تفسير محمد عبده سورة التين

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة التين

تفسيرُ سورةِ التين كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

تفسير سورة التين كاملةً (محمد عبده)

وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ ١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلْأَمِينِ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍۢ ٤ ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ ٥ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍۢ ٦ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ ٧ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَـٰكِمِينَ ٨

(هذا البلد الأمين) هو مكة المشرفة، ولقبه بالأمين لأن الله حرم فيه القتل والإعدام، حتى للأشجار والنبات ما عدا بعض أنواع منه استثنيت لحاجة الناس إليها، فهو بلد مأمون الغائلة لا يخافه من يحله.

والقسم به للتنويه بقدره خصوصًا وهو مبعث نور الإسلام.

(وطور سينين) هو الجبل الذي كلم الله موسى  عليه.

ويقال له طور سيناء بفتح السين وكسرها، وقرئ سينين بفتح السين، وهي لغة بكر وتميم.

ويقال إن سينين والياسين والغسلين وأمثال هذا الوزن من لغة أهل اليمن وعرب الجنوب.

وسينين قيل اسم البقعة التي بجوار الجبل، وقال الأخفش سينين جمع بمعنى شجر واحدته سينة، وقيل غير ذلك.

والقسم به لرفع ذكره والتذكير بما كان بعد ذلك الجبل من الآيات الباهرات التي ظهرت لموسى ولقومه، وما كان بعد ذلك من سن الشريعة الموسوية وإنزال التوراة.

(والتين) قيل جبل في دمشق، ويسمى طور تينا، لأنه منبت التين.

وقيل إن التين هو مسجد دمشق.

وقيل هو مسجد نوح  الذي بناه علي الجودي.

وقيل هو موضع الكوفة لأنه كان منزلًا لنوح  .

وقيل جبل ما بين حلوان وهمذان، والقسم به للتذكير بأمر نوح وما أهلك الله به أهل الفجور والفساد وأنجى الله المؤمنين الصالحين.

وأما على أنه جبل في دمشق أو مسجدها فلا نفهم للإقسام به حكمة، بل يكون مما لا يعلمه إلا الله.

(والزيتون) قيل هو طور زيتا، وهو جبل ببيت المقدس.

وقيل هو بيت المقدس نفسه، وسماه بالزيتون لكثرة شجر الزيتون فيما حوله.

وبالجملة فعلى هذه الأقوال يكون التين والزيتون كنايتين عن مواضع، وليس المقصود هو الإقسام بالأشجار نفسها، وإنما كني بها عن مغارسها.

وقال قليل من المفسرين إن الإقسام هو بالنوعين لذاتهما التين والزيتون.

قالوا: لكثرة فوائدها.

ولكن تبقى المناسبة بينهما وبين طور سينين والبلد الأمين وحكمة جمعهما معهما في نسق واحد غير مفهومة.

ولهذا رجح أنهما موضعان، وقد يرجح أنهما النوعان من الشجر.

ولكن لا لفوائدهما كما ذكروا، بل لما يذكران به من الحوادث العظيمة التي لها الآثار الباقية في أحوال البشر.

قال صاحب هذا القول: إن الله تعالى أراد أن يذكرنا بأربعة فصول من كتاب الإنسان الطويل، من أول نشأته إلى يوم بعثة النبي  .

فالتين إشارة إلى عهد الإنسان الأول، فإنه كان يستظل في تلك الجنة التي كان فيها بورق التين.

وعندما بدت له ولزوجته سوآتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق التين.

والزيتون إشارة إلى عهد نوح  وذريته، وذلك لأنه بعد أن فسد البشر، وأهلك الله من أهلك منه بالطوفان، ونجى نوحًا في سفينته، واستقرت السفينة، نظر نوح إلى ما حوله فرأى المياه لا تزال تغطي وجه الأرض، فأرسل بعض الطيور لعله يأتي بخبر انكشاف الماء عن بعض الأرض فغاب ولم يأت بخبر، فأرسل طيرًا آخر فرجع إليه يحمل ورقة من شجر الزيتون، فاستبشر وسر وعرف أن غضب الله قد سكن، وقد أذن للأرض أن تعمر.

ثم كان منه ومن أولاده تجديد القبائل البشرية العظيمة في الأرض التي محى عمرانها بالطوفان..

فعبر عن ذلك الزمن بزمن الزيتون.

والإقسام هنا بالزيتون للتذكير بتلك الحادثة، وهي أكبر ما يذكر به من الحوادث.

وطور سينين إشارة إلى عهد الشريعة الموسوية وظهور نور التوحيد في العالم بعدما تدنست جوانب الأرض بالوثنية.

وقد استمر الأنبياء بعد موسى يدعون قومهم إلى التمسك بتلك الشريعة إلى أن كان آخرهم عيسى  جاء مخلصًا لروحها مما عرض عليه من البدع.

ثم طال الأمد على قومه فأصابهم ما أصاب من قبلهم من الاختلاف في الدين وحجب نوره بالبدع، وإخفاء معناه بالتأويل، وإحداث ما ليس منه بسبيل.

فمنّ الله على البشر ببداية تاريخ ينسخ جميع تلك التواريخ، ويفصل بين ما سبق من أطوار الإنسانية وبين ما يلحق، وهو عهد ظهور النور المحمدي من مكة المكرمة، وإليه أشار بذكر البلد الأمين.

وعلى هذا القول الذي فصلنا بيانه يتناسب القسم والمقسم عليه كما سترى.

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ  ﴾ : التقويم: التعديل، وكثيرًا ما يطلق المصدر ويراد منه أثره، أي في أحسن اعتدال وأفضل قوام.

فيقسم جل شأنه أنه قوم الإنسان أفضل تقويم، وركبه أحسن تركيب، وأكد ذلك لأن الناس بغفلتهم عما كرمهم الله به من العقل، كأنهم ظنوا أنفسهم كسائر أنواع العجماوات: يفعلون كما تفعل، لا يمنعهم حياء ولا تردهم حشمة، خصوصًا وقد قال بعضهم: إن الإنسان خلق ميالًا إلى الشر.

فيقول سبحانه -تبيينًا لفساد هذه المزاعم- إنه فطر الإنسان أحسن فطرة نفسًا وبدنًا، وكرمه بالعقل الذي ساد به على العوالم الأرضية، واطلع به على ما شاء الله من العوالم السماوية.

وقد كان الإنسان في سذاجته بعيدًا عن الأثرة، حي القلب بالتراحم -كما تراه في حال الأطفال- فعاش سعيدًا، وعاش أفراده في نعيم الطمأنينة..

كان ذلك زمنًا ما -وهو العهد الأول- وما أشبهه بثمرة تؤكل كلها، ولا يرمى منها شيء.

والإنسان كان صلاحًا كله، ولم يشذ عن الجماعة منه فرد.

تلك كانت أيام القناعة بما تيسر من العيش، وشدة الإحساس بحاجة كل فرد إلى الآخر في تحصيله وفي دفع العوادي عن النفس.

تنبهت الشهوات بعد ذلك، وتخالفت الرغبات، فنبت الحسد والحقد، وتبعه التقاطع والتقاتل، واستشرى الفساد بالأنفس حتى صارت الأمانة عند بعض الحيوان أفضل منها عند الإنسان، فانحطت بذلك نفسه عن مقامها الذي كان لها بمقتضى الفطرة.

وقد كان ذلك -ولا يزال- حال أكثر الناس.

فهذا قوله: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ  ﴾ : أي صيرناه أسفل من كثير من الحيوانات التي كانت أسفل منه، لأن الحيوان المفترس مثلًا إنما يصدر في عمله عن فطرته التي فطر عليها: لم ينزل عن مقامه، ولم ينحط عن منزلته في الوجود.

أما الإنسان فإنه بإهماله عقله، وجهله بما ينبغي أن يعمل لتوفير سعادته وسعادة إخوانه، ينقلب أرذل من سائر أنواع الحي.

ولكثر ما قلت: "إذا فسد الإنسان فلا تسل عما يصدر عنه من هذيان أو عدوان".

ثم إن الذين ارتدوا إلى أسفل سافلين، منهم من هلك في زمن نوح أو في أزمان أخر، ومنهم من سيهلك -وهم في تلك المنزلة من الخسة- فتدوم لهم كذلك في الحياة الأخرى.

وللسافلين فيها منازل العذاب والخزي والهون.

﴿ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ  ﴾ : استثنى الله المؤمنين الذين يؤمنون بموجد الكائنات، وبأن الله قد وضع شريعة للخير والشر، وميز بينهما، وأنه يجزي القائم على الشريعة بإتيان الخير وتجنب الشر بالسعادة، فلذلك يدلون على إيمانهم بالأعمال الصالحة -وهي معروفة عند عامة البشر- وجماعها العدل والإحسان..

فهؤلاء قد حفظوا منزلتهم من الإنسانية واستبقوا لأنفسهم ذلك الاعتدال الفطري فلهم أجر الكرامة في الدنيا، فإذا جاءهم الموت امتد بهم النعيم إلى الآخرة فأجرهم غير ممنون أي غير مقطوع.

هؤلاء المؤمنون هم الأنبياء وأتباع الأنبياء، ومن هداهم الله إلى دين الحق من كل أمة، وهم الذين أكرم الله بهم النوع البشري، واستبقى بهم منزلته السامية في عالمه، وما تراه في الأمم من آثار باقية فإنما من آثار هممهم.

فإذا كنت ترى ذلك أيها الإنسان ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ  ﴾ ؟

الدين ههنا هو خلوص السريرة للحق، وقيام النفس بصالح العمل.

وهو ما كان يدعوا إليه  وسائر إخوانه الأنبياء، وهو استفهام إنكاري أي لا يوجد سبب يحملك على التكذيب بالدين بعد أن عرفت أن الإنسان قد خلق كريمًا، وأن الذي يحفظ كرامته إنما هم المؤمنون الصالحون وهم أهل الدين الصحيح.

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ  ﴾ : أي هل تنكر أن الله أحكم من حكم ودبر؟

وهو استفهام إنكاري مآله أن الله أعلى المدبرين حكمة.

ولهذا وضع الدين لهذا النوع الإنساني ليحفظ له منزلته من الكرامة التي أعدها الله بأصل خلقته، ثم هو ينحدر عنها إلى المنازل السفلى بجهله وسوء تصريفه لهواه، لذلك أرسل الأنبياء عليهم السلام من نوح ومن بعده إلى محمد  ..

وبهذا يكون التفريغ بالفاء ظاهرًا.

وقد فسروا الدين بالجزاء يوم القيامة وبينوا معنى الفاء بأنه إذا كان الله خلق الإنسان، وابتدأ خلقه بلا مثال، أفلا يقدر على إعادته؟..

وأنت تراه بعيدًا من المعنى بعدًا سحيقًا.

وأسلوب السورة ظاهر في المعنى الذي بيناه- والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله