الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ١٩ من سورة إبراهيم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 60 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة ، بأنه خلق السموات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس ، أفليس الذي قدر على خلق هذه السموات ، في ارتفاعها واتساعها وعظمتها وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات ، والحركات المختلفات ، والآيات الباهرات ، وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد ، وبراري وصحاري وقفار ، وبحار وأشجار ، ونبات وحيوان ، على اختلاف أصنافها ومنافعها ، وأشكالها وألوانها; ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ) [ الأحقاف : 33 ] ، وقال تعالى : ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ) [ يس : 77 - 83 ] .
وقوله : ( إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد)
قال أبو جعفر : يقول عز ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تر ، يا محمد ، بعين قلبك ، (1) فتعلم أن الله أنشأ السماوات والأرض بالحق منفردًا بإنشائها بغير ظهير ولا مُعين ( إن يشأ يذهبكم ويَأت بخلق جديد ) ، يقول: إن الذي تفرد بخلق ذلك وإنشائه من غير معين ولا شريك ، إن هو شاء أن يُذْهبكم فيفنيكم ، أذهبكم وأفناكم ، (2) ويأتِ بخلق آخر سواكم مكانكم ، فيجدِّد خلقهم .
----------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير " الرؤية " فيما سلف 5 : 485 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(2) انظر تفسير " الإذهاب " فيما سلف 14 : 161 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى : ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق الرؤية هنا رؤية القلب ; لأن المعنى : ألم ينته علمك إليه .
وقرأ حمزة والكسائي خالق السماوات والأرض .
ومعنى " بالحق " ليستدل بها على قدرته .إن يشأ يذهبكم أيها الناس ; أي هو قادر على الإفناء كما قدر على إيجاد الأشياء ; فلا تعصوه فإنكم إن عصيتموه يذهبكم ويأت بخلق جديد أفضل وأطوع منكم ; إذ لو كانوا مثل الأولين فلا فائدة في الإبدال .
ينبه تعالى عباده بأنه { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقَّ } أي: ليعبده الخلق ويعرفوه، ويأمرهم وينهاهم وليستدلوا بهما وما فيهما على ما له من صفات الكمال، وليعلموا أن الذي خلق السماوات والأرض -على عظمهما وسعتهما- قادر على أن يعيدهم خلقا جديدا، ليجازيهم بإحسانهم وإساءتهم، وأن قدرته ومشيئته لا تقصر عن ذلك ولهذا قال: { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } يحتمل أن المعنى: إن يشأ يذهبكم ويأت بقوم غيركم يكونون أطوع لله منكم، ويحتمل أن المراد أنه: إن يشأ يفنيكم ثم يعيدهم بالبعث خلقا جديدا، ويدل على هذا الاحتمال ما ذكره بعده من أحوال القيامة.
( ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض ) قرأ حمزة ، والكسائي " خالق السماوات والأرض " وفي سورة النور " خالق كل دابة " مضافا .
وقرأ الآخرون " خلق " على الماضي " والأرض " وكل بالنصب .
و " بالحق " أي : لم يخلقهما باطلا وإنما خلقهما لأمر عظيم ( إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ) سواكم أطوع لله منكم .
«ألم تر» تنظر يا مخاطب استفهام تقرير «أن الله خلق السماوات والأرض بالحق» متعلق بخلق «إن يشأ يذهبكم» أيها الناس «ويأت بخلق جديد» بدلكم.
ألم تعلم أيها المخاطب -والمراد عموم الناس- أن الله أوجد السموات والأرض على الوجه الصحيح الدال على حكمته، وأنه لم يخلقهما عبثًا، بل للاستدلال بهما على وحدانيته، وكمال قدرته، فيعبدوه وحده، ولا يشركوا به شيئًا؟
إن يشأ يذهبكم ويأت بقوم غيركم يطيعون الله.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، بعض مظاهر قدرته التى لا يعجزها شئ فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السماوات والأرض بالحق إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ .
وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ ) .والخطاب فى قوله ( أَلَمْ تَرَ .
.
.
) لكل من يصلح له بدون تعيين .
والاستفهام للتقرير .والرؤية مستعملة فى العلم الناشئ عن النظر والتفكير والتأمل فى ملكوت السموات والأرض .قال الآلوسى ما ملخصه : قوله - تعالى - ( أَلَمْ تَرَ .
.
.
) هذا التعبير قد يذكر لمن تقدم عمله فيكون للتعجب ، وقد يذكر لمن لا يكون كذلك ، فيكون لتعريفه وتعجيبه ، وقد اشتهر فى ذلك حتى أجرى مجرى المثل فى هذا الباب ، بأن شبه من لم ير الشئ بحال من رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه ، وأنه ينبغى أن يتعجب منه ، ثم أجرى الكلام معه ، كما يجرى مع من رأى ، قصداً إلى المبالغة فى شهرته وعراقته فى التعجب ..
.والمعنى؛ ألم تعلم - أيها العاقل - أن الله - تعالى - ( خَلَقَ السماوات والأرض بالحق ) أى : خلقهما بالحكمة البالغة المنزهة عن العبث ، وبالوجه الصحيح الذى تقتضيه إرادته ، وهو - سبحانه - ( إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ) أى - يهلككم أيها الناس - ( وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد ) سواكم ، لأن القادر على خلق السموات والأرض وما فيهما من أجرام عظيمة ، يكون على خلق غيرهما أقدر ، كما قال - تعالى - ( لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس .
.
.
) .
اعلم أنه تعالى لما ذكر أنواع عذابهم في الآية المتقدمة بين في هذه الآية أن أعمالهم بأسرها تصير ضائعة باطلة لا ينتفعون بشيء منها وعند هذا يظهر كمال خسرانهم لأنهم لا يجدون في القيامة إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه في الدنيا وجدوه ضائعاً باطلاً، وذلك هو الخسران الشديد.
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في ارتفاع قوله: ﴿ مَثَلُ الذين ﴾ وجوه: الأول: قال سيبويه: التقدير: وفيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، أو مثل الذين كفروا فيما يتلى عليكم، وقوله: ﴿ كَرَمَادٍ ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم فقيل: أعمالهم كرماد.
الثاني: قال الفراء: التقدير مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد فحذف المضاف اعتماداً على ذكره بعد المضاف إليه وهو قوله: ﴿ أعمالهم ﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿ الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَيء خَلَقَهُ ﴾ أي خلق كل شيء، وكذا قوله: ﴿ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ المعنى ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة.
الثالث: أن يكون التقدير صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد، كقولك صفة زيد عرضه مصون، وماله مبذول.
الرابع: أن تكون أعمالهم بدلاً من قوله: ﴿ مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ ﴾ والتقدير: مثل أعمالهم وقوله: ﴿ كَرَمَادٍ ﴾ هو الخبر.
الخامس: أن يكون المثل صلة وتقديره: الذين كفروا أعمالهم.
المسألة الثانية: اعلم أن وجه المشابهة بين هذا المثل وبين هذه الأعمال، هو أن الريح العاصف تطير الرماد وتفرق أجزاءه بحيث لا يبقى لذلك الرماد أثر ولا خبر، فكذا هاهنا أن كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لم يبق من تلك الأعمال معهم خبر ولا أثر، ثم اختلفوا في المراد بهذه الأعمال على وجوه: الوجه الأول: أن المراد منها ما عملوه من أعمال البر كالصدقة وصلة الرحم وبر الوالدين وإطعام الجائع، وذلك لأنها تصير محبطة باطلة بسبب كفرهم، ولولا كفرهم لانتفعوا بها.
والوجه الثاني: أن المراد من تلك الأعمال عبادتهم للأصنام وما تكلفوه من كفرهم الذي ظنوه إيماناً وطريقاً إلى الخلاص، والوجه في خسرانهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها الدهر الطويل لكي ينتفعوا بها فصارت وبالاً عليهم.
والوجه الثالث: أن المراد من هذه الأعمال كلا القسمين، لأنهم إذا رأوا الأعمال التي كانت في أنفسها خيرات قد بطلت، والأعمال التي ظنوها خيرات وأفنوا فيها أعمارهم قد بطلت أيضاً وصارت من أعظم الموجبات لعذابهم فلا شك أنه تعظم حسرتهم وندامتهم فلذلك قال تعالى: ﴿ ذلك هُوَ الضلال البعيد ﴾ .
المسألة الثالثة: قرئ الرياح في يوم عاصف جعل العصف لليوم، وهو لما فيه وهو الريح أو الرياح كقولك: يوم ماطر وليلة ساكرة، وإنما السكور لريحها قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف، وإن شئت قلت: في يوم عاصف الريح فحذف ذكر الريح لكونه مذكوراً قبل ذلك، وقرئ في يوم عاصف بالإضافة.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيء ﴾ أي لا يقدرون مما كسبوا على شيء منتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة وذلك لأنه ضاع بالكلية وفسد، وهذه الآية دالة على كون العبد مكتسباً لأفعاله.
واعلم أنه تعالى لما تمم هذا المثال قال: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السموات والأرض بالحق ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجه النظم أنه تعالى لما بين أن أعمالهم تصير باطلة ضائعة، بين أن ذلك البطلان والإحباط إنما جاء بسبب صدر منهم وهو كفرهم بالله وإعراضهم عن العبودية فإن الله تعالى لا يبطل أعمال المخلصين ابتداء، وكيف يليق بحكمته أن يفعل ذلك وأنه تعالى ما خلق كل هذا العالم إلا لداعية الحكمة والصواب.
المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ على اسم الفاعل على أنه خبر أن والسموات والأرض على الإضافة كقوله: ﴿ فَاطِرَ السموات والأرض ﴾ .
﴿ فَالِقُ الإصباح ﴾ .
و ﴿ جَعَلَ اليل سَكَناً ﴾ والباقون خلق على فعل الماضي: ﴿ السموات والأرض ﴾ بالنصب لأنه مفعول.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ بالحق ﴾ نظير لقوله في سورة يونس: ﴿ وَمَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق ﴾ ولقوله في آل عمران: ﴿ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا ﴾ ولقوله في ص: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ﴾ أما أهل السنة فيقولون إلا بالحق وهو دلالتهما على وجود الصانع وعلمه وقدرته، وأما المعتزلة فيقولون: إلا بالحق، أي لم يخلق ذلك عبثاً بل لغرض صحيح.
ثم قال تعالى: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ والمعنى: أن من كان قادراً على خلق السموات والأرض بالحق، فبأن يقدر على إفناء قوم وإماتتهم وعلى إيجاد آخرين وإحيائهم كان أولى، لأن القادر على الأصعب الأعظم بأن يكون قادراً على الأسهل الأضعف أولى.
قال ابن عباس: هذا الخطاب مع كفار مكة، يريد أميتكم يا معشر الكفار، وأخلق قوماً خيراً منكم وأطوع منكم.
ثم قال: ﴿ وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ ﴾ أي ممتنع لما ذكرنا أن القادر على إفناء كل العالم وإيجاده بأن يكون قادراً على إفناء أشخاص مخصوصين وإيجاده أمثالهم أولى وأحرى، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وقرئ: ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ أي هو قادر على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقاً آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم، إعلاماً منه باقتداره على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم، يقدر على الشيء وجنس ضده ﴿ وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ ﴾ بمتعذر، بل هو هين عليه يسير، لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور، فإذا خلص له الداعي إلى شيء وانتفى الصارف، تكوّن من غير توقف: كتحريك أصبعك إذا دعاك إليه داع ولم يعترض دونه صارف، وهذه الآيات بيان لإبعادهم في الضلال وعظيم خطئهم في الكفر بالله، لوضوح آياته الشاهدة له الدالة على قدرته الباهرة وحكمته البالغة وأنه هو الحقيق بأن يعبد، ويخاف عقابه ويرجىثوابه في دار الجزاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ.
وقِيلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الكَفَرَةِ عَلى التَّلْوِينِ.
﴿ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ بِالحِكْمَةِ والوَجْهِ الَّذِي يَحِقُّ أنْ تُخْلَقَ عَلَيْهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « خالِقُ السَّمَواتِ» .
﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ يَعْدِمْكم ويَخْلُقْ خَلْقًا آخَرَ مَكانَكم، رَتَّبَ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِ خالِقًا لِلسَّمَواتِ والأرْضِ اسْتِدْلالًا بِهِ عَلَيْهِ، فَإنَّ مَن خَلَقَ أُصُولَهم وما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَخْلِيقُهم ثُمَّ كَوَّنَهم بِتَبْدِيلِ الصُّوَرِ وتَغْيِيرِ الطَّبائِعِ قَدَرَ أنْ يُبَدِّلَهم بِخَلْقٍ آخَرَ ولَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَما قالَ: ﴿ وَما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾ بِمُتَعَذَّرٍ أوْ مُتَعَسَّرٍ فَإنَّهُ قادِرٌ لِذاتِهِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، ومَن كانَ هَذا شَأْنُهُ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يُؤْمَنَ بِهِ ويُعْبَدَ رَجاءً لِثَوابِهِ وخَوْفًا مِن عِقابِهِ يَوْمَ الجَزاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{أَلَمْ تَرَ} ألم تعلم الخطاب لكل أحد {أَنَّ الله خَلَقَ السماوات والأرض} خالق مضافاً حمزة وعلي {بالحق} بالحكمة والأمر العظيم ولم يخلقها عبثاً {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جديد} اي هو قارد على أن يعدم الناس ويخلق مكانهم خلقاً آخر على شكلهم أو على خلاف شكلهم إعلاماً بأنه قادر على إعدام الموجود وإيجاد المعدوم
﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُرادُ بِهِ أُمَّتْهُ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ وقِيلَ: خِطابُ الكُلِّ واحِدٌ مِنَ الكَفَرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ والرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ القَلْبِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها أيْ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُما ﴿ بِالحَقِّ ﴾ أيْ مُلْتَبِسَةً بِالحِكْمَةِ والوَجْهِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُخْلَقَ عَلَيْهِ وقَرَأ السُّلَمِيُّ ( ألَمْ تَرْ ) بِسُكُونِ الرّاءِ ووَجْهُهُ أنَّهُ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ قالَ أبُو حَيّانَ: وتَوْجِيهٌ آخَرُ وهو أنَّ ( تَرى ) حَذَفَتِ العَرَبُ ألِفَها في قَوْلِهِمْ: قامَ القَوْمُ ولَوْ تَرَ ما زَيْدٌ كَما حُذِفَتْ ياءُ لا أُبالِي وقالُوا لا أُبالِ فَلَمّا دَخَلَ الجازِمُ تُخُيِّلَ أنَّ الرّاءَ هي آخِرُ الكَلِمَةِ فَسَكَنَتْ لِلْجازِمِ كَما قالُوا في لا أُبالِ لَمْ أُبَلْ تَخَيَّلُوا اللّامَ آخِرَ الكَلِمَةِ والمَشْهُورُ التَّوْجِيهُ الأوَّلُ وقَرَأ الأخَوانِ ( خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ) بِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ والإضافَةِ وجَرِّ الأرْضِ.
﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ يَعْدِمْكم أيُّها النّاسُ كَما قالَهُ جَماعَةٌ أوْ أيُّها الكَفَرَةُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِالمَرَّةِ ﴿ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .
(19) .
أيْ بِخَلْقٍ بَدَلَكم خَلْقًا مُسْتَأْنَفًا لا عِلاقَةَ بَيْنَكم وبَيْنَهم والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مِن جِنْسِ الآدَمِيِّينَ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ أوْ مِن غَيْرِهِ أوْرَدَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ خَلْقَهُ السَّماواتِ والأرْضَ إرْشادًا إلى طَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ مِثْلِ هاتِيكَ الأجْرامِ العَظِيمَةِ كانَ عَلى إعْدامِ المُخاطَبِينَ وخَلْقِ آخَرِينَ بَدَلَهم أقْدَرَ ولِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ يقول: صفة الذين كفروا.
ويقال: مثل أعمال الذين كفروا بربهم يوم القيامة كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ يقول: ذرته الريح فِي يَوْمٍ عاصِفٍ يعني: عاصف شديد الريح.
فكذلك الكفار أحبط الله ثواب أعمالهم، وهذا كقوله وَقَدِمْنا إِلى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: 23] لأن أعمالهم كانت بغير إيمان، ولا تُقبل الإيمان إذا لم يكن بالإخلاص، ولا تُقبل الأعمال إلا بالإيمان، ولا ثواب لهم بها.
- قرأ نافع اشتدت بِهِ الرياح بالألف.
وقرأ الباقون: بغير ألف (١) قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ يقول: ألم تعلم أن الله خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قرأ حمزة والكسائي خالق السماوات والارض بكسر الضاد على معنى الإضافة.
وقرأ الباقون: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بنصب الضاد على معنى الفعل الماضي.
وقوله: بِالْحَقِّ يعني: بالعدل.
ويقال: ببيان الحق إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يقول: يميتكم، ويهلكهم إن عصيتموه وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يعني: قوماً غيركم، خيراً منكم، وأطوع لله تعالى.
فهذا تهديد من الله تعالى ليخافوه.
ثم قال: وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ يعني: إهلاككم ليس على الله بشديد.
(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ: اسْتَفْتَحُوا: أي: طلبوا الحُكْم، و «الفَتَّاح» الحاكم، والمعنَى: أنَّ الرسل استفتحوا، أيْ: سألوا اللَّه تبارَكَ وتعالَى إِنفاذَ الحُكْمِ بنصرهم.
وقيل: بلِ استفتح الكفَّارُ على نحو قولِ قريشٍ: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ...
[ص: ١٦] وعلى نحو قول أبي جَهْل يوم بَدْرٍ: اللَّهم، أقطعنا للرَّحِمِ، وأتيانا بمَا لاَ نَعْرِفُ، فاحنه الغَدَاةَ، وهذا قولُ ابنِ زيدٍ «١» ، وقرأَتْ فرقةٌ: «واستفتحوا» «٢» - بكسر التاء- على معنى الأمر للرسُلِ، وهي قراءَة ابن عبَّاس ومجاهدٍ وابن مُحَيْصِنٍ: وَخابَ: معناه: خسر ولم ينجح، والجبار: المتعظّم في نفسه، والعنيد: الذي يعاند ولا يناقد.
وقوله: مِنْ وَرائِهِ: قال الطبري «٣» وغيره: مِنْ أمامه، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] ، وليس الأمر كما ذكروا، بل الوَرَاءُ هنا وهنَاكَ على بابه، أي: هو/ ما يأتي بَعْدُ في الزمان، وذلك أن التقدير في هذه الحَوَادِثِ بالأَمَامِ والوراءِ، إِنما هو بالزَّمَانِ، وما تقدَّم فهو أمام، وهو بَيْن اليد كما نقول في التوراة والإِنجيل: إنهما بيْنَ يدَي القرآن، والقرآنُ وراءهم، وعلَى هذا فما تأخَّر في الزمَانِ فهو وراء المتقدِّم، وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ: «الصديد» : القَيْح والدمُ، وهو ما يسيلُ من أجْسَادِ أهْلِ النَّار قاله مجاهد «٤» والضّحّاك.
يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)
وقوله: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ: عبارةٌ عن صعوبة أمره عليهم، وروي أنَّ الكافر يؤتَى بالشَّرْبة من شراب أهْل النَّار، فيتكَّرهها، فإِذا أدنيَتْ منه، شَوَتْ وجهه، وسقَطَتْ فيها فروة رأسِهِ، فإِذا شربها، قَطَّعت أمعاءه، وهذا الخبر مفرَّق في آيات من كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ، وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ، أي: مِنْ كل شعرة في بَدَنِهِ قاله إِبراهيمُ التَّيْمِيُّ «١» ، وقيل: مِنْ جميع جهاته السِّتِّ، وَما هُوَ بِمَيِّتٍ: لا يراحُ بالموت، وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ قال الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: العذابُ الغليظ: حَبْسُ الأنفاسِ في الأجسادِ، وفي الحديث: «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ تَكَلَّمُ بِلَسَانٍ طَلِقٍ ذَلِقٍ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرُ بِهِمَا، وَلَهَا لِسَانٌ تَكَلَّمُ بِهِ، فَتَقُولُ: إِنِّي أُمِرْتُ بِمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلها آخَرَ، وبِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وبِمَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَتَنْطَلِقُ بِهِمْ قَبْلَ سَائِرِ النَّاسِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، فتنطوي علَيْهم، فتقذفُهُمْ في جهنَّم» ، خرَّجه البزَّار «٢» ، انتهى من «الكوكب الدري» .
وقوله: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ وصف اليوم بالعُصُوفِ، وهي من صفات الريحِ بالحقيقة لما كانت في اليوم، كقول الشاعر: [الطويل]
...............
..........
...
وَنِمْت وَمَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنَائِمِ «٣»
وباقي الآية بيّن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: ألَمْ تُخْبَرْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: ألَمْ تَعْلَمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ: لَمْ يَخْلُقْهُنَّ عَبَثًا، وإنَّما خَلَقَهُنَّ لِأمْرٍ عَظِيمٍ.
﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: يُمِيتُكم يا مَعْشَرَ الكُفّارِ ويَخْلُقُ قَوْمًا غَيْرَكم خَيْرًا مِنكم وأطْوَعَ، وهَذا خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾ أيْ: بِمُمْتَنِعٍ مُتَعَذِّرٍ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذَلِكَ هو الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ ﴿ ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ ﴿ وَما ذَلِكَ عَلى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ اخْتُلِفَ في الشَيْءِ الَّذِي ارْتَفَعَ بِهِ "مَثَلُ"، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ التَقْدِيرَ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ، أو يُقَصُّ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، ومَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ أنَّهُ ابْتِداءٌ خَبَرُهُ "كَرَمادٍ" والتَقْدِيرُ عِنْدَهُمْ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَّرُوا كَرَمادٍ، وقَدْ حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ يَرى إلْغاءَ "مَثَلُ"، وأنَّ المَعْنى: الَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَرَمادٍ، وقِيلَ: هو ابْتِداءٌ، و"أعْمالُهُمُ" ابْتِداءٌ ثانٍ، و"كَرَمادٍ" خَبَرُ الثانِي، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وهَذا عِنْدِي أرْجَحُ الأقْوالِ، وكَأنَّكَ قُلْتَ: المُتَحَصِّلُ في النَفْسِ الَّذِينَ كَفَرُوا، هَذِهِ الجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ، وهِيَ: أعْمالُهم كَرَمادٍ، وهَذا يَطَّرِدُ عِنْدِي في تَقْدِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: " مَثَلُ الجَنَّةِ "، وشُبِّهَتْ أعْمالُ الكَفَرَةِ ومَساعِيهِمْ -فِي فَسادِها وقْتَ الحاجَةِ وتَلاشِيها- بِالرَمادِ الَّذِي تَذْرُوهُ الرِيحُ وتُفَرِّقُهُ لِشِدَّتِها، حَتّى لا يَبْقى أثَرٌ، ولا يَجْتَمِعَ مِنهُ شَيْءٌ، ووَصَفَ اليَوْمَ بِالعُصُوفِ وهي مِن صِفَةِ الرِيحِ بِالحَقِيقَةِ لَمّا كانَتْ في اليَوْمِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ لُمْتِنا يا أمَّ غِيلانَ في السُرى ∗∗∗ ونِمْتِ وما لَيْلُ المَطِيِّ بِنائِمِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ ويَوْمًا شَمْسًا فَأعْمالُ الكَفَرَةِ لِتَلاشِيها لا يَقْدِرُونَ مِنها عَلى شَيْءٍ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ، وأبُو جَعْفَرَ: "الرِياحُ"، والباقُونَ: "الرِيحُ" بِالإفْرادِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا ومَعْناهُ مُسْتَوْفى بِحَمْدِ اللهِ.
وقَوْلُهُ: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى كَوْنِهِمْ بِهَذِهِ الحالَةِ، وعَلى مِثْلِ هَذا الغَرَرِ، و ﴿ الضَلالُ البَعِيدُ ﴾ : الَّذِي قَدْ تَعَمَّقَ فِيهِ صاحِبُهُ وأبْعَدَ عن لاحِبِ النَجاةِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ وابْنُ أبِي بَكْرٍ: "فِي يَوْمِ عاصِفٍ: بِإضافَةِ "يَوْمٍ" إلى "عاصِفٍ"، وهَذا بَيِّنٌ.
وقَرَأ السُلَمِيُّ: "ألَمْ تَرْ" بِسُكُونِ الراءِ، بِمَعْنى: "ألَمْ تَعْلَمْ"، مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ﴿ خَلَقَ السَماواتِ ﴾ ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خالِقُ السَماواتِ"، فَوْجْهُ الأوَّلِ أنَّهُ فِعْلٌ قَدْ مَضى، فَذُكِرَ كَذَلِكَ، ووَجْهُ الثانِيَةِ: أنَّهُ كَـ ﴿ فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ و ﴿ فالِقُ الإصْباحِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" أيْ: بِما يَحِقُّ في وُجُودِهِ مِن جِهَةِ مَصالِحِ عِبادِهِ، وإنْفاذِ سابِقِ قَضائِهِ، ولِتَدُلَّ عَلَيْهِ وعَلى قُدْرَتِهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ أيْ يُعْدِمْكم ويَطْمِسْ آثارَكم.
وقَوْلُهُ: ﴿ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ: مِن فَرِقَ بَنِي آدَمَ، ويَصِحُّ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَما ذَلِكَ عَلى اللهِ بِعَزِيزٍ ﴾ أيْ بِمُمْتَنِعٍ.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني ناشئ عن جملة ﴿ فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ﴾ فإن هلاك فئة كاملة شديدة القوة والمرة أمر عجيب يثير في النفوس السؤال: كيف تهلك فئة مثل هؤلاء؟
فيجاب بأن الله الذي قدر على خلق السماوات والأرض في عظمتها قادر على إهلاك ما هو دونها، فمبدأ الاستئناف هو قوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ .
وموقع جملة ﴿ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ﴾ موقع التعليل لجملة الاستئناف، قدم عليها كما تجعل النتيجة مقدمة في الخطابة والجِدال على دليلها.
وقد بيناه في كتاب «أصول الخطابة».
ومناسبة موقع هذا الاستئناف ما سبقه من تفرق الرماد في يوم عاصف.
والخطاب في ﴿ ألم تر ﴾ لكل من يصلح للخطاب غير معيّن، وكل مَن يظن به التساؤل عن إمكان إهلاك المشركين.
والرؤية: مستعملة في العلم الناشئ عن النظر والتأمل، لأن السماوات والأرض مشاهدة لكل ناظر، وأما كونها مخلوقة لله فمحتاج إلى أقل تأمل لسهولة الانتقال من المشاهدة إلى العلم، وأما كون ذلك ملتبساً بالحق فمحتاج إلى تأمل عميق.
فلمّا كان أصل ذلك كله رؤية المخلوقات المذكورة علق الاستدلال على الرؤية، كقوله تعالى: ﴿ قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ﴾ [سورة إبراهيم: 101].
والحق هنا: الحكمة، أي ضد العبث، بدليل مقابلته به في قوله تعالى: ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ [سورة الدخان: 38، 39].
وقرأه حمزة، والكسائي، وخلَف خلق السموات والأرض } بصيغة اسم الفاعل مضاف إلى ﴿ السموات ﴾ وبخفض ﴿ والأرض ﴾ .
والخطاب في ﴿ يذهبكم ﴾ لجماعة من جملتهم المخاطب ب ﴿ ألم تر ﴾ .
والمقصود: التعريض بالمشركين خاصة، تأكيداً لوعيدهم الذي اقتضاه قوله: ﴿ لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ﴾ ، أي إن شاء أعدم الناس كلهم وخلق ناساً آخرين.
وقد جيء في الاستدلال على عظيم القدرة بالحكم الأعم إدماجاً للتعليم بالوعيد وإظهاراً لعظيم القدرة.
وفيه إيماء إلى أنه يذهب الجبابرة المعاندين ويأتي في مكانهم في سيادة الأرض بالمؤمنين ليمكنهم من الأرض.
وجملة ﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ عطف على جملة ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ مؤكد لمضمونها، وإنما سلك بهذا التأكيد ملك العطف لما فيه من المغايرة للمؤكد في الجملة بأنه يفيد أن هذا المَشيء سهل عليه هين، كقوله: ﴿ وهو الذي يبدأ لخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ﴾ [سورة الروم: 27].
والعزيز على أحدٍ: المتعاصي عليه الممتنع بقوته وأنصاره.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ أيْ ظَهَرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى في القِيامَةِ.
﴿ فَقالَ الضُّعَفاءُ ﴾ وهُمُ الأتْباعُ.
﴿ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ وهْمُ القادَةُ المَتْبُوعُونَ.
﴿ إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا ﴾ يَعْنِي في الكُفْرِ بِالإجابَةِ لَكم.
﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ دافِعُونَ عَنّا، يُقالُ أغْنى عَنْهُ إذا دَفَعَ عَنْهُ الأذى، وأغْناهُ إذا أوْصَلَ إلَيْهِ النَّفْعَ.
﴿ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ أحَدُها: لَوْ هَدانا اللَّهُ إلى الإيمانِ لَهَدَيْناكم إلَيْهِ.
الثّانِي: لَوْ هَدانا اللَّهُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ لَهَدَيْناكم إلَيْها.
الثّالِثُ: لَوْ نَجّانا اللَّهُ مِنَ العَذابِ لَنَجَّيْناكم مِنهُ.
﴿ سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ ﴾ أيْ مِن مَنجى أوْ مَلْجَأٍ، قِيلَ إنَّ أهْلَ النّارِ يَقُولُونَ: يا أهْلَ النّارِ إنَّ قَوْمًا جَزِعُوا في الدُّنْيا وبَكَوْا فَفازُوا، فَيَجْزَعُونَ ويَبْكُونَ.
ثُمَّ يَقُولُونَ: يا أهْلَ النّارِ إنَّ قَوْمًا صَبَرُوا في الدُّنْيا فَفازُوا، فَيَصْبِرُونَ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ ﴿ سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله: ﴿ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ﴾ قال: الذين كفروا بربهم عبدوا غيره، فأعمالهم يوم القيامة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون على شيء من أعمالهم ينفعهم، كما لا يقدر على الرماد إذا أرسل في يوم عاصف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: مثل أعمال الكفار كرماد ضربته الريح فلم ير منه شيء، فكما لم ير ذلك الرماد ولم يقدر منه على شيء، كذلك الكفار لم يقدروا من أعمالهم على شيء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ كرماد اشتدت به الريح ﴾ قال: حملته الريح.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ قال: بخلق آخر.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ الآية.
معنى: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ هاهنا التنبيه (١) ﴿ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ ﴾ على فاعل (٢) ﴿ خَلَقَ ﴾ (٣) ﴿ خَالِقُ ﴾ قال هو كقوله: ﴿ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ﴾ وكل هذا مما قد فُصِّل ومَضى، ومعنى قوله: ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ ذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ في سورة يونس [آية: 5].
وقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ قال ابن عباس والكلبي: يريد أُمِيْتُكم يا معشر الكفار وأخلق قومًا غيركم خيرًا منكم وأطوع، وهو خطاب لأهل مكة (٤) وقال أهل المعاني: دلّ بقوله: ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ (على قدرته على الإهلاك والإذهاب؛ لأنه إذا قَدر على خلق السموات والأرض) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) أراد بالجديد المقطوع الأثر لدروسه (١٠) (١١) (١٢) (١) لأن الرؤية علمية وليست بصرية.
انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 203، وابن عطية 8/ 223، و"تفسير القرطبي" 9/ 354.
(٢) انظر: "السبعة" ص 362، و"إعراب القراءات وعللها" 1/ 334، و"الحجة في القراءات" 203، و"علل القراءات" 1/ 287، و"الحجة للقراء" 5/ 28، و"حجة القراءات" 376، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 25، و"التبصرة" 558.
(٣) هم ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم.
انظر المصادر السابقة.
(٤) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 316 بنصه عن ابن عباس، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 355، والفخر الرازي 19/ 106، فيهما عن ابن عباس، ولم أقف عليه منسوبًا للكلبي.
(٥) ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د).
(٦) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 287 بنحوه، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 298، و"الفخر الرازي" 19/ 106، وأبي السعود 5/ 41.
(٧) انظر: (جد) في "العين" 7/ 6، و"تهذيب اللغة" 1/ 555، و"المحيط في اللغة" 6/ 392، و"اللسان" (جدد) 1/ 562.
(٨) البيت للنابغة الذبياني.
(٩) وعجزه: عفَتْ روضةُ الأجداد منها فَيثْقُبُ "ديوان النابغة الذبياني" ص 143، وورد في "معجم البلدان" 5/ 431، "التاج" (ثقب) 1/ 338.
(الرسم): هو الأثر، (عفت): محت، (يثقب) أي الريح تخرقه فتعفوا آيه؛ أي تمحو آثاره، وقيل: (يثقُبُ) اسم موضع بالبادية، والبيت من قصيدة قالها يصف حوادث الدهر وصروفه في أهله، يقول: ما بالك تحاذر المرور بديار سعاد بعد أن خرّقتها الريح وعفت آثارها.
(١٠) لم أقف عليه.
(١١) هكذا في جميع النسخ: (أنه)، والأظهر: (أن).
(١٢) ورد بنحوه في "تفسير السمرقندي" 2/ 204، والثعلبي 7/ 149 ب، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 343، و"تفسير القرطبي" 9/ 354، و"الخازن" 3/ 74، و"حاشية الجمل على الجلالين" 2/ 525.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ ﴾ مذهب سيبويه والفراء فيه كقولهما في: مثل الجنة التي في الرعد والقتال، والخبر عند سيبويه محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم والخبر عند الفراء الجملة التي بعده، والمثل هنا بمعنى الشبيه ﴿ أعمالهم كَرَمَادٍ ﴾ تشبيهاً بالرماد في ذهابها وتلاشيها ﴿ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ أي شديد الريح والعصوف في الحقيقة من صفة الريح ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ ﴾ أي لا يرون له منفعة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الرياح ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.
الباقون على التوحيد ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بلفظ الفعل.
﴿ سبلنا ﴾ بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو ﴿ لي عليكم ﴾ بفتح الياء: حفص.
﴿ بمصرخي ﴾ بكسر الياء: حمزة.
الآخرون بالفتح ﴿ أشركتموني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل ﴿ البوار ﴾ ممالة: أبو عمرو وعلي: ﴿ ليضلوا ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون بضمها.
﴿ لعبادي الذين ﴾ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى.
الباقون بالفتح.
﴿ من كل ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.
الباقون بالإضافة.
الوقوف: ﴿ عاصف ﴾ ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لهديناكم ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ فأخلفتكم ﴾ ط ﴿ فاستجبتم لي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ أنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ بمصرخي ﴾ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: ﴿ إني كفرت ﴾ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بإذن ربهم ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ه لا ﴿ ربها ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ من قرار ﴾ ط ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لتكرار اسم الله في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: ﴿ ويفعل الله ﴾ لأنه في المعنى بيان قوله: ﴿ ويضل الله ﴾ ﴿ وما يشاء ﴾ ه ﴿ البوار ﴾ لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل ﴿ أحلوا ﴾ أو مم مفعوله أو من كليهما ﴿ يصلونها ﴾ ط ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ه ﴿ ولا خلال ﴾ ه ﴿ رزقاً لكم ﴾ ط ﴿ بأمره ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ دائبين ﴾ ج ﴿ والنهار ﴾ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر ﴿ سألتموه ﴾ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ كفار ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غيابة حسرتهم ونهاية خيبتهم.
فقال: ﴿ مثل الذين ﴾ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم.
وقوله: ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم.
وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا.
وإنما جاز حذفه استغاء بذكره ثانياً.
وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ كقولك "صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون" ويجوز أن يكون ﴿ أعاملهم ﴾ بدلاً والخبر ﴿ كرماد ﴾ وحده.
والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف.
قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازواً كقولك "يوم ماطر".
قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة.
وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام.
ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً.
ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به.
وقوله: ﴿ مما كسبوا على شيء ﴾ القياس عكسه كما في "البقرة" لأن "على" من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي عن الحق والثواب.
ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟
فقال: ﴿ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ﴾ مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو.
ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مر مثله في سورة النساء.
﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور.
فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟
قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه.
وللحكيم أن يستدل بقوله: ﴿ يذهبكم ﴾ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض.
والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور.
وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: ﴿ وبرزوا ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع مثل { ﴿ وسيق ﴾ ﴿ ونادى ﴾ والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه "امرأة برزة" إذا كانت تظهر للناس "وبرز فلان على أقرانه" إذا فاقهم.
ومعنى بروزهم لله وهو لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله.
فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه.
قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وبرزوا لله ﴾ هو المراد من قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال.
وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة.
كتب ﴿ الضعفواء ﴾ بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: ﴿ علماء بني إسرائيل ﴾ والضعفاء العوام الأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته فضلوا وأضلوا.
قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس.
وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدراً أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية ﴿ فهل أنتم مغنون ﴾ هل يمكنكم دفع عذاب الله ﴿ عنا ﴾ ومن في ﴿ من عذاب الله ﴾ للتبيين وفي ﴿ من شيء ﴾ للتبعيض.
والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ .
عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى.
وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنه كذبوا فيه كقوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ﴾ واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل "الأنعام" في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ وجوز أيضاً أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.
وزيف بأن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله.
وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ وإعرابه كقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر.
وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ سواء علينا ﴾ الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه ﴾ {يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف.
ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن.
ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة.
والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة.
وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار.
يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في النار فيقول: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ وعن النبي : "إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول" .
ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل "مسجد الجامع"، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال.
وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم.
الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد.
ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضاً مثل ذلك.
ثم ذكر طريق وسوسته اعتذاراً منهم فقال: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ﴿ إلا أن دعوتكم ﴾ قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاءه الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط.
﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا عدم إنكار الله عليه حجة.
هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره.
قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له، أو بكونه منافراً له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئاً من أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره.
وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟
جوابه أن الشيطان إذا كان جسماً لطيفاً والله ركبه تركيباً عجيباً لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهراً نورانياً مجبولاً على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر.
وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة.
هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلاً من تلك الأرواح بالطباع التام.
وذكر بعض العلماء احتمالاً آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان وسوسة.
ثم حكى الله عن الشيطان أنه قال: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم.
قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث.
صرخ فلان إذا استغاث.
وقال واغوثاه، وأصرخته أي أغثته.
وعاب النحويون على حمزة أنه قرأ: ﴿ وما أنتم بمصرخيّ ﴾ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو "عصاي" فما بالها وقبلها ياء.
وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره.
قوله: ﴿ إني كفرت بما أشركتموني ﴾ إن كانت "ما" مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيراً وتصرفاً في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن "ما" في معنى "من" كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه.
ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة.
أما قوله: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته.
ثم شرع في أحوال السعداء وقال: ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق بـ ﴿ أدخل ﴾ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.
وقرأ الحسن ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ المتكلم.
قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.
وقد تقدم معنى قوله: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ في أول سورة يونس.
ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلاً.
قال في الكشاف ﴿ كلمة طيبة ﴾ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو تفسير لقوله: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلاً.
ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة.
وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: ﴿ كلمة ﴾ عطف بيان، وقوله: ﴿ كشجرة ﴾ مفعول ثانٍ.
عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والشجرة الطيبة شجرة في الجنة.
وعن ابن عمر: هي النخلة.
وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.
والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.
وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن.
أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها والثانية: ﴿ أصلها ثابت ﴾ راسخ آمن من الانقطاع.
ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله.
والثالثة ﴿ وفرعها في السماء ﴾ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ.
ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات.
قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس.
الصفة الرابعة ﴿ تؤتي أُكلها كل حين ﴾ أي تعطي ثمرها كل وقت وقَّته الله لأثمارها.
وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر.
وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة.
وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر.
والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً ﴿ بإذن ربها ﴾ بتيسير خالقها وتكوينه.
قال المحققون: معرفة الله والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئاً من الحاس.
أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به.
ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد.
وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموماً وخصوصاً.
وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ وسمعه للحكمة ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ ونطقه بالصدق والصواب { ﴿ وقولوا قولاً سديداً ﴾ وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء.
وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات.
وإذا صار جوهر النفس كاملاً بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملاً لغيره وذلك قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ .
وفي قوله: ﴿ بإذن ربها ﴾ إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب ان يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة.
و ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان.
وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفي كلمة طيبة كما قال في حق عيسى ﴿ كلمة من الله ﴾ .
وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما.
فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك.
ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ﴿ ما لها من قرار ﴾ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات.
وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟
فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.
قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل.
والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد مضمحل زائل.
والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين.
وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبداً تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.
ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال.
هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا.
عن ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها.
وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك.
والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار.
وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة.
فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت.
وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سببب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة.
ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ويثبت ﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله : ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ﴾ ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري.
﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ من التثبيت والإضلال.
ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.
ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ﴾ أي شكر نعمته ﴿ كفراً ﴾ أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفراً أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر.
وذلك أنه أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ أي الهلاك.
وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف بيان ﴿ وبئس القرار ﴾ أي المقر مصدر سمى به.
قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية.
وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز.
﴿ قل تمتعوا ﴾ أمر وعيد وتهديد.
قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة.
والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿ فإن مصيركم إلى النار ﴾ وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب.
ومن الذين نزل فيهم؟
روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.
فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين.
وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه.
ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: ﴿ قل لعبادي الذين ﴾ المقول محذوف لأن جواب "قل" يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا.
وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام.
وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو "قل" عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام لم يجز.
والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله.
ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة ﴾ لا ينافي إثباتها في قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين ﴾ لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان العمل الصالح.
ولما ختم أحوال المعاد عاد الى المبدإ فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ وقد مر في أول "البقرة" والمراد من السماء جهة العلو.
وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظراً عليه.
﴿ وسخر لكم الفلك ﴾ كقوله في أواسط البقرة ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ {الآية: 164] وقد مر.
ومعنى ﴿ بأمره ﴾ بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا.
ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: "كن".
﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر ﴾ أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس.
وقوله: ﴿ دائبين ﴾ نصب على الحال.
والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه.
ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ أي بعض جميع ما سألتموه.
ومن قرأ بالتنوين فـ"ما" إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه،أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال.
ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها.
قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع.
ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البيسطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله على عباده.
وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب.
وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة.
قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.
أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر.
وإذا كانت نعم الله في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟
إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿ إن الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لظلوم ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كفار ﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها.
وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع.
واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ وكأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.
التأويل: ﴿ وبرزوا ﴾ من القشور الفانية ﴿ لله جميعاً ﴾ من القويّ والضعيف ﴿ فقال الضعفاء ﴾ وهم المقلدة ﴿ للذين استكبروا ﴾ من المبتدعين ﴿ إني كفرت بما أشكرتموني ﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿ وأدخل ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿ جنات ﴾ القلوب ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ خالدين فيها بإذن ربهم ﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم.
تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ ﴿ ألم تر ﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿ كيف ضرب الله مثلاً ﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿ كلمة طيبة ﴾ هي كلمة التوحيد ﴿ كشجرة طيبة ﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿ أصلها ثابت ﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿ وفرعها ﴾ في سماء القلوب ﴿ تؤتي أكلها ﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿ كل حين ﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب إليه ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ ومثل كلمة ﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿ اجتثت من فوق ﴾ أرض البشرية ﴿ ما لها من قرار ﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات.
﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً.
﴿ وأحلوا قومهم ﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿ الله الذي خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿ وأنزل من ﴾ سماء القلوب ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ فأخرج به ﴾ ثمرات الطاعات ﴿ رزقاً ﴾ لأرواحكم ﴿ وسخر لكم ﴾ فلك الشريعة ﴿ لتجري في ﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع.
وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿ وسخر لكم ﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية.
ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة ولكها مخلوق لاستكماله ﴿ إن الإنسان لظلوم ﴾ بإفساد استعداده ﴿ كفار ﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
قوله : <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ .
﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ حرف تنبيه عن عجيب بَلَغَه وعلم به غفل عنه، أو نقول: حرف تنبيه عن عجيب لم يبلغه بعد ولم يعلم به.
على هذين الوجهين يشبه أن يكون والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: بالحق أي: للحق، وتأويل قولهم - والله أعلم -: للحق: أي: للكائن لا محالة؛ وهي الآخرة؛ لأنه خلق العالم الأول للعالم الثاني؛ والمقصود في [خلق] هذا العالم هو العالم الثاني؛ فكان خلقهما للثاني لا للأول [لأنه لو كان للأول] دون الثاني؛ يحصل خلقهما للفناء، وذلك خارج عن الحكمة؛ وهو ما قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\].
وقال قائلون: للحق الذي وجب له عليهم بالامتحان والابتلاء، خلقهما للشهادة له على الممتحن.
أو يقول: خلقهما بالحق: أي: بالحكمة.
وقوله: ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ ﴾ .
أن كان الخطاب [به] لرسول الله - فيصير كأنه قال: قد رأيت وعلمت أن الله خالق السماوات والأرض بالحق.
وإن كان الخطاب به لغيره من أولئك يقول: اعلموا أن الله خلق السماوات والأرض بالحق؛ لم يخلقهما عبثاً باطلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: هذه المخاطبة يخاطب بها أهل مكة؛ يذكر قدرته وسلطانه على بعثهم بعد الموت والهلاك؛ يقدر على إذهابكم وإهلاككم، ويقدر أيضاً أن يأتي بغيركم، فعلى ذلك: يقدر على بعثكم بعد مماتكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾ .
قال أهل التأويل: أي: عليه هين يسير، ولكن عندنا - والله أعلم -: ﴿ وَمَا ذٰلِكَ ﴾ : أي: ذهابكم وفناؤكم عليه ليس بشديد عليه ولا شاقّ؛ ليس كملوك الأرض إذا [ذهب] شيء من مملكتهم يشتد ذلك عليهم؛ فأمّا الله وتعالى لا يزيد الخلق في سلطانه ولا في ملكه؛ ولا ينقص فناؤهم وذهابهم منه شيئاً؛ كقوله: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ أي: شديد عليهم وهو ما وصفهم - عز وجل -: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ﴾ ذكر مكان العزة الشدة، ومكان الذلة - هاهنا - الرحمة.
أو أن يكون قوله: ﴿ وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾ أي: ما بعثكم وإحياؤكم بعد الممات على الله بشاقّ ولا شديد.
<div class="verse-tafsir"
ألم تعلم -أيها الانسان- أن الله خلق السماوات وخلق الأرض بالحق، فلم يخلقهما عبثًا، إن يشأ إذهابكم -أيها الناس- والإتيان بخلق آخر يعبده ويطيعه بدلًا منكم لأذهبكم وجاء بخلق آخر يعبده ويطيعه، فهو أمر سهل يسيرٌ عليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.3kbvl"