تفسير محمد عبده سورة القدر

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > تفسير سورة القدر

تفسيرُ سورةِ القدر كاملةً من تفسير محمد عبده (محمد عبده).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 10 دقيقة قراءة

تفسير سورة القدر كاملةً (محمد عبده)

إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ ١ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ ٢ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌۭ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍۢ ٣ تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍۢ ٤ سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ ٥

(إنا أنزلناه في ليلة القدر): قال تعالى في مفتتح سورة الدخان، وهي سورة قصد في مفتتحها إلى ذكر الزمن الذي نزل فيه القرآن كهذه السورة: ﴿ حم  وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ  إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ  فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ  أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  ﴾ إلخ.

وقال في سورة البقرة: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ  ﴾ .

هذه هي المواضع من ذكر تنزيل القرآن التي جيء فيها بالإشارة إلى زمن نزوله.

قال الشعبي: المراد من نحو أنزلناه وأنزل فيه القرآن الابتداء بإنزاله، خصوصًا والقرآن كله، والجملة منه وإن قصرت، كل ذلك يسمى قرآنًا ويسمى كتابًا.

فالضمير في أنزلناه في هذه السورة عائد إلى القرآن كالضمير في أنزلناه العائد إلى الكتاب المبين في آية الدخان المتقدمة.

والمراد بإنزاله الابتداء بإنزال شيء منه.

وهو المعنى من قوله: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ  ﴾ أي ابتدئ فيه إنزاله، أي أن أول ما نزل منه نزل في شهر رمضان.

وقد جاء في آية الدخان وفي هذه السورة -"سورة القدر"- أن الله نزل القرآن ليلًا لا نهارًا، وأنه سمى ههنا الليلة التي نزل فيها ليلة القدر، ووصفها في آية الدخان بالمباركة.

وقد بيّن سبب الإنزال في آية الدخان بقوله ﴿ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ  ﴾ .

أي إننا إذا خلقنا الإنسان نوعًا ممتازًا بطبيعته، يفارق سائر الحيوان بفطرته، محتاجًا إلى التعليم والإرشاد بغريزته، قد كتبنا على أنفسنا أن نتعهده بالإنذار على ألسنة الرسل، فأنزلنا القرآن لإنذار الناس بما سيلاقون جزاء لأعمالهم، ولما تعقد عليهم قلوبهم -ثوابًا أو عقابًا- في حياة أخرى بعد هذه الحياة.

ثم بيّن بركة الليلة بقوله: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ  ﴾ ، أي يفصل فيها كل حكم من أحكام الدين، ولا يقرر فيها من الأحكام إلا ما كان حكيمًا يقف بك عند الحق، ويبعد بك عن الباطل، وينصرف بك عما فيه شقاؤك وفناؤك إلى ما فيه سعادتك وبقاؤك.

ثم حقق له الصفة بقوله: ﴿ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  ﴾ .

إذا كان الأمر من عند الحكيم العليم الذي من شأنه إرسال الرسل رحمة بعباده -وقد سمع توسل نبيه إليه في هدايتهم- فلا ريب تكون الحكمة أوله وآخره باطنه وظاهره.

ولا شك أن ابتداء نزول القرآن كان فرقًا بين الحق والباطل، وكل ما جاء منه كان كذلك.

ثم توالى النزول بعد الليلة الأولى بما هو من نوع ما نزل فيها، كما قال: ﴿ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ  ﴾ .

فصح أن ينسب إليها أنه يفرق فيها كل أمر حكيم، لأن كل ما جاء فيها كان أمرًا حكيمًا فرق به بين الحق والباطل، وبداية لما يكون بعده من مثله، كما صدق قوله: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ  ﴾ مع أنه لا يكون بينة وفارقًا بين الحق والباطل إلا ما ظهر للناس منه، وهو ما نزل وبلغ إليهم بالفعل، أو كان بسبيل أن يبلغ.

فليس الأمر الحكيم الذي يفرق في الليلة المباركة إلا أمر الدين والأحكام الذي سماه في "البقرة" (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان).

وهذه الليلة المباركة هي بعينها ليلة القدر، فهي ليلة من شهر رمضان بلا شك، كما صرح به نص آية "البقرة" مع ما ينضم إليه من هذه الآيات.

وكل تأويل يخرج عن ذلك فهو بعيد عن معنى النص، بل لا يقبله إلا من يقول: إن الألفاظ العربية لا تدل على معانيها..

ثم الأخبار الصحيحة متضافرة على أنها في شهر رمضان ولا نعينها من بين لياليه، فقد اختلفت فيها الروايات اختلافًا عظيمًا، وكتاب الله لم يعينها، وما ورد في الأحاديث من ذكرها إنما قصد به حث المؤمنين على إحيائها بالعبادة شكرًا لله تعالى على ما هداهم بهذا الدين الذي ابتدأ الله إفاضته فيهم في أثنائها، ولهم أن يعبدوا الله فيها أفرادًا وجماعات فمن رجح عنده خبر في ليلة أحياها، ومن أراد أن يوافقها على التحقيق فعليه أن يشكر الله بالفراغ إليه بالعبادة في الشهر كله.

وهذا هو السر في عدم تعيينها، وتشير إليه آية البقرة، فإنها تجعل الشهر كله ظرفًا لنزول القرآن ليذكر المؤمنين نعمة الله عليهم فيه.

فهي ليلة عبادة وخشوع وتذكر لنعمة الحق والدين فلا تكون ليلة زهو ولهو تتخذ فيها مساجد الله مضامير للرياء يتسابق إليها المنافقون، ويحدث أنفسهم بالبعد عنها المخلصون، كما جرى عليه عمل المسلمين في هذه الأيام.

فإن كل ما حفظوه من ليلة القدر هو أن تكون لهم فيها ساعة سمر يتحدثون فيها بما لا ينظر الله إليه، ويسمعون شيئًا من كتاب الله لا ينظرون فيه ولا يعتبرون بمعانيه، بل إن أصغوا إليه فإنما يصغون لنغمة تاليه، ثم يسمعون من الأقوال ما لم يصح خبره ولم يحمد في الآخرين ولا الأولين أثره، ولهم خيالات في ليلة القدر لا تليق بعقول الأطفال فضلًا عن الراشدين من الرجال.

ثم سميت ليلة القدر: إما بمعنى ليلة التقدير لأن الله ابتدأ فيها تقدير دينه وتحديد الخطة لنبيه في دعوة الناس إلى ما ينقذهم مما كانوا فيه، وإما بمعنى العظمة والشرف من قولهم: فلان له قدر، أي له شرف وعظمة، لأن الله قد أعلى فيها منزلة نبيه وشرفه وعظمه بالرسالة.

وقد جاء بما فيه الإشارة، بل التصريح، بأنها ليلة جليلة بجلالة ما وقع فيها من إنزال القرآن، فقال: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ  ﴾ : أي وما الذي يعلمك مبلغ شأنها ونباهة أمرها؟

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ  ﴾ فكرر ذكرها ثلاث مرات.

ثم أتى بالاستفهام الدال على أن شرفها ليس مما تسهل إحاطة العلم به.

ثم قال إنها خير من ألف شهر، لأنه قد مضى على الأمم آلاف من الشهور وهم يتخبطون في ظلمات الضلال.

فليلة يسطع فيها نور الهدى خير من ألف شهر من شهورهم الأولى.

ولك أن تقف في التفضيل عند النص، وتفوض الأمر في تحديد ما فضلت عليه الليلة بألف شهر إلى الله تعالى، فهو الذي يعلم سبب ذلك، ولم يبينه لنا.

ولك أن تجري الكلام على عادتهم في التخاطب، وذلك في الكتاب كثير، ومنه الاستفهام الواقع في هذه السورة ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ  ﴾ فإنه جار على عادتهم في الخطاب.

وإلا فالعليم الخبير لا يقع منه أن يستفهم عن شيء فيكون التحديد بالألف لا مفهوم له، بل الغرض منه التكثير، وأن أقل عدد تفضله هو ألف شهر.

ثم إن درجات فضلها على هذا العدد غير محصورة، فإذا قلت إخفاء الصدقة خير من إظهارها لم تعين درجة الأفضلية، وهي درجات فوق درجات.

وقد جاء في الكتاب في واقعة واحدة -هي واقعة بدر- أن الله أمد المؤمنين بألف من الملائكة أو بثلاثة آلاف أو بخمسة آلاف كما تراه في الأنفال وآل عمران.

فالعدد هناك لا مفهوم له كما هو ظاهر، فهي ليلة خير من الدهر إن شاء الله.

ثم استأنف لبيان بعض مزاياها فقال: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا  ﴾ .

ويخبر جل شأنه أن أول عهد النبي  بشهود الملائكة، كان في تلك الليلة: تنزلت من عالمها الروحاني الذي لا يحده حد ولا يحيط به مقدار، حتى تمثلت لبصره  .

والروح هو الذي يتمثل له مبلغًا للوحي، وهو الذي سمي في القرآن بجبريل.

وإنما تظهر الملائكة والروح (بإذن ربهم) أي إنما تتجلى الملائكة على تلك النفس الكاملة بعد أن هيأها الله لقبول تجليها، وليست تتجلى الملائكة لجميع النفوس كما هو معلوم..

فذلك فضل الله يختص به من يشاء، واختصاصه هو إذنه ومشيئته.

ثم إن هذا الإذن مبدؤه الأوامر والأحكام لأن الله يجلي الملائكة على النفوس لإيحاء ما يريده منها، ولهذا قال: ﴿ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ  ﴾ أي أن الله يظهر الملائكة والروح لرسله عند كل أمر يريد إبلاغه إلى عباده فيكون الإذن مبتدئًا من الأمر على هذا المعنى.

والأمر ههنا هو الأمر في قوله: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ  أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  ﴾ فالكلام في الرسالة والأوامر والأحكام لا في شيء آخر سواها، ولهذا قال بعضهم: إن "من" ههنا بمعنى الباء، أي بكل أمر، ولا حاجة إليه لما قلنا.

وإنما عبر بالمضارع في قوله ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ  ﴾ وقوله: ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ  ﴾ مع أن المعنى ماض -لأن الحديث عن مبدأ نزول القرآن- لوجهين: الأول: لاستحضار الماضي لعظمته على نحو ما في قوله: ﴿ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ  ﴾ فإن المضارع بعد الماضي يزيد الأمر تصويرًا.

قال تأبط شرًا: ألا من مبلغ فتيان فهم بما لاقيت عند رحى بطان وأني قد لقيت الغول تهوي بسهب كالصحيفة صحصحان فقلت لها: كلانا نضوأين أخو سفر فخلي لي مكاني فشدت شدة نحوي فأهوى لها كفي بمصقول يماني فأضربها بلا دهش فخرت صريعًا لليدين وللجران والشاهد في قوله: فأهوى وقوله فأضربها في حكاية الماضي.

والثاني: لأن مبدأ النزول كان فيها، ولكن بقية الكتاب، وما فيه من تفصيل الأوامر والأحكام، كان فيما بعد.

فكأنه يشير إلى أن ما ابتدأ فيها يستمر في مستقبل الزمان حتى يكمل الدين.

(سلام هي حتى مطلع الفجر): أي أنها كانت ليلة سالمة من كل شر وأذى.

والإخبار عنها بالسلام نفسه -وهو الأمن والسلامة- للمبالغة في أنه لم يشبها كدر، بل فرج الله فيها عن نبيه كل كربة، وفتح فيها سبل الهداية والإرشاد فأناله بذلك ما كان يتطلع إليه الأيام والشهور الطوال.

أما ما يقول الكثير من الناس من أن الليلة المباركة التي يفرق فيها كل أمر حكيم هي ليلة النصف من شعبان، وأن الأمور التي تفرق فيها هي الأرزاق والأعمار.

وكذلك ما يقولونه من مثل ذلك في ليلة القدر -فهو من الجرأة على الكلام في الغيب بغير حجة قاطعة.

وليس من الجائز لنا أن نعتقد بشيء من ذلك ما لم يرد به خبر متواتر عن المعصوم  .

ومثل ذلك لم يرد لاضطراب الروايات، وضعف أغلبها وكذب الكثير منها، ومثلها لا يصح الأخذ به في باب العقائد.

ومثل ذلك يقال في بيت العزة ونزول القرآن فيه جملة واحدة في تلك الليلة، فإنه لا يجوز أن يدخل في عقائد الدين لعدم توافر خبره عن النبي  ، ولا يجوز لنا الأخذ بالظن في عقيدة مثل هذه وإلا كنا من الذين (إن يتبعون إلا الظن).

نعوذ بالله.

وقد وقع المسلمون في هذه المصيبة: مصيبة الخلط بين ما يصح الاعتقاد به من غيب الله ويعد من عقائد الدين، وبين ما يظن به للعمل على فضيلة من الفضائل.

فأحذر أن تقع فيها مثلهم.

والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله