في المهور وهو على المنبر فقالت له امرأة: كيف ذلك والله يقول: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا  ﴾ ، فتنبه  للصواب وقال: رجل أخطأ وامرأة أصابت.

ومن أنا من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  في العلم بكتاب الله والإحاطة بما فيه.

لكني رجعت إليَّ بعد ذلك نفسي فراجعت الأصول التي كانت بين يدي يوم كتبت ما كتبت، فذكرت أنني قصدت من العنوان ما يدل على المعنى بنفسه بدون قرينة تبينه منه، وكنت حققت معنى السائل، خصوصًا في آية الذاريات، وهو المستجدي الذي يطلب من مال غيره، ولا يلزم أن يكون فقيرًا أو مسكينًا، وغاية أمره أن يظن فيه الفقر إذ أحسن الظن فيه ولم يعلم أنه طلب لحاجة عارضة، ولم يفهم منه معنى الفقر في الآيتين إلا بقرينة المال واقترانه بالمحروم، وقد أفادت القرينة مع ذلك أنه يملك شيئًا، ولولا هذا ما عطف عليه المحروم الذي لا شيء عنده.

وكذلك قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ  ﴾ ، فإن قرينة إعطاء المال هي التي دلتنا على أن السائلين هنا هم طلابه، والعطف على المساكين دليل على أن السائل لا يلزم أن يكون مسكينًا.

وقد نفى النبي  ، عنه المسكنة فيما روي من قوله: "ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان واللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان."..

قالوا: فما هو؟

قال: "الذي لا يجد ولا يتصدق عليه".

وقد رووا عنه أنه قال: "للسائل حق وإن جاء على فرس"، وقالوا: إن السائل هو الطالب، وقد يسمى في عرف الناس الفقير بالسائل، ولكنه في الكتاب العزيز ليس عنوانًا للفقير والمسكين يفهمان منه بالنص كما تفهم المعاني الحقيقية من دوالها الوضعية أو الغالبة فيها، فإذا أطلق السؤال مفردًا عن القرائن المعينة لمعناه المراد منه لم يفهم منه الفقير على ما جرت سنة الكتاب العزيز في التعبير، فإن سنته جارية باستعمال السؤال في معنى الطلب لا في معنى الفقر الذي هو من اللوازم البعيدة لضرب منه، وهو طلب المال، كما هي جارية بأنه إذا أراد الحث على معاونة الفقراء والمساكين جاء في التعبير عنهم بما يحقق أوصافهم ويعين المراد منهم، ولهذا يبعد أن يراد من كلمة السائل في هذه السورة الفقير، لأنها ليست عنوانًا له، كما ذكرنا، ولا يفهم هذا المعنى منها إلا بقرينة، كما سبق.

وأبعد من هذا أن يراد منها طالب المال مطلقًا، فإن السياق يأباه أشد الإباء، لأن لفظ السائل لا بد أن يكون في الآية دالًا على معنى يقابل شيئًا مما ذكر في الآيات التي قبل ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ  ﴾ إلخ..

لأن هذا التفصيل مفرع على ما قبله، فلو أريد منه طالب الصدقة لم يتوهم أن يكون مقابلًا إلا لمعنى "العائل" وهو الفقير، والسائل ليس عنوانًا له، وقد بينا أن الذي يقابل "العائل" فيها هو التحديث بالنعمة.

وإذا لم يصح مقابلًا لشيء مما سبق إلا بحمله على المستفهم طالب البيان الذي هو عنوان له يتبادر منه إلى الذهن عند الإطلاق تعين حمله عليه، ويكون ذلك مقابلًا لمعنى ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى  ﴾ ، ويؤيد هذا المعنى ما ورد في أحوال الذين كانوا يسألونه  بيان ما يشتبه عليهم، فمنهم أهل الكتاب الممارون، ومنهم الأعراب الجفاة، ومنهم من كان يسأل عمالا يُسْأل عنه الأنبياء، فلا غرو أن يأمره الله تعالى بالرفق بهم، وينهاه عن نهرهم، كما عاتبه على التولي عن الأعمى السائل في سورة عبس.

وعبارة التفسير فيها إجمال جر إلى تأليف حاشية كهذه، فأستغفر الله مما صنعت فيها، وأرجو أن لا أعود إلى مثلها.

في ٢٢ شوال سنة ١٣٢٢.

محمد عبده

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد