الآية ٤٨ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٤٨ من سورة إبراهيم

يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلْأَرْضُ غَيْرَ ٱلْأَرْضِ وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ ۖ وَبَرَزُوا۟ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ٤٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 130 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٨ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٨ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) أي : وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض غير الأرض ، وهي هذه على غير الصفة المألوفة المعروفة ، كما جاء في الصحيحين من حديث أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء ، كقرصة النقي ، ليس فيها معلم لأحد " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي عدي ، عن داود ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة أنها قالت : أنا أول الناس سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ) قالت : قلت : أين الناس يومئذ يا رسول الله ؟

قال : " على الصراط " .

رواه مسلم منفردا به دون البخاري ، والترمذي ، وابن ماجه ، من حديث داود بن أبي هند به .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

ورواه أحمد أيضا ، عن عفان ، عن وهيب عن داود ، عن الشعبي ، عنها ولم يذكر مسروقا .

وقال قتادة ، عن حسان بن بلال المزني ، عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قول الله : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) قال : قالت يا رسول الله ، فأين الناس يومئذ ؟

قال : " لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي ، ذاك أن الناس على جسر جهنم .

وروى الإمام أحمد من حديث حبيب بن أبي عمرة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله تعالى : ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ) [ الزمر : 67 ] فأين الناس يومئذ يا رسول الله ؟

قال : " هم على متن جهنم " .

وقال ابن جرير : حدثنا الحسن ، حدثنا علي بن الجعد ، أخبرني القاسم ، سمعت الحسن قال : قالت عائشة : يا رسول الله ، ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) فأين الناس يومئذ ؟

قال : " إن هذا شيء ما سألني عنه أحد " قال : " على الصراط يا عائشة " .

ورواه أحمد ، عن عفان عن القاسم بن الفضل ، عن الحسن به .

وقال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه : حدثني الحسن بن علي الحلواني ، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن زيد - يعني : أخاه - أنه سمع أبا سلام ، حدثني أبو أسماء الرحبي أن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثه قال : كنت قائما عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه حبر من أحبار اليهود ، فقال : السلام عليك يا محمد .

فدفعته دفعة كاد يصرع منها ، فقال : لم تدفعني ؟

فقلت : ألا تقول : يا رسول الله ؟!

فقال اليهودي : إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله !

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي " .

فقال اليهودي : جئت أسألك .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أينفعك شيء إن حدثتك ؟

" فقال : أسمع بأذني .

فنكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعود معه فقال : " سل " فقال اليهودي : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " هم في الظلمة دون الجسر " قال فمن أول الناس إجازة ؟

قال : فقال : " [ فقراء ] المهاجرين " .

قال اليهودي : فما تحفتهم حين يدخلون الجنة ؟

قال : " زيادة كبد النون " قال : فما غذاؤهم في أثرها ؟

قال : " ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها " .

قال : فما شرابهم عليه ؟

قال : " من عين فيها تسمى سلسبيلا " .

قال : صدقت .

قال : وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان ؟

قال : " أينفعك إن حدثتك ؟

" قال : أسمع بأذني .

قال : جئت أسألك عن الولد .

قال : " ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله ، وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثا بإذن الله " " قال اليهودي : لقد صدقت ، وإنك لنبي ، ثم انصرف .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به " .

[ و ] قال أبو جعفر بن جرير الطبري : حدثني ابن عوف ، حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي ، عن أبي أيوب الأنصاري قال : أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - حبر من اليهود فقال : أرأيت إذ يقول الله في كتابه : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) فأين الخلق عند ذلك ؟

فقال : " أضياف الله ، فلن يعجزهم ما لديه " .

ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به .

وقال شعبة : أخبرنا أبو إسحاق ، سمعت عمرو بن ميمون - وربما قال : قال عبد الله ، وربما لم يقل - فقلت له : عن عبد الله ؟

فقال : سمعت عمرو بن ميمون يقول : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) قال : أرض كالفضة البيضاء نقية ، لم يسفك فيها دم ، ولم يعمل عليها خطيئة ، ينفذهم البصر ، ويسمعهم الداعي ، حفاة عراة كما خلقوا .

قال : أراه قال : قياما حتى يلجمهم العرق .

وروي من وجه آخر عن شعبة عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن ابن مسعود بنحوه .

وكذا رواه عاصم ، عن زر ، عن ابن مسعود به .

وقال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون لم يخبر به .

أورد ذلك كله ابن جرير .

وقد قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل ، حدثنا سهل بن حماد أبو عتاب ، حدثنا جرير بن أيوب ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قول الله - عز وجل - : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) قال : " أرض بيضاء لم يسقط عليها دم ولم يعمل عليها خطيئة " .

ثم قال : لا نعلم رفعه إلا جرير بن أيوب ، وليس بالقوي .

ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن سنان عن جابر الجعفي ، عن أبي جبيرة عن زيد قال : أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليهود فقال : " هل تدرون لم أرسلت إليهم ؟

" قالوا : الله ورسوله أعلم .

قال : " أرسلت إليهم أسألهم عن قول الله : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) إنها تكون يومئذ بيضاء مثل الفضة " .

فلما جاءوا سألهم فقالوا : تكون بيضاء مثل النقي .

وهكذا روي عن علي ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، ومجاهد بن جبر أنها تبدل يوم القيامة بأرض من فضة .

وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال : تصير الأرض فضة ، والسموات ذهبا .

وقال الربيع : عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب قال : تصير السموات جنانا .

وقال أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ، أو عن محمد بن قيس في قوله : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) قال : [ تبدل ] خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم .

وكذا روى وكيع ، عن عمر بن بشير الهمداني ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) قال : تبدل خبزة بيضاء ، يأكل المؤمن من تحت قدميه .

وقال الأعمش ، عن خيثمة قال : قال عبد الله - هو ابن مسعود - : الأرض كلها يوم القيامة نار ، والجنة من ورائها ترى كواعبها وأكوابها ، ويلجم الناس العرق ، أو يبلغ منهم العرق ، ولم يبلغوا الحساب .

وقال الأعمش أيضا ، عن المنهال بن عمرو ، عن قيس بن السكن قال : قال عبد الله : الأرض كلها نار يوم القيامة ، [ و ] الجنة من ورائها ، ترى أكوابها وكواعبها ، والذي نفس عبد الله بيده ، إن الرجل ليفيض عرقا حتى ترسخ في الأرض قدمه ، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه ، وما مسه الحساب .

قالوا مم ذاك يا أبا عبد الرحمن ؟

قال : مما يرى الناس يلقون .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن كعب في قوله : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) قال : تصير السموات جنانا ، ويصير مكان البحر نارا ، وتبدل الأرض غيرها .

وفي الحديث الذي رواه أبو داود : " لا يركب البحر إلا غاز أو حاج أو معتمر ، فإن تحت البحر نارا - أو : تحت النار بحرا " .

وفي حديث الصور المشهور المروي عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " تبدل الأرض غير الأرض والسموات ، فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي ، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، ثم يزجر الله الخلق زجرة ، فإذا هم في هذه المبدلة " .

وقوله : ( وبرزوا لله ) أي : خرجت الخلائق جميعها من قبورهم لله ( الواحد القهار ) أي : الذي قهر كل شيء وغلبه ، ودانت له الرقاب ، وخضعت له الألباب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ( فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ ) الذي وعدهم من كذّبهم ، وجحد ما أتَوْهم به من عنده ، وإنما قاله تعالى ذكره لنبيه تثبيتا وتشديدا لعزيمته ، ومعرّفه أنه منـزل من سخطه بمن كذّبه وجحد نبوّته ، وردّ عليه ما أتاه به من عند الله ، مثال ما أنـزل بمن سلكوا سبيلهم من الأمم الذين كانوا قبلهم على مثل منهاجهم من تكذيب رسلهم وجحود نبوّتهم وردّ ما جاءوهم به من عند الله عليهم.

وقوله ( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ) يعني بقوله ( إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ) لا يمانع منه شيء أراد عقوبته ، قادر على كلّ من طلبه ، لا يفوتُه بالهَرَب منه.( ذُو انْتِقَامٍ ) ممن كفر برسله وكذّبهم ، وجحد نبوتهم ، وأشرك به واتخذ معه إلها غيره.

وأضيف قوله ( مُخْلِفَ ) إلى الوعد ، وهو مصدر ، لأنه وقع موقع الاسم ، ونصب قوله (رُسُلَهَ) بالمعنى ، وذلك أن المعنى: فلا تحسبنّ الله مخلف رسله وعده ، فالوعد وإن كان مخفوضا بإضافة " مخلف " إليه ، ففي معنى النصب ، وذلك أن الإخلاف يقع على منصوبين مختلفين ، كقول القائل: كسوت عبد الله ثوبا ، وأدخلته دارا ؛ وإذا كان الفعل كذلك يقع على منصوبين مختلفين ، جاز تقديم أيِّهما قُدّم ، وخفضُ ما وَلِيَ الفعل الذي هو في صورة الأسماء ، ونصب الثاني ، فيقال: أنا مدخلُ عبد الله الدار ، وأنا مدخلُ الدَّارِ عبدَ الله ، إن قدَّمت الدار إلى المُدْخل وأخرت عبدَ الله خفضت الدار ، إذ أضيف مُدْخل إليها ، ونُصِب عبد الله ؛ وإن قُدّم عبدُ الله إليه ، وأخِّرت الدار ، خفض عبد الله بإضافة مُدْخلٍ إليه ، ونُصِب الدار ؛ وإنما فعل ذلك كذلك ، لأن الفعل ، أعني مدخل ، يعمل في كلّ واحد منهما نصبا نحو عمله في الآخر ؛ ومنه قول الشاعر: تَـرَى الثَّـوْرَ فيهـا مُدْخِلَ الظِّلِّ رأسَهُ وسـائرُهُ بـادٍ إلـى الشَّـمْسِ أجْـمَعُ (14) أضاف مُدْخل إلى الظلّ ، ونصب الرأس ، وإنما معنى الكلام: مدخلٌ رأسَه الظلَّ.

ومنه قول الآخر: فَرِشْــني بِخَـيْرٍ لا أكُـونَ وَمِدْحَـتِي كنــاحِتِ يَــوْمٍ صَخْــرَةٌ بعَسِـيلِ (15) والعسيل: الريشة جُمع بها الطيب ، وإنما معنى الكلام: كناحت صخرة يوما بعسيل ، وكذلك قول الآخر: رُبَّ ابْــنِ عَــمٍّ لِسُـلَيْمَى مُشْـمَعِلْ طَبَّـاخِ سـاعاتِ الكَـرَى زَادَ الكَسِـلْ (16) وإنما معنى الكلام: طباخ زاد الكَسل ساعات الكَرَى.

فأما من قرأ ذلك ( فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلُهُ ) فقد بيَّنا وجه بُعْدِه من الصحة في كلام العرب في سورة الأنعام ، عند قوله وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

-------------------------- الهوامش : (14) هذا البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 165 ) كما استشهد به المؤلف ، ولم ينسبه ، قال : وقوله " فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله " أضفت مخلف إلى الوعد ، ونصبت الرسل على التأويل ، وإذا كان الفعل يقع على شيئين مختلفين مثل : كسوتك الثوب ، وأدخلتك الدار ، فابدأ بإضافة الفعل إلى الرجل ، فتقول : هو كاسي عبد الله ثوبا ، ومدخله الدار ، ويجوز هو كاسي الثوب عبد الله ، ومدخل الدار زيدا ..

ومثله قول الشاعر : ترى الثور ..

البيت ، فأضاف مدخل إلى الظن ، وكان الوجه أن يضف مدخل إلى الرأس .

(15) وهذا البيت أيضا من شواهد الفراء ( الورقة 165 ) عطفه على آخر قبله وعطفهما على الأول ، ومحل الشاهد فيه : أن الشاعر أضاف ناحت وهو وصف مشبه الفعل إلى يوم ، ونصب الصخرة ، والأولى إضافة الوصف إلى الصخرة ، ونصب يوما على ما قاله القراء .

(16) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( مصورة الجامعة ص 165 ) على أن طباخ كان حقه أن يضاف إلى " زاد الكسل " ، فأضافه الشاعر إلى الساعات .

والمشمعل : الخفيف الماضي في الأمر المسرع .

والكرى : النوم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات أي اذكر يوم تبدل الأرض ، فتكون متعلقة بما قبله .

وقيل : هو صفة لقوله : يوم يقوم الحساب .

واختلف في كيفية تبديل الأرض ، فقال كثير من الناس : إن تبدل الأرض عبارة عن تغير صفاتها ، وتسوية آكامها ، ونسف جبالها ، ومد أرضها ; ورواه ابن مسعود - رضي الله عنه - ; خرجه ابن ماجه في سننه وذكره ابن المبارك من حديث شهر بن حوشب ، قال حدثني ابن عباس قال : إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها كذا وكذا ; وذكر الحديث .

وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : تبدل الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في الثانية في مثل مواضعهم من الأولى من كان في بطنها ففي بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها ذكره الغزنوي .

وتبديل السماء تكوير شمسها وقمرها ، وتناثر نجومها ; قال ابن عباس .

وقيل : اختلاف أحوالها ، فمرة [ ص: 337 ] كالمهل ومرة كالدهان ; حكاه ابن الأنباري ; وقد ذكرنا هذا الباب مبينا في كتاب التذكرة وذكرنا ما للعلماء في ذلك ، وأن الصحيح إزالة هذه الأرض حسب ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

روى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : كنت قائما عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه حبر من أحبار اليهود فقال : السلام عليك ; وذكر الحديث ، وفيه : فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ؟

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : في الظلمة دون الجسر .

وذكر الحديث .

وخرج عن عائشة قالت : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله : يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فأين يكون الناس يومئذ ؟

قال : ( على الصراط ) .

خرجه ابن ماجه بإسناد مسلم سواء ، وخرجه الترمذي عن عائشة وأنها هي السائلة ، قال : هذا حديث حسن صحيح ; فهذه الأحاديث تنص على أن السماوات والأرض تبدل وتزال ، ويخلق الله أرضا أخرى يكون الناس عليها بعد كونهم على الجسر .

وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد ) .

وقال جابر : سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قول الله - عز وجل - : يوم تبدل الأرض غير الأرض قال : تبدل خبزة يأكل منها الخلق يوم القيامة ، ثم قرأ : وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام .

وقال ابن مسعود : إنها تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يعمل عليها خطيئة .

وقال ابن عباس : بأرض من فضة بيضاء .

وقال علي - رضي الله عنه - : تبدل الأرض يومئذ من فضة والسماء من ذهب وهذا تبديل للعين ، وحسبك .وبرزوا لله الواحد القهار أي من قبورهم ، وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: إذا أراد أن ينتقم من أحد، فإنه لا يفوته ولا يعجزه، وذلك في يوم القيامة، { يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ } تبدل غير السماوات، وهذا التبديل تبديل صفات، لا تبديل ذات، فإن الأرض يوم القيامة تسوى وتمد كمد الأديم ويلقى ما على ظهرها من جبل ومَعْلم، فتصير قاعا صفصفا، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، وتكون السماء كالمهل، من شدة أهوال ذلك اليوم ثم يطويها الله -تعالى- بيمينه.

{ وَبَرَزُوا } أي: الخلائق من قبورهم إلى يوم بعثهم، ونشورهم في محل لا يخفى منهم على الله شيء، { لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } أي: المتفرد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله العظيمة، وقهره لكل العوالم فكلها تحت تصرفه وتدبيره، فلا يتحرك منها متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بإذنه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يوسف ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا خالد بن مخلد ، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير ، حدثني أبو حازم بن دينار ، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنبأنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث عن خالد - هو ابن يزيد ، - عن سعيد بن أبي هلال ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر ، نزلا لأهل الجنة " .

وعن ابن مسعود رضي الله عنه في هذه الآية قال : تبدل الأرض بأرض كفضة بيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم تعمل فيها خطيئة .

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : تبدل الأرض من فضة ، والسماء من ذهب .

وقال محمد بن كعب ، وسعيد بن جبير : تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه .

وقيل : معنى التبديل جعل السماوات جنانا وجعل الأرض نيرانا .

وقيل : تبديل الأرض تغييرها من هيئة إلى هيئة ، وهي تسيير جبالها ، وطم أنهارها ، وتسوية أوديتها ، وقطع أشجارها ، وجعلها قاعا صفصفا ، وتبديل السماوات : تغيير حالها بتكوير شمسها ، وخسوف قمرها وانتثار نجومها ، وكونها مرة كالدهان ، ومرة كالمهل .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا علي بن مسهر ، عن داود - وهو ابن أبي هند ، - عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل : " يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات " فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله ؟

فقال : " على الصراط " .

وروي عن ثوبان أن حبرا من اليهود سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض ؟

قال : " هم في الظلمة دون الجسر " .

وقوله تعالى : ( وبرزوا ) خرجوا من قبورهم ( لله الواحد القهار ) الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

اذكر (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) هو يوم القيامة فيحشر الناس على أرض بيضاء نقية كما في حديث الصحيحين وروى مسلم حديث: سئل النبي صلى الله عليه وسلم أين الناس يومئذ قال: "" على الصراط "" (وبرزوا) خرجوا من القبور (لله الواحد القهار).

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وانتقام الله تعالى مِن أعدائه في يوم القيامة يوم تُبَدَّل هذه الأرض بأرض أخرى بيضاء نقيَّة كالفضة، وكذلك تُبَدَّل السموات بغيرها، وتخرج الخلائق من قبورها أحياء ظاهرين للقاء الله الواحد القهار، المتفرد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله وقهره لكل شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك بعض العلامات التى تدل على قرب قيام الساعة فقال - تعالى - : ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ ) .والظرف ( يوم ) متعلق بمحذوف تقديره اذكر .وقوله ( تبدل ) من التبديل بمعنى التغيير ، وهذا التغيير والتبديل لهما قد يكون فى ذواتهما كما فى قوله - تعالى - ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب .

.

) وقد يكون فى صفاتهما كقولك " بدلت الحلقة خاتما " وقد يكون فيهما معا وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الأحاديث عند تفسيره لهذه الآية الكريمة فقال : " وقال الإمام أحمد ، حدثنا محمد بن عدى ، عن داود ، عن الشعبى ، عن مسروق ، عن عائشة أنها قالت : " أنا أول الناس سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض .

.

) قالت : قلت : أين الناس يومئذ يا رسول الله؟

قال : على الصراط " .وفى رواية أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لها : " لقد سألتنى عن شئ ما سألنى عنه أحد من أمتى ، ذاك أن الناس - يومئذ يكونون - على جسر جهنم " .والمعنى : اذكر - أيها العاقل ، لتتعظ وتعتبر يوم يتغير هذا العالم المعهود بعالم آخر جديد ، يأتى به الله - تعالى - على حسب إرادته ومشيئته ويوم يخرج الخلائق جيمعا من قبورهم ليستوفوا جزاءهم ، وليجازوا على أعمالهم .

من الله - تعالى - الواحد الأحد ، الذى قهر كل شئ وغلبه ، ودانت له الرقاب ، وخضعت له الألباب .وختمت الآية الكريمة بهذين الوصفين لله - تعالى - للرد على المشركين الذين جعلوا مع الله آلهة أخرى يشركونها معه فى العبادة ، ويتوهمون أن هذه الآية سوف تدافع عنهم يوم القيامة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى لما قال: ﴿ عَزِيزٌ ذُو انتقام ﴾ بين وقت انتقامه فقال: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض ﴾ وعظم من حال ذلك اليوم، لأنه لا أمر أعظم من العقول والنفوس من تغيير السموات والأرض وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكر الزجاج في نصب يوم وجهين، إما على الظرف لانتقام أو على البدل من قوله: ﴿ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب ﴾ .

المسألة الثانية: اعلم أن التبديل يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون الذات باقية وتتبدل صفتها بصفة أخرى.

والثاني: أن تفنى الذات الأولى وتحدث ذات أخرى، والدليل على أن ذكر لفظ التبدل لإرادة التغير في الصفة جائز، أنه يقال بدلت الحلقة خاتماً إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات  ﴾ ويقال: بدلت قميصي جبة أي نقلت العين من صفة إلى صفة أخرى، ويقال: تبدل زيد إذا تغيرت أحواله، وأما ذكر لفظ التبديل عند وقوع التبدل في الذوات فكقولك بدلت الدراهم دنانير، ومنه قوله: ﴿ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا  ﴾ وقوله: ﴿ بدلناهم بِجَنَّتَيْهمْ جَنَّتَيْنِ  ﴾ إذا عرفت أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذين المفهومين ففي الآية قولان: القول الأول: أن المراد تبديل الصفة لا تبديل الذات.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها، فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى، فلا يرى فيها عوج ولا أمت.

وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العاكظي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً» وقوله: ﴿ والسموات ﴾ أي تبدل السموات غير السموات، وهو كقوله عليه السلام: «لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» والمعنى: ولا ذو عهد في عهده بكافر، وتبديل السموات بانتثار كواكبها وانفطارها، وتكوير شمسها، وخسوف قمرها، وكونها أبواباً، وأنها تارة تكون كالمهل وتارة تكون كالدهان.

والقول الثاني: أن المراد تبديل الذات.

قال ابن مسعود: تبدل بأرض كالفضة البيضاء النقية لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة، فهذا شرح هذين القولين، ومن الناس من رجح القول الأول قال لأن قوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض ﴾ المراد هذه الأرض، والتبدل صفة مضافة إليها، وعند حصول الصفة لابد وأن يكون الموصوف موجوداً، فلما كان الموصوف بالتبدل هو هذه الأرض وجب كون هذه الأرض باقية عند حصول ذلك التبدل، ولا يمكن أن تكون هذه الأرض باقية مع صفاتها عند حصول ذلك التبدل، وإلا لامتنع حصول التبدل، فوجب أن يكون الباقي هو الذات.

فثبت أن هذه الآية تقتضي كون الذات باقية، والقائلون بهذا القول هم الذين يقولون: إن عند قيام القيامة لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنما يعدم صفاتها وأحوالها.

واعلم أنه لا يبعد أن يقال: المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ كَلاَّ إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ  ﴾ وقوله: ﴿ كَلاَّ إِنَّ كتاب الفجار لَفِى سِجّينٍ  ﴾ ، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ ﴾ فنقول أما البروز لله فقد فسرناه في قوله تعالى: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ وإنما ذكر الواحد القهار هاهنا، لأن الملك إذا كان لمالك واحد غلاب لا يغالب قهار لا يقهر فلا مستغاث لأحد إلى غيره فكال الأمر في غاية الصعوبة، ونظيره قوله: ﴿ لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار  ﴾ ولما وصف نفسه سبحانه بكونه قهاراً بين عجزهم وذلتهم، فقال: ﴿ وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ ﴾ .

واعلم أنه تعالى ذكر في صفات عجزهم وذلتهم أموراً: فالصفة الأولى: كونهم مقرنين في الأصفاد.

يقال: قرنت الشيء بالشيء إذا شددته به ووصلته.

والقرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان.

وجاء هاهنا على التكثير لكثرة أولئك القوم والأصفاد جمع صفد وهو القيد.

إذا عرفت هذا فنقول: في قوله: ﴿ مُّقرِّنِينَ ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: قال الكلبي: مقرنين كل كافر مع شيطان في غل، وقال عطاء: هو معنى قوله: ﴿ وَإِذَا النفوس زُوّجَتْ  ﴾ أي قرنت فيقرن الله تعالى نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين، وأقول حظ البحث العقلي منه أن الإنسان إذا فارق الدنيا، فإما أن يكون قد راض نفسه وهذبها ودعاها إلى معرفة الله تعالى وطاعته ومحبته، أو ما فعل ذلك، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على الأحوال الوهمية والخيالية، فإن كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك الجهة بالحضرة الإلهية، والسعادة بالعناية الصمدانية، وإن كان الثاني فتلك النفس تفارق مع الأسف والحزن والبلاء الشديد، بسبب الميل إلى عالم الجسم، وهذا هو المراد بقوله: ﴿ وَإِذَا النفوس زُوّجَتْ ﴾ وشيطان النفس الكافرة هي الملكات الباطلة، والحوادث الفاسدة، وهو المراد من قول عطاء: إن كل كافر مع شيطانه يكون مقروناً في الأصفاد.

والقول الثاني: في تفسير قوله: ﴿ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد ﴾ هو قرن بعض الكفار ببعض، والمراد أن تلك النفوس الشقية والأرواح المكدرة الظلمانية، لكونها متجانسة متشاكلة ينضم بعضها إلى بعض، وتنادي ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى، فانحدار كل واحدة منها إلى الأخرى في تلك الظلمات، والخسارات هي المراد بقوله: ﴿ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد ﴾ .

والقول الثالث: قال زيد بن أرقم: قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، وحظ العقل من ذلك أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء، فإذا كانت تلك الملكات ظلمانية كدرة، صارت في المثال كأن أيديها وأرجلها قرنت وغلت في رقابها.

وأما قوله: ﴿ فِى الأصفاد ﴾ ففيه وجهان: أحدها: أن يكون ذلك متعلقاً بمقرنين، والمعنى: يقربون بالأصفاد.

والثاني: أن لا يكون متعلقاً به، والمعنى: أنهم مقرنون مقيدون، وحظ العقل معلوم مما سلفت الإشارة إليه.

الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ ﴾ السرابيل جمع سربال وهو القميص، والقطران فيه ثلاث لغات: قطران وقطران وقطرن، بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء وبفتح القاف وكسر الطاء، وهو شيء يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ ويطلى به الإبل الجرب فيحرق الجرب بحرارته وحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن يتسارع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلي كالسرابيل، وهي القمص فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب، لذع القطران وحرقته، وإسراع النار في جلودهم واللون الوحش ونتن الريح، وأيضاً التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين، وأقول حظ العقل من هذا أن جوهر الروح جوهر مشرق لامع من عالم القدس وغيبة الجلال، وهذا البدن جارٍ مجرى السربال والقميص له، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم، فإنما يحصل بسبب هذا البدن، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس، لأن الشهوة والحرص والغضب إنما تتسارع إلى جوهر الروح بسببه، وكونه للكثافة والكدورة والظلمة هو الذي يخفي لمعان الروح وضوءه وهو سبب لحصول النتن والعفونة، فتشبه هذا الجسد بسرابيل من القطران والقطر، وقرأ بعضهم ﴿ مّن قَطِرآن ﴾ والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره.

قال أبو بكر بن الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك القطران ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم.

الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء العذاب يَوْمَ القيامة  ﴾ وقوله: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ  ﴾ .

واعلم أن موضع المعرفة والنكرة والعلم والجهل هو القلب، وموضع الفكر والوهم والخيال هو الرأس.

وأثر هذه الأحوال إنما تظهر في الوجه، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما فقال في القلب: ﴿ نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ  ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلْأَفْـِٔدَةِ  ﴾ وقال في الوجه: ﴿ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار ﴾ بمعنى تتغشى، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الثلاثة قال: ﴿ لِيَجْزِىَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ قال الواحدي: المراد منه أنفس الكفار لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان، وأقول يمكن إجراء اللفظ على عمومه، لأن لفظ الآية يدل على أنه تعالى يجزي كل شخص بما يليق بعمله وكسبه ولما كان كسب هؤلاء الكفار الكفر والمعصية، كان جزاؤهم هو هذا العقاب المذكور، ولما كان كسب المؤمنين الأيمان والطاعة، كان اللائق بهم هو الثواب وأيضاً أنه تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم فلأن يثيب المطيعين على طاعتهم كان أولى.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب ﴾ والمراد أنه تعالى لا يظلمهم ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقونه.

وحظ العقل منه أن الأخلاق الظلمانية هي المبادي لحصول الآلام الروحانية وحصول تلك الأخلاق في النفس على قدر صدور تلك الأعمال منهم في الحياة الدنيا، فإن الملكات النفسانية إنما تحصل في جوهر النفس بسبب الأفعال المتكررة، وعلى هذا التقدير فتلك الآلام تتفاوت بحسب تلك الأفعال في كثرتها وقلتها وشدتها وضعفها وذلك يشبه الحساب.

ثم قال تعالى: ﴿ هذا بلاغ لّلنَّاسِ ﴾ أي هذا التذكير والموعظة بلاغ للناس، أي كفاية في الموعظة ثم اختلفوا فقيل: إن قوله هذا إشارة إلى كل القرآن، وقيل: بل إشارة إلى كل هذه السورة، وقيل: بل إشارة إلى المذكور من قوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ﴾ إلى قوله: ﴿ سَرِيعُ الحساب ﴾ وأما قوله: ﴿ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ﴾ فهو معطوف على محذوف أي لينتصحوا: ﴿ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ﴾ أي بهذا البلاغ.

ثم قال: ﴿ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في هذا الكتاب مراراً أن النفس الإنسانية لها شعبتان: القوة النظرية وكمال حالها في معرفة الموجودات بأقسامها وأجناسها وأنواعها حتى تصير النفس كالمرآة التي يتجلى فيها قدس الملكوت ويظهر فيها جلال اللاهوت ورئيس هذه المعارف والجلاء، معرفة توحيد الله بحسب ذاته وصفاته وأفعاله.

والشعبة الثانية: القوة العملية وسعادتها في أن تصير موصوفة بالأخلاق الفاضلة التي تصير مبادي لصدور الأفعال الكاملة عنها، ورئيس سعادات هذه القوة طاعة الله وخدمته.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ ﴾ إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة النظرية وقوله: ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب ﴾ إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة العملية فإن الفائدة في هذا التذكر، إنما هو الإعراض عن الأعمال الباطلة والإقبال على الأعمال الصالحة، وهذه الخاتمة كالدليل القاطع في أنه لا سعادة للإنسان إلا من هاتين الجهتين.

المسألة الثانية: هذه الآيات مشعرة بأن التذكير بهذه المواعظ والنصائح يوجب الوقوف على التوحيد والإقبال على العمل الصالح، والوجه فيه أن المرء إذا سمع هذه التخويفات والتحذيرات عظم خوفه واشتغل بالنظر والتأمل، فوصل إلى معرفة التوحيد والنبوة واشتغل بالأعمال الصالحة.

المسألة الثالثة: قال القاضي: أول هذه السورة وآخرها يدل على أن العبد مستقل بفعله، إن شاء أطاع وإن شاء عصى، أما أول هذه السورة فهو قوله تعالى: ﴿ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور  ﴾ فإنا قد ذكرنا هناك أن هذا يدل على أن المقصود من إنزال الكتاب إرشاد الخلق كلهم إلى الدين والتقوى ومنعهم عن الكفر والمعصية، وأما آخر السورة فلأن قوله: ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب ﴾ يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذه السورة، وإنما ذكر هذه النصائح والمواعظ لأجل أن ينتفع الخلق بها فيصيروا مؤمنين مطيعين ويتركوا الكفر والمعصية، فظهر أن أول هذه السورة وآخرها متطابقان في إفادة هذا المعنى.

واعلم أن الجواب المستقصى عنه مذكور في أول السورة فلا فائدة في الإعادة.

المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على أنه لا فضيلة للإنسان ولا منقبة له إلا بسبب عقله، لأنه تعالى بين أنه إنما أنزل هذه الكتب، وإنما بعث الرسل لتذكير أولى الألباب، فلولا الشرف العظيم والمرتبة العالية لأولى الألباب لما كان الأمر كذلك.

قال المصنف رحمه الله تعالى ورضي عنه: تم تفسير هذه السورة يوم الجمعة في أواخر شعبان سنة إحدى وستمائة ختم بالخير والغفران في صحراء بغداد، ونسأل الله الخلاص من الغموم والأحزان والفوز بدرجات الجنان والخلاص من دركات النيران، إنه الملك المنان، الرحيم الديان، بحمد الله وحسن توفيقه وصلاته وسلامه على خاتم النبيين محمد وآله وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض ﴾ انتصابه على البدل من يوم يأتيهم.

أو على الظرف للانتقام.

والمعنى: يوم تبدّل هذه الأرض التي تعرفونها أرضاً أخرى غير هذه المعروفة، وكذلك السموات.

والتبديل: التغيير، وقد يكون في الذوات كقولك: بدّلت الدراهم دنانير ومنه ﴿ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ [النساء: 56] و ﴿ بدّلناهم بجنتيهم جنتين ﴾ [سبأ: 16] وفي الأوصاف، كقولك: بذلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً، فنقلتها من شكل إلى شكل، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات ﴾ [الفرقان: 70] واختلف في تبديل الأرض والسموات، فقيل: تبدّل أوصافها فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها.

وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت وعن ابن عباس: هي تلك الأرض وإنما تغير، وأنشد: وَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ عَهِدْتَهُم ** وَلاَ الدَّارُ بِالدَّارِ الّتِي كُنْتَ تَعْلَم وتبدّل السماء بانتثار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وانشقاقها، وكونها أبواباً.

وقيل: يخلق بدلها أرض وسموات أخر.

وعن ابن مسعود وأنس: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة.

وعن علي رضي الله عنه تبدّل أرضاً من فضة، وسموات من ذهب.

وعن الضحاك: أرضاً من فضة بيضاء كالصحائف.

وقرئ: ﴿ يوم نبدّل الأرض ﴾ ، بالنون.

فإن قلت: كيف قال ﴿ الواحد القهار ﴾ ؟

قلت: هو كقوله ﴿ لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار ﴾ [غافر: 16] لأنّ الملك إذا كان لواحد غلاب لا يغالب ولا يعازّ فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار، كان الأمر في غاية الصعوبة والشدّة ﴿ مُقْرِنِينَ ﴾ قرن بعضهم مع بعض.

أو مع الشياطين.

أو قرنت أيديهم إلى أرجلهم مغللين.

وقوله: ﴿ فِى الأصفاد ﴾ إمّا أن يتعلق بمقرّنين، أي: يقرنون في الأصفاد.

وإمّا أن لا يتعلق به، فيكون المعنى: مقرّنين مصفدين.

والأصفاد: القيود وقيل الأغلال، وأنشد لسلامة بن جندل: وَزَيْدُ الْخَيْلِ قَدْ لاَقَى صِفَادا ** يَعَضُّ بِسَاعِدٍ وَبِعَظْمِ سَاقِ القطران: فيه ثلاث لغات: قطران، وقطران وقطران: بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء، وهو ما يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ، فتهنأ به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحرّه وحدّته، والجلد، وقد تبلغ حرارته الجوف، ومن شأنه أن يسرع في اشتغال النار، وقد يستسرج به، وهو أسود اللون منتن الريح، فتطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلاؤه لهم كالسرابيل وهي القمص، لتجتمع عليهم الأربع: لذع القطران.

وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح.

على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين، وكل ما وعده الله أو وعد به في الآخرة، فبينه وبين ما نشاهد من جنسه ما لا يقادر قدره، وكأنه ما عندنا منه إلا الأسامي والمسميات ثمة، فبكرمه الواسع نعوذ من سخطه، ونسأله التوفيق فيما ينجينا من عذابه، وقرئ: ﴿ من قطران ﴾ والقطر: النحاس أو الصفر المذاب.

والآني: المتناهي حرّه ﴿ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار ﴾ كقوله تعالى: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء العذاب ﴾ [الزمر: 24] ، ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ ﴾ [القمر: 48] لأن الوجه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه، كالقلب في باطنه، ولذلك قال: ﴿ تَطَّلِعُ عَلَى الافئدة ﴾ [الهمزة: 7] وقرئ: ﴿ وتغشى وجوههم ﴾ ، بمعنى تتغشى: أي يفعل بالمجرمين ما يفعل ﴿ لِيَجْزِىَ الله كُلَّ نَفْسٍ ﴾ مجرمة ﴿ مَّا كَسَبَتْ ﴾ أو كل نفس من مجرمة ومطيعة لأنه إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ﴾ أوْ ظَرْفٌ لِلِانْتِقامِ، أوْ مُقَدَّرٌ بِاذْكُرْ أوْ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ.

ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُخْلِفٍ لِأنَّ ما قَبْلَ أنْ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَهُ.

﴿ والسَّماواتُ ﴾ عُطِفَ عَلى الأرْضِ وتَقْدِيرُهُ والسَّمَواتُ غَيْرَ السَّمَواتِ، والتَّبْدِيلُ يَكُونُ في الذّاتِ كَقَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها ﴾ وفي الصِّفَةِ كَقَوْلِكَ بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا أذَبْتَها وغَيَّرْتَ شَكْلَها، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ والآيَةُ تَحْتَمِلُهُما، فَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: تُبَدَّلُ أرْضًا مِن فِضَّةٍ وسَمَواتٍ مِن ذَهَبٍ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يُحْشَرُ النّاسُ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ لَمْ يُخْطِئْ عَلَيْها أحَدٌ خَطِيئَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هي تِلْكَ الأرْضُ وإنَّما تُغَيَّرُ صِفاتُها.

ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ فَتُبْسَطُ وتُمَدُّ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ» ﴿ لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ لا يَلْزَمُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ الحاصِلُ بِالتَّبْدِيلِ أرْضًا وسَماءً عَلى الحَقِيقَةِ، ولا يَبْعُدُ عَلى الثّانِي أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ الأرْضَ جَهَنَّمَ والسَّمَواتِ الجَنَّةَ عَلى ما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ ﴾ .

﴿ وَبَرَزُوا ﴾ مِن أجْداثِهِمْ ﴿ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ لِمُحاسَبَتِهِ ومَجازاتِهِ، وتَوْصِيفُهُ بِالوَصْفَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ فَإنَّ الأمْرَ إذا كانَ لِواحِدٍ غَلّابٍ لا يُغالَبُ فَلا مُسْتَغاثَ لِأحَدٍ إلى غَيْرِهِ ولا مُسْتَجارَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وانتصاب {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات} على الظرف للانتقام أو على إضمار اذكر والمعنى يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضا أخرى غير هذه المعروفة وتبدل السموات غير السموات وإنما حذف لدلالة ما قبله عليه والتبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك بدلت الدراهم دنانير وفي الأوصاف كقولك بدلت الحلقة خاتماً إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل الى شكل واختلف واحتلف في تبديل الأرض والسموات فقيل تبدل أوصافها وتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتا وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي تلك الأرض وإنما تغير وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبوابا وقيل تخلق بدلها ارض وسموات أخر وعن ابن مسعود رضي الله عنه يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة وعن على رضي الله عنه تبدل أرضا من فضة وسموات من ذهب {وَبَرَزُواْ} وخرجوا من قبورهم {للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ} هو كقوله لّمَنِ الملك اليوم لله الواحد القهار لأن حب (لماذا الون كك إلا يغا لغلا المب) فلا مستغاث لأحد إلى غيره كان الأمر في غاية الشدة

إبراهيم (٤٩ _ ٥٢)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ ﴾ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّهْيُ المَذْكُورُ أيْ يُنْجِزُهُ ﴿ يَوْمَ ﴾ إلى آخِرِهِ أوْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ نَحْوَ ﴿ فارْتَقِبْ يَوْمَ ﴾ إلى آخِرِهِ وجَعَلَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ مَعْمُولًا لِاذْكُرْ مَحْذُوفًا كَما قِيلَ في شَأْنِ نَظائِرِهِ وقِيلَ: ظَرْفٌ لِلِانْتِقامِ وهو ﴿ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ ﴾ بِعَيْنِهِ ولَكِنْ لَهُ أحْوالٌ جَمَّةٌ يُذْكَرُ كُلُّ مَرَّةٍ بِعُنْوانٍ مَخْصُوصٍ والتَّقْيِيدُ مَعَ عُمُومِ انْتِقامِهِ سُبْحانَهُ لِلْأوْقاتِ كُلِّها لِلْإفْصاحِ عَمّا هو المَقْصُودُ مِن تَعْذِيبِ الكَفَرَةِ المُؤَخَّرِ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ بِمُوجَبِ الحِكْمَةِ المُقْتَضِيَةِ لَهُ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِلا يُخْلِفُ الوَعْدَ مُقَدَّرًا بِقَرِينِهِ السّابِقِ وفِيهِ الوَجْهُ قَبْلَهُ مِنَ الحاجَةِ إلى الِاعْتِذارِ.

وقالَ الحَوْفِيُّ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمُخْلِفَ و ﴿ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ وفِيهِ رَدٌّ لِما قِيلَ: لا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ ما قَبْلَ أنْ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها لِأنَّ لَها الصَّدارَةَ ووَجْهُهُ أنَّها لِكَوْنِها وما بَعْدَها اعْتِراضًا لا يُبالى بِها فاصِلًا.

وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ انْتِصابَهُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ﴿ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ﴾ وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ وتَبِعَهُ بَعْضُ مَن مَنَعَ تَعَلُّقَهُ بِمُخْلِفَ لِمَكانِ ما لَهُ الصَّدْرُ والعَجَبُ أنَّ العامِلَ فِيهِ حِينَئِذٍ ( أنْذِرْ ) فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ ما لَزِمَ القائِلُ بِتَعَلُّقِهِ بِما ذُكِرَ فَكَأنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ البَدَلَ لَهُ عامِلٌ مُقَدَّرٌ وهو ضَعِيفٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّماواتُ ﴾ عَطْفٌ عَلى المَرْفُوعِ أيْ وتُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ والتَّبْدِيلُ قَدْ يَكُونُ في الذّاتِ كَما في بَدَّلْتُ الدَّراهِمَ دَنانِيرَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها ﴾ وقَدْ يَكُونُ في الصِّفاتِ كَما في قَوْلِكَ: بَدَّلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا إذا غَيَّرْتَ شَكْلَها ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ ﴾ والآيَةُ الكَرِيمَةُ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ نَصَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ تُبَدَّلُ الأرْضُ يُزادُ فِيها ويُنْقَصُ مِنها وتَذْهَبُ آكامُها وجِبالُها وأوْدِيَتُها وشَجَرُها وما فِيها وتُمَدُّ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ وتَصِيرُ مُسْتَوِيَةً لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا وتُبَدَّلُ السَّماواتُ بِذَهابِ شَمْسِها وقَمَرِها ونُجُومِها وحاصِلُهُ يُغَيَّرُ كُلٌّ عَمّا هو عَلَيْهِ في الدُّنْيا وأنْشَدَ: .

وما النّاسُ بِالنّاسِ الَّذِينَ عَهِدْتُهم ولا الدّارُ بِالدّارِ الَّتِي كُنْتُ أعْلَمُ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تُبَدَّلُ السَّماواتُ بِطَيِّها وجَعْلِها مَرَّةً كالمُهْلِ ومَرَّةً ورْدَةً كالدِّهانِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: تُبَدَّلُ الأرْضُ مِن فِضَّةٍ والسَّماءُ مِن ذَهَبٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ تَكُونُ الأرْضُ كالفِضَّةِ والسَّماواتُ كَذَلِكَ وصَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: تُبَدَّلُ الأرْضُ أرْضًا بَيْضاءَ كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُسْفَكْ فِيها دَمٌ حَرامٌ ولَمْ يُعْمَلْ فِيها خَطِيئَةٌ ورُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا أيْضًا والمَوْقُوفُ عَلى ما قالَ البَيْهَقِيُّ أصَحُّ وقَدْ يُحْمَلُ قَوْلُ الإمامِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَلى التَّشْبِيهِ.

وقالَ الإمامُ: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: المُرادُ بِتَبْدِيلِ الأرْضِ جَعْلُها جَهَنَّمَ وبِتَبْدِيلِ السَّماواتِ جَعْلُها الجَنَّةَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الجَنَّةُ والنّارُ غَيْرَ مَخْلُوقَتَيْنِ الآنَ والثّابِتُ في الكَلامِ والحَدِيثِ خِلافُهُ وأُجِيبَ بِأنَّ الثّابِتَ خَلْقُهُما مُطْلَقًا لا خَلْقُ كِلَيْهِما فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَوْجُودُ الآنَ بَعْضَهُما ثُمَّ تَصِيرُ السَّماواتُ والأرْضُ بَعْضًا مِنهُما وفِيهِ أنَّ هَذا وإنْ صَحَّحَهُ لا يُقَرُّ بِهِ والِاسْتِدْلالُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ ﴾ في غايَةِ الغَرابَةِ مِنَ الإمامِ فَإنَّ في إشْعارِ ذَلِكَ بِالمَقْصُودِ نَظَرًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ دالًّا عَلَيْهِ نَعَمْ جاءَ في بَعْضِ الآثارِ ما يُؤَيِّدُ ما قالَهُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: تَصِيرُ السَّماواتُ جِنانًا ويَصِيرُ مَكانَ البَحْرِ نارًا وتُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَها.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: الأرْضُ كُلُّها نارٌ يَوْمَ القِيامَةِ وجاءَ في تَبْدِيلِ الأرْضِ رِواياتٌ أُخَرُ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: تُبَدَّلُ الأرْضُ خُبْزَةً بَيْضاءَ فَيَأْكُلُ المُؤْمِنُ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ.

وأخْرَجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنْ عِكْرِمَةَ كَذَلِكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أفْلَحَ مَوْلى أبِي أيُّوبَ «أنَّ رَجُلًا مِن يَهُودَ سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ما الَّذِي تُبَدَّلُ بِهِ الأرْضُ فَقالَ خُبْزَةٌ فَقالَ اليَهُودِيُّ: دَرْمَكَةٌ بِأبِي أنْتَ فَضَحِكَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: قاتَلَ اللَّهُ تَعالى يَهُودَ هَلْ تَدْرُونَ ما الدَّرْمَكَةُ لُبابُ الخُبْزِ».

وقَدْ تَقَدَّمَ خَبَرُ أنَّ الأرْضَ تَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ خُبْزَةً واحِدَةً يَتَكَفَّؤُها الجَبّارُ بِيَدِهِ كَما يَتَكَفَّأُ أحَدُكم خُبْزَتَهُ في السَّفَرِ نُزُلًا لِأهْلِ الجَنَّةِ وهو في الصَّحِيحَيْنِ مِن رِوايَةِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحَكى بَعْضُهم أنَّ التَّبْدِيلَ يَقَعُ في الأرْضِ ولَكِنَّ تُبَدَّلُ لِكُلِّ فَرِيقٍ بِما يَقْتَضِيهِ حالُهُ فَفَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَكُونُونَ عَلى خُبْزٍ يَأْكُلُونَ مِنهُ وفَرِيقٌ يَكُونُونَ عَلى فِضَّةٍ وفَرِيقُ الكَفَرَةِ يَكُونُونَ عَلى نارٍ ولَيْسَ تَبْدِيلُها بِأيِّ شَيْءٍ كانَ بِأعْظَمَ مِن خَلْقِها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها تُبَدَّلُ أوَّلًا صِفَتُها عَلى النَّحْوِ المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ثُمَّ تُبَدَّلُ ذاتُها ويَكُونُ هَذا الأخِيرُ بَعْدَ أنْ تُحَدِّثَ أخْبارَها ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ هُنا تَبْدِيلاتٌ عَلى أنْحاءٍ شَتّى.

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَرْفُوعًا «أنَّ النّاسَ يَوْمَ تُبَدَّلُ عَلى الصِّراطِ» وفِيهِ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ «أنَّ يَهُودِيًّا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْنَ النّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هم في الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ» ولَعَلَّ المُرادَ مِن هَذا التَّبْدِيلِ نَحْوٌ خاصٌّ مِنهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ وتَقْدِيمُ تَبْدِيلِ الأرْضِ لِقُرْبِها مِنّا ولِكَوْنِ تَبْدِيلِها أعْظَمَ أمْرًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا.

﴿ وبَرَزُوا ﴾ أيِ الخَلائِقُ أوِ الظّالِمُونَ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِمَعُونَةِ السِّياقِ كَما قِيلَ والمُرادُ بُرُوزُهم مِن أجْداثِهِمُ الَّتِي في بُطُونِ الأرْضِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ظُهُورَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها سِرًّا ويَزْعُمُونَ أنَّها لا تَظْهَرُ أوْ يَعْمَلُونَ عَمَلَ مَن يَزْعُمُ ذَلِكَ ووَجْهُ إسْنادِ البُرُوزِ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّهُ عَلى هَذا لِأعْمالِهِمْ بِأنَّهُ لِلْإيذانِ بِتَشَكُّلِهِمْ بِأشْكالٍ تُناسِبُها وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ ظُهُورُهم مِن أجْداثِهِمْ والعَطْفُ عَلى ﴿ تُبَدَّلُ ﴾ والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً وأنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الأرْضِ بِتَقْدِيرِ يَرْقُدُ والرّابِطُ الواوُ.

وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( وبُرِّزُوا ) بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِ الرّاءِ مُشَدَّدَةً جَعَلَهُ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى سَبِيلِ التَّكْثِيرِ بِاعْتِبارِ المَفْعُولِ لِكَثْرَةِ المُخْرَجِينَ ﴿ لِلَّهِ ﴾ أيْ لِحُكْمِهِ سُبْحانَهُ ومَجازاتِهِ ﴿ الواحِدِ ﴾ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ ﴿ القَهّارِ ﴾ .

(48) الغالِبِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ والتَّعَرُّضُ لِلْوَصْفَيْنِ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ لِأنَّهم إذا كانُوا واقِفِينَ عِنْدَ مَلِكٍ عَظِيمٍ قَهّارٍ لا يُشارِكُهُ غَيْرُهُ كانُوا عَلى خَطَرٍ إذْ لا مُقاوِمَ لَهُ ولا مُغِيثَ سِواهُ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَحْقِيقُ إتْيانِ العَذابِ المَوْعُودِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ﴾ بَدَلًا مِن ﴿ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ قال علي بن أبي طالب يعني: «أي: غير هذه الأرض التي عليها بنو آدم، بأرض بيضاء نقية لم يعمل فيها بالمعاصي، ولا سفك عليها الدماء» .

وهكذا قال ابن مسعود.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا أبو يعقوب.

قال: حدثنا محمد بن يونس العامري.

قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم.

قال: حدثنا القاسم بن الفضل، عن الحسن، عن عائشة أنها قالت لرسول الله  : هل تذكرون أهاليكم يوم القيامة؟

قال: «أَمَّا عِنْدَ مَوَاطِنَ ثَلاَثَةٍ فَلاَ: عِنْدَ الصِّرَاطِ، والكِتَابِ، والمِيزَانِ» .

قالت: ألم يقل الله تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ أين يكون الناس يومئذٍ؟

قال: «سَأَلْتِنِي عَنْ شَيءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكِ» .

فقال: «النَّاسُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الصِّرَاطِ» .

وروي عن ابن عباس أنه قال: «تمد الأرض مد الأديم، ويزاد في سعتها» .

ثم قال: وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ يعني: خرجوا من قبورهم، وظهروا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ لخلقه.

قوله تعالى: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يعني: المشركين يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ مسلسلين فِي الْأَصْفادِ يعني: في الأغلال، يقرن كل كافر مع شيطان سَرابِيلُهُمْ يعني: قمصهم مِنْ قَطِرانٍ أي قمصهم من النحاس المذاب هكذا قال قتادة.

وقال الحسن البصري: القطران الآنك.

وقال عكرمة: هو القطران الذي يطلى به الأشياء، حتى يشتعل ناراً.

وقال الضحاك: مِنْ قَطِرانٍ يعني: من صفر حار قد انتهى حره.

وقال القتبي: مُقَرَّنِينَ أي: قرن بعضهم إلى بعض في الأغلال.

وروي عن أبي هريرة أنه كان يقرأ من قَطِرانٍ.

ويقول: القطر النحاس والآنك الذي انتهى حره، وسَرابِيلُهُمْ أي قمصهم.

ثم قال تعالى: وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ يعني: تعلو وجوههم النار، ولا يمتنعون منها.

قوله تعالى: لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ من خير أو شر إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ يقول: إذا حاسب، فحسابه سريع.

قوله: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ يعني: هذا القرآن إرسال وبيان من الله تعالى.

ويقال: أبلغكم عن الله تعالى.

وَلِيُنْذَرُوا بِهِ يعني: ليخوفوا بالقرآن عن معصية الله تعالى وَلِيَعْلَمُوا يعني: لكي يعلموا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ صادق وَلِيَذَّكَّرَ أي ليتعظ بما أنزل من التخويف في القرآن أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: ذوو العقول من الناس.

والله سبحانه وتعالى أعلم- وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه وسلم (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

- بكسر اللام من «لِتَزُولَ» وفتح الأخيرة- وهذا على أن تكون «إِنْ» نافيةً بمعنى «مَا» ، ومعنى الآية تحقيرُ مَكْرِهم، وأنه مَا كَانَ لِتَزُولَ منه الشرائعُ والنبوَّاتُ وإِقدارُ اللَّه بها التي هي كالْجِبَالِ في ثبوتها وقوَّتها، هذا تأويلُ الحَسَن وجماعة المفسِّرين «١» وتحتملُ عندي هذه القراءةُ أنْ تكونَ بمعنى تَعْظِيمِ مَكْرهم، أي: وإِن كان شديداً، وقرأ الكسائيّ: «وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ» - بفتح اللام الأولَى من لَتَزُولُ، وضمِّ الأخيرة-، وهي قراءة ابن عبَّاس «٢» وغيره، ومعنى الآية: تعظيمُ مكرِهِمْ وشدَّتُه، أي: أنه مما يشقى به، ويزيلُ الجبالَ عن مستقرَّاتها، لقوَّته، ولكنَّ اللَّه تعالى أبطله ونَصَرَ أولياءه، وهذا أشَدُّ في العبرة، وقرأ علي وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبيٌّ: «وإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ» ، وذكر أبو حاتم أنَّ في قراءة أبيٍّ: «وَلَوْلاَ كَلِمَةُ اللَّهِ لَزَالَ مِنْ مَكْرِهِمُ الجِبَالُ» .

وقوله سبحان: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ...

الآية: تثبيت للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولغيره من أمَّته، ولم يكُنِ النبيُّ عليه السلام ممَّن يَحْسَبَنَّ مثْلَ هذا، ولكنْ خَرجَتِ العبارةُ هكذا، والمراد بما فيها من الزجْرِ غَيْرُهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ: لا يمتنعُ منْه شيء، ذُو انتِقامٍ: من الكفرة.

وقوله سبحانه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ ...

، الآية: يَوْمَ ظِرفٌ للانتقامِ المذْكُورِ قبله، وروي في تَبْدِيلِ الأرض أَخْبَارٌ منها في الصَّحِيحِ: «يُبَدِّلُ اللَّهُ هَذِهِ الأَرْضَ بأَرْضٍ عَفْرَاءَ بَيْضَاءَ كَأَنَّهَا قرصة نَقي» ، وفي الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُهَا خُبْزَةً يأكل المؤمن منها من

تَحْتِ قَدَمَيْهِ» «١» وروي أنها تبدَّلُ أَرضاً من فِضَّةٍ، وروي أنها أرض كالفضَّة مِنْ بياضها، وروي أنها تبدَّل من نارٍ.

قال ع «٢» : وسمعتُ من أبي رحمه اللَّه أنه روي أنَّ التبديل يَقَعُ في الأرضِ، ولكنْ يبدَّل لكلِّ فريقٍ بما يقتضيه حالُهُ، فالمُؤْمِنُ يكُونُ على خُبْزٍ يأكُلُ منه بحَسَبِ حاجته إِليه، وفريقٌ يكونُ على فضَّة، إِن صحَّ السند بها، وفريقُ الكَفَرَةِ يَكُونُونَ على نارٍ، ونحو هذا ممَّا كله واقِعٌ تحْتَ قدرةِ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ، وأكثر المفسِّرين على أنَّ التبديلَ يكونُ بأرضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فيها، ولا سُفِكَ فِيهَا دَمٌ، وَلَيْسَ فِيهَا معلم لأحد، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «المؤمنون وقْتَ التبديل في ظلِّ العرش» ، وروي عنه أنه قال: «النَّاسُ وقْتَ التبديل/ على الصِّراط» ، ورُوِيَ أنه قال: الناسُ حينئذٍ أضْيَافُ اللَّهِ، فلا يُعْجِزُهُم ما لَدَيْهِ» «٣» وفي «صحيح مسلم» من حديث ثَوْبَان في سؤال الحَبْرِ، وقوله: يا مُحَمَّدُ، أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ والسموات؟

فقال صلّى الله عليه وسلّم: «هُمْ فِي الظُلْمَةِ دُونَ الجسر» «٤» الحديثَ بطوله، وخرَّجه مسلمٌ وابنُ مَاجَه جميعاً، قالا: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ، ثم أسنَدَا عن عائشة، قالت: «سئل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسِ؟

قَالَ: عَلَى الصِّرَاطِ» «٥» ، وخرَّجه الترمذيُّ من حديث عائشة، قالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ

مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] ، فَأَيْنَ يَكُونُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ؟

قَالَ: «عَلَى الصِّرَاطِ يَا عَائِشَةُ» «١» ، قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسن صحيح.

انتهى من «التذكرة» «٢» .

وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ: أي الكفّار، ومُقَرَّنِينَ: أي: مربوطين في قَرْنٍ، وهو الحَبْلُ الذي تشدّ به رؤوس الإبل والبقر، والْأَصْفادِ: هي الأغلال، واحِدُها صَفَد، والسَّرابيل:

القُمُصُ، وال قَطِرانٍ: هو الذي تهنأ به الإِبل، وللنار فيه اشتعال شديدٌ، فلذلك جعل اللَّهُ قُمُصَ أهْلِ النارِ منه، وقرأ عمر بن الخطاب وعليٌّ وأبو هريرة وابنُ عبَّاس وغيرهم «٣» :

«مِنْ قِطْرٍ آنٍ» ، والقِطْر: القَصْدِير، وقيل: النُّحَاس، وروي عن عمر أنَّه قال: ليس بالقَطِرَانِ، ولكنَّه النُّحَاس يسر بلونه «٤» ، و «آن» : صفة، وهو الذائبُ الحارُّ الذي تناهَى حَرُّه قال الحَسَن: قد سُعِّرَتْ عليه جهنَّم منْذُ خُلِقَتْ، فتناهَى حَرُّه «٥» .

وقوله سبحانه: لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ...

الآية: جاء من لفظة الكَسْب بما يعم المُسِيءَ والمُحْسِنَ لينبِّه على أنَّ المحسن أيضاً يجازَى بإِحسانه خيراً.

وقوله سبحانه: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ ...

الآية: إِشارةٌ إِلى القرآن والوعيدِ الذي تضمنَّه، والمعنى: هذا بلاغٌ للناس، وهو لينذروا به وليذَّكَّر أولو الألباب، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ ﴾ ورَوى أبانُ " يَوْمَ نُبَدِّلُ " بِالنُّونِ وكَسْرِ الدّالِ " الأرْضَ " بِالنَّصْبِ، " والسَّمَواتِ " بِخَفْضِ التّاءِ، ولا خِلافَ في نَصْبِ " غَيْرَ " .

وَفِي مَعْنى تَبْدِيلِ الأرْضِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تِلْكَ الأرْضُ، وإنَّما يُزادُ فِيها ويُنْقَصُ مِنها، وتَذْهَبُ آكامُها وجِبالُها وأوْدِيَتُها وشَجَرُها، وتَمُدُّ مَدَّ الأدِيمِ، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  " «يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ " قالَ: يَبْسُطُها ويَمُدُّها مَدَّ الأدِيمِ» " .

والثّانِي: أنَّها تُبَدَّلُ بِغَيْرِها.

ثُمَّ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تُبَدَّلُ بِأرْضِ غَيْرِها بَيْضاءَ كالفِضَّةِ لَمْ يُعْمَلْ عَلَيْها خَطِيئَةٌ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها تُبَدَّلُ نارًا، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

والثّالِثُ: أنَّها تُبَدَّلُ بِأرْضٍ مِن فِضَّةٍ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والرّابِعُ: تُبَدَّلُ بِخُبْزَةٍ بَيْضاءَ، فَيَأْكُلُ المُؤْمِنُ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والقُرَظِيُّ.

وقالَ غَيْرُهم: يَأْكُلُ مِنها أهْلُ الإسْلامِ حَتّى يُفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ.

فَأمّا تَبْدِيلُ السَّمَواتِ، فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تُجْعَلُ مِن ذَهَبٍ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: أنَّها تَصِيرُ جِنانًا، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

والثّالِثُ: أنَّ تَبْدِيلَها: تَكْوِيرُ شَمْسِها وتَناثُرُ نُجُومِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ تَبْدِيلَها: اخْتِلافُ أحْوالِها، فَمَرَّةً كالمُهْلِ، ومَرَّةً تَكُونُ كالدِّهانِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والخامِسُ: أنَّ تَبْدِيلَها أنْ تُطْوى كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ.

والسّادِسُ: أنْ تَنْشَقَّ فَلا تُظِلُّ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِنَ القُبُورِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكم الأمْثالَ ﴾ ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهم وعِنْدَ اللهِ مَكْرَهم وإنْ كانَ مَكْرَهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ ﴾ ﴿ فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ﴾ ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ يَقُولُ عَزَّ وجَلَّ: أيُّها المُعْرِضُونَ عن آياتِ اللهِ مِن جَمِيعِ العالَمِ سَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ مِنَ الأُمَمِ السالِفَةِ فَنَزَلَتْ بِهِمُ المُثُلاتُ، فَكانَ قَوْلُكُمُ الِاعْتِبارَ والِاتِّعاظَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَتَبَيَّنَ" بِتاءٍ، وقَرَأ السُلَمِيُّ -فِيما حَكى المَهْدَوِيُّ -: "وَنُبَيِّنْ" بِنُونِ عَظْمَةٍ مَضْمُومَةٍ وجَزْمٍ عَلى مَعْنى: أو لَمْ نُبَيِّنْ، عَطْفٌ عَلى ﴿ أوَلَمْ تَكُونُوا  ﴾ ، قالَ أبُو عَمْرٍو: وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِضَمِّ النُونِ ورَفْعِ النُونِ الأخِرَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ ﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: وعِنْدَ اللهِ عِقابُ مَكْرِهِمْ، أو جَزاءُ مَكْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ ﴾ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والضَمِيرُ لِمُعاصِرِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا يُقالُ لِلظَّلَمَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، والضَمِيرُ لِلَّذِينِ سَكَنَ في مَنازِلِهِمْ.

وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى الكِسائِيِّ: ﴿ وَإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ ﴾ بِكَسْرِ اللامِ مَن لِتَزُولَ وفَتْحِ الثانِيَةِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وجَماعَةٍ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "إنْ" نافِيَةً بِمَعْنى "ما"، ومَعْنى الآيَةِ تَحْقِيرُ مَكْرِهِمْ، وأنَّهُ ما كانَ لِتَزُولَ مِنهُ الشَرائِعُ والنُبُوّاتُ وأقْدارُ اللهِ بِها الَّتِي هي كالجِبالِ في ثُبُوتِها وقُوَّتِها، وهَذا تَأْوِيلُ الحَسَنِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وتَحْتَمِلُ عِنْدِي هَذِهِ القِراءَةُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى تَعْظِيمِ مَكْرِهِمْ، أيْ: وإنْ كانَ شَدِيدًا إنَّما يَفْعَلُ لِتَذْهَبَ بِهِ عِظامُ الأُمُورِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "لَتَزُولُ" بِفَتْحِ اللامِ الأُولى ورَفْعِ الثانِيَةِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "إنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، ومَعْنى الآيَةِ تَعْظِيمُ مَكْرِهِمْ وشِدَّتِهِ، أيْ أنَّهُ مِمّا يُشْقى بِهِ، ويُزِيلُ الجِبالَ مِن مُسْتَقَرّاتِها بِقُوَّتِهِ، ولَكِنَّ اللهَ تَعالى أبْطَلَهُ ونَصَرَ أولِياءَهُ، وهَذا أشَدُّ في العِبْرَةِ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَإنْ كادَ مَكْرُهُمْ"، ويَتَرَتَّبُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ في "لِتَزُولَ" ما تَقَدَّمَ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَلَوْلا كَلِمَةُ اللهِ لَزالَ مِن مَكْرِهِمُ الجِبالُ"، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم جَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ إشارَةً إلى ما فَعَلَ نَمْرُوذُ، إذْ عَلَّقَ التابُوتَ بَيْنَ الأنْسُرِ ورَفَعَ لَها اللَحْمَ في أطْرافِ الرِماحِ بَعْدَ أنْ أجاعَها، ودَخَلَ هو وحاجِبُهُ في التابُوتِ فَعَلَتْ بِهِما الأنْسُرُ حَتّى قالَ لَهُ النَمْرُودُ: ماذا تَرى؟

قالَ: أرى بَحْرًا وجَزِيرَةً، يُرِيدُ الدُنْيا المَعْمُورَةَ، ثُمَّ قالَ: ماذا تَرى؟

قالَ: أرى غَمامًا ولا أرى جَبَلًا، فَكَأنَّ الجِبالَ زالَتْ عن نَظَرِ العَيْنِ بِهَذا المَكْرِ، وذُكِرَ ذَلِكَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَلِكَ عِنْدِي لا يَصِحُّ عن عَلِيٍّ، وفي هَذِهِ القِصَّةِ كُلِّها ضَعْفٌ مِن طَرِيقِ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ أنَّ تَصْعَدُ الأنْسُرُ كَما وصَفَ، وبِعِيدٌ أنْ يُغَرِّرَ أحَدٌ بِنَفْسِهِ في مِثْلِ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ ﴾ الآيَةُ.

تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيِّ  ولِغَيْرِهِ مَن أُمَّتِهِ، ولَمْ يَكُنِ النَبِيُّ  مِمَّنْ يَحْسَبُ مِثْلَ هَذا، ولَكِنْ خَرَجَتِ العِبارَةُ هَكَذا، والمُرادُ بِما فِيها مِنَ الزَجْرِ مَن شارَكَ النَبِيَّ  في أنْ قَصَدَ تَثْبِيتَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُخْلِفَ وعْدِهِ" بِالإضافَةِ "رُسُلَهُ" بِالنَصْبِ، وأضافَ "مُخْلِفَ" إلى "الوَعْدِ" إذْ لِلْإخْلافِ تَعَلُّقٌ بِالوَعِيدِ عَلى تَجَوُّزٍ، وإنَّما حَقِيقَةُ تَعَلُّقِهِ بِالرُسُلِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ: تَرى الثَوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِلِّ رَأْسَهُ ∗∗∗ وسائِرُهُ بادٍ إلى الشَمْسِ أجْمَعُ وكَقَوْلِكَ: "هَذا مُعْطِي زَيْدٍ دِرْهَمًا"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُخْلِفَ وعْدَهُ رُسُلِهِ" بِنَصْبِ "الوَعْدِ" وخَفْضِ "الرُسُلِ" عَلى الإضافَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ ذَكَرَها الزَجّاجُ وضَعَّفَها، وهي تَحُولُ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ، وهي كَقَوْلِ الشاعِرِ: فَزَجَجْتُها بِمَزَجَّةِ ∗∗∗ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَهْ وَأمّا إذا حِيلَ في مِثْلِ هَذا بِالظَرْفِ فَهو أشْهَرُ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ دَرُّ اليَوْمَ مَن لامَها وقالَ آخَرُ: كَما خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا...

يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أو يُزِيلُ والمَعْنى: لا تَحْسَبْ يا مُحَمَّدُ أنْتَ ومَنِ اعْتَبَرَ بِالأمْرِ مِن أُمَّتِكَ وغَيْرِهِمْ أنَّ اللهَ لا يُنْجِزُ وعْدَهُ في نَصْرِ رُسُلِهِ وإظْهارِهِمْ، ومُعاقَبَةِ مَن كَفَرَ بِهِمْ في الدُنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ اللهَ عَزِيزٌ لا يَمْتَنِعُ مِنهُ شَيْءٌ، ذُو انْتِقامٍ مِنَ الكَفَرَةِ، لا سَبِيلَ إلى عَفْوِهِ عنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ ﴾ الآيَةُ.

"يَوْمَ" ظَرْفٌ لِلِانْتِقامِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، ورُوِيَ في "تَبْدِيلِ الأرْضِ" أقْوالٌ: مِنها في الصَحِيحِ أنَّ اللهَ يُبَدِّلُها هَذِهِ الأرْضَ بِأرْضٍ عَفْراءَ بَيْضاءَ كَأنَّها قُرْصَةُ النَقِيِّ، وفي الصَحِيحِ أنَّ اللهَ يُبَدِّلُها خُبْزَةُ يَأْكُلُ المُؤْمِنُ مِنها مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ، ورُوِيَ أنَّها تُبَدَّلُ أرْضًا مِن فِضَّةٍ، ورُوِيَ أنَّها أرْضٌ كالفِضَّةِ مِن بَياضِها، ورُوِيَ أنَّها تُبَدَّلَ مِن نارٍ وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: تَبْدِيلُ الأرْضِ هو نَسْفُ جِبالِها، وتَفْجِيرُ بِحارِها، وتَغْيِيرُها حَتّى لا يُرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، فَهَذِهِ حالٌ غَيْرُ الأُولى، وبِهَذا وقَعَ التَبْدِيلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وسَمِعْتُ مِن أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ التَبْدِيلَ يَقَعُ في الأرْضِ، ولَكِنْ يُبَدَّلُ لِكُلِّ فَرِيقٍ بِما تَقْتَضِيهِ حالُهُ، فالمُؤْمِنُ يَكُونُ عَلى خُبْزٍ يَأْكُلُ مِنهُ بِحَسْبِ حاجَتِهِ إلَيْهِ، وفَرِيقٌ يَكُونُ عَلى فِضَّةٍ -إنَّ صَحَّ السَنَدُ بِها-، وفَرِيقُ الكَفَرَةِ يَكُونُونَ عَلى نارٍ، ويَجُوزُ هَذا مِمّا كُلُّهُ واقِعٌ تَحْتَ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.

وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ التَبْدِيلَ يَكُونُ بِأرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ لَمْ يُعْصَ اللهُ فِيها، ولا سُفِكَ فِيها دَمٌ، ولَيْسَ فِيها مَعْلَمٌ لِأحَدٍ.

ورُوِيَ فِيها عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "المُؤْمِنُونَ وقْتَ التَبْدِيلِ في ظِلِّ العَرْشِ"»، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "الناسُ وقْتَ التَبْدِيلِ عَلى الصِراطِ"،» وعنهُ أنَّهُ قالَ: « "الناسُ حِينَئِذٍ أضْيافُ اللهِ فَلا يُعْجِزُهم ما لَدَيْهِ".» و"بَرَزُوا" مَأْخُوذٌ مِنَ البِرازِ، أيْ: ظَهَرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ لا يُوارِيهِمْ بِناءٌ ولا حِصْنٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ صِفَتانِ لائِقَتانِ بِذِكْرِ هَذِهِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لزيادة الإنذار بيوم الحساب، لأن في هذا تبيين بعض ما في ذلك اليوم من الأهوال؛ فلك أن تجعل ﴿ يوم تبدل الأرض ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ سريع الحساب ﴾ قُدّم عليه للاهتمام بوصف ما يحصل فيه، فجاء على هذا النظم ليحصل من التشويق إلى وصف هذا اليوم لما فيه من التهويل.

ولك أن تجعله متعلقاً بفعل محذوف تقديره: اذكُرْ يوم تبدل الأرض، وتجعل جملة ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ على هذا تذييلاً.

ولك أن تجعله متعلقاً بفعل محذوف دل عليه قوله: ﴿ ليجزي الله كل نفس ما كسبت ﴾ .

والتقدير يجزي اللّهُ كلّ نفس بما كسبت يومَ تبدل الأرض..

الخ.

وجملة ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ تذييل أيضاً.

والتبديل: التغيير في شيء إما بتغيير صفاته، كقوله تعالى: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ [سورة الفرقان: 70]، وقولك: بدلتُ الحَلقة خاتماً وإما بتغيير ذاته وإزالتها بذات أخرى، كقوله تعالى: ﴿ بدلناهم جلوداً غيرها ﴾ [سورة النساء: 56]، وقوله: ﴿ وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط ﴾ [سورة سبأ: 16].

وتبديل الأرض والسماوات يوم القيامة: إما بتغيير الأوصاف التي كانت لها وإبطال النُظم المعروفة فيها في الحياة الدنيا، وإما بإزالتها ووجدان أرض وسماوات أخرى في العالم الأخروي.

وحاصل المعنى استبدال العالم المعهود بعالم جديد.

ومعنى وبرزوا لله الواحد القهار } مثل ما ذكر في قوله: ﴿ وبرزوا لله جميعاً ﴾ [سورة إبراهيم: 21].

والوصف بالواحد القهار } للرد على المشركين الذين أثبتوا له شركاء وزعموا أنهم يدافعون عن أتباعهم.

وضمير ﴿ برزوا ﴾ عائد إلى معلوم من السياق، أي وبرز الناس أو برز المشركون.

والتقرين: وضع اثنين في قرن، أي حبل.

والأصفاد جمع صِفاد بوزن كتاب، وهو القيد والغل.

والسرابيل: جمع سِربال وهو القميص.

وجملة ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ حال من ﴿ المجرمين ﴾ .

والقطران: دهن من تركيب كيمياوي قديم عند البشر يصنعونه من إغلاء شَجر الأرز وشجر السرو وشجر الأبهل بضم الهمزة والهاء وبينهما موحدة ساكنة وهو شجر من فصيلة العرعر.

ومن شجر العرعر بأن تقطع الأخشاب وتجعل في قبة مبنية على بلاط سَوِي وفي القبة قناة إلى خارج.

وتُوقد النار حول تلك الأخشاب فتصعد الأبخرة منها ويسري ماء البخار في القناة فتصب في إناء آخر موضوع تحت القناة فيتجمع منهماء أسود يعلوه زبد خاثر أسود.

فالماء يعرف بالسائل والزَبَد يعرف بالبرقي.

ويتخذ للتداوي من الجرب للإبل ولغير ذلك مما هو موصوف في كتب الطب وعلم الأَقْرَبَاذين.

وجعلت سرابيلهم من قطران لأنه شديد الحرارة فيؤلم الجِلدَ الواقعَ هو عليه، فهو لباسهم قبل دخول النار ابتداء بالعذاب حتى يقعوا في النار.

وجملة ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ مستأنفة، إما لتحقيق أن ذلك واقع كقوله: ﴿ إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع ﴾ [سورة الذاريات: 5، 6]، وإما استئناف ابتدائي.

وأخرت إلى آخر الكلام لتقديم يوم تبدل الأرض } إذا قُدر معمولاً لها كما ذكرناه آنفاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تُبَدَّلُ بِأرْضٍ غَيْرِها بَيْضاءَ كالفِضَّةِ، لَمْ تُعْمَلْ عَلَيْها خَطِيئَةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تُبَدَّلُ الأرْضُ مِن فِضَّةٍ بَيْضاءَ.

الثّانِي: أنَّها هي هَذِهِ الأرْضُ، وإنَّما تُبَدَّلُ صُورَتُها ويُطَهَّرُ دَنَسُها، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ والسَّماواتُ ﴾ فِيها سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ السَّماواتِ تُبَدَّلُ بِغَيْرِها كالأرْضِ فَتُجْعَلُ السَّماءُ مِن ذَهَبٍ، والأرْضُ مِن فِضَّةٍ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ.

الثّانِي: أنَّ السَّماواتِ تُبَدَّلُ بِغَيْرِها كالأرْضِ، فَتَصِيرُ السَّماواتُ جِنانًا والبِحارُ نِيرانًا وتُبَدَّلُ الأرْضُ بِغَيْرِها، قالَهُ كَعْبُ الأحْبارِ.

الثّالِثُ: أنَّ تَبْدِيلَ السَّماواتِ تَكْوِيرُ شَمْسِها وتَكاثُرُ نُجُومِها، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: أنَّ تَبْدِيلَها أنْ تُطْوى كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ يَحْيى.

الخامِسُ: أنَّ تَبْدِيلَها أنْ تَنْشَقَّ فَلا تُظِلُّ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

السّادِسُ: أنَّ تَبْدِيلَها اخْتِلافُ أحْوالِها، تَكُونُ في حالٍ كالمُهْلِ، وفي حالٍ كالوَرْدَةِ، وفي حالٍ كالدِّهانِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ أيْ صارُوا إلى حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِهِ فَرَوى الحَسَنُ قالَ: «قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: يا رَسُولَ اللَّهِ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ أيْنَ النّاسُ يَوْمَئِذٍ؟

قالَ (إنَّ هَذا الشَّيْءَ ما سَألَنِي عَنْهُ أحَدٌ ثُمَّ قالَ عَلى الصِّراطِ يا عايِشَةُ )» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ﴾ يقول: أنذرهم في الدنيا من قبل أن يأتيهم العذاب.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ﴾ قال: يوم القيامة ﴿ فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب ﴾ قال: مدة يعملون فيها من الدنيا ﴿ أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ﴾ لقوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴾ [ النحل: 38] ﴿ ما لكم من زوال ﴾ قال: الانتقال من الدنيا إلى الآخرة.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: بلغني أن أهل النار ينادون ﴿ ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ﴾ فرد عليهم ﴿ أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ﴾ إلى قوله: ﴿ لتزول منه الجبال ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ ما لكم من زوال ﴾ عما أنتم فيه إلى ما تقولون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ما لكم من زوال ﴾ قال: بعث بعد الموت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ﴾ قال: سكن الناس في مساكن قوم نوح وعاد وثمود.

وقرون بين ذلك كثيرة ممن هلك من الأمم ﴿ وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ﴾ قال: قد والله بعث الله رسله وأنزل كتبه وضرب لكم الأمثال فلا يصم فيها إلا الأصمّ ولا يخيب فيها إلا الخائب، فاعقلوا عن الله أمره.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ﴾ قال: عملتم بمثل أعمالهم.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وضربنا لكم الأمثال ﴾ قال: الأشباه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن كان مكرهم ﴾ يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال.

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف، عن الحسن رضي الله عنه قال: أربعة أحرف في القرآن ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ ما مكرهم وقوله: ﴿ لتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ﴾ [ الأنبياء: 17] ما كنا فاعلين.

وقوله: ﴿ إن كان للرحمن ولد ﴾ ما كان للرحمن من ولد وقوله: ﴿ ولقد مكناهم في ما إن مكناهم فيه ﴾ ما مكناكم فيه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإن كان مكرهم ﴾ يقول شركهم.

كقوله: ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه ﴾ [ مريم: 90] .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ قال: هو كقوله: ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً.

لقد جئتم شيئاً إذًّا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا ﴾ [ مريم: 88-90].

وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه، أن الحسن كان يقول: كان أهون على الله وأصغر من أن تزول منه الجبال، يصفهم بذلك.

قال قتادة رضي الله عنه: وفي مصحف عبد الله بن مسعود ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ وكان قتادة رضي الله عنه يقول عند ذلك ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا ﴾ أي لكلامهم ذلك.

وأخرج ابن حميد وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر: كان يقرأ ﴿ وإن كان مكرهم ﴾ بالنون ﴿ لتزول ﴾ برفع اللام الثانية وفتح الأولى.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف، عن عمر بن الخطاب أنه قرأ ﴿ وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ يعني بالدال.

وأخرج ابن المنذر وابن الأنباري، عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ ﴿ وإن كان مكرهم ﴾ وأخرج ابن الأنباري عن أبي بن كعب، أنه قرأ ﴿ وإن كان مكرهم ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس، أنه قرأ ﴿ وإن كاد مكرهم ﴾ .

قال: وتفسيره عنده ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ﴾ هذا ﴿ أن دعوا للرحمن ولداً ﴾ [ مريم: 91].

وأخرج ابن جرير عن مجاهد، أنه كان يقرأ ﴿ لتزول ﴾ بفتح اللام الأولى، ورفع الثانية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ ثم فسرها فقال: إن جباراً من الجبابرة قال: لا أنتهي حتى أنظر إلى ما في السماء، فأمر بفراخ النسور تعلف اللحم حتى شبت وغلظت، وأمر بتابوت فنجر يسع رجلين، ثم جعل في وسطه خشبة، ثم ربط أرجلهن بأوتاد، ثم جوَّعهن، ثم جعل على رأس الخشبة لحماً ثم دخل هو وصاحبه في التابوت، ثم ربطهن إلى قوائم التابوت، ثم خلى عنهن يردهن اللحم، فذهبن به ما شاء الله تعالى.

ثم قال لصاحبه: افتح فانظر ماذا ترى.

ففتح فقال: أنظر إلى الجبال....

كأنها الذباب..

!

قال: أغلق.

فأغلق، فطرن به ما شاء الله، ثم قال: افتح...

ففتح.

فقال: انظر ماذا ترى.

فقال: ما أرى إلا السماء، وما أراها تزداد إلا بعداً.

قال: صوّب الخشبة.

فصوّبها فانقضت تريد اللحم، فسمع الجبال هدتها فكادت تزول عن مراتبها.

وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أخذ الذي حاجَّ إبراهيم عليه السلام في ربه نسرين صغيرين، فربّاهما حتى استغلظا واستعلجا وشبّا، فأوثق رجل كل واحد منهما بوتر إلى تابوت.

وجوّعهما وقعد هو ورجل آخر في التابوت، ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم فطارا وجعل يقول لصاحبه: انظر ماذا ترى؟

قال: أرى كذا وكذا.

حتى قال: أرى الدنيا كأنها ذباب.

قال: صوّب العصا.

فَصَوَّبَها فهبطا.

قال: فهو قول الله تعالى ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ وكذلك هي في قراءة ابن مسعود ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه، أن بخت نصر جوّع نسوراً، ثم جعل عليهن تابوتاً، ثم دخله وجعل رماحاً في أطرافها واللحم فوقها، فَعَلَتْ تذهب نحو اللحم حتى انقطع بصره من الأرض وأهلها، فنودي: أيها الطاغية، أين تريد؟

ففرق، ثم سمع الصوت فوقه فصوب الرماح فقوضت النسور، ففزعت الجبال من هدّتها، وكادت الجبال أن تزول من حسّ ذلك.

فذلك قوله: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ كذا قرأها مجاهد.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في الآية قال: إن نمرود صاحب النسور لعنه الله، أمر بتابوت فجعل وجعل معه رجلاً، ثم أمر بالنسور فاحتمل، فلما صعد قال لصاحبه: أي شيء ترى؟

قال: أرى الماء وجزيرة- يعني الدنيا- ثم صعد فقال لصاحبه: أي شيء ترى؟

قال: ما نزداد من السماء إلا بعداً.

قال: اهبط.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة، أن جبّاراً من الجبابرة قال: لا أنتهي حتى أنظر إلى من في السماء.

فسلط عليه أضعف خلقه، فدخلت بعوضة في أنفه فأخذه الموت، فقال: اضربوا رأسي.

فضربوه حتى نثروا دماغه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم، عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ قال: انطلق ناس وأخذوا هذه النسور، فعلقوا عليها كهيئة التوابيت ثم أرسلوها في السماء، فرأتها الجبال فظنت أنه شيء نزل من المساء، فتحركت لذلك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: أمر الذي حاجّ إبراهيم في ربه بإبراهيم، فأخرج من مدينته فلقي لوطاً على باب المدينة وهو ابن أخيه، فدعاه فآمن به وقال: إني مهاجر إلى ربي.

وحلف نمرود أن يطلب إله إبراهيم، فأخذ أربعة فراخ من فراخ النسور، فربّاهن بالخبز واللحم...

حتى إذا كبرن وغلظن واستعلجن، قرنهنّ بتابوت وقعد في ذلك التابوت، ثم رفع رجلاً من لحم لهن، فطرن حتى إذا دهم في السماء أشرف فنظر إلى الأرض وإلى الجبال تدب كدبيب النمل، ثم رفع لهن اللحم ثم نظر، فرأى الأرض محيطاً بها بحر كأنها فلكة في ماء، ثم رفع طويلاً فوقع في ظلمة، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته، فألقى اللحم فأتبعته منقضات، فلما نظرت الجبال إليهن قد أقبلن منقضات وسمعت حفيفهن، فزعت الجبال وكادت أن تزول من أمكنتها، ولم يفعلن.

فذلك قوله: ﴿ وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ﴾ وهي في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ وإن كاد مكرهم ﴾ فكان طيورهن به من بيت المقدس، ووقوعهن في جبال الدخان.

فلما رأى أنه لا يطيق شيئاً، أخذ في بنيان الصرح فبناه حتى أسنده إلى السماء، ارتقى فوقه ينظر يزعم إلى إله إبراهيم، فأحدث ولم يكن يحدث، وأخذ الله بنيانه من القواعد ﴿ فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ﴾ [ النحل: 26] يقول: من مأمنهم وأخذهم من أساس الصرح، فانتقض بهم....

وسقط فتبلبلت ألسنة الناس يومئذ من الفزع، فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً، فلذلك سميت بابل وكان قبل ذلك بالسريانية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله عزيز ذو انتقام ﴾ قال: عزيز والله في أمره يملي وكيده متين، ثم إذا انتقم انتقم بقدره.

وأخرج مسلم وابن جرير والحاكم والبيهقي في الدلائل، عن ثوبان رضي الله عنه قال: جاء حبر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم في الظلمة دون الجسر» .

وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والحاكم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أنا أول الناس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ قلت: أين الناس يومئذ؟

قال على الصراط» .

وأخرج البزار وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ قال: «أرض بيضاء كأنها فضة، لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل فيها خطيئة» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ قال: تبدل الأرض أرضاً بيضاء، كأنها سبيكة فضة لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل عليها خطيئة.

قال البيهقي: الموقوف أصح.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن زيد بن ثابت قال: أتى اليهود النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه فقال: «جاؤوني...

سأخبرهم قبل أن يسألوني ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ قال: أرض بيضاء كالفضة، فسألهم فقالوا: أرض بيضاء كالنقي» .

وأخرج ابن مردويه عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ﴾ قال: «أرض بيضاء، لم يعمل عليها خطيئة ولم يسفك عليها دم» .

وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن أنس بن مالك أنه تلا هذه الآية ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ﴾ قال: يبدلها الله يوم القيامة بأرض من فضة، لم يعمل عليها الخطايا، ثم ينزل الجبار عز وجل عليها.

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب في الآية قال: تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ زعم أنها تكون فضة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ﴾ قال: أرض كأنها فضة والسماوات كذلك.

وأخرج البيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ﴾ قال: يزاد فيها وينقص منها، وتذهب آكامها وجبالها وأوديتها وشجرها وما فيها، وتمد مدّ الأديم العكاظي، أرض بيضاء مثل الفضة، لم يسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة، والسموات تذهب شمسها وقمرها ونجومها.

وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه، عن سهل بن سعد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة نقي ليس فيها معلم لأحد» .

وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفرة، نزلاً لأهل الجنة.

قال: فأتاه رجل من اليهود فقال: بارك الله عليك أبا القاسم...

ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟

قال: تكون الأرض خبزة واحدة يوم القيامة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟

قال: بلى.

قال: إدامهم ثور.

قالوا: ما هذا؟

قال هذا ثور بالأم، يأكل من زيادة كبدها سبعون ألفاً» .

وأخرج ابن مردويه عن أفلح مولى أبي أيوب رضي الله عنه، «أن رجلاً من يهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ ما الذي تبدل به؟

فقال: خبزة.

فقال اليهودي: درمكة بأبي أنت.

قال: فضحك ثم قال: قاتل الله يهود، هل تدرون ما الدرمكة؟

لباب الخبز» .

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ قال: تبدل الأرض خبزة بيضاء، يأكل المؤمن ومن تحت قدميه.

وأخرج البيهقي في البعث عن عكرمة رضي الله عنه قال: تبدل الأرض بيضاء مثل الخبزة، يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ قال: خبز يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم.

وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل، عن أبي أيوب الأنصاري قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم حبر من اليهود وقال: أرأيت إذ يقول الله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟

قال: أضياف الله، لن يعجزهم ما لديه» .

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية.

قال: بلغنا أن هذه الأرض تطوى وإلى جنبها أخرى، يحشر الناس منها إليها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن أبي بن كعب في الآية قال: تغير السموات جناناً ويصير مكان البحر ناراً، وتبدل الأرض غيرها.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: الأرض كلها نار يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ الآية.

قال: هذا يوم القيامة، خلق سوى الخلق الأوّل.

وأخرج البخاري في تاريخه، عن عائشة رضي الله عنها: أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: «أين الأرض يوم القيامة؟

قال: هي رخام من الجنة» .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ مقرنين في الأصفاد ﴾ قال: الكبول.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ مقرنين في الأصفاد ﴾ قال: في القيود والاغلال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ في الأصفاد ﴾ قال: في السلاسل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ في الأصفاد ﴾ يقول: في وثاق.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ ﴾ الآية.

ذكر الزجاج في نصب (يوم) وجهين؛ أحدهما: أنه صفة لقوله ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ (١) (٢) (٣) (٤) فما الناسُ بالناسِ الذين عَهِدتُهُم ...

ولا الدَّارُ بالدَّارِ التي كنت أعْرِفُ (٥) ونحو هذا روى أبو هريرة عن النبيّ  قال: "يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها (٦) (٧) وقال الحسن: هي هذه الأرض إلا أنها تُغيَّر إلى سورة أخرى (٨) وأما تبديل السموات فقال ابن عباس في رواية أبي صالح: وتبديل المموات بأن يزاد فيها وينقص منها (٩) وقال ابن الأنباري: باختلاف هيئتها؛ كما ذكر الله تعالى أنها مرة كالمهل (١٠) (١١) قال: وقوله: ﴿ وَالسَّمَاوَاتُ ﴾ أي وتبدل السمواتُ غيرَ السموات (١٢)  -: لا يُقتل مؤمنٌ بكافر ولا ذو عهد في عهده" (١٣) (١٤) المعنى: ولا ذو عهد في عهده بكافر، كما كان التقدير في الآية؛ والسموات غير السموات، وذهب قوم إلى تبديل العين، فقال ابن مسعود: تبدل بأرض كالفضة بيضاء نقية، لم يُسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة (١٥) (١٦) يؤكد هذا ما روى سَهْل بن سَعد عن رسول الله -  - قال: "يُحْشرُ الناسُ يوم القيامة على أرض بيضاء عَفْراءَ كَقُرْصَةِ النَّقيّ ليس فيها معلم لأحد" (١٧) وقال علي -  - في هذه الآية: الأرض من فضة والسماء من ذهب (١٨) (١٩) وسألتْ عائشةُ رسولَ الله  عن هذه الآية وقالت: أين يكون الناس يومئذ؟

قال: "على الصراط" (٢٠) ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ أىِ ظهروا وخرجوا من قبورهم، وهو كقوله: ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا  ﴾ وقد مرّ.

(١) وتقديره: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ ﴾ ذكره الزجاج.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه"، 3/ 169 بمعناه، حيث قال: وإن شئت أن يكون منصوباً بقوله ذو انتقام.

(٣) ورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 144 ب بنصه، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 308، والفخر الرازي 19/ 146، و"الفريد في الإعراب" 3/ 178، و"تفسير أبي حيان" 5/ 439، و"الدر المصون" 7/ 130، و"تفسير أبي السعود" 5/ 60.

(٤) نُسب إلى ابن عباس في المصادر السابقة عدا تفسير الفخر الرازي ونُسب إلى عبد الله بن شبيب في "مجالس ثعلب" ص 49.

(٥) المصادر السابقة نفسها، وتختلف رواية "مجالس ثعلب" في العجز، وهي: وما الدهر بالدهر الذي كنت تعرف (٦) في جميع النسخ (فينبشها) والتصويب من الطبري والثعلبي وباقي المراجع.

(٧) الحديث جزء من حديث الصور الطويل، أخرجه الطبري 13/ 252، مختصراً، والطبراني في "معجمه الكبير" 25/ 266، مطولاً، والبيهقي في "البعث" ص 338، مطولاً، وطرفه: (إن الله عَزَّ وَجَلَّ لمّا فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور)، وأورده الثعلبي 2/ 144 ب، مختصرًا، وابن كثير 2/ 163، مطولاً، وورد مختصرًا في "تفسير ابن الجوزي" 4/ 375، والفخر الرازي 19/ 146، و"تفسير القرطبي" 9/ 383، وابن كثير 2/ 599، وأبي السعود 5/ 60، و"حاشية الجمل على الجلالين" 2/ 534، والحديث ضعيف، وقد ضعفه ابن كثير رحمه الله 2/ 167 ووصفه بالنكارة؛ بسبب تفرد إسماعيل بن رافع وهو مكر الحديث، وأكده أحمد شاكر -رحمه الله- فقال: هو حديث ظاهر النكارة.

انظر: "عمدة == التفسير" 1/ 788.

حاشية (2) (العكاظي) نسبة إلى سوق عكاظ، (العوج) ما اعوج يمينًا وشمالاً، (الأمت): ما يرتفع مرة ويهبط أخرى.

"غريب اليزيدي" ص 250.

(٨) ورد في معاني القرآن" للنحاس 3/ 545، بمعناه، و"تفسير الطوسي" 6/ 309 بنصه.

(٩) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 375، لكن جعله تفسيرًا لتبديل الأرض لا السماء، حيث قال: إنها تلك الأرض، وإنما يزاد فيها وينقص منها، وكذلك أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 168وعزاه إلى البيهقي في البعث لم أجده.

(١٠) يشير إلى قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ  ﴾ .

(١١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ  ﴾ .

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 169 بنصه.

(١٣) "المسائل الحلبيات" ص 74 بنصه دون ذكر الحديث.

(١٤) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه: باب قود المسلم بالذمي 10/ 99 بنحوه عن الحسن مرسلاً، وأبو داود (4530) كتاب: الديات، إيقاد المسلم بالكافر، (2751) كتاب: الجهاد، باب: في السرية ترد على أملى العسكر، بنصه، وابن ماجه (2658) كتاب: الديات لا يقتل مسلم بكافر، واللفظ له، والنسائي: القَسامة، القود بين الأحرار والمماليك في النفس 8/ 19 بنصه، والحاكم: الفيء لا يقتل مؤمن بكافر 2/ 141 بنصه، وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن: الجنايات فيمن لا قصاص بينه باختلاف الدين 8/ 29 بنحوه، كلهم عن علي إلا ابن ماجه عن ابن عباس، وذكره الألباني في "صحيح أبي داود" (2751)، (4530)، و"صحيح النسائي" 3/ 984، و"صحيح ابن ماجه" (2658).

(١٥) أخرجه بنصه: عبد الرزاق 2/ 344، موقوفاً على عمرو بن ميمون راوي الحديث عن ابن مسعود والطبري 13/ 250، من طرق، والطبراني في "الكبير" 9/ 232، والحاكم 4/ 570، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأبو نعيم في "الحلية" 4/ 153، وورد بنحوه في معاني النحاس 3/ 544، و"تفسير السمرقندي" 2/ 211، والماوردي 3/ 143، وأورده ابن حجر في "الفتح" 11/ 383، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد والبيهقي في الشعب لم أقف عليه، وقال: ورجاله رجال الصحيح وهو موقوف.

(١٦) أخرجه الطبري 13/ 251، من طريق العوفي ضعيفة، ولفظه: فزعم أنها تكون فضة، ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 143 مختصرًا، وانظر: "تفسير ابن الجوزي".

برواية عطاء 4/ 376، و"تفسير القرطبي" 9/ 384، وابن كثير 2/ 564.

(١٧) أخرجه بنصه البخاري (6521) كتاب: الرقاق، باب: يقبض الله الأرض يوم القيامة، ومسلم (2790) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: صفات المنافقين في البعث والنشور 4/ 2150، والطبري 13/ 250، والطبراني في "الكبير" 6/ 155، 174.

(عفراء) العفر: بياض ليس بالناصع، وقيل بياض يضرب إلى حمرة قليلاً، (كقرصة النَقِّي): هو الرغيف المصنوع من الدقيق النقي من الغش والنخالة؛ يسمى الحُوَّارى، (ليس فيها معلم لأحد) قيل إنها مدرجة؛ من كلام سهل -  - أو غيره، (المَعْلَم):الشيء الذي يُستدل به على الطريق، والمراد: أنها مستوية ليس فيها علامة سكنى ولا بناء ولا أثر ولا شيء من العلامات التي يهتدى بها في الطرقات؛ كالجبل والصخرة البارزة انظر: "فتح الباري" 11/ 382.

(١٨) أخرجه الطبري 13/ 251، وفيه (والجنة) بدل (والسماء)، وورد بنصه في "تفسيرالثعلبي" 2/ 144 ب، والماوردي 3/ 144، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 361 - 362، و"ابن الجوزي" 4/ 376، و"تفسير القرطبي" 9/ 384، و"الخازن" 3/ 86، وأبي حيان 5/ 439، وابن كثير 2/ 598، و"الدر المنثور" 4/ 168، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(١٩) وقد تعددت أقوالهم في ماهية التبديل على أقوال: فقال مجاهد: تبدل أرضًا بيضاء كأنها الفضة، والسموات كذلك كأنها الفضة.

"تفسير مجاهد" 1/ 336، وأخرجه الطبري 13/ 250، وقال كعب: تفسير السموات جناناً، ويصير مكان البحر النار، وتبدل الأرض غيرها.

أخرجه الطبري 13/ 252، وورد في "تفسير الماوردي" 3/ 144، والثعلبي 2/ 144 ب، والخازن 3/ 86، وابن كثير 2/ 598، وقال القرظي: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم.

== أخرجه الطبري 13/ 252، وورد في "تفسيرالثعلبي" 2/ 144ب، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 462، وابن الجوزي 4/ 376، وأبي حيان 5/ 439، وابن كثير 2/ 898، والخازن 3/ 86، وقال عكرمة: تبدل الأرض بيضاء مثل الخبزة، يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب.

أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 169، وعزاه إلى البيهقي في البعث، وهذا القول أي تبديل العين هو الأرجح؛ لموافقته لظاهر الآية، إذ هو الأصل في التبديل، ويعضده الأحاديث الصحيحة والصريحة، وقد رجحه جماعة من المفسرين؛ منهم: الطبري 13/ 254، و"تفسير القرطبي" 9/ 383، و"الجمل في حاشيته على الجلالين" 2/ 534.

(٢٠) أخرجه بنصه: أحمد 6/ 35، ومسلم (2791) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: في البعث والنشور، والترمذي (3121) التفسير، باب من سورة إبراهيم، وابن ماجه (4279): كتاب: الزهد، باب: ذكر البعث، والطبري 7/ 482 بعدة روايات، والحاكم في المستدرك: التفسير، سورة إبراهيم 2/ 88، وورد بنصه في: "معاني القرآن" للنحاس 3/ 545، و"تفسير السمرقندي" 2/ 212، والثعلبى 2/ 145 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض ﴾ العامل في الظرف ذو انتقام أو محذوف، وتبديل الأرض بأن تكون يوم القيامة بيضاء عفراء كقرصة النقي هكذا ورد في الحديث الصحيح ﴿ والسماوات ﴾ تبديلها بانشقاقها وانتشار كواكبها، وخسوف شمسها وقمرها وقيل: تبدل أرضاً من فضة، وسماء من ذهب وهذا ضعيف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إبراهام ﴾ بالألف: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إني أسكنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ومن عصاني ﴾ بالإمالة: علي ﴿ دعائي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب.

وقرأ أبو عمرو ويزيد وورش وحمزة وسهل والبرجمي والخزاز عن هبيرة وأحمد بن فرج عن أبي عمرو عن إسماعيل بالياء في الوصل.

والباقون والهاشمي عن ابن فليح بغير ياء في الحالين.

﴿ نؤخرهم ﴾ بالنون: عباس والمفضل في رواية أبي زيد.

الآخرون بالياء.

﴿ لتزول ﴾ بفتح الأول ورفع الآخر: عليّ.

الباقون بكسر الأول ونصب الآخر.

﴿ القهار ﴾ مثل ﴿ البوار ﴾ ﴿ قطر ﴾ بكسر القاف وسكون الطاء والراء مكسورة منونة.

﴿ آن ﴾ على أنه اسم فاعل: يزيد عن يعقوب والوقف على قراءته ﴿ آني ﴾ بالياء.

الوقوف: ﴿ الأصنام ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ج ﴿ مني ﴾ ج فصلاً بين النقيضين مع اتحاد الكلام ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المحرم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ليقيموا ﴾ يتعلق بقوله: ﴿ أسكنت ﴾ وكلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ما نعلن ﴾ ط ﴿ ولا في السماء ﴾ ه لا ﴿ وإسحاق ﴾ ط ﴿ الدعاء ﴾ ه ﴿ ومن ذريتي ﴾ ز قد قيل: {والوصل أولى للعطف ﴿ وربنا ﴾ تكرار ﴿ دعاء ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ط ﴿ الأبصار ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ طرفهم ﴾ ج لاحتمال أن قوله: ﴿ وأفئدتهم ﴾ يكون من صفات أهل المحشر وأن يكون من صفة الكفار في الدنيا ﴿ هواء ﴾ ه ط ﴿ قريب ﴾ لا لأن قوله: ﴿ نجب ﴾ جواب ﴿ أخرنا ﴾ ﴿ الرسل ﴾ ط ﴿ زوال ﴾ ه لا للعطف على ﴿ أقسمتم ﴾ ﴿ الأمثال ﴾ ه ﴿ وعند الله مكرهم ﴾ ط ﴿ الجبال ﴾ ه ﴿ رسله ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ط فإن انتقامه لا يختص بوقت والتقدير اذكر يوم ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ في الأصفاد ﴾ ه ج للآية ولأن الجملة بعد من صفات المجرمين ﴿ النار ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ ما كسبت ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه.

التفسير: إن قصة إبراهيم  يحتمل أن تكون مثالاً للكلمة الطيبة وأن تكون دعاء إلى التوحيد وإنكار لعبادة الأصنام، وأن تكون تعديداً لبعض نعمه على عبيده فإن وجود الصالحين ولا سيما الأنبياء والمرسلين رحمة فيما بين العالمين كما قال: ﴿ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً  ﴾ .

وذلك بدعاء إبراهيم ومن نسله  نبينا  .

حكى الله  عنه طلب أمور منها: قوله: ﴿ رب اجعل هذا البلد آمناً ﴾ وقد مر في "البقرة" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك.

ولا ريب أن في مكة مزيد أمن ببركة دعائه حتى إن الناس مع شدة العداوة بينهم كانوا يتلاقون بمكة فلا يخاف بعضهم بعضاً، وكان الخائف إذا التجأ بمكة أمن، وللوحوش هناك استئناس ليس في غيرها، وإنما قدم طلب الأمن على سائر المطالب لأنه لولاه لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من مهمات الدين والدنيا ومن هنا جاز التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه.

وسئل بعض الحكماء أن الأمن أفضل أم الصحة؟

فقال: الأمن دليله أن شاء لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل وإنها لو ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناول شيئاً إلى أن تموت، فدل ذلك على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الألم الحاصل للجسد.

ومنها قوله: ﴿ واجنبني ونبيّ أن نعبد الأصنام ﴾ قال جار الله: أهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد.

وأهل نجد: جنبني وأجنبني.

وفائدة الطلب - والاجتناب حاصل - التثبت والإدامة ولا أقل من هضم النفس وإظهار الفقر والحاجة والتماس العصمة من الشرك الخفي.

أما قوله: ﴿ وبني ﴾ فقيل: أراد بنيه من صلبه وأنهم ما عبدوا صنماً ببركة دعائه.

وقيل: أولاده وأولاد أولاده ممن كانوا موجودين حال دعوته.

وقال مجاهد وابن عيينة: لم يبعد أحد من ولد إبراهيم صنماً وهو التمثال المصور، وإنما عبدت العرب الأوثان يعني أحجاراً مخصوصة كانت لكل قوم زعموا أن البيت حجر فحيثما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه الدوار ولذلك استحب أن يقال: طاف بالبيت ولا يقال دار بالبيت.

وضعف هذا الجواب بأنه إذا عبد غير الله فالوثن والصنم سيان، على أنه  وصف آلهتهم بما ينبىء عن كونهم مصورين كقوله: ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم  ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون  ﴾ .

وقيل: إن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده بدليل قوله: ﴿ فمن تبعني فإنه مني ﴾ أي من أهلي فإنه يفهم منه أن من لم يتبعه في دينه فإنه ليس من أهله كقوله لابن نوح ﴿ إنه ليس من أهلك  ﴾ وقيل: إنه وإن عمم الدعاء إلا أنه أجيب في البعض كقوله: ﴿ ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين  ﴾ .

قالت الأشاعرة: لو لم يكن الإيمان والكفر بخلق الله  لم يكن لالتماس التبعيد عن الكفر معنى.

وحمله المعتزلة على منح الألطاف.

أما قوله: ﴿ رب إنهن أضللن كثيراً ﴾ فاتفقوا على أن نسبة الإضلال إليهن مجاز لأنهن جمادات فهو كقولهم "فتنتهم الدنيا وغرتهم" أي صارت سبباً للفتنة والاغترار بها ﴿ فمن تبعني ﴾ بقي على الملة الحنيفة ﴿ فإنه مني ﴾ أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي ﴿ ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ قال السدي: معناه ومن عصاني ثم تاب.

وقيل: إن هذا الدعاء كان قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك.

وقيل: المراد أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإسلام.

وقيل: أراد أن يمهلهم حتى يتوبوا وقيل: ومن عصاني فيما دون الشرك فاستدل الأشاعرة بإطلاقه من غير اشتراط التوبة على أنه شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر، وإذا ثبت هذا في حق إبراهيم  ثبت في حق نبينا بالطريق الأولى.

ثم أراد أن يعطف الله بدعائه قلوب الناس كلهم أو جلهم على إسماعيل ومن ولد منه بمكة وأن يرزقهم من الثمرات فمهد لذلك مقدمة فقال: ﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي ﴾ أي بعضهم ﴿ بواد غير ذي زرع ﴾ أي لم يكن فيه شيء من زرع قط كقوله: { ﴿ قرآناً عربياً غير ذي عوج  ﴾ أي لا اعوجاج فيه أصلاً ولم يوجد ذلك فيه في زمن من الأزمان.

وقد سبق في سورة البقرة قصة مجيء إبراهيم  بإسماعيل وأمه هاجر إلى هنالك.

وفي قوله: ﴿ عند بيتك الحرام ﴾ دليل على أنه دعا هذه الدعوة بعد بناء البيت لا في حين مجيئه بهما.

ومعنى كون البيت محرماً أن الله حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لأجل حرمته، وأنه لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب.

وقيل: سمي محرماً لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه فلم يستول عليه، أو حرم على المكلفين أن يقربوه بالدماء والأقذار، أو لأنه أمر الصائرون إليه يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل ﴿ ربنا ليقيموا الصلاة ﴾ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي القفر إلا لإقامة الصلاة عند البيت وعمارته بالذكر والطواف.

﴿ فاجعل أفئدة من الناس ﴾ "من" للتبعيض أي أفئدة من أفئدة الناس.

قال مجاهد.

لو قال أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند.

وعن سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس لحجة اليهود والنصارى والمجوس ولكنه أراد أفئدة المسلمين.

وجوز في الكشاف أن يكون "من" للابتداء كقولك "القلب مني سقيم".

وعلى هذا فإنما يحصل التبعيض من تنكير أفئدة فكأنه قيل: أفئدة ناس.

ومعنى ﴿ تهوي ﴾ تسرع ﴿ إليهم ﴾ وتطير نحوهم شوقاً ونزاعاً.

وقيل: تنحط وتنحدر.

الأصمعي: هوى يهوي هوياً بفتح الهاء إذا سقط من علو إلى سفل وفي هذا الدعاء فائدتان: إحداهما ميل الناس إلى تلك البلدة للنسك والطاعة، والأخرى نقل الأقمشة إليه للتجارة، وفي ضمن ذلك تتسع معايشهم وتكثر أرزاقهم ومع ذلك قد صرح بها فقال: ﴿ وارزقهم من الثمرات ﴾ فلا جرم أجاب الله دعاءه فجعله حراماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء.

وقيل: أراد أن يحصل حواليها القرى والمزارع والبساتين.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ لعلهم يشركون ﴾ ليعلم أن المقصود الأصلي من منافع الدنيا وسعة الرزق هو التفرغ لأداء العبادات وإقامة والوظائف الشرعية.

ثم أثنى على الله  تمهيداً لدعوة أخرى وتعريضاً ببقية الحاجات فقال: ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ﴾ على الإطلاق لأن الغيب والشهادة بالإضافة إلى العالم بالذات سيان.

وقيل: ما نخفي من الوجد بسبب الفرقة بيني وبين إسماعيل، وما نعلن من البكاء والدعاء، أو أراد ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟

قال: إلى الله أكلكم.

قال المفسررون: ﴿ وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ من كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم، ويحتمل أن يكون من كلام إبراهيم.و"من" للاستغراق أي لا يخفى على الذين يستحق العبادة لذاته شيء ما في أيّ مكان يفرض.

﴿ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر ﴾ أي مع كبر السن وفي حال الشيخوخة ﴿ إسماعيل وإسحاق ﴾ ذكر أوّلاً كونه  عالماً بالضمائر والسرائر، ثم حمده على هذه الموهبة لأن المنة بهبة الولد في حال وقوع اليأس من الولادة أعظم لأنها تنتهي إلى حد الخوارق فكأنه رمز إلى أنه يطلب من الله  أن يبقيهما بعده ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن ربي لسيمع الدعاء ﴾ وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي مجيب الدعاء، أو إلى فاعلها بأن يجعل دعاء الله سميعاً على الإسناد المجازي، والمراد سماع الله  ، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إن ربي لسميع الدعاء ﴾ رمزاً إلى ما كان قد دعا ربه وسأله الولد بقوله: ﴿ رب هب لي من الصالحين  ﴾ روي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة.

وقيل: إسماعيل لأربع وستين، وإسحق لتسعين.

وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة.

ثم ختم الأدعية بقوله: ﴿ رب اجعلني مقيم الصلاة ﴾ أي مديمها ﴿ ومن ذريتي ﴾ أي واجعل بعض ذريتي كذلك لم يدع للكل لأنه علم بإعلام والله  أنه يكون في ذريته كفار وذلك قوله  ﴿ لا ينال عهدي الظالمين  ﴾ ﴿ ربنا وتقبل دعائي ﴾ عن ابن عباس: أي عبادتي، وحمله على تقبله الأدعية السابقة في الآية غير بعيد ﴿ ربنا اغفر لي ﴾ طلب المغفرة لا يوجب سابقة الذنب لأن مثل هذا إنما يصدر عن الأنبياء والأولياء في مقام الخوف والدهشة على أن ترك الأولى لا يمتنع منهم وحسنات الأبرار سيئات المقربين.أما قوله: ﴿ ولوالدي ﴾ فاعترض عليه بأنه كيف استغفر لأبويه وهما كافران؟

وأجيب بأنه قال ذلك بشرط الإسلام، وزيف بأن قوله  : ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك  ﴾ مستثنى من الأشياء التي يؤتسى فيها بإبراهيم، ولو كان استغفاره مشروطاً بإسلام أبيه لكان استغفاراً صحيحاً فلم يحتج إلى الاستثناء.

وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء والصحيح في الجواب أنه استغفر له بناء على الجواز العقلي والمنع التوفيقي بعد ذلك لا ينافيه ﴿ يوم يقوم الحساب ﴾ أي يثبت مستعار من قيام القائم على الرجل ومثله قولهم "قامت الحرب على ساقها" أو أسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازياً، أو المضاف محذوف مثل ﴿ واسأل القرية  ﴾ .

ثم عاد إلى بيان الجزاء والمعاد لأن دعاء إبراهيم  قد انجر إلى ذكر الحساب فقال: ﴿ ولا تحسبن الله غافلاً ﴾ إن كان الخطاب لكل مكلف أو للنبي والمراد أمته فلا إشكال، وإن كان للنبي  فمعناه التثبت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله إلا عالماً بجميع المعلومات، أو المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يقولون ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير.

وعن ابن عيينة: تسلية للمظلوم وتهديد للظالم.

قالت: لأنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لزم أن يكون غافلاً عن الظلم أو عاجزاً عن الانتقام أو راضياً بالظلم وكل ذلك مناف لوجوب الوجود المستلزم لجميع الكمالات ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ أي أبصارهم كقوله: ﴿ واشتعل الرأس  ﴾ شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا تطرف وذلك إنما يكون عند غاية الحيرة وسقوط القوة ﴿ مهطعين ﴾ مسرعين قاله أبو عبيدة.

والغالب من حال من يبقى بصره شاخصاً من شدة الخوف أن يبقى واقفاً، فبين الله  أن حالهم بخلاف هذا المعتاد لأنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مسرعين نحو ذلك البلاء.

وقال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع.

وقيل: هو الساكت ﴿ مقنعي رؤوسهم ﴾ رافعيها وهذا أيضاً بخلاف المعتاد لأن الغالب ممن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه لكيلا يراه ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ الطرف تحريك الأجفان على الوجه الذي خلق وجبل عليه.

وسمى العين بالطرف تسمية بفعلها أي لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم.

والمراد دوام الشخوص المذكور.

وقيل: أي لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ والهواء الخلاء الذي يشغله الأجرام.

وصف قلب الجبان به لأنه لا قوة فيه، ويقال للأحمق أيضاً قلبه هواء.

والمعنى.

أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخوطر والأفكار لعظم ما نالهم، وعن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العذاب.

والأظهر أن هذه الحالة لهم عند المحاسبة لتقدم قوله: ﴿ يوم يقوم الحساب ﴾ وقيل: هي عندما يتميز السعداء من الأشقياء.

وقيل: عند إجابة الداعي والقيام من القبور.

وعن ابن جريج: أراد أن أفئدة الكفار في الدنيا صفر من الخير خاوية منه.

قال أبو عبيدة: جوف لا عقول لهم ﴿ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ﴾ مفعول ثان لأنذروا اليوم يوم القيامة، واللام في العذاب للمعهود السابق من شخوص الأبصار وغيره، أو للمعلوم وهو عذاب النار.

ومعنى ﴿ أخرنا ﴾ أمهلنا ﴿ إلى ﴾ أمد وحد من الزمان ﴿ قريب ﴾ أو يوم هلاكهم بالعذاب العاجل أو يوم موتهم معذبين بشدة السكراتولقاء الملائكة بلا بشرى ﴿ أو لم تكونوا ﴾ على إضمار القول أي فيقال لهم ذلك.

وأقسامهم إما بلسان الحال حيث بنوا شديداً وأملوا بعيداً، وإما بلسان المقال أشراً وبطراً وجهلاً وسفهاً.

و ﴿ ما لكم من زوال ﴾ جواب القسم.

ولو قيل "ما لنا من زوال" على حكاية لفظ المقسمين لجاز من حيث العربية.

والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء أو لا تنتقلون إلى دار أخرى هي دار الجزاء كقوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت  ﴾ .

ثم زادهم توبيخاً بقوله: ﴿ وسكنتم ﴾ استقررتم ﴿ في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ﴾ بالكفر والمعاصي وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ﴿ وتبين لكم ﴾ بالأخبار والمشاهدة والبيان والعيان ﴿ كيف فعلنا بهم ﴾ من أصناف العقوبات ﴿ وضربنا لكم الأمثال ﴾ قال جار الله: أراد صفات ما فعلوا وما فعل بهم وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم.

وقال غير: المراد ما أورد في القرآن من دلائل القدرة على الإعادة والإبداء وعلى العذاب المعجل والمؤجل.

ثم حكى مكر أولئك الظلمة فقال: ﴿ وقد مكروا مكرهم ﴾ أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم.

وقيل: الضمير عائد إلى قوم محمد  كما قال: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك  ﴾ وقيل: أراد ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتاً وربط قوائمه الأربع بأربع نسور، وكان قد جوعها ورفع من الجوانب الأربعة على التابوت عصياً أربعاً وعلق على كل واحدة منها قطعة من اللحم، ثم إنه جلس مع صاحبه في ذلك التابوت.

فلما أبصرت النسور ذلك اللحم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الأرض عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها، فعكس تلك العصيّ التي عليها اللحوم فهبطت النسور إلى الأرض.

وضعفت هذه الرواية لأنه لا يكاد يقدم عاقل على مثل هذا الخطر.

﴿ وعند الله مكرهم ﴾ إن كان مضافاً إلى الفاعل فالمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فيجازيهم عليه بأعظم من ذلك، وإن كان مضافاً إلى المفعول فمعناه وعنده مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه فيأتيهم به من حيث لا يشعرون.

أما قوله: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول ﴾ من قرأ بكسر اللام الأولى ونصب الثانية فوجهان: أحدهما أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة فزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وإن الشأن كان مكرهم معداً لذلك.

وثانيهما أن تكون "إن" نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها أبد الدهر.

ومن قرأ بفتح اللام الأولى ورفع الثانية فإن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة، والمعنى كما مر.

ثم إنه  أكد كونه مجازياً لأهل المكر على مكرهم بقوله: ﴿ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ﴾ قال جار الله: قدم المفعول الثاني - وهو الوعد - على المفعول الأول ليعلم أنه غير مخلف الوعد على الإطلاق.

ثم قال: ﴿ رسله ﴾ تنبيهاً على أنه إذا لم يكن من شأنه إخلاف الوعد فكيف يخلفه رسله الذين هم صفوته.

والمراد بالوعد قوله: ﴿ إنا لننصر رسلنا  ﴾ ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ ونحوهما من اللآيات.

قوله: ﴿ إن الله عزيز ذو انتقام ﴾ قد مر في أول "آل عمران" ﴿ يوم تبدل الأرض ﴾ قال الزجاج: انتصاب يوم على البدل من ﴿ يوم يأتيهم ﴾ أو على الظرف للانتقام.

والأظهر انتصابه باذكر كما مر في الوقوف.

ومعنى قوله: ﴿ والسموات ﴾ أي وتبدل السموات قال أهل اللغة: التبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك "بدلت الدراهم دنانير" وفي الأوصاف كقولك "بدلت الحلقة خاتماً" إذا أذبتها وسوّيتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل.

وتفسير ابن عباس يناسب الوجه الثاني قال: هي تلك الأرض وإنما تغير فتسير عنها جبالها وتفجر بحارها وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت، وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبواباً.

وعن أبي هريرة أن النبي  قال: "يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدّها مدّ الأديم العكاظي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً" وهذا القول يناسب مذهب الحكماء في أن الذوات لا يتطرق إليها العدم وإنما تعدم صفاتها وأحوالها.

نعم جوزوا انعدام الصور مع أنها جواهر عندهم.

وتفسير ابن مسعود يناسب الوجه الأول قال: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة.

وعن علي كرم الله وجهه: تبدل أرضاً من فضة وسموات من ذهب وعن الضحاك: أرضاً من فضة بيضاء كالصحائف.

وقيل: لا يبعد أن يجعل الله الأرض جهنم والسموات الجنة.

﴿ وبرزوا لله ﴾ قد ذكرناه في أول السورة.

وتخصيص ﴿ الواحد القهار ﴾ بالموضع تعظيم وتهويل وأنه لا مستغاث وقتئذ إلى غيره ولا حكم يومئذ لأحد إلا له يتفرد في حكمه ويقهر ما سواه.

ومن نتائج قهره قوله: ﴿ وترى المجرمين يومئذ مقرنين ﴾ قرن بعضهم مع بعض لأن الجنسية علة الضم أو مع الشياطين الذين أضلوهم.

قالت الحكماء: هي الملكات الذميمة والعقائد الفاسدة التي اكتسبوها في تعلق الأبدان.

وقوله: ﴿ في الأصفاد ﴾ أي القيود إما أن يتعلق بمقرنين وإما أن يكون وصفاً مستقلاً أي مقرنين مصفدين.

وقيل: الأصفاد الأغلال.

والمعنى قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال.

وحظ العقل فيه أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء.

﴿ سرابيلهم ﴾ جمع سربال وهو القميص ﴿ من قطران ﴾ هو ما يتحلب أي يسيل من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدّته، وقد تبلغ حرارته الجوف ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلأوه لهم كالسرابيل فيجمع عليهم اللذع والحرقة والاشتعال والسواد والنتن، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين والوجه العقلي فيه أن البدن بمنزلة القميص للنفس، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم فإنما يحصل بسبب هذا البدن، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس بنفوذ الشهوة والحرص والغضب وسائر آثار الملكات الردية فيه.

ومن قرأ ﴿ من قطرآن ﴾ فالقطر النحاس والصفر المذاب والآني المتناهي حره.

قال ابن الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك السربال ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم ﴿ وتغشى وجوههم النار ﴾ خص الوجه بالذكر لأنه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه فعبر به عن الكل.

قوله: ﴿ ليجزي ﴾ اللام متعلقة بـ ﴿ تغشى ﴾ أو بجميع ما ذكر كأنه قيل: يفعل بالمجرمين ما يفعل ليجزي ﴿ الله كل نفس ما كسبت ﴾ قال الواحدي: أراد نفوس الكفار لأن ما سبق لا يليق إلا بهم.

ويحتمل أن يراد كل نفس مجرمة ومطيعة لأنه  إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم.

ثم أشار إلى القرآن إلى ما في السورة أو إلى ما مر من قوله: ﴿ ولا تحبسن الله غافلاً ﴾ إلى ههنا فقال ﴿ هذا بلاغ ﴾ كفاية ﴿ للناس ﴾ في التذكير والموعظة لينصحوا ﴿ ولينذروا به ﴾ بهذا البلاغ.

ثم رمز إلى استكمال القوّة النظرية بقوله: ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ وإلى استكمال القوة العملية بقوله: ﴿ وليذكر أولوا الألباب ﴾ لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به دعتهم المخافة إلى استكمال النفس بحسب القوتين والله ولي التوفيق.

التأويل: ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ الروح ﴿ رب اجعل ﴾ بلد القلب ﴿ آمناً ﴾ من وسوسة الشيطان وهواجس النفس وآفات الهوى ﴿ واجنبني وبني ﴾ هم الفؤاد والسر والخفى ﴿ أن نعبد الأصنام ﴾ وهو كل ما سوى الله.

فصنم النفس الدنيا، وصنم القلب العقبى، وصنم الروح الدرجات العلى، وصنم السر العرفان والقربات، وصنم الخفى الركون إلى المكاشفات والمشاهدات وأنواع الكرامات ﴿ ومن عصاني فإنك غفور ﴾ فيه نكتتان: إحداهما لم يقل "ومن عصاك" إشارة إلى أن عصيان الله لا يستحق المغفرة والرحمة، والثانية لم يقل "فأنا أغفره وأرحم عليه" لأن عالم الطبيعة البشرية يقتضي المكافأة وإنما المغفرة والرحمة من شأن الغني المطلق ﴿ أسكنت من ذريتي ﴾ هم صفات الروح والعقل والسر والخفى ﴿ بواد غير ذي زرع ﴾ وهو وادي النفس ﴿ عند بيتك المحرم ﴾ على ما سواك وهو كعبة القلب حرام أن يكون بيتاً لغير الله "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن".

وفيه أنه توسل في أجابة الدعاء بمحمد  وكأنه قال: إن ضيعت هاجر وإسماعيل فقد ضيعت محمداً.

وفي قوله: ﴿ ليقيموا الصلاة ﴾ إشارة إلى أنه لو لا تعلق الروح بالجسد وحلوله بأرض القالب لم يمكن استكمال الروح بالأعمال البدنية، وأنه لولا غرض هذا الاستكمال لم يحصل ذلك التعلق ﴿ فاجعل أفئدة ﴾ الصفات الناسوتية ﴿ تهوي ﴾ إلى الصفات الروحانية ﴿ وارزقهم من ﴾ ثمرات الصفات اللاهوتية ﴿ لعلهم يشكرون ﴾ هذه النعمة الجسيمة التي ليس ينالها الملائكة المقربون، وفي هذا سر عظيم لا يمكن إنشاؤه ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي ﴾ من حقائق الدعاء ﴿ وما نعلن ﴾ من ظاهر القصة ﴿ وما يخفى على الله من شيء ﴾ في أرض المعاملات الصورية ولا في سماء القلوب من الغيوب ﴿ على الكبر ﴾ أي بعد تعلق الروح بالقالب ﴿ إسماعيل ﴾ السر ﴿ وإسحق ﴾ الخفي ﴿ مقيم الصلاة ﴾ دائم العروج فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ ربنا اغفر لي ﴾ استرني وامنحني بصفة معرفتك ﴿ ولوالدي ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية لئلا يحجبوني عن رؤيتك يوم يقوم حسابك بكمالية كل نفس ونقصانها لأكون في حساب الكاملين لا في حساب الناقصين.

﴿ ولا تحسبن ﴾ أي لم يكن ﴿ الله غافلاً ﴾ في الأزل بل الكل بقضائه وقدره ﴿ وإنما يؤخرهم ﴾ ليبلغوا إلى ما قدر لهم من الأعمال فإنها مودعة في الأعمار، وبذلك يصل كل من أهل السعادة والشقاوة إلى منازلهم ﴿ ما لكم من زوال ﴾ فيه من إبطال مذهب التناسخية.

زعموا أن نفوسهم لا تزال تتعلق بالأبدان ﴿ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا ﴾ تعلقتم بأبدان مثل أبدانهم منهمكين في ظلمات الأخلاق الذميمة ﴿ وعند الله ﴾ مقدار ﴿ مكرهم وإن كان مكرهم ﴾ بحيث يؤثر في إزالة الجبال عن أماكنها ولكنه لا تحرك شعرة إلا بإذن الله بقضائه ﴿ يوم تبدل ﴾ أرض البشرية بأرض القلوب فتضمحل ظلماتها بأنوار القلوب، وتبدل سموات الأسرار بسموات الأرواح فإن شموس الأرواح إذا تجلت لكواكب الأسرار انمحت أنوار كواكبها بسطوة أشعة شموسها، بل تبدل أرض الوجود المجازي عن إشراق تجلي أنوار هويته بحقائق أنوار الوجود الحقيقي كما قال: ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وحينئذ ﴿ برزوا لله الواحد القهار ﴾ فإن شموس الأرواح تصير مقهورة في تجلي نور الألوهية.

﴿ وترى المجرمين ﴾ يوم التجلي ﴿ مقرنين ﴾ في قيود الصفات الذميمة لا يستطيعون البروز لله.

﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ المعاصي وظلمات النفوس فهم محجوبون بهما عن الله ﴿ وتغشى وجوههم ﴾ نار الحسرة والقطيعة ﴿ هذا بلاغ للناس ﴾ الذين نسوا عالم الوحدة ﴿ وليذروا به ﴾ قبل المفارقة فإن الانتباه بالموت لا ينفع ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ فيعبدوه ولا يتخذوا إلهاً غيره من الدنيا والهوى والشيطان ﴿ وليتذكر أولوا الألباب ﴾ عالم الشهود فيخرجوا من قشر الوجود، والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ .

قال بعضهم: المخاطب بهذا الرسول  خاصة؛ على علم منه أن رسول الله كان لا يظن أن الله يغفل عما يعمل الظالمون؛ لكنه خاطب به كما خاطب به في قوله: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ  ﴾ وأمثاله، نهاه مع العلم أنه لا يغفل ذلك، وأصله في هذا أن العصمة لا ترفع المحنة، وليس المحنة إلا الأمر والنهي؛ إذ لو رفعت العصمة المحنة؛ والأمر والنهي؛ لذهبت فائدة العصمة، ولا حاجة تقع إليها، فدل أن العصمة تزيد في المحنة، ومع المحنة يحتاج إليها وينتفع بها.

ويحتمل أن يكون الخطاب بالآية غيره، كل ظانّ يظن بالله الغفلة عن ظلم الظالم؛ وهو كما خاطب بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ  ﴾ إنما خاطب به كل غارّ بربه الكريم لا كل إنسان، فعلى ذلك خاطب بقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ كل ظانّ بالله الغفلة عن ظلم الظالمين، ثم إن الذي حملهم على الظن بالله الغفلة عن ظلم الظالم - حلمه، وتأخيره العذاب عنهم عن وقت ظلمهم، وترك أخذهم بذلك: فمنهم من ادعى الغفلة عن ذلك؛ لما رأوا من عادة ملوك الأرض أن من ظلم [أحداً] منهم انتقم منه في أعجل وقت يقدر على الانتقام منه؛ فحمل تأخير الله العذاب منهم؛ والانتقام منهم - على القول بالغفلة.

ومنهم من ادعى الرضا؛ بما اختاروا هم من الشرك والكفر بالله، وادعوا الأمر بذلك؛ لما لم يأخذهم ولم يستأصلهم بصنيعهم؛ فاستدلوا بذلك [على] رضاه بفعلهم، وأمره أياهم بذلك.

فأخبر رسوله أن تأخيره العذاب عنهم وإمهاله إياهم - ليس عن غفلة [عنه] ولا عن سهو، ولا لرضاه به وأمره ولكن إنما يؤخرهم ليوم، ثم وصف ذلك اليوم؛ لشدة فزعه وهوله فقال.

﴿ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: هذا كله يرجع إلى الطرف والبصر؛ يقول: شاخصة أبصارهم مهطعين: ناظرين إليه؛ أي: إلى الداعي، مقنعي رءوسهم: رافعي رءوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم؛ لهول ذلك اليوم، هذا كله يصرفون إلى الأبصار دون النفس؛ لأن الإهطاع والإقناع: هو للنظر ولشخوص الأبصار.

ومنهم من صرف قوله: ﴿ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ ﴾ ، و ﴿ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ إلى البصر، وصرف قوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ إلى الأنفس؛ وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ  ﴾ أي: مسرعين إليه الإجابة؛ رجاء التخلص والنجاة عما حل بهم؛ بترك الإجابة.

والإهطاع: قيل: هو النظر الدائم، والإقناع: هو الرفع؛ رفع الرءوس، مهطعين: أي: مديمي النظر، مقنعي رءوسهم أي: رافعيها، وعلى تأويل بعضهم: مسرعين؛ عل ما ذكرنا.

وقال بعضهم: ﴿ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ : أي: رافعيها؛ ملتزقة إلى أعناقهم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ .

[يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ ] وقت خلقه الخلق وإنشائهم؛ عما يكون منهم من الظلم؛ أي: لا عن غفلة وسهو عن ظلم الظالمين أنشأهم وخلقهم؛ ولكن على علم بما يكون منهم أنشأهم وخلقهم؛ لكن أنشأهم على علم منه، [بذلك؛ لأن منافع ما يكون منهم وضرره يرجع إليهم؛ فلم يخرج إنشاؤه إياهم على علم منه ذلك] عن الحكمة.

والثاني: ما ذكرنا أن تأخيره العذاب عنهم - ليس لغفلة منه بذلك؛ ولكن لما في أخذهم بالعذاب وقت صنيعهم زوال المحنة؛ لأنه يصير العذاب والثواب مشاهدة.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ .

[قيل]: خالية؛ لهول ذلك اليوم؛ أي: خالية عن التدبير؛ لأن في الشاهد أن من بلي ببلايا وشدائد يتدبر ويتفكر في دفع ذلك؛ فيخبر أن أفئدتهم هواء يومئذ: أي خالية عن التدبير؛ إذ أفئدتهم لا تكون معهم؛ لشدة أهواله.

وقال بعضهم: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ أي: لا شيء فيها؛ ما ينتفعون بها، وهكذا الهواء - هواء كل شيء - يوصف بالخلاء عن كل شيء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ قولهم الذي يقولون يومئذ: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ .

ويحتمل: ﴿ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ الذي يحل بهم.

ثم أخبر عما يقولون - إذا حل بهم العذاب -: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ قال بعضهم: إلى الدنيا؛ والدنيا أجلها قريب، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن الدنيا أولى، والآخرة آخرة، فلو جاز هذا لتكون الآخرة أولى؛ فذلك بعيد؛ لكن طلبوا - والله أعلم - الردّ إلى حال الأمن؛ ليجيبوا داعيه؛ إذ لم تنفعهم إجابتهم في حال الخوف والهول، وما حل بهم إنما حل بتركهم [الإجابة] في حال الأمن؛ فطلبوا الرد إلى الأمن؛ ليجيبوا داعيه لتنفعهم إجابتهم؛ حيث قالوا: ﴿ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ ﴾ .

لم يبين بما أقسموا في هذه الآية؛ وهو ما بين في آية أخرى: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ  ﴾ .

ثم قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ ﴾ : قال قائلون: ما لكم من زوال من الدنيا، أي: كنتم تقولون: أن ليس إلا الدّنيا لا زوال لنا عنها؛ أحياء وموتى؛ كقولهم: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا...

﴾ الآية [المؤمنون: 37] على ما ذكر من قسمهم أنهم لا يبعثون.

وقال قائلون: قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ ﴾ جواب لسؤالهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ على الاستئناف؛ قال: ما لكم عما أنتم فيه من العذاب إلى ما تسألون من المدة والتأخير؛ أي: ما لكم إلى ذلك سبيل.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ : أي: تنزع قلوبهم؛ حتى صارت في حناجرهم؛ فلا تخرج من أفواههم، ولا تعود إلى أماكنها؛ لشدة هول ذلك اليوم وفزعهم عليه، وهو على التمثيل والكناية؛ كقولهم: ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ...

﴾ الآية [الأحزاب: 10]؛ لشدة خوفهم، وهو على التمثيل؛ إذ لا يحتمل بلوغ القلوب الحناجر في الدنيا حقيقة؛ إذ لو بلغت ذلك لخرجت فماتوا، إذ الدنيا يحتمل الموت فيها، فدلّ أن ذلك على التمثيل لشدّة خوفهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ بتكذيبهم الرسل.

[وتأويله - والله أعلم -: أنهم كانوا يطلبون من ربهم الرد إلى حال الأمن؛ ليجيبوا بقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ﴾ ؛ والله أعلم، فقال: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ ؛ بتكذيبهم الرسل]؛ أي: سكنتم في الدنيا في مثل منازلهم ومساكنهم؛ فرأيتم ما نزل بأولئك الذين صنعوا مثل صنيعكم.

وذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ﴾ من التعذيب والاستئصال ثم لم يتعظوا بما حلّ بهم، فعلى ذلك إذا رددتم إلى حال الأمن لا تتعظون بما حلّ بكم في هذه الحال، وهو ما قال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ  ﴾ فيما يقولون: إنهم يجيبون دعوته، هذا - والله أعلم - تأويله.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ : أي: عملتم مثل أعمالهم، ﴿ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ﴾ من الاستئصال بالتكذيب؛ بتكذيبهم الرسل؛ فلم تتعظوا بذلك؛ فلا تتعظون بهذا أيضاً إذا رددتم.

والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: دلالة لزوم النظر والاستدلال، ولزوم القياس، ودلالة لزوم العقوبة؛ وإن كان لم يعلموا به؛ بعد أن مكنوا من العلم به.

أما دلالة النظر والاستدلال: هو قوله: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ : فهلا نظرتم ما حلَّ بهم من تكذيبهم الرسل؛ واتعظتم به.

ودلالة القياس: هو ما خوفهم أن ينزل بهم ما نزل بأولئك؛ لأنهم أشتركوا في المعنى الذي نزل بأولئك؛ ما نزل وهو تكذيبهم الرسل، وسوء معاملتهم إياهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ ﴾ : أي: ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ ﴾ ؛ ما لو تفكرتم فيها ونظرتم ثم لكان ذلك لكم موعظة وزجراً عن مثل صنيعكم.

أو يقول: وضربنا لكم الأمثال: أي: قد بينّا لكم الأمثال والأشباه ما يعرفكم؛ لو تأملتم أن أولئك لكم أشباه وأمثال، وصنيعهم لصنيعكم أشباه وأمثال؛ فينزل بكم ما نزل بهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ ﴾ .

[مكروا] واحتالوا على إهلاك الرسل وقتلهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 30] وكيدهم الذي ذكر - في غير آي من القرآن - برسل الله؛ حتى قال الرسل فيكيدوني جميعاً، ومكروا أيضاً بدين الله الذي أتت به الرسل، مكروا واحتالوا على إطفاء ذلك النور؛ فأبى الله ذلك عليهم، وأظهر دينه، وأبقى نوره إلى يوم القيامة، كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ  ﴾ ، كأن مكرهم وحيلهم يرجع - في أحد التأويلين - إلى أنفس الرسل حين هموا وتعمدوا إهلاكهم.

والثاني: يرجع إلى إطفاء الدِّين؛ [الذي] أتى به الرسل؛ والنور الذي دعوا إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ .

يحتمل: عند الله جزاء مكرهم؛ الذي مكروا برسل الله وبدينه.

[أو] ﴿ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ : أي: عند الله العلم بمكرهم، محفوظ ذلك عنده، لا يفوت ولا يذهب عنه شيء؛ فيجزيهم بذلك في الآخرة.

أو ﴿ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ : أي: عند الله الأسباب التي بها مكروا، من عند الله استفادوا؛ وهو النعم التي أعطاهم، والأموال التي ملكهم، والعقول التي ركب فيهم؛ بما قدروا على المكر والاحتيال عند الله [، ذلك كله،] والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ﴾ .

اختلف في تلاوته، وقراءته، وتأويله: قرأ بعضهم: (وإن كاد مكرهم) بالدال؛ وهو حرف عبد الله بن مسعود، وأبي، وابن عباس  م.

وقرأ بعضهم (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ) بالنون.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ .

وقال الحسن وغيره: و (إن) بمعنى: (ما)، أي: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، قال: كان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، و (إن) بمعنى: (ما) كثير في القرآن، كقوله: ﴿ لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ  ﴾ أي: ما كنا فاعلين؛ وكقوله: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ  ﴾ أي: ما نحن إلا بشر مثلكم.

وقد تستعمل (إن) في موضع (قد)؛ كقوله: ﴿ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً  ﴾ أي: قد كان وعد ربنا لمفعولا.

فمن حمله على (ما) فقد استهان بمكرهم، واستخف به؛ فقال: إن مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، والجبال أوهن وأسرع زوالا من رسالة الرسل ودين الله، بل رسالة الرسل؛ ودين الله [أثبت من الجبال، لأن دين الله] ورسله معهما حجج الله وبراهينه، فإذا لم يعمل مكرهم في إزالة الجبال - لا يعمل في إزالة دين الله ورسالة الرسل، ومعهما الحجج والبراهين.

ومن قال: ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ : قد حمله على الاستعظام بمكرهم.

وعلى ذلك: من قرأ [(كاد)] بالدال على الاستعظام بمكرهم؛ كقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً  أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً  ﴾ من عظيم ما قالوا في الله كادت السماوات أن تنشق، فعلى ذلك مكرهم جميعاً الوجهين: أن يستهان مرة ويستعظم؛ إلا أن يقال: إن كلمتهم من حيث الشرك والكفر عظيمة، ومن حيث احتيالهم ومكرهم - في إزالة ذلك النور وإطفائه - ضعيفة.

والله  أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ .

الخطاب به يحتمل ما ذكرنا: أي: لا تحسبن أن ما تأخر؛ من نزول ما وعد؛ أنه يخلف وعده الذي وعد رسله؛ كما لم يكن تأخير العذاب عنهم؛ من وقت ظلمهم عن غفلة وسهو، ولكن كان وعده إلى ذلك الوقت، وخلف الوعد في الشاهد من الخلق - إنما يكون لوجهين: أحدهما: لما لا يملك إنجاز ما وعد.

والثاني: لما يضره الإنجاز، فتعالى الله عن ذلك كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾ .

قال بعضهم: عزيز: لا يعجزه شيء.

وقيل: عزيز: قاهر يقهر ويذل؛ فالخلائق كلهم أذلاء دونه.

وقوله: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ : أي: غالب قاهر ذو انتقام لأوليائه من أعدائهم؛ أي: غالب الأعداء وقاهرهم، وناصر الأولياء.

وأما ما قال أهل التأويل في قوله: ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ﴾ .

إنه نزل في [شأن نمرود] وإنه اتخذ تابوتاً، وربط ثوراً على قوائمه، وما ذكروا إلى آخره - فلا علم لنا إلى ذلك، وأظنه أنه كله خيال، فلا نقول إلا القدر الذي ذكر في الآية.

و "لَتزولُ" بنصب اللام [الأولى] وبرفع الآخرة: على معنى التوكيد، و ﴿ لِتَزُولَ ﴾ بكسر [اللام] [الأولى] ونصب الآخرة: على الجحد؛ أي: ما كانت الجبال لتزول من مكرهم، وهو ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴾ .

قال الحسن: تفنى هذه الأرض، ثم تعاد من ساعته مستوية، لا شجر فيها، ولا جبال، ولا آكام، قاعاً صفصفاً لا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً.

وقال بعضهم: تبدل هذه الأرض أرضاً غير هذه؛ بيضاء نقية، لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها بالمعاصي، وكذلك السماوات.

ومنهم من يقول: لا تبدل عينها؛ ولكن يتغير صفتها وزينتها؛ كما يقول الرجل لآخر: تبدلت يا فلان، ولا يريد تبدل أصله وعينه؛ ولكن تغير الأخلاق والدِّين، فعلى ذلك ما ذكر من تبديل الأرض والسماوات.

والأشبه أن يكون على اختلاف الأحوال؛ لأنه ذكر في آية: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا  ﴾ وقال: ﴿ وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ  ﴾ وقال: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ  ﴾ ، ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ  ﴾ ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ  ﴾ ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ  ﴾ و ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ  ﴾ وقال: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ الفرقان: 23] ذكر مرة تمد الأرض، وذكر مرة أنها تخبر وتحدث عما عمل عليها، وذكر في السماء بالتشقق والانفطار، وفي الجبال بالسير والمرور مرة؛ ومرة بالرفع ومرة أخبر أنه جعلها هباء منثورا وأمثاله.

فيشبه أن يكون هذا كله على اختلاف الأحوال والأوقات؛ إذ يوم القيامة يوم ممتدّ؛ فيكون كل ما ذكر على ما قال يومئذ؛ ﴿ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ  ﴾ ؛ قال في آية: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\] وقوله: ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ فهو - والله أعلم -: على اختلاف الأحوال والأوقات، فعلى ذلك الأول، والله أعلم بذلك.

وتبديل الأرض والسماوات: يحتمل وجهين: أحدهما: تبديل أهلها على ما يذكر؛ الأرض والقرية، والمراد منها الأهل؛ كقوله: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا  ﴾ وقوله: ﴿ قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً...

﴾ الآية [النحل: 112] ونحوه كثير.

والثاني: تبديل نفس الأرض.

ثم يحتمل كل واحد من الوجهين وجهين: إما تبديل أهلها: هو أن يكونوا مستسلمين خاضعين له في ذلك، ولم يكونوا في الدنيا [كذلك].

والثاني: تبدل أهلها: هو أن يكون الأولياء في النعم الدائمة، واللذة الباقية، والأعداء في عذاب وألم وشدة، وكانوا في هذه الدنيا جميعاً مشتركين - الأولياء والأعداء - في اللذات والآلام.

فإن كان تبديل نفس الأرض - فهو يخرج على وجهين [أيضاً]: أحدهما: تبديل زينتها وصفتها.

والثاني: تبديل عينها وجوهرها؛ وهو ما ذكر: أن أرض الجنة تكون من مسك وزعفران، ونحو ما روي في الخبر والله أعلم.

كأنّ قوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ ﴾ صلة قوله: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ...

﴾ الآية فقالوا: متى يكون ذلك؟

فقال: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ ﴾ يخرج جواباً لسؤالهم والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ .

قد ذكرنا تخصيص بروزهم لله يوم القيامة أنه - والله أعلم - أنشأ هذا العالم الأول للعالم الثاني، فالعالم الثاني هو المقصود في إنشاء هذه العالم، فخص بروزهم يومئذ له؛ لما هو المقصود في إنشائهم.

وقال قائلون: تخصيص البروز له يومئذ؛ لأنهم يخرجون من قبورهم للحساب لا لغيره، فهو يحاسبهم؛ فأضاف البروز إليه؛ لما لا يخرجون إلا له، وأما في الدنيا: فإنما يخرجون لحوائج أنفسهم؛ لذلك خرج التخصيص له والإضافة.

وقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: برزوا له مستسلمين خاضعين، قابلين طائعين، ولم يكونوا في الدنيا كذلك.

والثاني: يبرزون له؛ لما وعدوا وأوعدوا؛ بارزون لوعده ولوعيده، ولما دعوا إليه، ورغبوا فيه.

والثالث: يبرزون له؛ لما لا يملكون إخفاء أنفسهم وسترها؛ بل ظاهرين له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ .

[الواحد:] الذي لا شريك له، والقهار: يقهر الخلائق كلهم؛ ويغلبهم: الجبابرة، والفراعنة.

أو يبرزون له ليجزيهم، على ما ذكر  ﴿ لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ﴾ .

وذكر ﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ : قيل: (القطر) هو النحاس [و (آن) أي: قد انتهى حره، كقوله: ﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ  ﴾ .

وقيل: الصفر وقال بعضهم ﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ أي: من نحاس أنى لهم أن يعذبوا به].

وقال بعضهم: هو من القطران المعروف الذي يطلى به الإبل؛ ذكر هذا لأنه أشدّ إحراقاً واشتعالا.

وقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: جعل الله عذاب الكفرة في الآخرة بالأسباب والأشياء التي كانوا يفتخرون بها في الدنيا؛ من اللباس والشراب والأصحاب؛ وغيره، وهو كان سبب منعهم عن إجابة الرسل فيما دعوهم إليه، فجعل تعذيبهم في الآخرة بذلك النوع من النار؛ فقال: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ ﴾ يقرن ويقيض بعضهم ببعض؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً...

﴾ الآية [الزخرف: 36]؛ لأنه كان يتبعه ويأتمر بأمره؛ وكقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ...

﴾ الآية [الصافات: 22]، وكذلك الرؤساء منهم، والمتبوعون.

وقوله: ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ﴾ لما كانوا يفتخرون في الدنيا بلباسهم، وكذلك كل نوع [كانوا] يفتخرون به في الدنيا، ويمنعهم عن الإجابة؛ إجابة الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

والأصفاد: قيل: الأغلال؛ أي: قد قرن بعضه إلى بعض في الأغلال، واحدها: صفد؛ وهو قول القتبي، وكذلك قول أبي عوسجة في الأصفاد، إلا أنه قال: واحدها: صفاد، والصفد العطيّة.

﴿ سَرَابِيلُهُم ﴾ : قمصهم، واحدها: سربال.

﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ : القطر - ما ذكرنا - النحاس، والآن الذي [قد] اشتد حره، وهو قول القتبي وأبي عوسجة.

ذكر هذه المواعيد والشدائد، وأنواع ما يعذبون به في الآخرة، ونعيمها على ألسن من قد ظهر صدقهم بالآيات والحجج؛ ليحذروا ما أوعدوا، ويرغبوا فيما رغبوا لئلا يكون لهم الاحتجاج يومئذ؛ كقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ وقوله: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ...

﴾ الآية [الأنفال: 42] ونحوه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ﴾ .

لأن أيديهم مغلولة إلى أعناقهم؛ فلا يقدرون أن يتّقوا النار بأيديهم ذكر هذا؛ لأن في الشاهد: من [أصاب وجهه] أذىً يتقي عنه بيده، فيخبر أنهم إنما يتقون ذلك بوجوههم.

والله أعلم.

﴿ لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ .

لما ذكرنا؛ يبرزون لله؛ ليجزيهم من خير وشر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .

قال بعضهم: كان قد جاء حسابه.

والثاني: ذكر هذا؛ لأن الحساب إنما يبطئ لما لا يتذكر من له الحساب لمن يحاسبه في الشاهد - فيما يحاسبه، فيطول الحساب أو الاشتغال بشيء [يشغله] عنه، أو لجهل بالحساب.

فأمّا الله  وتعالى لا يخفى عليه شيء، ولا يشغله شيء عن شيء، كله محفوظ عنده؛ فهو سريع الحساب.

والله أعلم.

أو نقول: إنما يطول الحساب في الشاهد؛ ويمتد لما يحتاج إلى التفكر [والنظر] والتذكر في ذلك، فالله  متعال عن التفكر والنظر، بل كل شيء محفوظ عنده.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ ﴾ : القرآن؛ هو بلاغ للناس، على ما ذكر في صدر السورة: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ...

﴾ الآية [إبراهيم: 1] هو بلاغ على ما ذكر.

والله أعلم.

﴿ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ﴾ : أي: بالقرآن أيضاً على ما ذكر: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا  ﴾ ويحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ ﴾ ما ذكر من المواعيد؛ وهو قوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ أي: هذا الذي ذكر بلاغ يبلغهم لا محالة، ولينذروا بما ذكر.

﴿ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .

لا شريك له؛ بالآيات التي أقامها على وحدانية الله وألوهيته.

﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ \[أي: ذوو العقول، والله أعلم\].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هذا الانتقام من الكفار يحصل يوم تقوم القيامة، يوم تُبَدَّل هذه الأرض أرضًا أخرى بيضاء نقية، وتبدل السماوات سماوات غيرها، وظهر الناس من قبورهم بأبدانهم وأعمالهم للوقوف بين يدي الله المنفرد بملكه وعظمته، القهار الذي يَقْهر ولا يُقْهر، وَيغْلب ولا يُغْلب.

<div class="verse-tafsir" id="91.gBK9x"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله