الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة الشرح
تفسيرُ سورةِ الشرح كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءة﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ - الشرح التوسعة والبسط، وعظم الصدر من الجسم كان عند العرب دليل القوة وعظم المنة، وكثيرًا ما يفتخر مفتخرهم بعظم صدره، ولهم الحق، لأنه يعطي الأحشاء فسحة للنمو مع الراحة.
والقوي قاهر لما ينتابه، فهو في مسرة وحضور رأي دائمًا، لا يضيق ذرعه بأمر.
ولذلك كنوا بشرح الصدر عن المسرة وانبساط النفس إلى الفعل والقول.
وقد شرح الله صدر نبيه بإخراجه من تلك الحيرة التي كان يضيق لها صدره بما كان يلاقيه في سبيله من جمود قومه وعنادهم، فكان يلتمس الطريق لهدايتهم، فعلمه الله كيف يسلك إلى نفوسهم، وهداه بالوحي إلى الدين الذي ينقذهم به من الهلكة التي كانوا أشرفوا عليها.
وقد كان ما يهمه من أمرهم حملًا ثقيلًا عليه، فوضعه الله عنه، وأراحه من ثقله بقيادة الله له في سبيل نجاتهم، وتعهده بالوحي كلما التبس عليه أمر أو ضاق عليه مذهب.
فبهذه الهداية التي تكفل له بها قد وضع عنه ذلك العبء الثقيل كما قال ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ والوزر هو الحمل.
وإنقاض الظهر أن يحدث فيه صوت الانتقاض والانفكاك.
ونقض الظهر الصوت الذي يحدث فيه لثقل الحمل وهو معروف.
والكلام على التمثيل، فإن ما كان يحمله من ثقل الاهتمام بشأن قومه، وضيق المذاهب بين يديه قبل تواتر الوحي عليه بالإرشاد، لم يكن ثقلًا حسيًا ينقض منه الظهر، ولكنه كان همًا نفسيًا بالحمل الذي تقصم له الظهور.
هداه الله إلى إنقاذ أمة -بل أمم كثيرة- من رق الأوهام وفساد الأحلام، ورجع بهم إلى الفطرة السليمة: حرية العقل والإرادة والإصابة في معرفة الحق ومعرفة من يقصد بالعبادة، فاتحدت كلمتهم في الاعتقاد بالإله الواحد، فاستخلصوا حياة كانت في مخالب الموت كما قال: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾ ، فمن كان هذا عمله فأي ذكر أرفع من ذكره؟
وأي شأن أعلى من شأنه؟
هذا إلى ما فرض الله من الإقرار والاعتراف برسالته بعد بلوغ دعوته وجعلها شرطًا في دخول جنته.
فهذا هو قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ .
والإتيان بالجار والمجرور: "لك وعنك" وتقديمه على المفعول في الآيات الثلاث لزيادة التقرير والإسراع بالتبشير.
هذا الذي منحناه من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر-بعد ضيق الأمر واستحكام حلقات الكرب في أول السير- كان على ما جرت به سنتنا في هذا النوع من خليقتنا، وهو إن مع العسر يسرًا.
ولهذا وصل العبارة بالفاء التي لبيان السبب في قوله: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرا ﴾ .
"ألـ" في العسر للاستغراق، ولكنه استغراق المعهود عند المخاطبين من أفراده أو أنواعه.
فهو العسر الذي يعرض من الفقر والضعف وجهل الصديق وقوة العدو، وقلة الوسائل إلى المطلوب ونحو ذلك مما هو معهود ومعروف.
فهذه الأنواع من العسر مهما اشتدت، وكانت النفس حريصة على الخروج منها طالبة لكشف شدتها، واستعملت من وسائل الفكر والنظر والعمل ما من شأنه أن يعد لذلك في معروف العقل، واعتصمت بعد ذلك بالتوكل على الله حتى لا تضعفها الخيبة لأول مرة، ولا يفسخ عزيمتها ما تلاقيه عند الصدمة الأولى- فلا ريب في أن النفس تخرج منها ظافرة.
وقد كان هذا حال النبي ، فإن ضيق الأمر عليه كان يحمله على الفكر والنظر حتى آتاه الله ما هو أكبر من ذلك، وهو الوحي والنبوة.
ثم لم تكسر مقاومات قومية شيئًا من عزمه، بل ما زال يلتمس الغنى في الفقر، والقوة في الضعف، حتى أوتي من ذلك ما زعزع أركان الأكاسرة والقياصرة، وترك منه لأمته ما تمتعت به أعصارًا طوالًا.
وما كان أحقها بأن تتمتع بهذا الميراث الكريم لو بقيت أمة له حقيقة كما هي أمة له اسمًا!
ولكنها قطعت النسب بينها وبين مورثها فسلبها الله ما ترك لها من ميراث وأعطاه أعداءها: شأن الله مع من لا يشعر بشرف بيته ومكانه من حسبه، وإنما بقيت لها ألقاب وأسماء كما يبقى للسفهاء من آبائهم الأغنياء!.
وكان في هذه الآية عبرة لهذه الأمة وكان عليها أن تعرف أن مع العسر يسرًا، وأن وعد الله في ذلك حق، وأن تقتدي بنبيها في طلب الوسائل للخلاص مما هي فيه وعندها كتاب الله وحده هداية للمهتدي وقدوة للمقتدي.
ولما كانت القضية موضعًا للريب -خصوصًا عند من أخذ الضيق بخناقه- أكدت "بإن".
ولما كان الشك يزداد -بل قد ينتهي إلى الإنكار في بعض أنواع العسر- استأنف القضية نفسها، وأعادها بلفظها فقال: ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ ولكن على أن يكون معناها أعم من معنى سابقتها.
قد تقع أمم أو أشخاص في ضرب من ضروب العسر من نوع ما سبق، ثم يجدون الضعف من هممهم عن الخلاص مما أطبق عليهم منه، فيدوم لهم العسر، وقد يموتون وتنشأ فيه أعقابهم فأين اليسر الذي يصحب العسر عند هؤلاء؟
ومن ضروب العسر ما يختلف نوعه عن المعهود، كالمرض الطويل المفضي إلى الموت، وكالزمانة التي تصحب الزَّمن من أول حياته إلى مماته، فأي يسر جاء مع عسرها؟
فجاءت هذه الآية المستأنفة لرفع هذا الاشتباه في عموم السنة الإلهية.
وذلك أن أولئك الذين استعملوا ما وهبهم الله من القوى للخلاص مما ينزل بهم -إذا كان مما يمكن كشفه- لا ريب في كشف العسر عنهم بنوع من أنواع اليسر، كما وقع للنبي وأصحابه.
أما الآخرون الذين لا بصيرة عندهم في تصريف تلك المواهب الإلهية، بل يطلبون أن ينتهوا إلى الغايات بغير بدايات، وأن يصلوا إلى المقصد بغير وسيلة، فلا يستعملون عقولهم ولا عزائمهم في دفع ما يحل بهم، وليس لهم ثقة بربهم فيعلموا معتمدين عليه- هؤلاء يحسون بالألم حينًا، ثم تخنس نفوسهم وتقبع في جحر من الاستكانة، وتستقر فيها طمأنينة الرضى بما غمرها من الضر فتسلب الإحساس به.
ثم إذا طال بها الزمن فيه تحول الألم إلى لذة بالمعتاد.
ولا عجب من تحول الألم إلى لذة، فإنك تراه في شارب الدخان مثلًا يألم لأول مرة، بل قد يأخذه الدوار وأشد آلام الصداع، ثم لا يلبث أن يكون عادة مرغوبة يألم أشد الألم لتركها.
ومن هذا تجد الأمم التي تعودت على عسر الاستبداد والظلم قد ألفت ذلك حتى صار يصعب عليها أن تحتمل غيره، ولا تزال تحن إليه.
وكلما طلب إبعادها عنه اندفعت بالإقبال عليه.
فهذا نوع من اليسر وإن كان أشأم من العسر، ولكن أليست النفس راضية به مطمئنة إليه؟
أما المرض الطويل الممتد إلى الموت، والزمانة مما لا يمكن كشفه، فلك أن تقول أنه لا يدخل في أنواع العسر التي شملها استغراق العهد.
فإن الاستغراق للعسر والضيق المعهودين وهما ما يمر بالخاطر إذا وقع الحديث على العسر أو الضيق، وذلك هو الأنواع التي ذكرناها في تفسير الآية السابقة ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ .
وبالجملة فالعسر الداخل في الاستغراق، هو كل ما تجد النفس ألم الوقوع فيه، وتنزع إلى طلب الخلاص منه بالوسائل التي سنها الله لذلك الخلاص.
ولا ريب في أن كل عسر من هذا القبيل فمعه يسر يسوقه الله إلى العامل الآمل العاقل جزاء عمله لتحقيق أمله واستعماله لموهبة عقله.
أما مثل الزمانة والمرض الطويل فيدخلان في نحو قوله: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ .
وكذلك يقال في عارض يعرض للأمة إذا حم هلاكها كزلزال ونحوه، والله أعلم.
وتنكير اليسر لأن الذي يأتي بعد العسر أي نوع من أنواعه لا يختص بيسر معين.
والتعبير بالمعية لتوثيق الأمل لا بد منه كأنه معه.
إذا علمت أن مع العسر يسرًا، فاعلم أن مع التعب في العمل النافع راحة (فإذا فرغت) من عمل من أعمالك النافعة لك ولأمتك (فانصب): أي خذ في عمل آخر واتعب فيه، فإنك تجد لذة الراحة عقب النصب بما تجنيه من ثمرة العمل.
(وإلى ربك فارغب): أي لا ترغب إلى أحد في استثمار أعمالك إلا إلى الله وحده.
والسورة مكية عند الجمهور، بل زعم بعضهم أنها تتمة لسورة الضحى.
وعلى هذا تكون المنة بشرح الصدر مبنية على عود الوحي، والتبشير بما جاء في سورة الضحى.
وقال البقاعي إنها مدنية بناء على ما يفهم من التقرير بشرح الصدر وما بعده.
وهذا إنما كان بعد ظهور القوة، وبعد أن فتح الله على المسلمين ما فتح عليهم، وأكمل لهم النعمة بغلبة حقهم على باطل عدوهم، والله أعلم.