الآية ٣١ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٣١ من سورة إبراهيم

قُل لِّعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خِلَـٰلٌ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا العباد بطاعته والقيام بحقه ، والإحسان إلى خلقه ، بأن يقيموا الصلاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له ، وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات ، والنفقة على القرابات والإحسان إلى الأجانب .

والمراد بإقامتها هو : المحافظة على وقتها وحدودها ، وركوعها وخشوعها وسجودها .

وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق في السر ، أي : في الخفية ، والعلانية وهي : الجهر ، وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم ( من قبل أن يأتي يوم ) وهو يوم القيامة ، وهو يوم ( لا بيع فيه ولا خلال ) أي : لا يقبل من أحد فدية بأن تباع نفسه ، كما قال تعالى : ( فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا ) [ الحديد : 15 ] .

وقوله : ( ولا خلال ) قال ابن جرير : يقول : ليس هناك مخالة خليل ، فيصفح عمن استوجب العقوبة ، عن العقاب لمخالته ، بل هنالك العدل والقسط ، فالخلال مصدر ، من قول القائل : " خاللت فلانا ، فأنا أخاله مخالة وخلالا " ومنه قول امرئ القيس : صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ولست بمقلي الخلال ولا قال وقال قتادة : إن الله قد علم أن في الدنيا بيوعا وخلالا يتخالون بها في الدنيا ، فينظر رجل من يخالل وعلام صاحب ، فإن كان لله فليداوم ، وإن كان لغير الله فسيقطع عنه .

قلت : والمراد من هذا أنه يخبر تعالى أنه لا ينفع أحدا بيع ولا فدية ، ولو افتدى بملء الأرض ذهبا لو وجده ، ولا ينفعه صداقة أحد ولا شفاعة أحد إذا لقي الله كافرا ، قال الله تعالى : ( واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ) [ البقرة : 123 ] وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) [ البقرة : 254 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: الله الذي أنشأ السماوات والأرض من غير شيء أيها الناس ، وأنـزل من السماء غيثا أحيا به الشجر والزرع ، فأثمرت رزقا لكم تأكلونه ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ ) وهي السفن ( لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ) لكم تركبونها وتحملون فيها أمتعتكم من بلد إلى بلد ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ ) ماؤُها شراب لكم ، يقول تعالى ذكره: الذي يستحقّ عليكم العبادة وإخلاص الطاعة له ، من هذه صفته ، لا من لا يقدر على ضرّ ولا نفع لنفسه ولا لغيره من أوثانكم أيها المشركون وآلهتكم.

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، وحدثنا الحسن بن محمد ، يعني الزعفرانيّ ، قال : ثنا شبابة ، قال : ثنا ورقاء ، وحدثني المثنى ، قال : أخبرنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ ) قال: بكل بلدة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلالقوله تعالى : قل لعبادي الذين آمنوا أي إن أهل مكة بدلوا نعمة الله بالكفر ، فقل لمن آمن وحقق عبوديته أن يقيموا الصلاة يعني الصلوات الخمس ، أي قل لهم أقيموا ، والأمر معه شرط مقدر ، تقول : أطع الله يدخلك الجنة ; أي إن أطعته يدخلك الجنة ; هذا قول الفراء .

وقال الزجاج : " يقيموا " مجزوم بمعنى اللام ، أي ليقيموا فأسقطت اللام لأن الأمر دل على الغائب ب " قل " .

قال : ويحتمل أن يقال : يقيموا جواب أمر محذوف ; أي قل لهم أقيموا الصلاة يقيموا الصلاة .وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يعني الزكاة ; عن ابن عباس وغيره .

وقال الجمهور : السر ما خفي والعلانية ما ظهر .

وقال القاسم بن يحيى : إن السر التطوع والعلانية الفرض ، وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " مجودا عند قوله : إن تبدوا الصدقات فنعما هي .من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال تقدم في البقرة أيضا .

و " خلال " جمع خلة كقلة وقلال .

قال :فلست بمقلي الخلال ولا قالي

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قل لعبادي المؤمنين آمرا لهم بما فيه غاية صلاحهم وأن ينتهزوا الفرصة، قبل أن لا يمكنهم ذلك: { يُقِيمُوا الصَّلَاة } ظاهرا وباطنا { وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } أي: من النعم التي أنعمنا بها عليهم قليلا أو كثيرا { سِرًّا وَعَلَانِيَةً } وهذا يشمل النفقة الواجبة كالزكاة ونفقة من تجب [عليه] نفقته، والمستحبة كالصدقات ونحوها.

{ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ } أي: لا ينفع فيه شيء ولا سبيل إلى استدراك ما فات لا بمعاوضة بيع وشراء ولا بهبة خليل وصديق، فكل امرئ له شأن يغنيه، فليقدم العبد لنفسه، ولينظر ما قدمه لغد، وليتفقد أعماله، ويحاسب نفسه، قبل الحساب الأكبر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ) قال الفراء : هو جزم على الجزاء ( وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ) مخاللة وصداقة .

[ قرأ ابن كثير ، وابن عمرو ، ويعقوب : " لا بيع فيه ولا خلال " بالنصب فيهما على النفي العام .

وقرأ الباقون : " لا بيع ولا خلال " بالرفع والتنوين ] .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع» فداء «فيه ولا خلال» مُخالة أي صداقة تنفع، هو يوم القيامة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لعبادي الذين آمنوا: يؤدوا الصلاة بحدودها، ويخرجوا بعض ما أعطيناهم من المال في وجوه الخير الواجبة والمستحبة مسرِّين ذلك ومعلنين، من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا ينفع فيه فداء ولا صداقة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وجه - سبحانه - أمرا آخر له - صلى الله عليه وسلم - طلب منه فيه ، مواصلة دعوة المؤمنين إلى الاستمرار فى التزود من العمل الصالح فقال - تعالى - : ( قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصلاة وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ ) .قال الجمل : " قوله ( قُل لِّعِبَادِيَ .

.

.

إلخ ) مفعول قل محذوف يدل عليه جوابه ، أى : قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا - وقوله - يقيموا وينفقوا مجزومان فى جواب الأمر ، أى : إن قلت لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا .

.

يقيموا وينفقوا .ويجوز أن يكون قوله " يقيموا وينفقوا " مجزومين بلام الأمر المقدرة .أى : ليقيموا الصلاة ولينفقوا .

.

.

.والمراد بإقامة الصلاة : المواظبة على أدائها فى أوقاتها المحددة لها ، مع استيفائها لأركانها وسننها وآدابها وخشوعها ، ومع إخلاص النية عند أدائها الله - تعالى - .والمراد بالإِنفاق : ما يشمل جميع وجوه الإِنفاق الواجبة والمستحبة .والمراد بقوله ( سِرّاً وَعَلانِيَةً ) ما يتنول عموم الأحوال فى الحرص على بذل المال فى وجوهه المشروعة .والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المخلصين ، الذين آمنوا إيمانا حقا ، قل لهم : ليستزيدوا من المواظبة على أداء الصلاة ، وعلى الإِنفاق مما رزقناهم فى جميع الأحوال ، بأن يجعلوا نفقتهم فى السر إذا كانت آداب الدين وتعاليمه تقتضى ذلك ، وأن يجعلوها فى العلن إذا كانت المنفعة فى ذلك .والإِضافة فى قوله ( لعبادى ) للتشريف والتكريم لهؤلاء العباد المخلصين .ولم تعطف هذه الآية الكريمة على ما قبلها وهو قوله ( قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار ) للإِيذان بتباين حال الفريقين ، واختلاف شأنهما .ومفعول ( ينفقوا ) محذوف والتقدير ينفقوا شيئا مما رزقناهم .وعبر - سبحانه - بمن المفيدة للتبعيض فى قوله ( مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) للاشعار بأنهم قوم عقلاء يبتعدون فى إنفاقهم عن الإِسراف والتبذير ، عملا بقوله - تعالى - : ( والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً )وهذا التعبير - أيضا - يشعر بأن هذا المال الذى بين أيدى عباده - سبحانه - ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه ، ونعمة أنعم بها عليهم ، فعليهم أن يقابلوا أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر ، بأن ينفقوا جزءا منها فى وجوه الخير .وقوله ( سِرّاً وَعَلانِيَةً ) منصوبان على الحال أى : مسرين ومعلنين ، أو على المصدر أى : إنفاق سر وإنفاق علانية .وقدم - سبحانه - إنفاق السر على العلانية للتنبيه على أنه أولى الأمرين فى معظم الأحوال لبعده عن خواطر الرياء ، ولأنه استر للمتصدق عليه .وقوله - سبحانه - ( مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ ) مؤكد لمضمون ما قبله من الأمر بإقامة الصلاة وبالإِنفاق فى وجوه الخير بدون تردد أو إبطاء .ولفظ " خلال " مصدر خاللت بمعنى صاحبت وصادقت ، أو جمع خليل بمعنى صديق ، أو جمع خلة بمعنى الصداقة كقلة وقلال .أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - بأن من الواجب عليهم أن يكثروا ويداوموا على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق مما رزقهم - سبحانه - ، من قبل أن يفاجئهم يوم القيامة ، ذلك اليوم الذى لا تقبل فيه المعاوضات ، ولا تنفع فيه شفاعة الصديق لصديقه ، وإنما الذى يقبل وينفع فى هذا اليوم هو العمل الصالح الذى قدمه المسلم فى دنياه .فالجملة الكريمة تفيد حضا آخر على إقامة الصلاة وعلى الإِنفاق عن طريق التذكير للناس بهذا اليوم الذى تنتهى فيه الأعمال ، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم ، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات .كما تفيد أن المواظبة على أداء هاتين الشعيرتين ، من أعظم القربات التى يتقرب بها المسلم إلى خالقه - سبحانه - والتى تكون سببا فى رفع الدرجات يوم القيامة .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ( ياأيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ والكافرون هُمُ الظالمون ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أمر الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا، أمر المؤمنين في هذه الآية بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي ﴿ لِّعِبَادِىَ ﴾ بسكون الياء، والباقون: بفتح الياء لالتقاء الساكنين فحرك إلى النصب.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ يُقِيمُواْ ﴾ وجهان: الأول: يجوز أن يكون جواباً لأمر محذوف هو المقول تقديره: قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا.

الثاني: يجوز أن يكون هو أمراً مقولاً محذوفاً منه لام الأمر، أي ليقيموا كقولك: قل لزيد ليضرب عمراً وإنما جاز حذف اللام، لأن قوله: ﴿ قُلْ ﴾ عوض منه ولو قيل ابتداء يقيموا الصلاة لم يجز.

المسألة الثالثة: أن الإنسان بعد الفراغ من الإيمان لا قدرة له على التصرف في شيء إلا في نفسه أو في ماله.

أما النفس فيجب شغلها بخدمة المعبود في الصلاة وأما المال فيجب صرفه إلى البذل في طاعة الله تعالى.

فهذه الثلاثة هي الطاعات المعتبرة، وهي الإيمان والصلاة والزكاة وتمام ما يجب أن يقال في هذه الأمور الثلاثة ذكرناه في قوله تعالى: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ  ﴾ .

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: الآية تدل على أن الرزق لا يكون حراماً، لأن الآية دلت على أن الانفاق من الرزق ممدوح، ولا شيء من الانفاق من الحرام بممدوح فينتج أن الرزق ليس بحرام.

وقد مر تقرير هذا الكلام مراراً.

المسألة الخامسة: في انتصاب قوله: ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ وجوه: أحدها: أن يكون على الحال أي ذوي سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين.

وثانيها: على الظرف أي وقت سر وعلانية.

وثالثها: على المصدر أي انفاق سر وانفاق علانية والمراد إخفاء التطوع وإعلان الواجب.

واعلم أنه تعالى لما أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قال: ﴿ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خلال ﴾ قال أبو عبيدة: البيع هاهنا الفداء والخلال المخالة، وهو مصدر من خاللت خلالاً ومخالة، وهي المصادقة.

قال مقاتل: إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة، فكأنه تعالى يقول: أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في مثل هذا اليوم الذي لا تحصل فيه مبايعة ولا مخالة.

ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة  ﴾ .

فإن قيل: كيف نفى المخالة في هاتين الآيتين، مع أنه تعالى أثبتها في قوله: ﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين  ﴾ .

قلنا: الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخالة بسبب ميل الطبيعة ورغبة النفس، والآية الدالة على ثبوت المخالة محمولة على حصول المخالة الحاصلة بسبب عبودية الله تعالى ومحبة الله تعالى، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المقول محذوف، لأن جواب ﴿ قُل ﴾ يدل عليه، وتقديره ﴿ قُل لّعِبَادِىَ الذين ءامَنُواْ ﴾ أقيموا الصلاة وأنفقوا ﴿ يُقِيمُواْ الصلاوة وَيُنْفِقُواْ ﴾ وجوزوا أن يكون يقيموا وينفقوا، بمعنى: ليقيموا ولينفقوا، ويكون هذا هو المقول، قالوا: وإنما جاز حذف اللام، لأنّ الأمر الذي هو ﴿ قُل ﴾ عوض منه، ولو قيل: يقيموا الصلاة وينفقوا ابتداء بحذف اللام، لم يجز فإن قلت: علام انتصب ﴿ سِرّا وَعَلاَنِيَةً ﴾ ؟

قلت: على الحال، أي: ذوي سرّ وعلانية، بمعنى: مسرين ومعلنين.

أو على الظرف، أي وقتي سر وعلانية، أو على المصدر، أي: إنفاق سر وإنفاق علانية، و المعنى: إخفاء المتطوع به من الصدقات والإعلان بالواجب.

والخلال: المخالة.

فإن قلت: كيف طابق الأمر بالإنفاق وصف اليوم بأنه ﴿ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خلال ﴾ قلت: من قبل أنّ الناس يخرجون أموالهم في عقود المعاوضات، فيعطون بدلاً ليأخذوا مثله، وفي المكارمات ومهاداة الأصدقاء ليستجروا بهداياهم أمثالها أو خيراً منها.

وأمّا الإنفاق لوجه الله خالصاً كقوله تعالى: ﴿ وَمَا لأحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تَجْزِى إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الاعلى ﴾ [الليل: 19- 20] فلا يفعله إلا المؤمنون الخلص، فبعثوا عليه ليأخذوا بدله في يوم لا بيع فيه ولا خلال، أي: لا انتفاع فيه بمبايعة ولا بمخالة، ولا بما ينفقون به أموالهم من المعاوضات والمكارمات، وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله، وقرئ: ﴿ لا بيع فيه ولا خلالُ ﴾ بالرفع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ خَصَّهم بِالإضافَةِ تَنْوِيهًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُمُ المُقِيمُونَ لِحُقُوقِ العُبُودِيَّةِ، ومَفْعُولُ ﴿ قُلْ ﴾ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُهُ: أيْ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا.

﴿ يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ ﴾ فَيَكُونُ إيذانًا بِأنَّهم لِفَرْطِ مُطاوَعَتِهِمْ لِلرَّسُولِ  بِحَيْثُ لا يَنْفِكُّ فِعْلُهم عَنْ أمْرِهِ، وأنَّهُ كالسَّبَبِ المُوجِبِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرا بِلامِ الأمْرِ لِيَصِحَّ تَعَلُّقُ القَوْلِ بِهِما وإنَّما حَسُنَ ذَلِكَ ها هُنا ولَمْ يَحْسُنْ في قَوْلِهِ: مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ.

.

.

إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالًا لِدَلالَةِ قُلْ عَلَيْهِ.

وقِيلَ هُما جَوابا أقِيمُوا وأنْفِقُوا مُقامَيْنِ مَقامَهُما، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن مُخالَفَةِ ما بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ ولِأنَّ أمْرَ المُواجَهَةِ لا يُجابُ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ إذا كانَ الفاعِلُ واحِدًا.

﴿ سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى المَصْدَرِ أيْ إنْفاقَ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، أوْ عَلى الحالِ أيْ ذَوِي سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، أوْ عَلى الظَّرْفِ أيْ وقْتَيْ سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، والأحَبُّ إعْلانُ الواجِبِ وإخْفاءُ المُتَطَوَّعِ بِهِ.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ﴾ فَيَبْتاعُ المُقَصِّرُ ما يَتَدارَكُ بِهِ تَقْصِيرَهُ أوْ يَفْدِي بِهِ نَفْسَهُ.

﴿ وَلا خِلالٌ ﴾ ولا مُخالَّةَ فَيَشْفَعُ لَكَ خَلِيلٌ، أوْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا انْتِفاعَ فِيهِ بِمُبايِعَةٍ ولا مُخالَّةٍ وإنَّما يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ بِالفَتْحِ فِيهِما عَلى النَّفْيِ العامِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)

{قل لعبادي الذين آمنوا} خصهم بالإضافة إليه تشريفاً وبسكون الياء شامي وحمزة وعلي والأعشى {يُقِيمُواْ الصلاة وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} المقول محذوف لأن قل تقتضي مقولاً وهو أقيموا وتقديره قل لهم أقيموا الصلاة وأتفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا وقيل إنه أمر وهو المقول

والتقدير ليقيموا ولينفقوا فحذف اللام لدلالة قل عليه ولو قيل يقيموا الصلاة وينفقوا ابتداء بحذف اللام لم يجز {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} انتصبا على الحال أي ذوي سر وعلانية يعني مسرين ومعلنين أو على الظرف أي وقتي سر وعلانية أو على المصدر أي إنفاق سر وإنفاق علانية والمعنى إخفاء التطوع وإعلان الواجب {مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خلال} أي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة والخلال المخالة وإنما ينتفع فيه بالإنفاق لوجه الله بفتحهما مكي وبصري والباقون بالرفع والتنوين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا هَدَّدَ الكُفّارَ وأشارَ إلى انْهِماكِهِمْ في اللَّذَّةِ الفانِيَةِ أمَرَ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَأْمُرَ خُلَّصَ عِبادِهِ بِالعِبادَةِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وخَصَّهم بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى رَفْعًا لَهم وتَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُمُ المُقِيمُونَ لِوَظائِفِ العُبُودِيَّةِ المُوفُونَ بِحُقُوقِها وتَرَكَ العَطْفَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِلْإيذانِ بِتَبايُنِ حالِهِما تَهْدِيدًا وغَيْرَهُ ومَقُولُ القَوْلِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ والمازِنِيُّ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ يُقِيمُوا ﴾ أيْ قُلْ لَهم: أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا.

﴿ يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ ﴾ والفِعْلُ المَذْكُورُ مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابُ ( قُلْ ) عِنْدَهم وأوْرَدَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أقِيمُوا وأنْفِقُوا» أنْ يَفْعَلُوا ورُدَّ بِأنَّ المَقُولَ لَهُمُ الخُلَّصُ وهم مَتى أُمِرُوا امْتَثَلُوا ومِن هُنا قالُوا: إنَّ في ذَلِكَ إيذانًا بِكَمالِ مُطاوَعَتِهِمْ وغايَةِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِامْتِثالِ ويَشُدُّ عَضُدَ ذَلِكَ حَذْفُ المَقُولِ لِما فِيهِ مِن إيهامِ أنَّهم يَفْعَلُونَ مِن غَيْرِ أمْرٍ عَلى أنَّ مَبْنِيَّ الإيرادِ عَلى أنَّهُ يُشْتَرَطُ في السَّبَبِيَّةِ التّامَّةِ وقَدْ مُنِعَ وجَعَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ ( قُلْ ) بِمَعْنى بَلِّغْ وأدِّ الشَّرِيعَةَ والجَزْمُ في جَوابِ ذَلِكَ وهو قَرِيبٌ مِمّا تَقَدَّمَ.

وحُكِيَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ وعُزِيَ لِلْمُبَرِّدِ أنَّ الجَزْمَ في جَوابِ الأمْرِ المَقُولِ المَحْذُوفِ وتَعَقَّبَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّهُ فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ لا بُدَّ أنْ يُخالِفَ فِعْلَ الشَّرْطِ إمّا في الفِعْلِ أوْ في الفاعِلِ أوْ فِيهِما فَإذا اتَّحَدا لا يَصِحُّ كَقَوْلِكَ: قُمْ تَقُمْ إذِ التَّقْدِيرُ هُنا إنْ يُقِيمُوا يُقِيمُوا والثّانِي أنَّ الأمْرَ المُقَدَّرَ لِلْمُواجَهَةِ والفِعْلَ المَذْكُورَ عَلى لَفْظِ الغَيْبَةِ وهو خَطَأٌ إذا كانَ الفاعِلُ واحِدًا وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ الوَجْهَ الأوَّلَ قَرِيبٌ وأمّا الثّانِي فَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: قُلْ لِعَبْدِكَ أطِعْنِي يُطِعْكَ وإنْ كانَ لِلْغَيْبَةِ بَعْدَ المُواجَهَةِ بِاعْتِبارِ حِكايَةِ الحالِ وعَنْ أبِي عَلِيٍّ وجَماعَةٍ أنَّ ﴿ يُقِيمُوا ﴾ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ وهو مَقُولُ القَوْلِ ورُدَّ بِحَذْفِ النُّونِ وهي في مِثْلِ ذَلِكَ لا تُحْذَفُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تُؤْمِنُونَ ﴾ إذِ المُرادُ مِنهُ آمِنُوا والقَوْلُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ بِمَعْنى الأمْرِ بُنِيَ عَلى حَذْفِ النُّونِ كَما بُنِيَ الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في النِّداءِ عَلى الضَّمِّ في نَحْوِ يا زَيْدُ لَمّا شُبِّهَ بِقَبْلُ وبَعْدُ وما لَمْ يُبَيَّنْ إنَّما لُوحِظَ فِيهِ لَفْظِهِ مِمّا لا يَكادُ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وذَهَبَ الكِسائِيُّ والزَّجّاجُ وجَماعَةٌ إلى أنَّ مَقُولَ القَوْلِ وهو مَجْزُومٌ بِلامِ أمْرٍ مُقَدَّرَةٍ أيْ لِيُقِيمُوا ويُنْفِقُوا عَلى حَدِّ قَوْلِ الأعْشى: .

مُحَمَّدٌ تُفِدْ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إضْمارَ الجازِمِ أضْعَفُ مِن إضْمارِ الجارِّ إلّا أنَّ تَقَدُّمَ ( قُلْ ) نائِبٌ مَنابَهُ كَما أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِعْمالِ في أمْرِ المُخاطَبِ يَنُوبُ مَنابَ ذَلِكَ والشَّيْءُ إذا كَثُرَ في مَوْضِعٍ أوْ تَأكَّدَ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ جازَ حَذْفُهُ مِنهُ حَذْفُ الجارِّ مِن أنّى إذا كانَتْ بِمَعْنى مِن أيْنَ وبِما ذَكَرْنا مِنَ النِّيابَةِ فارِقٌ ما هُنا ما في البَيْتِ فَلا يَضُرُّنا تَصْرِيحُهم فِيهِ بِكَوْنِ الحَذْفِ ضَرُورَةً وعَنِ ابْنِ مالِكٍ أنَّهُ جَعَلَ حَذْفَ هَذِهِ اللّامِ عَلى أضْرُبٍ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ ومُتَوَسِّطٍ فالكَثِيرُ أنْ يَكُونَ قَبْلَهُ قَوْلٌ بِصِيغَةِ الأمْرِ كَما في الآيَةِ والمُتَوَسِّطُ ما تَقَدَّمَهُ قَوْلٌ غَيْرُ أمْرٍ كَقَوْلِهِ: .

قُلْتُ لِبَوّابٍ لَدَيْهِ دارُها ∗∗∗ تِيذَنْ فَإنِّي حَمُها وجارُها والقَلِيلُ ما سِوى ذَلِكَ وظاهِرُ كَلامِ الكَشْفِ اخْتِيارُ هَذا الوَجْهِ حَيْثُ قالَ المُدَقِّقُ فِيهِ: والمَعْنى عَلى هَذا أظْهَرُ لِكَثْرَةِ ما يَلْزَمُ مِنَ الإضْمارِ وأنَّ تَقْيِيدَ الجَوابِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ ﴾ إلى ﴿ ولا خِلالٌ ﴾ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ طائِلٍ إنَّما المُناسِبُ تَقْيِيدُ الأمْرِ بِهِ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ مَقُولَ القَوْلِ ﴿ اللَّهُ الَّذِي ﴾ ..

إلَخْ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّفْكِيكِ عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ ﴿ يُقِيمُوا ﴾ مَجْزُومًا في جَوابِ الأمْرِ لِأنَّ قَوْلَ ﴿ اللَّهُ الَّذِي ﴾ ..

إلَخْ لا يَسْتَدْعِي إقامَةَ الصَّلاةِ والإنْفاقَ إلّا بِتَقْدِيرٍ بَعِيدٍ جِدًّا هَذا والمُرادُ بِالصَّلاةِ قِيلَ ما يَعُمُّ كُلَّ صَلاةٍ فَرْضًا كانَتْ أوْ تَطَوُّعًا وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُها بِالصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ وفَسَّرَ الإنْفاقَ بِزَكاةِ الأمْوالِ.

ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ زَكاةَ المالِ إنَّما فُرِضَتْ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ بَعْدَ صَدَقَةِ الفِطْرِ وأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ والآيَتَيْنِ لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْداهُنَّ عِنْدَ بَعْضٍ ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ هَذا المَأْمُورُ بِهِ في الآيَةِ مَأْمُورًا بِهِ مِن قَبْلُ فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ كانَ مَأْمُورًا بِهِ فالأمْرُ لِلدَّوامِ فَتَحَقَّقْ ذَلِكَ ولا تَغْفُلْ ﴿ سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ مُنْتَصِبانِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لَكِنْ مِنَ الأمْرِ المُقَدَّرِ أوْ مِنَ الفِعْلِ المَذْكُورِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الكِسائِيُّ ومَن مَعَهُ عَلى ما قِيلَ والأصْلُ إنْفاقُ سِرٍّ وإنْفاقُ عَلانِيَةٍ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فانْتَصَبَ انْتِصابَهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ إنْفاقًا سِرًّا وإنْفاقًا عَلانِيَةً فَحُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونا مُنْتَصِبَيْنِ عَلى الحالِيَّةِ إمّا عَلى التَّأْوِيلِ بِالمُشْتَقِّ أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مُسِرِّينَ ومُعْلِنِينَ أوْ ذَوِي سِرٍّ وعَلانِيَةٍ أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أيْ في سِرٍّ وعَلانِيَةٍ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في حُكْمِ نَفَقَةِ السِّرِّ ونَفَقَةِ العَلانِيَةِ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ﴾ فَيَبْتاعُ المُقَصِّرُ فِيهِ ما يَتَلافى بِهِ تَقْصِيرَهُ أوْ يَفْتَدِي بِهِ نَفْسَهُ والمَقْصُودُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ نَفْيُ عَقْدِ المُعاوَضَةِ بِالمَرَّةِ وتَخْصِيصُ البَيْعِ بِالذِّكْرِ لِلْإيجازِ مَعَ المُبالَغَةِ في نَفْيِ العَقْدِ إذِ انْتِفاءُ البَيْعِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ الشِّراءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وانْتِفاؤُهُ رُبَّما يُتَصَوَّرُ مَعَ تَحَقُّقِ الإيجابِ مِنَ البائِعِ.

انْتَهى.

وقِيلَ: إنَّ البَيْعَ كَما يُسْتَعْمَلُ في إعْطاءِ المُثَمَّنِ وأخْذِ الثَّمَنِ وهو المَعْنى الشّائِعُ يُسْتَعْمَلُ في إعْطاءِ الثَّمَنِ وأخْذِ المُثَمَّنِ وهو مَعْنى الشِّراءِ وعَلى هَذا جاءَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا يَبِيعَنَّ أحَدُكم عَلى بَيْعِ أخِيهِ» ولا مانِعَ مِن إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ هُنا فَإنَّ قُلْنا بِجَوازِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ مُطْلَقًا كَما قالَ بِهِ الشّافِعِيَّةُ أوْ في النَّفْيِ كَما قالَ بِهِ ابْنُ الهُمامِ فَذاكَ وإلّا احْتَجْنا إلى ارْتِكابِ عُمُومِ المَجازِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا مُعاوَضَةَ فِيهِ ﴿ ولا خِلالٌ ﴾ .

(31) .

أيْ مُخالَّةٌ فَهو كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ مَصْدَرُ خالَلْتُهُ كالخِلالِ وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعُ خَلِيلٍ كَأخِلّاءَ وأخِلَّةٍ والمُرادُ واحِدٌ وهو نَفْيُ أنْ يَكُونَ هُناكَ خَلِيلٌ يُنْتَفَعُ بِهِ بِأنْ يَشْفَعَ لَهُ أوْ يُسامِحَهُ بِما يُفْتَدى بِهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا انْتِفاعَ فِيهِ لِما لَهِجُوا بِتَعاطِيهِ مِنَ البَيْعِ والمُخالَفَةِ ولا انْتِفاعَ بِذَلِكَ وإنَّما الِانْتِفاعُ والِارْتِفاقُ فِيهِ بِالإنْفاقِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَعَلى الأوَّلِ المَنفِيُّ البَيْعُ والخِلالُ في الآخِرَةِ وعَلى هَذا المُرادِ نَفْيُ البَيْعِ والخِلالِ اللَّذَيْنِ كانا في الدُّنْيا بِمَعْنى نَفْيِ الِانْتِفاعِ بِهِما و ﴿ فِيهِ ﴾ ظَرْفٌ لِلِانْتِفاعِ المُقَدَّرِ حَسْبَما أشَرْنا إلَيْهِ ولا يُشْكِلُ ما هُنا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ ﴾ حَيْثُ أثْبَتَ فِيهِ المُخالَفَةَ وعَدَمَ العَداوَةِ بَيْنَ المُتَّقِينَ لِأنَّ المُرادَ هُنا عَلى ما قِيلَ نَفْيُ المُخالَفَةِ النّافِعَةِ بِذاتِها في تَدارُكِ ما فاتَ ولَمْ يَذْكُرْ في تِلْكَ الآيَةِ أنَّ المُتَّقِينَ يَتَدارَكُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ما فاتَ.

وقِيلَ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: إنَّ المُرادَ لا مُخالَّةَ بِسَبَبِ مَيْلِ الطَّبْعِ ورَغْبَةِ النَّفْسِ وتِلْكَ المُخالَّةُ الواقِعَةُ بَيْنَ المُتَّقِينَ في اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الإثْباتِ لا يَلْزَمُهُ النَّفْيُ وإنَّ سُلِّمَ لُزُومُهُ فَنَفْيُ العَداوَةِ لا يَلْزَمُ مِنهُ المُخالَّةُ وهو كَما تَرى ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّ الإثْباتَ والنَّفْيَ بِحَسَبِ المَواطِنِ والظَّرْفُ عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ المُقَدَّرِ وعَلَّقَهُ بِالفِعْلِ المَذْكُورُ مَن رَأى رَأْيَ الكِسائِيِّ ومَن مَعَهُ بَلْ وبَعْضُ مَن رَأى غَيْرَ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ وتَذْكِيرُ إتْيانِ ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الأمْرِ مِن حَيْثُ أنَّ كُلًّا مِن فِقْدانِ الشَّفاعَةِ وما يُتَدارَكُ بِها لِتَقْصِيرِ مُعارَضَةٍ وتَبَرُّعًا وانْقِطاعُ آثارِ البَيْعِ والخِلالِ الواقِعَيْنِ في الدُّنْيا وعَدَمُ الِانْتِفاعِ بِهِما مِن أقْوى الدَّواعِي إلى الإتْيانِ بِما تَبْقى عَوائِدُهُ وتَدُومُ فَوائِدُهُ مِنَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِن حَيْثُ أنَّ ادِّخارَ المالِ وتَرْكَ إنْفاقِهِ إنَّما يَقَعُ غالِبًا لِلتِّجاراتِ والمُهاداةِ فَحَيْثُ لا يُمْكِنُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ فَلا وجْهَ لِادِّخارِهِ إلى وقْتِ المَوْتِ وتَخْصِيصُ أمْرِ الإنْفاقِ بِذَلِكَ التَّأْكِيدِ لِمَيْلِ النُّفُوسِ إلى المالِ وكَوْنِها مَجْبُولَةً عَلى حُبِّهِ والضِّنَةِ بِهِ وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ الأمْرِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ أيْضًا مِن حَيْثُ أنَّ تَرْكَها كَثِيرًا ما لا يَكُونُ لِلِاشْتِغالِ بِالبِياعاتِ والمُخالَلاتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ بُعْدَهُ لَفْظًا بِناءً عَلى تَعَلُّقِ ﴿ سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ بِالأمْرِ بِالإنْفاقِ ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهَيْنِ في الآيَةِ هو الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ واقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِيها عَلى الوَجْهِ الثّانِي وكَلامُهُ في تَقْرِيرِهِ ظاهِرٌ في أنَّ فائِدَةَ التَّقْيِيدِ الحَثُّ عَلى الإنْفاقِ حَسْبَما بَيَّنَهُ في الكَشْفِ وفِيهِ في تَقْرِيرِ الحاصِلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ﴾ أيْ لا انْتِفاعَ بِهِما كِنايَةً عَنِ الِانْتِفاعِ بِما يُقابِلُهُما وهو ما أُنْفِقَ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَهو حَثٌّ عَلى الإنْفاقِ لِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: لِيُنْفِقُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ يَنْتَفِعُ بِإنْفاقِهِمُ المُنْفِقُونَ لَهُ ولا يَنْفَعُ النَّدَمُ لِمَن أمْسَكَ والعُدُولُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِيُفِيدَ الحَصْرَ وإنَّ ذَلِكَ وحْدَهُ هو المُنْتَفَعُ بِهِ ولِيُفِيدَ المُضادَّةَ بَيْنَ ما يَنْفَعُ عاجِلِيًّا وما يَنْفَعُ آجِلِيًّا وذُكِرَ في آيَةِ البَقَرَةِ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ﴾ أنَّ المَعْنى مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى تَدارُكِ ما فاتَكم مِنَ الإنْفاقِ لِأنَّهُ لا بَيْعٌ حَتّى تَبْتاعُوا ما تُنْفِقُونَهُ ولا خُلَّةٌ حَتّى يُسامِحَكم أخِلّاؤُكم بِهِ وبَيَّنَ المُدَقِّقُ وجْهَ اخْتِصاصِ كُلٍّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ بِمَوْضِعِهِ مَعَ صِحَّةِ جَرَيانِهِما جَمِيعًا في كُلٍّ مِنَ المَوْضِعَيْنِ بِأنَّ الأوَّلَ خِطابٌ عامٌّ فَكانَ الحَثُّ فِيهِ عَلى الإنْفاقِ مُطْلَقًا وتَصْوِيرُ أنَّ الإنْفاقَ نَفْسَهُ هو المَطْلُوبُ فَلْيُغْتَنَمْ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ يَفُوتُ فِيهِ ولا يُدْرِكُهُ الطّالِبُ هو المُوافِقُ لِمُقْتَضى المَقامِ وأنَّ الثّانِيَ لَمّا اخْتُصَّ بِالخُلَّصِ كانَ المُوافِقُ لِلْمَقامِ تَحْرِيضَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإنْفاقِ لِيَدُومُوا عَلَيْهِ فَقِيلَ: دُومُوا عَلَيْهِ وتَمَسَّكُوا بِهِ تَغْتَبِطُوا يَوْمَ لا يَنْفَعُ إلّا مَن دامَ عَلَيْهِ ولَوْ قِيلَ: دُومُوا عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَفُوتَكم ولا تُدْرِكُوهُ لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الوَكادَةِ لِأنَّ الأوَّلَ بِالحَثِّ عَلى طَلَبِ أصْلِ الفِعْلِ أشْبَهُ والثّانِيَ بِطَلَبِ الدَّوامِ فَتَفَطَّنْ لَهُ.

اهَـ.

ولا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ ( لا بَيْعَ فِيها ولا خِلالَ ) بِفَتْحِ الِاسْمَيْنِ تَنْصِيصًا عَلى اسْتِغْراقِ النَّفْيِ ودَلالَةُ الرَّفْعِ عَلى ذَلِكَ بِاعْتِبارٍ خِطابِيٍّ هو عَلى ما قِيلَ وُقُوعُهُ في جَوابِ هَلْ فِيهِ بِيعٌ أوْ خِلالٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا قرأ حمزة والكسائي وابن عامر: قل لعباد الذين بغير ياء.

وقرأ الباقون: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ بالياء مع النصب.

وأصله الياء، إلا أن الكسرة تغني عن الياء.

وقال بعض الحكماء: شرف الله تعالى عباده بهذه الياء، وهي خير لهم من الدنيا وما فيها، لأن فيه إضافة إلى نفسه، والإضافة تدل على العتق، لأن رجلاً لو قال لعبده: يا ابن، أو يا ولد لا يعتق، ولو قال يا ولدي أو يا ابني يعتق بالإضافة إلى نفسه، فكذلك إذا أضاف الله العباد إلى نفسه، وفيه دليل على أنه يعتقهم من النار.

قوله: يُقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: يتمونها بركوعها وسجودها ومواقيتها، وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال سِرًّا وَعَلانِيَةً يعني: سِرًّا على المتعففين، وَعَلانِيَةً على السائلين مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ يعني: لا فداء فيه وَلا خِلالٌ يعني: لا مخالة تنفعه، وهي الصداقة.

لأنه إذا نزل بهم شدة في الدنيا، يفادون ويشفع خليلهم، وليس في الآخرة شيء من ذلك، وإنما هي أعمالهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو لاَّ بَيْعٌ وَلاَ خلال بنصب العين واللام.

وقرأ الباقون: بالرفع والتنوين فيهما، وهذا الاختلاف مثل قوله وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [البقرة: 254] .

ثم بيّن دلائل وحدانيته فقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء وهو المطر فَأَخْرَجَ بِهِ يعني: فأنبت بالمطر مِنَ الثَّمَراتِ يعني: من ألوان الثمرات، رِزْقاً لَكُمْ يعني: طعاما لكم.

وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ يعني: ذلّل لكم ركوب الفلك لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ يقول بإذنه وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ يعني: دائمين مطيعين.

يعني: ذلّل لكم ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يعني: جعل بني آدم، يلتمسون فيها المعيشة، وينتشرون في النهار إلى حوائجهم، وفي الليل مستقرهم ومنامهم، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ يعني: أعطاكم من كل شيء لم تحسنوا أن تسألوا، فأعطيتكم برحمتي.

وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة أنه قال: لم تسألوه بكل الذي أعطاكم.

وقال معمر والحسن: آتاكم من كل الذي سألتموه.

قال مجاهد: كل ما سألتموه، أي رغبتم إليه فيه، قرأ بعضهم مِنْ كُلِّ بالتنوين يعني: أعطاكم من كل شيء.

وقراءة العامة مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ من غير تنوين على معنى الإضافة.

يعني: من جميع ما سألتموه.

ثم قال: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها يعني: لا تقدروا على أداء شكرها.

ويقال: لاَ تُحْصُوها يعني: لا تحفظوها إِنَّ الْإِنْسانَ يعني: الكافر لَظَلُومٌ كَفَّارٌ يعني: يظلم نفسه بالكفر بنعم الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

هذه الآية: هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم ودِينُهُ، وَأَحَلُّوا/ قَوْمَهُمْ، أي: مَنْ أطاعهم، وكأنَّ الإشارة والتعنيف إنما هو للرؤوس والأعلام، والْبَوارِ: الهلاك، قال عطاءُ بنُ يَسَارٍ: نَزَلَتْ هذه الآيةُ في قَتْلَى «١» بدْر، و «الأنداد» : جمع نِدٍّ، وهو المثيلُ، والمرادُ: الأصنام، واللام في قوله:

لِيُضِلُّوا- بضم الياء-: لام كَيْ، وبفتحها: لام عاقبة وصيرورة، والقراءتان «٢» سبعيّتان.

قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)

وقوله سبحانه: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ...

الآية: «العباد» : جمع عبدٍ، وعُرْفُه في التكرمة بخلاف العبيد، و «السر» : صدقة التنفّل، و «العلانية» : المفروضةُ هذا هو مقتضى الأحاديثِ، وفسر ابن عباس هذه الآية بزكَاةِ الأَموالِ مجملاً، وكذلك فسَّر الصلاة بأَنها الخَمْسُ وهذا عندي منه تقريبٌ للمخاطَب «٣» .

و «الخلال» : مصدرٌ من «خَالَلَ» ، إِذا وادَّ وصافَى ومنه الخُلَّة والخَلِيلَ، والمراد بهذا اليومِ يَوْمُ القيامة.

وقوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ: هذه الآيةُ تذكيرٌ بآلائه سُبْحانه، وتنبيهٌ على قدرته التي فيها إِحْسَان إِلى البَشَر لتقوم الحُجَّة عليهم، وقوله: بِأَمْرِهِ: مصدر أَمَرَ يَأْمُرُ، وهذا راجعٌ إِلى الكلام القديم القائم بالذات، ودائِبَيْنِ: معناه: متماديين، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم لصاحب الجمل

الذي بَكَى وأَجْهَش «١» إِليه: «إِنَّ هَذَا الجمَلَ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبَه» «٢» ، أي: تديمه في الخِدْمَة والعَمَل، وظاهرُ الآية أنَّ معناه: دائبَيْن في الطلوع والغروبِ وما بينهما من المَنَافِعِ للناسِ التي لا تحصَى كثرةً، وعن ابن عباس أَنَّه قال: معناه: دائِبَيْنِ في طاعة اللَّه «٣» ، وقوله سبحانه: وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ المعنى: أنَّ جنس الإِنسان بجملته قد أوتي من كلِّ ما شأنه أنْ يسأل وينتفع به، وقرأ ابن عباس «٤» وغيره: «مِنْ كُلٍّ مَّا سَأَلْتُمُوهُ» - بتنوين كُلٍّ-، وروِيت عن نافع، وقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوها، أي: لكثرتها وعِظَمها في الحَوَاس والقُوَى، والإِيجادِ بعد العَدَمِ والهدايةِ للإِيمان وغيرِ ذلك، وقال طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: إِنَّ حقَّ اللَّه تعالى: أَثْقَلُ من أَنْ يَقُومَ به العُبَّادُ، ونِعْمَهُ أَكثر مِنْ أَنْ يحصيها العبَادُ، ولكنْ أصْبِحُوا توَّابين، وأمْسُوا تَوَّابِين.

ت «٥» : وَمِنْ «الكَلِمِ الفارقيَّة» : أيها الحَرِيصُ على نيلِ عَاجِلِ حظِّه ومراده الغافلُ عن الاستعداد لمعاده تنبَّه لعظمة مَنْ وجودُكَ بإِيجادِهِ وبقاؤك بإِرْفاده ودوامك بإِمداده، وأنْتَ طفلٌ في حَجْر لُطْفه ومهد عَطْفه وحضانة حفظه، يغذِّك بلِبَانِ بِرِّهِ ويقلِّبك بأيدي أياديه وفضله وأنتَ غافلٌ عن تعظيم أمره جاهلٌ بما أولاَكَ من لَطِيف سِرِّه وفضَّلك به على كثيرٍ من خَلْقه، واذكر عهد الإِيجاد، ودوام الإِمْدَاد والإِرفاد وحالَتَيِ الإِصْدَار والإِيراد وفاتحة المبدأ وخاتمةَ المَعَاد.

انتهى.

وقوله سبحانه: إِنَّ الْإِنْسانَ: يُريدُ به النوَعَ والجنس، المعنى: توجد فيه هذه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أسْكَنَ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ياءَ " عِبادِي " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: قُلْ لِعِبادِي: أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا، يُقِيمُوا ويُنْفِقُوا، فَحُذِفَ الأمْرانِ، وتُرِكَ الجَوابانِ، قالَ الشّاعِرُ: فَأيُّ امْرِئٍ أنْتَ أيُّ امْرِئٍ إذا قِيلَ في الحَرْبِ مَن يُقْدِمُ أرادَ: إذا قِيلَ: مَن يُقْدِمْ تُقْدِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا الصَّلاةَ، وأنْفِقُوا، فَصُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، ولْيُنْفِقُوا، فَحَذَفَ لامَ الأمْرِ، لِدَلالَةِ " قُلْ " عَلَيْها.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والخِلالُ مَصْدَرُ خالَلْتُ فُلانًا خِلالًا ومُخالَّةً، والِاسْمُ الخُلَّةُ، وهي الصَّداقَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ ﴾ أيْ: ذَلَّلَها، تَجْرِي حَيْثُ تُرِيدُونَ، وتَرْكَبُونَ فِيها حَيْثُ تَشاؤُونَ.

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِهِما وتَسْتَضِيئُوا بِضَوْئِهِما ﴿ دائِبَيْنِ ﴾ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ، لا يَفْتُرانِ.

ومَعْنى الدُّؤُوبِ: مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ.

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ ﴾ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، راحَةً لِأبْدانِكم، ﴿ والنَّهارَ ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِمَعاشِكم، ﴿ وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ.

والثّانِي: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، لَوْ سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّالِثُ: وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَأضْمَرَ الشَّيْءَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ في زَمانِها شَيْئًا، قالَهُ الأخْفَشُ.

والرّابِعُ: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وما لَمْ تَسْألُوهُ، لِأنَّكم لَمْ تَسْألُوا شَمْسًا ولا قَمَرًا وَلا كَثِيرًا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي ابْتَدَأكم بِها، فاكْتُفِيَ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي، كَقَوْلِهِ: ﴿ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ  ﴾ ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

الخامِسُ: عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَزِينٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وأبانَ عَنْ عاصِمٍ، وأبِي حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " مِن كُلٍّ ما " بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فالمَعْنى: آتاكم مِن كُلٍّ ما لَمْ تَسْألُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾ أيْ: إنْعامَهُ ﴿ لا تُحْصُوها ﴾ لا تُطِيقُوا الإتْيانَ عَلى جَمِيعِها بِالعَدِّ لِكَثْرَتِها.

" إنَّ الإنْسانَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الإنْسانُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ﴾ الظَّلُومُ هاهُنا: الشّاكِرُ غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ، والكَفّارُ: الجَحُودُ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٢٦) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْنُبْنِي وبَنِيَّ ﴾ أيْ: جَنَّبْنِي وإيّاهم، والمَعْنى: ثَبِّتْنِي عَلى اجْتِنابِ عِبادَتِها.

﴿ رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، وهي لا تُوصَفُ بِالإضْلالِ ولا بِالفِعْلِ، ولَكِنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِها، كانَتْ كَأنَّها أضَلَّتْهم.

﴿ فَمَن تَبِعَنِي ﴾ أيْ: عَلى دِينِي التَّوْحِيدِ ﴿ فَإنَّهُ مِنِّي ﴾ أيْ: فَهو عَلى مِلَّتِي، ﴿ وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ومَن عَصانِي ثُمَّ تابَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: ومَن عَصانِي فِيما دُونَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

والثّالِثُ: ومَن عَصانِي فَكَفَرَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ فَتَهْدِيَهُ إلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دَعا بِهَذا قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ كَما اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ﴾ ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ ﴾ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ ﴾ ﴿ وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ ﴾ العِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ، وعُرْفُهُ في التَكْرِمَةِ بِخِلافِ العَبِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ يُقِيمُوا الصَلاةَ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ: جَزْمُهُ بِإضْمارِ لامِ الأمْرِ عَلى حَدِّ قَوْلِ الشاعِرِ: مُحَمَّدُ تَفِدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ، وقالَتْ فَرْقَةٌ - أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ-: هو فِعْلٌ مُضارِعٌ جُزِمَ لَمّا كانَ في مَعْنى فِعْلِ الأمْرِ، لِأنَّ المُرادَ: أقِيمُوا، وهَذا كَما يُبْنى الِاسْمُ المُتَمَكِّنُ في النِداءِ في قَوْلِكَ: "يا زَيْدُ"، لَمّا شُبِّهَ بِـ "قَبْلُ وبَعْدُ"، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ يَتَضَمَّنُهُ صَدْرُ الآيَةِ، تَقْدِيرُهُ: إنْ تَقُلْ لَهُمْ: أقِيمُوا يُقِيمُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الأمْرِ الَّذِي يُعْطِينا مَعْناهُ قَوْلُهُ: "قُلْ"، وذَلِكَ بِأنْ يُجْعَلَ "قُلْ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى بَلِّغْ وأْدِّ الشَرِيعَةَ يُقِيمُوا الصَلاةَ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ المَقُولَ هو الأمْرُ بِالإقامَةِ والإنْفاقِ.

ويَظْهَرُ أنَّ المَقُولَ هو الآيَةُ الَّتِي بَعْدُ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ ﴾ الآيَةُ.

و"السِرُّ" صَدَقَةُ النَفْلِ، والعَلانِيَةُ الصَدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، وهَذا هو مُقْتَضى الأحادِيثِ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما هَذِهِ الآيَةَ بِزَكاةِ الأمْوالِ مُجْمَلًا، وكَذَلِكَ فَسَّرَ الصَلاةَ بِأنَّها الخَمْسُ، وهَذا عِنْدِي مِنهُ تَقْرِيبٌ لِلْمُخاطَبِ.

و"الخِلالُ" مَصْدَرٌ مِن خالَكَ إذا وادَّ وصافى، ومِنهُ الخُلَّةُ والخَلِيلُ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: صَرَفْتُ الهَوى عنهُنَّ مِن خَشْيَةِ الرَدى ∗∗∗ ∗∗∗ ولَسْتُ بِمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالِ وقالَ الأخْفَشُ: الخِلالُ جَمْعُ خُلَّةٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "لا بَيْعٌ ولا خِلالٌ" بِالرَفْعِ عَلى إلْغاءِ "لا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وابْنُ كَثِيرٍ: "لا بَيْعَ ولا خِلالَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا، والمُرادُ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وأنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكم الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكم الأنْهارَ ﴾ الآيَةُ تَذْكِيرٌ بِآلاءِ اللهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَتِهِ الَّتِي فِيها إحْسانٌ إلى البَشَرِ؛ لِتَقُومَ الحُجَّةُ مَن وجْهَيْنِ، و"اللهُ" مُبْتَدَأٌ، و"الَّذِي" خَبَرُهُ.

ومَن أُخْبِرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ وتَقَرَّرَتْ في نَفْسِهِ آمَنَ وصَلّى وأنْفَقَ.

و"السَماواتُ" هي الأرْقِعَةُ السَبْعَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ: السَحابُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الثَمَراتِ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، فَيَكُونُ المُرادُ بَعْضُ جَنْيِ الأشْجارِ، ويَسْقُطُ ما كانَ مِنها سُمًّا أو مُجَرَّدًا لِلْمُضِرّاتِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ كَأنَّهُ قالَ: فَأخْرَجَ بِهِ رَزَقًا لَكم مِنَ الثَمَراتِ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: "مِن" زائِدَةٌ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِكَوْنِها في الجَوابِ، ويَجُوزُ عِنْدَ الأخْفَشِ.

و"الفُلْكُ" جَمْعُ فُلْكٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ مِرارًا.

وقَوْلُهُ: "بِأمْرِهِ" مَصْدَرٌ مِن أمَرَ يَأْمُرُ، وهَذا راجِعٌ إلى الكَلامِ القائِمِ بِالذاتِ، كَقَوْلِ اللهِ تَعالى لِلْبِحارِ والأرْضِ وسائِرِ الأشْياءِ: "كُنْ" عِنْدَ الإيجادِ، إنَّما مَعْناهُ: كُنْ بِحالِ كَذا، وعَلى وتِيرَةِ كَذا، وفي هَذا تَدْرِيجُ دَوَرانِ الفُلْكِ يَنْطَوِي تَسْخِيرَ البَحْرِ وتَسْخِيرَ الرِياحِ، وأمّا تَسْخِيرُ الأنْهارِ فَتَفَجُّرُها في كُلِّ بَلَدٍ وانْقِيادُها لِلسَّقْيِ وسائِرِ المَنافِعِ.

و"دائِبَيْنِ" مَعْناهُ: مُتَمادِيَيْنِ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  لِصاحِبِ الجَمَلِ الَّذِي بَكى وَأجْهَشَ إلَيْهِ: (إنَّ هَذا الجَمَلَ شَكا إلَيَّ أنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ)» أيْ تُدِيمُهُ في الخِدْمَةِ والعَمَلِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ مَعْناهُ: دائِبَيْنِ في الطُلُوعِ والغُرُوبِ وما بَيْنَهُما مِنَ المَنافِعِ لِلنّاسِ الَّتِي لا تُحْصى كَثْرَةً، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ -يَرْفَعُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: دائِبَيْنِ في طاعَةِ اللهِ، وهَذا قَوْلٌ إنْ كانَ يُرادُ بِهِ أنَّ الطاعَةَ انْقِيادٌ مِنهُما في التَسْخِيرِ فَذَلِكَ مَوْجُودٌ في قَوْلِهِ: "سَخَّرَ"، وإنْ كانَ يُرادُ أنَّها طاعَةٌ مَقْصُودَةٌ كَطاعَةِ العِبادِ مِنَ البَشَرِ فَهَذا بِعِيدٌ، واللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ لِلْجِنْسِ مِنَ البَشَرِ، أيْ إنَّ الإنْسانَ بِجُمْلَتِهِ قَدْ أُوتِيَ مِن كُلِّ ما شَأْنُهُ أنْ يُسْألَ ويُنْتَفَعَ بِهِ، ولا يَطَّرِدَ هَذا في واحِدٍ مِنَ الناسِ، وإنَّما تَفَرَّقَتْ هَذِهِ النِعَمُ في البَشَرِ، فَيُقالُ بِحَسْبِ هَذا لِلْجَمِيعِ: "أُوتِيتُمْ كَذا" عَلى جِهَةِ التَعْدِيدِ لِلنِّعْمَةِ، وقِيلَ المَعْنى: وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ أنْ لَوْ سَألْتُمُوهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، و"ما" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ويَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "سَألْتُمُوهُ" عائِدًا عَلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، ويَكُونَ الضَمِيرُ عائِدًا عَلى "الَّذِي"، وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ" بِتَنْوِينِ "كُلٍّ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وسَلامٍ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، والمَعْنى: وآتاكم مِن كُلِّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَذْكُوراتِ قَبْلُ ما شَأْنُهُ أنْ يُسْألَ لِمَعْنى الِانْتِفاعِ بِهِ، فَـ "ما" في قَوْلِهِ: ﴿ ما سَألْتُمُوهُ ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ بِـ "آتاكُمْ".

وقالَ بَعْضُ الناسِ: "ما" نافِيَةٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، أيْ: أعْطاكم مِن كُلٍّ شَيْئًا، ما سَألْتُمُوهُ، والمَفْعُولُ الثانِي هو قَوْلُنا: "شَيْئًا"، فَعَدَّدَ عَلى هَذِهِ- النِعْمَةَ في تَفْضِيلِهِ بِما لَمْ يَسْألْهُ البَشَرُ مِنَ النِعَمِ، وكانَ ما سَألُوهُ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرُ الضَحّاكِ.

وأمّا القِراءَةُ الأولى بِإضافَةِ "كُلِّ" إلى "ما" فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المَفْعُولِ الثانِي: جُزْءًا أو شَيْئًا أو نَحْوَ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها  ﴾ أيْ: لِكَثْرَتِها وعِظَمِها في الحَواسِّ والقُوى والإيجادِ مِنَ العَدَمِ إلى الهِدايَةِ إلى لِإيمانٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: إنَّ حَقَّ اللهِ أثْقَلُ مِن أنْ يَقُومَ بِهِ العِبادُ، ونِعَمَهُ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصِيَها العِبادُ، ولَكِنْ أصْبِحُوا تَوّابِينَ وأمْسُوا تَوّابِينَ.

وقالَ أبُو الدَرْداءِ: مَن لَمْ يَرَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ وحَضَرَ عَذابُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ النَوْعَ والجِنْسَ، المَعْنى: تُوجَدُ فِيهِ هَذِهِ الخِلالُ، وهي الظُلْمُ والكُفْرُ، فَإنَّ كانَتْ هَذِهِ الخِلالُ مِن جاحِدٍ فَهي بِصِفَةٍ، وإنْ كانَتْ مِن عاصٍ فَهي بِصِفَةٍ أُخْرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف نشأ عن ذكر حال الفريق الذي حقت عليه الكلمة الخبيثة بذكر حال مقابله، وهو الفريق الذي حقت عليه الكلمة الطيبة.

فلما ابتدئ بالفريق الأول لقصد الموعظة والتخلي ثُنّي بالفريق الثاني على طريقة الاعتراض بين أغراض الكلام كما سيأتي في الآية عقبها.

ونظيره قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿ وقالوا أإذا كنا عظاماً ورفاتاً إنا لمبعوثون خلقاً جديداً قل كونوا حجارة إلى أن قال وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ﴾ [سورة الإسراء: 50، 52].

ولما كانوا متحلين بالكمال صِيغَ الحديث عنهم بعنوان الوصف بالإيمان، وبصيغة الأمر بما هم فيه من صلاة وإنفاق لقصد الدوام على ذلك، فحصلت بذلك مناسبة وقع هذه الآية بعد التي قبلها لمناسبة تضاد الحالين.

ولما كان المؤمنون يقيمون الصلاة من قبل وينفقون من قبل تعين أن المراد الاستزادة من ذلك، ولذلك اختير المضارع مع تقدير لام الأمر دون صيغة فعل الأمر لأن المضارع دال على التجدد، فهو مع لام الأمر يلاقي حال المتلبس بالفعل الذي يؤمر به بخلاف صيغة (افعل) فإن أصلها طلب إيجاد الفعل المأمور به من لم يكن ملتبساً به، فأصل يقيموا الصلاة} ليقيموا، فحذفت لام الأمر تخفيفاً.

وهذه هي نكتة ورود مثل هذا التركيب في مواضع وروده، كما في هذه الآية وفي قوله ﴿ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ﴾ في سورة الإسراء (52)، أي قل لهم ليقيموا وليقولوا، فحكي بالمعنى.

وعندي: أن منه قوله تعالى: ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون في سورة الحجر (3)، أي ذرهم ليأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل.

فهو أمر مستعمل في الإملاء والتهديد، ولذلك نوقن بأن الأفعال هذه معمولة للام أمر محذوفة.

وهذا قول الكسائي إذا وقع الفعل المجزوم بلام الأمر محذوفة بعد تقدم فعل قل } ، كما في «مغني اللبيب» ووافقه ابن مالك في «شرح الكافية».

وقال بعضهم: جزم الفعل المضارع في جواب الأمر ب ﴿ قل ﴾ على تقدير فعل محذوف هو المقول دل عليه ما بعده.

والتقدير: قل لعبادي أقيموا يقيموا وَأنفقوا ينفقوا.

وقال الكسائي وابن مالك إن ذلك خاص بما يقع بعد الأمر بالقول كما في هذه الآية، وفاتهم نحو آية وزيادة مما رزقناهم} للتذكير بالنعمة تحريضاً على الإنفاق ليكون شكراً للنعمة.

و ﴿ سراً وعلانية ﴾ حالان من ضمير ﴿ ينفقوا ﴾ ، وهما مصدران.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ سراً وعلانية ﴾ في سورة البقرة (274).

والمقصود تعميم الأحوال في طلب الإنفاق لكيلا يظنوا أن الإعلان يجر إلى الرياء كما كان حال الجاهلية، أو أن الإنفاق سراً يفضي إلى إخفاء الغني نعمة الله فيجر إلى كفران النعمة، فربما توخى المرء أحد الحالين فأفضى إلى ترك الإنفاق في الحال الآخر فتعطل نفع كثير وثواب جزيل، فبين الله للناس أن الإنفاق بِرّ لا يكدره ما يحف به من الأحوال، وإنما الأعمال بالنيات.

وقد تقدم شيء من هذا عند قوله: ﴿ الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم ﴾ [سورة التوبة: 79] الآية.

وقيل المقصود من السر الإنفاق المتطوع به، ومن العلانية الإنفاق الواجب.

وتقديم السر على العلانية تنبيه على أنه أولى الحالين لبعده عن خواطر الرياء، ولأن فيه استبقاءً لبعض حياء المتصدق عليه.

وقوله: من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه } الخ متعلق بفعل ﴿ يقيموا الصلوات وينفقوا ﴾ ، أي ليفعلوا ذينك الأمرين قبل حلول اليوم الذي تتعذر فيه المعاوضات والإنفاق.

وهذا كناية عن عظيم منافع إقامة الصلاة والإنفاق قبل يوم الجزاء عنهما حين يتمنون أن يكونوا ازدادوا من ذينك لما يسرهم من ثوابهما فلا يجدون سبيلاً للاستزادة منهما، إذ لا بيع يومئذٍ فيشترى الثواب ولا خلال من شأنها الإرفاد والإسعاف بالثواب.

فالمراد بالبيع المعاوضة وبالخلال الكناية عن التبرع.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ﴾ في سورة البقرة (254).

وبهذا تبين أن المراد من الخلال هنا آثارها، بقرينة المقام، وليس المراد نفي الخلة، أي الصحبة والمودّة لأن المودّة ثابتة بين المتقين، قال تعالى: ﴿ الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ﴾ [سورة الزخرف: 67].

وقد كني بنفي البيع والخلال التي هي وسائل النوال والإرفاد عن انتفاء الاستزادة.

وإدخال حرف الجر على اسم الزمان وهو قبل} لتأكيد القبلية ليفهم معنى المبادرة.

وقرأ الجمهور ﴿ لا بيع ﴾ بالرفع.

وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب بالبناء على الفتح.

وهما وجهان في نفي النكرة بحرف <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالسِّرِّ ما خَفِيَ، وبِالعَلانِيَةِ ما ظَهَرَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

الثّانِي: أنَّ السِّرَّ التَّطَوُّعُ، والعَلانِيَةَ الفَرْضُ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ يَحْيى.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: أنَّ السِّرَّ الصَّدَقاتُ، والعَلانِيَةَ النَّفَقاتُ.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا فِدْيَةَ ولا شَفاعَةَ لِلْكافِرِ.

الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ لا بَيْعٌ ﴾ أيْ لا تُباعُ الذُّنُوبُ ولا تُشْتَرى الجَنَّةُ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ ﴿ وَلا خِلالٌ ﴾ أيْ لا مَوَدَّةَ بَيْنَ الكُفّارِ في القِيامَةِ لِتَقاطُعِهِمْ.

ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الخِلالَ جَمْعُ خُلَّةٍ، مِثْلُ قِلالٍ وقُلَّةٍ.

الثّانِي: أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن خالَلْتُ خِلالًا، مِثْلُ قاتَلْتُ قِتالًا.

وَمِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ خالَتِ البُرْقَةُ شِرْكًا في الهُدى خِلَّةً باقِيَةً دُونَ الخِلَلْ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والبخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم كفار أهل مكة.

وأخرج البخاري في تاريخه، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هما الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.

فأما بنو المغيرة، فكفيتموهم يوم بدر.

وأما بنو أمية، فمتعوا إلى حين.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال لعمر رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، هذه الآية ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم الأفجران من قريش: أخوالي وأعمامك.

فأما أخوالي، فاستأصلهم الله يوم بدر.

وأما أعمامك، فأملى الله لهم إلى حين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط، وابن مردويه والحاكم وصححه من طرق، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هما الأفجران من قريش، بنو أمية وبنو المغيرة.

فأما بنو المغيرة، فقطع الله دابرهم يوم بدر.

وأما بنو أمية، فمتعوا إلى حين.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف، وابن مردويه والحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي الطفيل رضي الله عنه، أن ابن الكواء رضي الله عنه سأل علياً رضي الله عنه من ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم الفجار من قريش كفيتهم يوم بدر.

قال: فمن ﴿ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ﴾ [ الكهف: 104] قال: منهم أهل حروراء.

وأخرج ابن مردويه عن علي رضي الله عنه، أنه سئل عن ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: بنو أمية وبنو مخزوم، رهط أبي جهل.

وأخرج ابن مردويه عن ارطأة رضي الله عنه: سمعت علياً رضي الله عنه على المنبر يقول: ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ ، الناس منها برآء غير قريش.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن أبي حسين رضي الله عنه قال: قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: ألا أحد يسألني عن القرآن؟

فوالله لو أعلم اليوم أحداً أعلم به مني، وإن كان من وراء البحور لأتيته.

فقام عبد الله بن الكواء رضي الله عنه فقال: مَنْ ﴿ الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم مشركو قريش، أتتهم نعمة الله الايمان فبدلوا قومهم دار البوار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم في الكنى، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم كفار قريش الذين نحروا يوم بدر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم المشركون من أهل بدر.

وأخرج مالك في تفسيره عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم كفار قريش الذين قتلوا يوم بدر.

وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت هذه الآية في الذين قتلوا من قريش يوم بدر ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هم قريش.

ومحمد النعمة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً....

﴾ الآية.

قال: كنا نحدث أنهم أهل مكة، أبو جهل وأصحابه الذين قتلهم الله يوم بدر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ﴾ قال: هو جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ قال: أحلوا من أطاعهم من قومهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ دار البوار ﴾ قال: النار.

قال: وقد بين الله ذلك وأخبرك به فقال: ﴿ جهنم يصلونها وبئس القرار ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ جهنم يصلونها ﴾ قال: هي دارهم في الآخرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجعلوا لله أنداداً ﴾ قال: أشركوا بالله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رزين في قوله: ﴿ قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ﴾ قال: تمتعوا إلى أجلكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ﴾ قال: إن الله تعالى قد علم أن في الدنيا بيوعاً وخلالاً يتخالون بها في الدنيا، فلينظر رجل من يخالل، وعلام يصاحب، فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله فليعلم أن كل خلة ستصير على أهلها عداوة يوم القيامة، إلا خلة المتقين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ قال: بكل بلدة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر دائبين ﴾ قال: دؤوبهما في طاعة الله.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في كتاب العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الشمس بمنزلة الساقية، تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت الليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، وكذلك القمر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ قال: من كل شيء رغبتم إليه فيه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن جرير عن الحسن ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ قال: من كل الذي سألتموني تفسيره، أعطاكم أشياءً ما سألتموها ولم تلتمسوها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في الشعب، عن طلق بن حبيب رضي الله عنه قال: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصيها العباد، ولكن أصبحوا توّابين وأمسوا توابين.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، وعن بكر بن عبد الله رضي الله عنه قال: ما قال عبد قط الحمد لله، إلا وجبت عليه نعمة بقول الحمد لله، فقيل: فما جزاء تلك النعمة؟

قال: جزاؤها أن يقول الحمد لله، فجاءت نعمة أخرى فلا تنفد نعم الله.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب، عن سليمان التيمي رضي الله عنه قال: إن الله أنعم على العباد على قدره وكلفهم الشكر على قدرهم.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن بكر بن عبد الله المزني رضي الله عنه قال: با ابن آدم، إذا أردت أن تعرف قدر ما أنعم الله عليك فغمض عينيك.

وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: من لم يعرف نعمة الله عليه إلا في مطعمه ومشربه، فقد قل علمه وحضر عذابه.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال: ما أنعم الله على العباد نعمة أعظم من أن عرّفهم لا إله إلا الله، وأنّ لا إله إلا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن لله على أهل النار منة، فلو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن محمد بن صالح قال: كان بعض العلماء إذا تلا ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ قال: سبحان من لم يجعل من معرفة نعمه إلا المعرفة بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل في أحد من ادراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه، فجعل معرفة نعمه بالتقصير عن معرفتها شكراً، كما شكر علم العالمين أنهم لا يدركونه، فجعله إيماناً علماً منه أن العباد لا يجاوزون ذلك.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم قال: قال داود عليه السلام: (رب أخبرني ما أدنى نعمتك عليّ..؟

فأوحى الله: يا داود، تنفس.

فتنفس، فقال: هذا أدنى نعمتي عليك).

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: عبد الله عابد خمسين عاماً، فأوحى الله إليه أني قد غفرت لك.

قال: يا رب، وما تغفر لي..؟

ولم أذنب..؟

فأذن الله تعالى لعرق في عنقه فضرب عليه، فلم ينم ولم يصلِّ، ثم سكن فنام تلك الليلة، فشكا إليه فقال: ما لقيت من ضربان العرق؟

قال الملك: إن ربك يقول إن عبادتك خمسين سنة تعدل سكون ذلك العرق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: اللهم اغفر لي ظلمي وكفري.

قال قائل: يا أمير المؤمنين، هذا الظلم...

فما بال الكفر...

قال: ﴿ إن الإنسان لظلوم كفار ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ قال الفراء: جُزمت ﴿ يُقِيمُوا ﴾ بتأويل الجزاء، ومعناه معنى أمرة كقولك: قل لعبد الله يذهب عنا، يريد: قل له: اذهب عنا، فجُزم بنية الجواب وتأويله الأمر، ومثل هذا قوله: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا  ﴾ ، ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ ، هذا كلامه (١) (٢) ﴿ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ معناه معنى الأمر؛ أي: قل لهم يقيموا الصلاة، إلا أنه أُجري على ظاهر اللفظ كأنه جواب قوله: ﴿ قُلْ ﴾ ، وزاد ابن الأنباري لهذا بيانًا فقال: هذا على معنى: قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة، فصُرف عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر، وجُعل كالجواب للشرط المقدَّر من الأمر، وهو أمر في الحقيقة (٣) ومعنى قول أبي بكر: جُعل (كالجواب للشرط المقدّر) (٤) وقال أبو إسحاق قوله: ﴿ يُقِيمُوا ﴾ مجزوم بمعنى اللام؛ كأنه ليقيموا إلا أنها أسقطت؛ لأن الأمر قد دل على الغائب بقُل، يقول: قل لزيد ليضْرب عمرًا، وإن شئت قلت: قل لزيد يضرب عمرًا، ولا يجوز: يضربْ زيدٌ عمرًا، بالجزم حتى يقول: لِيضربْ؛ لأن لام الغائب ليس هاهنا منها عوض إذا حذفتها، وذكر وجهًا ثالثًا؛ وهو أن يكون المعنى: قل لعبادي الذين آمنوا [أقيموا الصلاة] (٥) (٦) (٧) (٨) ﴿ يُقِيمُوا ﴾ جواب أمر محذوف.

وقوله تعالى: ﴿ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ ﴾ قال أبو عبيدة: البيع هاهنا: الفداء، والخلال: المخالَّة (٩) (١٠) ﴿ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ﴾ في سورة البقرة [254]، وقد مرّ.

وجميع أهل المعاني قالوا في الخلال هاهنا إنه: المُخالَّة (١١) (١٢) (١٣) قال أبو علي: ويجوز أن يكون جمع خُلَّة مثل: بُرْمَة وبِرام (١٤) (١٥) ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ  ﴾ فأثبت الخُلَّة للمتقين؛ لأن لذلك اليوم أحوالًا ومواطن مختلفةً، ففي بعضها يشتغل كل خليل عن خُلَّةِ خليله (١٦) (١٧) ﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ  ﴾ ، وفي بعضها يتعاطف أولياء الله بالمُخالَّة التي كانت بينهم.

(١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 77، بتصرف يسير.

(٢) وردت (أن) قبل هذا في جميع النسخ، وهي زائدة أدت إلى اضطراب السياق، ولعلها من الناسخ، لذلك حذفت.

(٣) لم أقف على مصدره، وأورده ابن الجوزي في "تفسيره" 4/ 363 بنحوه، وهذا القول قال به المازني كما في "إعراب القرآن" للنحاس 184، والمبرد في "المقتضب" 2/ 84.

وقد رجحه أبو البركات الأنباري في "البيان في غريب الإعراب" 2/ 59، بينما ضعَّفه: العكبري في "الإملاء" 2/ 69، وأبو حيان 5/ 426، وابن هشام في "المغني" ص 299.

(٤) ما بين القوسين من (ش)، وساقط من (أ)، (د)، (ع).

(٥) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق، وهي ثابتة في الأصل، والظاهر أنها ساقطة؛ لأن المعنى مضطرب بدونها.

(٦) في جميع النسخ (بأن) والمثبت مصَّوب من المصدر.

(٧) في جميع النسخ: (بقلوبهم)، وهو تصحيف، والمثبت هو الصحيح وموافق للمصدر.

(٨) معاني القرآن وإعرابه" 3/ 162 بنصه.

(٩) "مجاز القرآن" 1/ 341، ولفظه قال: ﴿ لَا بَيْعٌ فِيهِ ﴾ مجازه: مبايعة فدية، ﴿ وَلَا خِلَالٌ ﴾ : أي مُخالة خليل.

الخُلّة: مُخالَّة الخليلين، وهي مصدر؛ يقال: خاللتُه مخالَّةً وخُلَّةً وخلالًا، وجمعها: خِلال، وهي الحُبُّ والمودةُ، وهي أخص من الصداقة.

انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 107، و"المحيط في اللغة" (خل) 4/ 175، و"اللسان" (خلل) 2/ 1252.

(١٠) "تفسير مقاتل" 1/ 193 ب، بمعناه، وورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 327 بنصه.

(١١) "مجاز القرآن" 1/ 341، بلفظه، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 600، بمعناه، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 533، بلفظه، وورد بلفظه في "غريب القرآن" لليزيدي ص 198، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 237، و"تفسير الطبري" 13/ 224، و"تفسير المشكل" ص 214.

(١٢) في جميع النسخ (بمُلْقِي) وهو تصحيف، والتصويب من الديوان وجميع المصادر.

(١٣) وصدره: صرفْتُ الهوى عنهُنّ من خشية الرّدى "ديوان امرئ القيس" ص 126، وورد في "تفسير الطبري" 13/ 224، و"معاني القرآن" للنحاس 3/ 533، و"شرح ديوان الحماسة" 3/ 321، و"تفسير الثعلبي" 7/ 155 ب، وابن عطية 8/ 245، و"اللسان" (خلل) 2/ 1252، و"تفسير أبي حيان" 5/ 427، و"الدر المصون" 7/ 108، (المقْلي) المُبْغَض، اسم مفعول، و (القالي): المُبْغِض، اسم فاعل، يريد أنه لم ينصرف عن الحسان لأنه أبغضهنّ، ولا لأنهنّ أبغضْنه، ولكن خشية الفضيحة والعار، فهو متيَّم بحبهنَّ ولكنه صرف هذا الحب عنهنّ خشية الهلاك، ولم ينصرف عنهنّ لسوءٍ في طباعه.

(١٤) البُرْمة: قِدْر من حجارة، ويجمع بُرْم وبُرَم وبِرام.

انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 329، "المحيط في اللغة" (برم) 10/ 242.

(١٥) "الحجة للقراء" 2/ 355، بتصرف.

العُلْبة: وعاء من جلدِ جنب البعير يُسوى على هيئة القصْعة المدورة، كأنها نُحتت نحتاً أو خُرطت خرْطاً، يُحْتلب فط، وتُجمع عُلبًا وعِلابًا.

انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 366، و"تهذيب اللغة" (علب) 3/ 2542.

(١٦) أقف على مصدره، وورد بنحوه غير منسوب في "تفسير صديق خان" 7/ 117.

(١٧) ساقط من (د).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً ﴾ نعمة الله هنا هو محمد صلى الله عليه وسلم ودينه: أنعم الله به على قريش فكفروا النعمة ولم يقبلوها والتقدير بدلوا شكر نعمة الله كفرا ﴿ وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ ﴾ أي من أطاعهم واتبعهم ﴿ دَارَ البوار ﴾ فسرها بقوله جهنم ﴿ يُقِيمُواْ الصلاوة ﴾ هي جواب شرط فقد يتضمنه قوله قل: تقديره إن تقل لهم أقيموا يقيموا، ومعمول القول على هذا محذوف، وقيل: جزم بإضمار لام الأمر تقديره ليقيموا ﴿ وَلاَ خِلاَلٌ ﴾ من الخلة وهي المودة ﴿ إِنَّ الإنسان ﴾ يريد الجنس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الرياح ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون على التوحيد ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بلفظ الفعل.

﴿ سبلنا ﴾ بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو ﴿ لي عليكم ﴾ بفتح الياء: حفص.

﴿ بمصرخي ﴾ بكسر الياء: حمزة.

الآخرون بالفتح ﴿ أشركتموني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل ﴿ البوار ﴾ ممالة: أبو عمرو وعلي: ﴿ ليضلوا ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بضمها.

﴿ لعبادي الذين ﴾ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى.

الباقون بالفتح.

﴿ من كل ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.

الباقون بالإضافة.

الوقوف: ﴿ عاصف ﴾ ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لهديناكم ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ فأخلفتكم ﴾ ط ﴿ فاستجبتم لي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ أنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ بمصرخي ﴾ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: ﴿ إني كفرت ﴾ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بإذن ربهم ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ه لا ﴿ ربها ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ من قرار ﴾ ط ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لتكرار اسم الله  في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: ﴿ ويفعل الله ﴾ لأنه في المعنى بيان قوله: ﴿ ويضل الله ﴾ ﴿ وما يشاء ﴾ ه ﴿ البوار ﴾ لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل ﴿ أحلوا ﴾ أو مم مفعوله أو من كليهما ﴿ يصلونها ﴾ ط ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ه ﴿ ولا خلال ﴾ ه ﴿ رزقاً لكم ﴾ ط ﴿ بأمره ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ دائبين ﴾ ج ﴿ والنهار ﴾ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر ﴿ سألتموه ﴾ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ كفار ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غيابة حسرتهم ونهاية خيبتهم.

فقال: ﴿ مثل الذين ﴾ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم.

وقوله: ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم.

وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا.

وإنما جاز حذفه استغاء بذكره ثانياً.

وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ كقولك "صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون" ويجوز أن يكون ﴿ أعاملهم ﴾ بدلاً والخبر ﴿ كرماد ﴾ وحده.

والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف.

قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازواً كقولك "يوم ماطر".

قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة.

وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام.

ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً.

ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به.

وقوله: ﴿ مما كسبوا على شيء ﴾ القياس عكسه كما في "البقرة" لأن "على" من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي عن الحق والثواب.

ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟

فقال: ﴿ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ﴾ مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه  يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو.

ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مر مثله في سورة النساء.

﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور.

فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟

قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه.

وللحكيم أن يستدل بقوله: ﴿ يذهبكم ﴾ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض.

والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور.

وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: ﴿ وبرزوا ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع مثل { ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه "امرأة برزة" إذا كانت تظهر للناس "وبرز فلان على أقرانه" إذا فاقهم.

ومعنى بروزهم لله وهو  لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله.

فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه.

قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وبرزوا لله ﴾ هو المراد من قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال.

وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة.

كتب ﴿ الضعفواء ﴾ بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: ﴿ علماء بني إسرائيل  ﴾ والضعفاء العوام الأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته  فضلوا وأضلوا.

قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس.

وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدراً أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية ﴿ فهل أنتم مغنون ﴾ هل يمكنكم دفع عذاب الله ﴿ عنا ﴾ ومن في ﴿ من عذاب الله ﴾ للتبيين وفي ﴿ من شيء ﴾ للتبعيض.

والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ .

عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى.

وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنه كذبوا فيه كقوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم  ﴾ واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل "الأنعام" في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ وجوز أيضاً أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.

وزيف بأن كل ما في مقدور الله  من الألطاف فقد فعله.

وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ وإعرابه كقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم  ﴾ أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ سواء علينا ﴾ الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه ﴾ {يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف.

ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن.

ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة.

والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة.

وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار.

يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في النار فيقول: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ وعن النبي  : "إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول" .

ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل "مسجد الجامع"، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال.

وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم.

الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد.

ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضاً مثل ذلك.

ثم ذكر طريق وسوسته اعتذاراً منهم فقال: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ﴿ إلا أن دعوتكم ﴾ قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاءه الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط.

﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا عدم إنكار الله  عليه حجة.

هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره.

قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له، أو بكونه منافراً له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئاً من أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره.

وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟

جوابه أن الشيطان إذا كان جسماً لطيفاً والله  ركبه تركيباً عجيباً لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهراً نورانياً مجبولاً على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر.

وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة.

هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلاً من تلك الأرواح بالطباع التام.

وذكر بعض العلماء احتمالاً آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان وسوسة.

ثم حكى الله  عن الشيطان أنه قال: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم.

قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث.

صرخ فلان إذا استغاث.

وقال واغوثاه، وأصرخته أي أغثته.

وعاب النحويون على حمزة أنه قرأ: ﴿ وما أنتم بمصرخيّ ﴾ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو "عصاي" فما بالها وقبلها ياء.

وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره.

قوله: ﴿ إني كفرت بما أشركتموني ﴾ إن كانت "ما" مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيراً وتصرفاً في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن "ما" في معنى "من" كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه.

ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة.

أما قوله: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته.

ثم شرع في أحوال السعداء وقال: ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق بـ ﴿ أدخل ﴾ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.

وقرأ الحسن ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ المتكلم.

قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.

وقد تقدم معنى قوله: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ في أول سورة يونس.

ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلاً.

قال في الكشاف ﴿ كلمة طيبة ﴾ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو تفسير لقوله: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلاً.

ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة.

وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: ﴿ كلمة ﴾ عطف بيان، وقوله: ﴿ كشجرة ﴾ مفعول ثانٍ.

عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

والشجرة الطيبة شجرة في الجنة.

وعن ابن عمر: هي النخلة.

وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.

والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.

وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن.

أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها والثانية: ﴿ أصلها ثابت ﴾ راسخ آمن من الانقطاع.

ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله.

والثالثة ﴿ وفرعها في السماء ﴾ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ.

ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات.

قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس.

الصفة الرابعة ﴿ تؤتي أُكلها كل حين ﴾ أي تعطي ثمرها كل وقت وقَّته الله لأثمارها.

وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر.

وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة.

وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر.

والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً ﴿ بإذن ربها ﴾ بتيسير خالقها وتكوينه.

قال المحققون: معرفة الله  والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئاً من الحاس.

أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به.

ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد.

وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموماً وخصوصاً.

وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ وسمعه للحكمة ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ ونطقه بالصدق والصواب { ﴿ وقولوا قولاً سديداً  ﴾ وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء.

وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات.

وإذا صار جوهر النفس كاملاً بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملاً لغيره وذلك قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ .

وفي قوله: ﴿ بإذن ربها ﴾ إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب ان يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة.

و ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان.

وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفي كلمة طيبة كما قال في حق عيسى ﴿ كلمة من الله  ﴾ .

وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما.

فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك.

ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ﴿ ما لها من قرار ﴾ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات.

وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟

فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.

قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين.

وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبداً تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.

ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال.

هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا.

عن ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها.

وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك.

والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار.

وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة.

فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت.

وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سببب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة.

ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ويثبت ﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله  : ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري.

﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ من التثبيت والإضلال.

ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.

ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ﴾ أي شكر نعمته ﴿ كفراً ﴾ أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفراً أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر.

وذلك أنه  أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد  فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ أي الهلاك.

وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف بيان ﴿ وبئس القرار ﴾ أي المقر مصدر سمى به.

قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية.

وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز.

﴿ قل تمتعوا ﴾ أمر وعيد وتهديد.

قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة.

والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿ فإن مصيركم إلى النار ﴾ وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب.

ومن الذين نزل فيهم؟

روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.

فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين.

وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه.

ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه  بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: ﴿ قل لعبادي الذين ﴾ المقول محذوف لأن جواب "قل" يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا.

وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام.

وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو "قل" عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام لم يجز.

والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله.

ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة  ﴾ لا ينافي إثباتها في قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين  ﴾ لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان العمل الصالح.

ولما ختم أحوال المعاد عاد الى المبدإ فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ وقد مر في أول "البقرة" والمراد من السماء جهة العلو.

وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظراً عليه.

﴿ وسخر لكم الفلك ﴾ كقوله في أواسط البقرة ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ {الآية: 164] وقد مر.

ومعنى ﴿ بأمره ﴾ بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا.

ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: "كن".

﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر ﴾ أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس.

وقوله: ﴿ دائبين ﴾ نصب على الحال.

والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه.

ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ أي بعض جميع ما سألتموه.

ومن قرأ بالتنوين فـ"ما" إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه،أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال.

ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها.

قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع.

ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البيسطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله  على عباده.

وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب.

وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة.

قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.

أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر.

وإذا كانت نعم الله  في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟

إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿ إن الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لظلوم ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كفار ﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها.

وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع.

واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ وكأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.

التأويل: ﴿ وبرزوا ﴾ من القشور الفانية ﴿ لله جميعاً ﴾ من القويّ والضعيف ﴿ فقال الضعفاء ﴾ وهم المقلدة ﴿ للذين استكبروا ﴾ من المبتدعين ﴿ إني كفرت بما أشكرتموني ﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿ وأدخل ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿ جنات ﴾ القلوب ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ خالدين فيها بإذن ربهم ﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم.

تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ ﴿ ألم تر ﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿ كيف ضرب الله مثلاً ﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿ كلمة طيبة ﴾ هي كلمة التوحيد ﴿ كشجرة طيبة ﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿ أصلها ثابت ﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿ وفرعها ﴾ في سماء القلوب ﴿ تؤتي أكلها ﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿ كل حين ﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب  إليه ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ ومثل كلمة ﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿ اجتثت من فوق ﴾ أرض البشرية ﴿ ما لها من قرار ﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات.

﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً.

﴿ وأحلوا قومهم ﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿ الله الذي خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿ وأنزل من ﴾ سماء القلوب ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ فأخرج به ﴾ ثمرات الطاعات ﴿ رزقاً ﴾ لأرواحكم ﴿ وسخر لكم ﴾ فلك الشريعة ﴿ لتجري في ﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع.

وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿ وسخر لكم ﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية.

ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة ولكها مخلوق لاستكماله ﴿ إن الإنسان لظلوم ﴾ بإفساد استعداده ﴿ كفار ﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

قوله  : <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

يحتمل [إقامة الصلاة] إقامة الإيمان بها؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ هو إقامة الإيمان به، إذ لا يحتمل الحبس إلى أن يقيموا إقامة الفعل والوفاء؛ إذ في ذلك حبسهم أبداً.

ويحتمل إقامة الوفاء بها والفعل؛ لأنه إنما خاطب المؤمنين على إقامتها، وقد سبق [منهم ما ذكرنا؛ من] الإيمان بها.

[كيف يحتمل الأمر بإقامتها إقامة الإيمان به، وقد سبق منهم ما ذكرنا من الإيمان بها] قيل: هذا جائز يأمرهم بإقامة الإيمان بها في حادث الوقت؛ إذ للإيمان حكم التجدد في كل وقت؛ وهو كقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ  ﴾ أي: آمنوا في حادث الوقت؛ فعلى ذلك هذا يحتمل الأمر بإقامتها - إقامة الإيمان بها.

ويحتمل ما ذكر من إقامة الصلاة في الآية؛ والإنفاق - هي الصلاة المعروفة المعهودة، والزكاة المعروفة المفروضة؛ والإدامة لهما واللزوم بهما، ويحتمل القبول والوفاء بهما.

[وقوله - عز وجل -: ] ﴿ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً ﴾ .

قال الحسن: الأمر بالإنفاق مما رزقناهم الزكوات المفروضات؛ ألا أنه ذكر الوعيد في آخره وقال: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ ﴾ ولا يحتمل الوعيد في صدقات التطوع؛ وهو ما ذكر أيضاً في آية أخرى: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ  ﴾ ولا يحتمل طلب الرجوع والتأخير إلى أجل في النوافل؛ دل أنه أراد به الزكوات المفروضات.

وقال بعضهم: ﴿ وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً ﴾ : هي التطوع، والعلانية: الفريضة؛ لأن الفريضة لا بدّ من أن تظهر وتعلن، وليس في أدائها رياء والله أعلم.

[وقوله - عز وجل -]: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ ﴾ .

﴿ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ ﴾ : أي: يوم لا يقدر أحد أن يبيع نفسه من ربه؛ وفي الدنيا يقدر أن يبيع نفسه من ربه؛ كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ  ﴾ وقوله: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ ﴾ لا يقدر أحد بيع نفسه من ربه، ويحتمل نفسه.

قوله: ﴿ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ ﴾ : أي: لا ينفعه بيع نفسه منه في ذلك اليوم؛ وإن باع؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا...

﴾ الآية [غافر: 84] فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ خِلاَلٌ ﴾ : هو مصدر خاللت؛ وهو من الخلة والصدقة.

ثم هو يحتمل وجهين: أحدهما: ألا تنفعهم الخلة التي كانت بينهم في الدنيا؛ لأن كل خلة كانت في الدنيا مما ليست لله فهي تصير عداوة في الآخرة؛ كقوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 67] أخبر أن الأخلاء؛ الذين كانوا يخالون في الدنيا؛ للدنيا - فهم الأعداء إلا الخلة التي كانت لله؛ فهي تنفع أهلها؛ وهو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  ﴾ وأمثاله، يخبر أن الخلة [التي] كانت بينهم في الدنيا؛ لا لله؛ فهي تصير عداوة في الآخرة؛ حتى يتبرأ بعضهم من بعض؛ ويلعن بعضهم بعضا.

والثاني: أن يكون لهم شفعاء وأخلاء؛ ولكن لا يشفعون؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ  ﴾ أو يشفع لهم لكن لا تقبل؛ كقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للمؤمنين: أيها المؤمنون، أدوا الصلاة على أكمل وجه، وأنفقوا مما رزقكم الله النفقات الواجبة والمستحبة، خفية خوفًا من الرياء، وجهرًا ليقتدي بكم غيرُكم، من قبل أن يجيء يوم لا بيع فيه ولا فداء فيُفْتَدى من عذاب الله، ولا صداقة حتى يشفع الصديق لصديقه.

<div class="verse-tafsir" id="91.AWxzK"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله