الآية ٥٢ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٥٢ من سورة إبراهيم

هَـٰذَا بَلَـٰغٌۭ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ ٥٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 95 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٢ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٢ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : هذا القرآن بلاغ للناس ، كقوله : ( لأنذركم به ومن بلغ ) [ الأنعام : 19 ] أي : هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجان ، كما قال في أول السورة : ( الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ) ( ولينذروا به ) أي : ليتعظوا به ، ( وليعلموا أنما هو إله واحد ) أي : يستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو ( وليذكر أولو الألباب ) أي : ذوو العقول .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: هذا القرآن بلاغ للناس ، أبلغ الله به إليهم في الحجة عليهم ، وأعذر إليهم بما أنـزل فيه من مواعظه وعبره ( وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ) يقول: ولينذروا عقاب الله ، ويحذروا به نقماته ، أنـزله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ( وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) يقول: وليعلموا بما احتجّ به عليهم من الحجج فيه أنما هو إله واحد ، لا آلهة شتى ، كما يقول المشركون بالله ، وأن لا إله إلا هو الذي له ما في السماوات وما في الأرض ، الذي سخر لهم الشمس والقمر والليل والنهار وأنـزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لهم ، وسخر لهم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لهم الأنهار.( وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ) يقول: وليتذكر فيتعظ بما احتجّ الله به عليه من حججه التي في هذا القرآن ، فينـزجر عن أن يجعل معه إلها غيره ، ويُشْرِك في عبادته شيئا سواه أهلُ الحجى والعقول ، فإنهم أهل الاعتبار والادّكار دون الذين لا عقول لهم ولا أفهام ، فإنهم كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ ) قال: القرآن ( وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ) قال: بالقرآن.( وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ) آخر تفسير سورة إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، والحمد لله ربّ العالمين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : هذا بلاغ للناس أي هذا الذي أنزلنا إليك بلاغ ; أي تبليغ وعظة .ولينذروا به أي ليخوفوا عقاب الله - عز وجل - وقرئ .

" ولينذروا " بفتح الياء والذال ، يقال : نذرت بالشيء أنذر إذا علمت به فاستعددت له ، ولم يستعملوا منه مصدرا كما لم يستعملوا من عسى وليس ، وكأنهم استغنوا بأن والفعل كقولك : سرني أن نذرت بالشيء .وليعلموا أنما هو إله واحد أي وليعلموا وحدانية الله بما أقام من الحجج والبراهين .

وليذكر أولو الألباب أي وليتعظ أصحاب العقول .

وهذه اللامات في ولينذروا وليعلموا وليذكر متعلقة بمحذوف ، التقدير : ولذلك أنزلناه .

وروى يمان بن رئاب أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - .

وسئل بعضهم هل لكتاب الله عنوان ؟

فقال : نعم ; قيل : وأين هو ؟

قال قوله تعالى : هذا بلاغ للناس ولينذروا به إلى آخرها .

تم تفسير سورة إبراهيم - عليه السلام - والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلما بين البيان المبين في هذا القرآن قال في مدحه: { هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ } أي: يتبلغون به ويتزودون إلى الوصول إلى أعلى المقامات وأفضل الكرامات، لما اشتمل عليه من الأصول والفروع، وجميع العلوم التي يحتاجها العباد.

{ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ } لما فيه من الترهيب من أعمال الشر وما أعد الله لأهلها من العقاب، { وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ } حيث صرف فيه من الأدلة والبراهين على ألوهيته ووحدانيته، ما صار ذلك حق اليقين، { وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ } أي: العقول الكاملة ما ينفعهم فيفعلونه، وما يضرهم فيتركونه، وبذلك صاروا أولي الألباب والبصائر.

إذ بالقرآن ازدادت معارفهم وآراؤهم، وتنورت أفكارهم لما أخذوه غضًّا طريًّا فإنه لا يدعو إلا إلى أعلى الأخلاق والأعمال وأفضلها، ولا يستدل على ذلك إلا بأقوى الأدلة وأبينها.

وهذه القاعدة إذا تدرب بها العبد الذكي لم يزل في صعود ورقي على الدوام في كل خصلة حميدة.

والحمد لله رب العالمين.

تم تفسير سورة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( هذا ) أي : هذا القرآن ( بلاغ ) أي : تبليغ وعظة ( للناس ولينذروا ) وليخوفوا ( به وليعلموا أنما هو إله واحد ) أي : ليستدلوا بهذه الآيات على وحدانية الله تعالى : ( وليذكر أولو الألباب ) أي : ليتعظ أولو العقول .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«هذا» القرآن «بلاغ للناس» أي أنزل لتبليغهم «ولينذروا به وليعلموا» بما فيه من الحجج «أنما هو» أي الله «إله واحد وليذكّر» بإدغام التاء في الأصل في الذال يتعظ «أولوا الألباب» أصحاب العقول.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هذا القرآن الذي أنزلناه إليك -أيها الرسول- بلاغ وإعلام للناس؛ لنصحهم وتخويفهم، ولكي يوقنوا أن الله هو الإله الواحد، فيعبدوه وحده لا شريك له، وليتعظ به أصحاب العقول السليمة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله - تعالى - ( هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب ) .واسم الإشارة " هذا " يعود إلى ما أنزله الله - تعالى - من قرآن فى هذه السورة وفى غيرها .

و ( بلاغ ) مصدر بمعنى التبليغ .والإنذار : التخويف من سوء عاقبة ارتكاب الشرور والآثام .والألباب : جمع لب وهو الخالص من كل شئ ، والمراد بها العقول .أى : هذا القرآن الكريم الذى أنزلناه عليك يا محمد ، فيه التبليغ الكافى لهداية الناس ، وفيه ما يخوفهم من سوء عاقبة الكفر والفسوق والعصيان ، وفيه ما يجعلهم يعلمون عن طريق توجيهاته وهداياته ودلائله ، أن الله - تعالى - واحد لا شريك له ، وفيه ما يجعل أصحاب العقول السليمة يتعظون ويعتبرون ، فيترتب على ذلك سعادتهم فى الدنيا والآخرة .وخص - سبحانه - بالتذكر أولى الألباب ، لأنهم هم الذين ينتفعون بهداية القرآن الكريم ، أما غيرهم فهم كالأنعام بل هم أضل .وقد رتب - سبحانه - فى هذه الآية ، وسائل الدعوة إلى الحق ترتيبا عقليا حكيما ، فبدأ بالصفة العامة وهى التبليغ ، ثم ثنى بما يعقب ذلك من إنذار وتخويف ، ثم ثلث بما ينشأ عنهما من العلم بوحدانية الله - تعالى - ثم ختم الثناء على أصحاب العقول السليمة الذين ينتفعون بما يسمعون وبما يبصرون .قال الإِمام الرازى : " هذه الآية دالة على أنه لا فضيلة للإِنسان ، ولا منقبة له ، إلا بسبب عقله ، لأنه - تعالى - بين أنه إنما أنزل هذه الكتب ، وإنما بعث الرسل ، لتذكير أولى الألباب .

.

" .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الله تعالى لما قال: ﴿ عَزِيزٌ ذُو انتقام ﴾ بين وقت انتقامه فقال: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض ﴾ وعظم من حال ذلك اليوم، لأنه لا أمر أعظم من العقول والنفوس من تغيير السموات والأرض وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكر الزجاج في نصب يوم وجهين، إما على الظرف لانتقام أو على البدل من قوله: ﴿ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب ﴾ .

المسألة الثانية: اعلم أن التبديل يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون الذات باقية وتتبدل صفتها بصفة أخرى.

والثاني: أن تفنى الذات الأولى وتحدث ذات أخرى، والدليل على أن ذكر لفظ التبدل لإرادة التغير في الصفة جائز، أنه يقال بدلت الحلقة خاتماً إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات  ﴾ ويقال: بدلت قميصي جبة أي نقلت العين من صفة إلى صفة أخرى، ويقال: تبدل زيد إذا تغيرت أحواله، وأما ذكر لفظ التبديل عند وقوع التبدل في الذوات فكقولك بدلت الدراهم دنانير، ومنه قوله: ﴿ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا  ﴾ وقوله: ﴿ بدلناهم بِجَنَّتَيْهمْ جَنَّتَيْنِ  ﴾ إذا عرفت أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذين المفهومين ففي الآية قولان: القول الأول: أن المراد تبديل الصفة لا تبديل الذات.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها، فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى، فلا يرى فيها عوج ولا أمت.

وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العاكظي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً» وقوله: ﴿ والسموات ﴾ أي تبدل السموات غير السموات، وهو كقوله عليه السلام: «لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده» والمعنى: ولا ذو عهد في عهده بكافر، وتبديل السموات بانتثار كواكبها وانفطارها، وتكوير شمسها، وخسوف قمرها، وكونها أبواباً، وأنها تارة تكون كالمهل وتارة تكون كالدهان.

والقول الثاني: أن المراد تبديل الذات.

قال ابن مسعود: تبدل بأرض كالفضة البيضاء النقية لم يسفك عليها دم ولم تعمل عليها خطيئة، فهذا شرح هذين القولين، ومن الناس من رجح القول الأول قال لأن قوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض ﴾ المراد هذه الأرض، والتبدل صفة مضافة إليها، وعند حصول الصفة لابد وأن يكون الموصوف موجوداً، فلما كان الموصوف بالتبدل هو هذه الأرض وجب كون هذه الأرض باقية عند حصول ذلك التبدل، ولا يمكن أن تكون هذه الأرض باقية مع صفاتها عند حصول ذلك التبدل، وإلا لامتنع حصول التبدل، فوجب أن يكون الباقي هو الذات.

فثبت أن هذه الآية تقتضي كون الذات باقية، والقائلون بهذا القول هم الذين يقولون: إن عند قيام القيامة لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنما يعدم صفاتها وأحوالها.

واعلم أنه لا يبعد أن يقال: المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ كَلاَّ إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ  ﴾ وقوله: ﴿ كَلاَّ إِنَّ كتاب الفجار لَفِى سِجّينٍ  ﴾ ، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ ﴾ فنقول أما البروز لله فقد فسرناه في قوله تعالى: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ وإنما ذكر الواحد القهار هاهنا، لأن الملك إذا كان لمالك واحد غلاب لا يغالب قهار لا يقهر فلا مستغاث لأحد إلى غيره فكال الأمر في غاية الصعوبة، ونظيره قوله: ﴿ لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار  ﴾ ولما وصف نفسه سبحانه بكونه قهاراً بين عجزهم وذلتهم، فقال: ﴿ وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ ﴾ .

واعلم أنه تعالى ذكر في صفات عجزهم وذلتهم أموراً: فالصفة الأولى: كونهم مقرنين في الأصفاد.

يقال: قرنت الشيء بالشيء إذا شددته به ووصلته.

والقرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان.

وجاء هاهنا على التكثير لكثرة أولئك القوم والأصفاد جمع صفد وهو القيد.

إذا عرفت هذا فنقول: في قوله: ﴿ مُّقرِّنِينَ ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: قال الكلبي: مقرنين كل كافر مع شيطان في غل، وقال عطاء: هو معنى قوله: ﴿ وَإِذَا النفوس زُوّجَتْ  ﴾ أي قرنت فيقرن الله تعالى نفوس المؤمنين بالحور العين، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين، وأقول حظ البحث العقلي منه أن الإنسان إذا فارق الدنيا، فإما أن يكون قد راض نفسه وهذبها ودعاها إلى معرفة الله تعالى وطاعته ومحبته، أو ما فعل ذلك، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على الأحوال الوهمية والخيالية، فإن كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك الجهة بالحضرة الإلهية، والسعادة بالعناية الصمدانية، وإن كان الثاني فتلك النفس تفارق مع الأسف والحزن والبلاء الشديد، بسبب الميل إلى عالم الجسم، وهذا هو المراد بقوله: ﴿ وَإِذَا النفوس زُوّجَتْ ﴾ وشيطان النفس الكافرة هي الملكات الباطلة، والحوادث الفاسدة، وهو المراد من قول عطاء: إن كل كافر مع شيطانه يكون مقروناً في الأصفاد.

والقول الثاني: في تفسير قوله: ﴿ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد ﴾ هو قرن بعض الكفار ببعض، والمراد أن تلك النفوس الشقية والأرواح المكدرة الظلمانية، لكونها متجانسة متشاكلة ينضم بعضها إلى بعض، وتنادي ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى، فانحدار كل واحدة منها إلى الأخرى في تلك الظلمات، والخسارات هي المراد بقوله: ﴿ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد ﴾ .

والقول الثالث: قال زيد بن أرقم: قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال، وحظ العقل من ذلك أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء، فإذا كانت تلك الملكات ظلمانية كدرة، صارت في المثال كأن أيديها وأرجلها قرنت وغلت في رقابها.

وأما قوله: ﴿ فِى الأصفاد ﴾ ففيه وجهان: أحدها: أن يكون ذلك متعلقاً بمقرنين، والمعنى: يقربون بالأصفاد.

والثاني: أن لا يكون متعلقاً به، والمعنى: أنهم مقرنون مقيدون، وحظ العقل معلوم مما سلفت الإشارة إليه.

الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ ﴾ السرابيل جمع سربال وهو القميص، والقطران فيه ثلاث لغات: قطران وقطران وقطرن، بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء وبفتح القاف وكسر الطاء، وهو شيء يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ ويطلى به الإبل الجرب فيحرق الجرب بحرارته وحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن يتسارع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلي كالسرابيل، وهي القمص فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب، لذع القطران وحرقته، وإسراع النار في جلودهم واللون الوحش ونتن الريح، وأيضاً التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين، وأقول حظ العقل من هذا أن جوهر الروح جوهر مشرق لامع من عالم القدس وغيبة الجلال، وهذا البدن جارٍ مجرى السربال والقميص له، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم، فإنما يحصل بسبب هذا البدن، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس، لأن الشهوة والحرص والغضب إنما تتسارع إلى جوهر الروح بسببه، وكونه للكثافة والكدورة والظلمة هو الذي يخفي لمعان الروح وضوءه وهو سبب لحصول النتن والعفونة، فتشبه هذا الجسد بسرابيل من القطران والقطر، وقرأ بعضهم ﴿ مّن قَطِرآن ﴾ والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره.

قال أبو بكر بن الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك القطران ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم.

الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء العذاب يَوْمَ القيامة  ﴾ وقوله: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ  ﴾ .

واعلم أن موضع المعرفة والنكرة والعلم والجهل هو القلب، وموضع الفكر والوهم والخيال هو الرأس.

وأثر هذه الأحوال إنما تظهر في الوجه، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما فقال في القلب: ﴿ نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ  ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلْأَفْـِٔدَةِ  ﴾ وقال في الوجه: ﴿ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار ﴾ بمعنى تتغشى، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الثلاثة قال: ﴿ لِيَجْزِىَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ قال الواحدي: المراد منه أنفس الكفار لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان، وأقول يمكن إجراء اللفظ على عمومه، لأن لفظ الآية يدل على أنه تعالى يجزي كل شخص بما يليق بعمله وكسبه ولما كان كسب هؤلاء الكفار الكفر والمعصية، كان جزاؤهم هو هذا العقاب المذكور، ولما كان كسب المؤمنين الأيمان والطاعة، كان اللائق بهم هو الثواب وأيضاً أنه تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم فلأن يثيب المطيعين على طاعتهم كان أولى.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب ﴾ والمراد أنه تعالى لا يظلمهم ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقونه.

وحظ العقل منه أن الأخلاق الظلمانية هي المبادي لحصول الآلام الروحانية وحصول تلك الأخلاق في النفس على قدر صدور تلك الأعمال منهم في الحياة الدنيا، فإن الملكات النفسانية إنما تحصل في جوهر النفس بسبب الأفعال المتكررة، وعلى هذا التقدير فتلك الآلام تتفاوت بحسب تلك الأفعال في كثرتها وقلتها وشدتها وضعفها وذلك يشبه الحساب.

ثم قال تعالى: ﴿ هذا بلاغ لّلنَّاسِ ﴾ أي هذا التذكير والموعظة بلاغ للناس، أي كفاية في الموعظة ثم اختلفوا فقيل: إن قوله هذا إشارة إلى كل القرآن، وقيل: بل إشارة إلى كل هذه السورة، وقيل: بل إشارة إلى المذكور من قوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ﴾ إلى قوله: ﴿ سَرِيعُ الحساب ﴾ وأما قوله: ﴿ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ﴾ فهو معطوف على محذوف أي لينتصحوا: ﴿ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ﴾ أي بهذا البلاغ.

ثم قال: ﴿ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في هذا الكتاب مراراً أن النفس الإنسانية لها شعبتان: القوة النظرية وكمال حالها في معرفة الموجودات بأقسامها وأجناسها وأنواعها حتى تصير النفس كالمرآة التي يتجلى فيها قدس الملكوت ويظهر فيها جلال اللاهوت ورئيس هذه المعارف والجلاء، معرفة توحيد الله بحسب ذاته وصفاته وأفعاله.

والشعبة الثانية: القوة العملية وسعادتها في أن تصير موصوفة بالأخلاق الفاضلة التي تصير مبادي لصدور الأفعال الكاملة عنها، ورئيس سعادات هذه القوة طاعة الله وخدمته.

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ ﴾ إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة النظرية وقوله: ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب ﴾ إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة العملية فإن الفائدة في هذا التذكر، إنما هو الإعراض عن الأعمال الباطلة والإقبال على الأعمال الصالحة، وهذه الخاتمة كالدليل القاطع في أنه لا سعادة للإنسان إلا من هاتين الجهتين.

المسألة الثانية: هذه الآيات مشعرة بأن التذكير بهذه المواعظ والنصائح يوجب الوقوف على التوحيد والإقبال على العمل الصالح، والوجه فيه أن المرء إذا سمع هذه التخويفات والتحذيرات عظم خوفه واشتغل بالنظر والتأمل، فوصل إلى معرفة التوحيد والنبوة واشتغل بالأعمال الصالحة.

المسألة الثالثة: قال القاضي: أول هذه السورة وآخرها يدل على أن العبد مستقل بفعله، إن شاء أطاع وإن شاء عصى، أما أول هذه السورة فهو قوله تعالى: ﴿ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور  ﴾ فإنا قد ذكرنا هناك أن هذا يدل على أن المقصود من إنزال الكتاب إرشاد الخلق كلهم إلى الدين والتقوى ومنعهم عن الكفر والمعصية، وأما آخر السورة فلأن قوله: ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب ﴾ يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذه السورة، وإنما ذكر هذه النصائح والمواعظ لأجل أن ينتفع الخلق بها فيصيروا مؤمنين مطيعين ويتركوا الكفر والمعصية، فظهر أن أول هذه السورة وآخرها متطابقان في إفادة هذا المعنى.

واعلم أن الجواب المستقصى عنه مذكور في أول السورة فلا فائدة في الإعادة.

المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على أنه لا فضيلة للإنسان ولا منقبة له إلا بسبب عقله، لأنه تعالى بين أنه إنما أنزل هذه الكتب، وإنما بعث الرسل لتذكير أولى الألباب، فلولا الشرف العظيم والمرتبة العالية لأولى الألباب لما كان الأمر كذلك.

قال المصنف رحمه الله تعالى ورضي عنه: تم تفسير هذه السورة يوم الجمعة في أواخر شعبان سنة إحدى وستمائة ختم بالخير والغفران في صحراء بغداد، ونسأل الله الخلاص من الغموم والأحزان والفوز بدرجات الجنان والخلاص من دركات النيران، إنه الملك المنان، الرحيم الديان، بحمد الله وحسن توفيقه وصلاته وسلامه على خاتم النبيين محمد وآله وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ هذا بلاغ لّلنَّاسِ ﴾ كفاية في التذكير والموعظة، يعني بهذا ما وصفه من قوله ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ﴾ إلى قوله: ﴿ سَرِيعُ الحساب ﴾ [آل عمران: 169] .

﴿ وَلِيُنذَرُواْ ﴾ معطوف على محذوف، أي لينصحوا ولينذروا ﴿ بِهِ ﴾ بهذا البلاغ.

وقرئ: ﴿ ولينذروا ﴾ بفتح الياء من نذر به إذا علمه واستعدّ له ﴿ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ ﴾ لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به، دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد، لأنّ الخشية أمّ الخير كله.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة إبراهيم أُعطى من الأجر عشر حسنات بعدد كل من عبد الأصنام وعدد من لم يعبد» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هَذا ﴾ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ أوِ السُّورَةِ أوْ ما فِيهِ العِظَةُ والتَّذْكِيرُ أوْ ما وصَفَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ ﴾ .

﴿ بَلاغٌ لِلنّاسِ ﴾ كِفايَةٌ لَهم في المَوْعِظَةِ.

﴿ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ﴾ عُطِفَ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ لِيُنْصَحُوا ولِيُنْذَرُوا بِهَذا البَلاغِ، فَتَكُونُ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِالبَلاغِ، ويَجُوزَ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولِيُنْذَرُوا بِهِ أُنْزِلَ أوْ تُلِيَ.

وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ مِن نَذَرَ بِهِ إذا عَلِمَهُ واسْتَعَدَّ لَهُ.

﴿ وَلِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ﴾ بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ فِيما فِيهِ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ أوِ المُنَبِّهَةِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ ﴾ فَيَرْتَدِعُوا عَمّا يُرْدِيهِمْ ويَتَدَرَّعُوا بِما يُحْظِيهِمْ، واعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَكَرَ لِهَذا البَلاغِ ثَلاثَ فَوائِدَ هي الغايَةُ والحِكْمَةُ في إنْزالِ الكُتُبِ، تَكْمِيلُ الرُّسُلِ لِلنّاسِ، واسْتِكْمالُ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الَّتِي مُنْتَهى كَمالِها التَّوْحِيدُ، واسْتِصْلاحُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ الَّذِي هو التَّدَرُّعُ بِلِباسِ التَّقْوى، جَعَلَنا اللَّهُ تَعالى مِنَ الفائِزِينَ بِهِما.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «مَن قَرَأ سُورَةَ إبْراهِيمَ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن عَبَدَ الأصْنامَ وعَدَدِ مَن لَمْ يَعْبُدْها» .

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{هذا} أي ما وصفه في قوله ولا تحسبن إلى قوله سريع الحساب {بلاغ لّلنَّاسِ} كفاية في التذكير والموعظة {وَلِيُنذَرُواْ بِهِ} بهذا البلاغ وهو معطوف على محذوف أي لينصحوا ولينذروا {وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ} لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به دعتهم المخافة إلى النظر حتى يتوصلوا إلى التوحيد لأن الخشية أم الخير كله {وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب} ذوو العقول

سورة الحجر تسع وتسعون آية مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحجر (١)

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ هَذا بَلاغٌ ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا ﴾ إلى هُنا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإشارَةُ إلى القُرْآنِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوْ إلى السُّورَةِ والتَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ وهو ﴿ بَلاغٌ ﴾ والكَلامُ عَلى الأوَّلِ أبْلَغُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَذا المَذْكُورُ آنِفًا كِفايَةٌ في العِظَةِ والتَّذْكِيرِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى ما انْطَوى عَلَيْهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ أوْ كُلُّ القُرْآنِ المَجِيدِ مِن فُنُونِ العِظاتِ والقَوارِعِ وأصْلُ البَلاغِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّبْلِيغِ وبِهَذا فَسَّرَهُ الرّاغِبُ في الآيَةِ وذَكَرَ مَجِيئَهُ بِمَعْنى الكِفايَةِ في آيَةٍ أُخْرى لِلنّاسِ لِلْكُفّارِ خاصَّةً عَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِ الإنْذارِ بِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْذِرِ النّاسَ ﴾ أوْ لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ كافَّةً عَلى تَقْدِيرِ شُمُولِهِمْ أيْضًا وإنْ كانَ ما شَرَحَ مُخْتَصًّا بِالظّالِمِينَ عَلى ما قِيلَ: ﴿ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ لِيُنْصَحُوا أوْ لِيَنْذَرُوا بِهِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَتَكُونُ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِالبَلاغِ ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ ولِيُنْذَرُوا بِهِ أُنْزِلَ أوْ تُلِيَ وقالَ الماوَرْدِيُّ: الواوُ زائِدَةٌ وعَنِ المُبَرِّدِ هو عَطْفُ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ أيْ هَذا بَلاغٌ وإنْذارٌ ولَعَلَّهُ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا إعْرابٍ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وهو لِيُنْذَرُوا بِهِ فَجُعِلَ ذَلِكَ خَبَرًا لِهو مَحْذُوفًا وقِيلَ اللّامُ لامُ الأمْرِ قالَ بَعْضُهم: وهو حَسَنٌ لَوْلا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولِيَذَّكَّرَ ﴾ فَإنَّهُ مَنصُوبٌ لا غَيْرَ وارْتَضى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ وقالَ: إنَّ ما ذُكِرَ لا يَخْدُشُهُ إذْ لا يَتَعَيَّنُ عَطْفُ ( لِيَذَّكَّرَ ) عَلى الأمْرِ بَلْ يَجُوزُ أنْ يُضْمَرَ لَهُ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ وقَرَأ يَحْيى بْنُ عِمارَةَ الذَّرّاعُ عَنْ أبِيهِ وأحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ السُّلَمِيُّ ( ولِيَنْذَرُوا ) بِفَتْحِ الياءِ والذّالِ مُضارِعَ نَذَرَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَ بِهِ فاسْتَعَدَّ لَهُ قالُوا: ولَمْ يُعْرَفْ لِنَذَرَ بِمَعْنى عَلِمَ مَصْدَرٌ فَهو كَعَسى وغَيْرِها مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لا مَصادِرَ لَها وقِيلَ: إنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا بِأنْ والفِعْلِ عَنْ صَرِيحِ المَصْدَرِ وفي القامُوسِ نَذِرَ بِالشَّيْءِ كَفَرِحَ عَلِمَهُ فَحَذِرَهُ وأنْذَرَهُ بِالأمْرِ إنْذارًا ونَذَرًا ونَذِيرًا أعْلَمَهُ وحَذَّرَهُ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ بِتاءٍ مَضْمُومَةٍ وكَسْرِ الذّالِ ( ولِيَعْلَمُوا ) بِالنَّظَرِ والتَّأمُّلِ بِما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ الَّتِي هي إهْلاكُ الأُمَمِ وإسْكانُ آخَرِينَ مَساكِنَهم وغَيْرُهُما مِمّا تَضَمَّنَهُ ما أشارَ إلَيْهِ ﴿ أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا وتَقْدِيمُ الإنْذارِ لِأنَّهُ داعٍ إلى التَّأمُّلِ المُسْتَتْبَعِ لِلْعِلْمِ المَذْكُورِ ﴿ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ ﴾ .

(52) أيْ لِيَتَذَكَّرُوا شُؤُونَ اللَّهِ تَعالى ومُعامَلَتَهُ مَعَ عِبادِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ فَيَرْتَدِعُوا عَمّا يُرْدِيهِمْ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي يَتَّصِفُ بِها الكُفّارُ ويَتَدَّرَعُوا بِما يُحْظِيهِمْ لَدَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ وفي تَخْصِيصِ التَّذَكُّرِ بِأُولِي الألْبابِ إعْلاءٌ لِشَأْنِهِمْ.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ أنَّ في ذَلِكَ تَلْوِيحًا بِاخْتِصاصِ العِلْمِ بِالكُفّارِ ودَلالَةً عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِهَذا القَوارِعُ المَسُوقَةُ لِشَأْنِهِمْ لا كُلُّ السُّورَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها وعَلى ما سِيقَ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا فَإنَّ فِيهِ ما يُفِيدُهم فائِدَةً جَدِيدَةً ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ حَيْثُ كانَ ما يُفِيدُهُ البَلاغُ مِنَ التَّوْحِيدِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكَفَرَةِ أمْرًا حادِثًا وبِالنِّسْبَةِ إلى أُولِي الألْبابِ الثَّباتُ عَلى ذَلِكَ عَبَّرَ عَنِ الأوَّلِ بِالعِلْمِ وعَنِ الثّانِي بِالتَّذَكُّرِ ورُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الخَتْمِ بِالحُسْنى.

وذَكَرَ القاضِي بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ لِهَذا البَلاغِ ثَلاثَ فَوائِدَ هي الغايَةُ والحِكْمَةُ في إنْزالِ الكُتُبِ: تَكْمِيلُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِلنّاسِ المُشارِ إلَيْهِ بِالإنْذارِ واسْتِكْمالُهُمُ القُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ الَّتِي مُنْتَهى كَمالِها ما يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى المُشارِ إلَيْهِ بِالعِلْمِ واسْتِصْلاحُ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي التَّدَرُّعُ بِلِباسِ التَّقْوى المُشارِ إلَيْهِ بِالتَّذَكُّرِ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأُولِي الألْبابِ أصْحابُ العُقُولِ الخالِصَةِ مِن شَوائِبِ الوَهْمِ مُطْلَقًا ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ ما قِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَدْ ناسَبَ مُخْتَتَمُ هَذِهِ السُّورَةِ مُفْتَتِحَها وكَثِيرًا ما جاءَ ذَلِكَ في سُوَرِ القُرْآنِ حَتّى زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِتُخْرِجَ النّاسَ ﴾ وهو مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ نَسْألُهُ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَمُنَّ عَلَيْنا بِشَآبِيبِ العَفْوِ والغُفْرانِ.

* * * هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) .

﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا ﴾ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَجْعَلَ سُبْحانَهُ قَلْبَهُ آمِنًا مِنَ الفِراقِ والحِجابِ وقِيلَ: اجْعَلْ بَلَدَ قَلْبِي ذا أمْنٍ بِكَ عَنْكَ ﴿ واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ ﴾ مِنَ المَرْغُوباتِ الدَّنِيَّةِ والمُشْتَهَياتِ الحِسِّيَّةِ.

وقالَ جَعْفَرٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أرادَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا تَرُدَّنِي إلى مُشاهَدَةِ الخَلَّةِ ولا تَرُدَّ أوْلادِي إلى مُشاهَدَةِ النُّبُوَّةِ وعَنْهُ أنَّهُ قالَ: أصْنامُ الخَلَّةِ خَطَراتُ الغَفْلَةِ ولَحَظاتُ المَحَبَّةِ وفي رِوايَةٍ أُخْرى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ آمِنًا مِن عِبادَةِ الأصْنامِ في كِبَرِهِ وقَدْ كَسَرَها في صِغَرِهِ لَكِنَّهُ عَلِمَ أنَّ هَوى كُلِّ إنْسانٍ صَنَمُهُ فاسْتَعاذَ مِن ذَلِكَ.

وقالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: أيِ امْنَعْنِي وبَنِيَّ أنْ نَرى لِأنْفُسِنا وسِيلَةً إلَيْكَ غَيْرَ الِافْتِقارِ وقِيلَ: كَلَّ ما وقَفَ العارِفُ عَلَيْهِ غَيْرَ الحَقِّ سُبْحانَهُ فَهو صَنَمُهُ وجاءَ النَّفْسُ هو الصَّنَمُ الأكْبَرُ ﴿ رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ ﴾ بِالتَّعَلُّقِ بِها والِانْجِذابِ إلَيْها والِاحْتِجابِ بِها عَنْكَ سُبْحانَكَ ﴿ فَمَن تَبِعَنِي ﴾ في طَرِيقِ المُجاهَدَةِ والخَلَّةِ بِبَذْلِ الرُّوحِ بَيْنَ يَدَيْكَ ﴿ فَإنَّهُ مِنِّي ﴾ طِينَتُهُ مِن طِينَتِي وقَلْبُهُ مِن قَلْبِي ورُوحُهُ مِن رُوحِي وسِرُّهُ مِن سِرِّي ومَشْرَبُهُ في الخَلَّةِ مِن مَشْرَبِي ﴿ ومَن عَصانِي ﴾ وفَعَلَ ما يَقْتَضِي الحِجابَ عَنْكَ ﴿ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ فَلا أدْعُو عَلَيْهِ وأُفَوِّضُ أمْرَهُ إلَيْكَ قِيلَ: إنَّ هَذا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دُعاءٌ لِلْعاصِي بِسَتْرِ ظُلْمَتِهِ بِنُورِهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ إيّاهُ بِإفاضَةِ الكَمالِ عَلَيْهِ بَعْدَ المَغْفِرَةِ ومِن كَلامِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ.

وفِي أسْرارِ التَّأْوِيلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ومَن عَصانِي ﴾ إلى مَقامِ الجَمْعِ ولِذا لَمْ يَقُلْ: ومَن عَصاكَ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّما أضافَ عِصْيانَهم إلى نَفْسِهِ لِأنَّ عِصْيانَ الخَلْقِ لِلْخالِقِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وما مِن دابَّةٍ إلّا ورَبِّي آخِذٌ بِناصِيَتِها فَهم في كُلِّ أحْوالِهِمْ مُجِيبُونَ لِداعِي ألْسِنَةِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ وإرادَتِهِ القَدِيمَةِ وسُئِلَ عَبْدُ العَزِيزِ المَكِّيُّ لِمَ لَمْ يَقُلِ الخَلِيلُ ومَن عَصاكَ فَقالَ لِأنَّهُ عَظَّمَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ وأجَلَّهُ مِن أنْ يُثْبِتَ أنَّ أحَدًا يَجْتَرِئُ عَلى مَعْصِيَتِهِ سُبْحانَهُ وكَذا أجَلَّهُ سُبْحانَهُ مِن أنْ يَبْلُغَ أحَدٌ مَبْلَغَ ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ عَزَّ شَأْنُهُ مِن طاعَتِهِ حَيْثُ قالَ ﴿ فَمَن تَبِعَنِي ﴾ .

﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ قِيلَ: إنَّ مِن عادَةِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَبْتَلِيَ خَلِيلَهُ بِالعَظائِمِ لِيَنْزِعَهُ عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ جَمِيعِ الخَلِيقَةِ لِئَلّا يَبْقى بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حِجابٌ مِنَ الحِدْثانِ فَلِذا أمَرَ جَلَّ شَأْنُهُ هَذا الخَلِيلَ أنْ يُسْكِنَ مِن ذُرِّيَّتِهِ في وادِي الحَرَمِ بِلا ماءٍ ولا زادٍ لِيَنْقَطِعَ إلَيْهِ ولا يَعْتَمِدُ إلّا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ وناداهُ بِاسْمِ الرَّبِّ طَمَعًا في تَرْبِيَةِ عِيالِهِ وأهْلِهِ بِألْطافِهِ وإيوائِهِمْ إلى جِوارِ كَرامَتِهِ ﴿ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ الَّتِي يَصِلُ العَبْدُ بِها إلَيْكَ ويَكُونُ مِرْآةَ تَجَلِّيكَ ﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ ﴾ تَمِيلُ بِوَصْفِ الإرادَةِ والمَحَبَّةِ لِيَسْلُكُوهم إلَيْكَ ويَدُلُّوهم عَلَيْكَ قالَ ابْنُ عَطاءٍ مَنِ انْقَطَعَ عَنِ الخَلْقِ بِالكُلِّيَّةِ صَرَفَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وُجُوهَ الخَلْقِ وجَعَلَ مَوَدَّتَهُ في صُدُورِهِمْ ومَحَبَّتَهُ في قُلُوبِهِمْ وذَلِكَ مِن دُعاءِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَطَعَ أهْلَهُ عَنِ الخَلْقِ والأسْبابِ قالَ: ﴿ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ قِيلَ: أيْ ثَمَراتُ طاعَتِكَ وهي المَقاماتُ الرَّفِيعَةُ والدَّرَجاتُ الشَّرِيفَةُ.

وقالَ الواسِطِيُّ: ثَمَراتُ القُلُوبِ وهي أنْواعُ الحِكْمَةِ ورَئِيسُ الحِكْمَةِ رُؤْيَةُ المِنَّةِ والعَجُزُ عَنِ الشُّكْرِ عَلى النِّعْمَةِ وهو الشُّكْرُ الحَقِيقِيُّ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ ﴾ أيْ يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَتَهَيَّأُ لِأحَدٍ أنْ يَقُومَ بِشُكْرِكَ وثَمَرَةُ الحِكْمَةِ تُزِيلُ الأمْراضَ عَنِ القُلُوبِ كَما أنَّ ثَمَرَةَ الأشْجارِ تُزِيلُ أمْراضَ النُّفُوسِ وقِيلَ: أيِ ارْزُقْهُمُ الأوْلادَ الأنْبِياءَ والصُّلَحاءَ وفِيهِ إشارَةٌ إلى دَعْوَتِهِ بِسَيِّدِ المُرْسَلِينَ  المَعْنى لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا ﴾ وأيُّ الثَّمَراتِ أشْهى مِن أصْفى الأصْفِياءِ وأتْقى الأتْقِياءِ وأفْضَلِ أهْلِ الأرْضِ والسَّماءِ وحَبِيبِ ذِي العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ فَهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثَمَرَةُ الشَّجَرَةِ الإبْراهِيمِيَّةِ وزَهْرَةُ رِياضِ الدَّعْوَةِ الخَلِيلِيَّةِ بَلْ هو  ثَمَرَةُ شَجَرَةِ الوُجُودِ ونُورُ حَدِيقَةِ الكَرَمِ والجُودِ ونُورُ حَدَقَةِ كُلِّ مَوْجُودٍ  عَلَيْهِ إلى اليَوْمِ المَشْهُودِ ﴿ رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ ﴾ قالَ الخَواصُّ: ما نُخْفِي مِن حُبِّكَ وما نُعْلِنُ مِن شُكْرِكَ.

وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: ما نُخْفِي مِنَ الأحْوال وما نُعْلِنُ مِنَ الآدابِ وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ التَّضَرُّعِ في عُبُودِيَّتِكَ وما نُعْلِنُ مِن ظاهِرِ طاعَتِكَ في شَرِيعَتِكَ وأيْضًا ما نُخْفِي مِن أسْرارِ مَعْرِفَتِكَ وما نُعْلِنُ مِن وظائِفِ عِبادَتِكَ وأيْضًا ما نُخْفِي مِن حَقائِقِ الشَّوْقِ إلَيْكَ في قُلُوبِنا وما نُعْلِنُ في غَلَبَةِ مَواجِيدِنا بِإجْراءِ العَبَراتِ وتَصْعِيدِ الزَّفَراتِ: .

وارَحْمَتا لِلْعاشِقِينَ تَكَلَّفُوا سَتْرَ المَحَبَّةِ والهَوى فَضّاحُ بِالسِّرِّ إنْ باحُوا تُباحُ دِماؤُهم ∗∗∗ وكَذا دِماءُ البائِحِينَ تُباحُ وإنْ هُمُو كَتَمُوا تَحَدَّثَ عَنْهم ∗∗∗ عِنْدَ الوُشاةِ المَدْمَعُ السَّحّاحُ وقالَ السَّيِّدُ عَلِيٌّ البَنْدَنِيجِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: .

كَتَمْتُ هَوى حُبَّيْهِ خَوْفَ إذاعَةٍ ∗∗∗ فَلِلَّهِ كَمْ صَبٍّ أضَرَّ بِهِ الذَّيْعُ ولَكِنْ بَدَتْ آثارُهُ مِن تَأوُّهِي ∗∗∗ إذا فاحَ مِسْكٌ كَيْفَ يَخْفى لَهُ ضَوْعُ ﴿ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ﴾ فَيَعْلَمُ ما خَفِي وما عَلَنَ ﴿ ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ ﴾ قِيلَ: الظّالِمُ مَن تَجاوَزَ طَوْرَهُ وتَبَخْتَرَ عَلى بِساطِ الأنانِيَةِ زاعِمًا أنَّهُ قَدْ تَضَلَّعَ مِن ماءِ زَمْزَمَ المَحَبَّةَ واسْتَغْرَقَ في لُجِّيِّ بَحْرِ الفَناءِ تَوَعَّدَهُ اللَّهُ تَعالى بِتَأْخِيرِ فَضِيحَتِهِ إلى يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُ سَكارى المَعْرِفَةِ والتَّوْحِيدِ وهو يَوْمُ الكَشْفِ الأكْبَرِ حِينَ تَبْدُو أنْوارُ سَطَواتِ العِزَّةِ فَيَسْتَغْرِقُونَ في عَظَمَتِهِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ فَهُناكَ يَتَبَيَّنُ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ: .

إذا اشْتَبَكَتْ دُمُوعٌ في خُدُودٍ ∗∗∗ تَبَيَّنَ مَن بَكى مِمَّنْ تَباكى وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ شَرْحٌ لِأحْوالِ أصْحابِ الأبْصارِ الشّاخِصَةِ وهم سَكارى المَحَبَّةِ عَلى الحَقِيقَةِ قالَ ابْنُ عَطاءٍ في: ﴿ وأفْئِدَتُهم هَواءٌ ﴾ هَذِهِ صِفَةُ قُلُوبِ أهْلِ الحَقِّ مُتَعَلِّقَةً بِاللَّهِ تَعالى لا تَقَرُّ إلّا مَعَهُ سُبْحانَهُ ولا تَسْكُنُ إلّا إلَيْهِ ولَيْسَ فِيها مَحَلٌّ لِغَيْرِهِ ﴿ وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ ﴾ طَلَبُوا تَدارُكَ ما فاتَ وذَلِكَ بِتَهْذِيبِ الباطِنِ والظّاهِرِ والِانْتِظامِ في سُلُوكِ الصّادِقِينَ وهَيْهاتَ ثُمَّ هَيْهاتَ ثُمَّ أجِيبُوا بِما يَقْصِمُ الظَّهْرَ ويَفْصِمُ عُرى البَصَرِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ﴾ الآيَةَ ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ ﴾ وذَلِكَ عِنْدَ انْكِشافِ أنْوارِ حَقِيقَةِ الوُجُودِ فَيَظْهَرُ هَلاكُ كُلِّ شَيْءٍ إلّا وجْهَهُ.

وقِيلَ: الإشارَةُ في الآيَةِ إلى تَبَدُّلِ أرْضِ قُلُوبِ العارِفِينَ مِن صِفاتِ البَشَرِيَّةِ إلى الصِّفاتِ الرُّوحانِيَّةِ المُقَدَّسَةِ بِنُورِ شُهُودِ جَمالِ الحَقِّ وتَبَدُّلِ سَماواتِ الأرْواحِ مِن عَجْزِ صِفاتِ الحُدُوثِ وضَعْفِها عَنْ أنْوارِ العَظَمَةِ بِإفاضَةِ الصِّفاتِ الحَقَّةِ وقِيلَ: تُبَدَّلُ أرْضُ الطَّبِيعَةِ بِأرْضِ النَّفْسِ عِنْدَ الوُصُولِ إلى مَقامِ القَلْبِ وسَماءُ القَلْبِ بِسَماءِ السِّرِّ وكَذا تُبَدَّلُ أرْضُ النَّفْسِ بَأرْضِ القَلْبِ وسَماءُ السِّرِّ بِسَماءِ الرُّوحِ وكَذا كُلُّ مَقامٍ يَعْبُرُهُ السّالِكُ يَتَبَدَّلُ ما فَوْقَهُ وما تَحْتَهُ كَتَبَدُّلِ سَماءِ التَّوَكُّلِ في تَوْحِيدِ الأفْعالِ بِسَماءِ الرِّضا في تَوْحِيدِ الصِّفاتِ ثُمَّ سَماءِ الرِّضا بِسَماءِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ كَشْفِ الذّاتِ ﴿ وتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ ﴾ بِسَلاسِلِ الشَّهَواتِ ﴿ سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ ﴾ وهو قَطِرانُ أعْمالِهِمُ النَّتِنَةِ ﴿ وتَغْشى ﴾ تَسْتُرُ ﴿ وُجُوهَهُمُ النّارُ ﴾ في جَهَنَّمِ الحِرْمانِ وسَعِيرِ الإذْلالِ والِاحْتِجابِ عَنْ رَبِّ الأرْبابِ.

﴿ هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ ﴾ وهم عُلَماءُ الحَقِيقَةِ وأساطِينُ المَعْرِفَةِ وعُشّاقُ الحَضْرَةِ وأُمَناءُ خَزائِنِ المَمْلَكَةِ جَعَلَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكم مِمَّنْ ذُكِّرَ فَتَذَكَّرَ وتَحَقَّقَ في مَقَرِّ التَّوْحِيدِ وتَقَرَّرَ بِمَنِّهِ سُبْحانَهُ وكَرْمِهِ.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ قال علي بن أبي طالب يعني: «أي: غير هذه الأرض التي عليها بنو آدم، بأرض بيضاء نقية لم يعمل فيها بالمعاصي، ولا سفك عليها الدماء» .

وهكذا قال ابن مسعود.

قال: حدّثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا أبو يعقوب.

قال: حدثنا محمد بن يونس العامري.

قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم.

قال: حدثنا القاسم بن الفضل، عن الحسن، عن عائشة أنها قالت لرسول الله  : هل تذكرون أهاليكم يوم القيامة؟

قال: «أَمَّا عِنْدَ مَوَاطِنَ ثَلاَثَةٍ فَلاَ: عِنْدَ الصِّرَاطِ، والكِتَابِ، والمِيزَانِ» .

قالت: ألم يقل الله تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ أين يكون الناس يومئذٍ؟

قال: «سَأَلْتِنِي عَنْ شَيءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكِ» .

فقال: «النَّاسُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الصِّرَاطِ» .

وروي عن ابن عباس أنه قال: «تمد الأرض مد الأديم، ويزاد في سعتها» .

ثم قال: وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ يعني: خرجوا من قبورهم، وظهروا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ لخلقه.

قوله تعالى: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يعني: المشركين يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ مسلسلين فِي الْأَصْفادِ يعني: في الأغلال، يقرن كل كافر مع شيطان سَرابِيلُهُمْ يعني: قمصهم مِنْ قَطِرانٍ أي قمصهم من النحاس المذاب هكذا قال قتادة.

وقال الحسن البصري: القطران الآنك.

وقال عكرمة: هو القطران الذي يطلى به الأشياء، حتى يشتعل ناراً.

وقال الضحاك: مِنْ قَطِرانٍ يعني: من صفر حار قد انتهى حره.

وقال القتبي: مُقَرَّنِينَ أي: قرن بعضهم إلى بعض في الأغلال.

وروي عن أبي هريرة أنه كان يقرأ من قَطِرانٍ.

ويقول: القطر النحاس والآنك الذي انتهى حره، وسَرابِيلُهُمْ أي قمصهم.

ثم قال تعالى: وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ يعني: تعلو وجوههم النار، ولا يمتنعون منها.

قوله تعالى: لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ من خير أو شر إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ يقول: إذا حاسب، فحسابه سريع.

قوله: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ يعني: هذا القرآن إرسال وبيان من الله تعالى.

ويقال: أبلغكم عن الله تعالى.

وَلِيُنْذَرُوا بِهِ يعني: ليخوفوا بالقرآن عن معصية الله تعالى وَلِيَعْلَمُوا يعني: لكي يعلموا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ صادق وَلِيَذَّكَّرَ أي ليتعظ بما أنزل من التخويف في القرآن أُولُوا الْأَلْبابِ يعني: ذوو العقول من الناس.

والله سبحانه وتعالى أعلم- وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه وسلم (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة «أ» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

- بكسر اللام من «لِتَزُولَ» وفتح الأخيرة- وهذا على أن تكون «إِنْ» نافيةً بمعنى «مَا» ، ومعنى الآية تحقيرُ مَكْرِهم، وأنه مَا كَانَ لِتَزُولَ منه الشرائعُ والنبوَّاتُ وإِقدارُ اللَّه بها التي هي كالْجِبَالِ في ثبوتها وقوَّتها، هذا تأويلُ الحَسَن وجماعة المفسِّرين «١» وتحتملُ عندي هذه القراءةُ أنْ تكونَ بمعنى تَعْظِيمِ مَكْرهم، أي: وإِن كان شديداً، وقرأ الكسائيّ: «وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ مِنْهُ الجِبَالُ» - بفتح اللام الأولَى من لَتَزُولُ، وضمِّ الأخيرة-، وهي قراءة ابن عبَّاس «٢» وغيره، ومعنى الآية: تعظيمُ مكرِهِمْ وشدَّتُه، أي: أنه مما يشقى به، ويزيلُ الجبالَ عن مستقرَّاتها، لقوَّته، ولكنَّ اللَّه تعالى أبطله ونَصَرَ أولياءه، وهذا أشَدُّ في العبرة، وقرأ علي وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبيٌّ: «وإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ» ، وذكر أبو حاتم أنَّ في قراءة أبيٍّ: «وَلَوْلاَ كَلِمَةُ اللَّهِ لَزَالَ مِنْ مَكْرِهِمُ الجِبَالُ» .

وقوله سبحان: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ...

الآية: تثبيت للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولغيره من أمَّته، ولم يكُنِ النبيُّ عليه السلام ممَّن يَحْسَبَنَّ مثْلَ هذا، ولكنْ خَرجَتِ العبارةُ هكذا، والمراد بما فيها من الزجْرِ غَيْرُهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ: لا يمتنعُ منْه شيء، ذُو انتِقامٍ: من الكفرة.

وقوله سبحانه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ ...

، الآية: يَوْمَ ظِرفٌ للانتقامِ المذْكُورِ قبله، وروي في تَبْدِيلِ الأرض أَخْبَارٌ منها في الصَّحِيحِ: «يُبَدِّلُ اللَّهُ هَذِهِ الأَرْضَ بأَرْضٍ عَفْرَاءَ بَيْضَاءَ كَأَنَّهَا قرصة نَقي» ، وفي الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُهَا خُبْزَةً يأكل المؤمن منها من

تَحْتِ قَدَمَيْهِ» «١» وروي أنها تبدَّلُ أَرضاً من فِضَّةٍ، وروي أنها أرض كالفضَّة مِنْ بياضها، وروي أنها تبدَّل من نارٍ.

قال ع «٢» : وسمعتُ من أبي رحمه اللَّه أنه روي أنَّ التبديل يَقَعُ في الأرضِ، ولكنْ يبدَّل لكلِّ فريقٍ بما يقتضيه حالُهُ، فالمُؤْمِنُ يكُونُ على خُبْزٍ يأكُلُ منه بحَسَبِ حاجته إِليه، وفريقٌ يكونُ على فضَّة، إِن صحَّ السند بها، وفريقُ الكَفَرَةِ يَكُونُونَ على نارٍ، ونحو هذا ممَّا كله واقِعٌ تحْتَ قدرةِ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ، وأكثر المفسِّرين على أنَّ التبديلَ يكونُ بأرضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فيها، ولا سُفِكَ فِيهَا دَمٌ، وَلَيْسَ فِيهَا معلم لأحد، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «المؤمنون وقْتَ التبديل في ظلِّ العرش» ، وروي عنه أنه قال: «النَّاسُ وقْتَ التبديل/ على الصِّراط» ، ورُوِيَ أنه قال: الناسُ حينئذٍ أضْيَافُ اللَّهِ، فلا يُعْجِزُهُم ما لَدَيْهِ» «٣» وفي «صحيح مسلم» من حديث ثَوْبَان في سؤال الحَبْرِ، وقوله: يا مُحَمَّدُ، أَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ والسموات؟

فقال صلّى الله عليه وسلّم: «هُمْ فِي الظُلْمَةِ دُونَ الجسر» «٤» الحديثَ بطوله، وخرَّجه مسلمٌ وابنُ مَاجَه جميعاً، قالا: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ، ثم أسنَدَا عن عائشة، قالت: «سئل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسِ؟

قَالَ: عَلَى الصِّرَاطِ» «٥» ، وخرَّجه الترمذيُّ من حديث عائشة، قالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ

مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] ، فَأَيْنَ يَكُونُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ؟

قَالَ: «عَلَى الصِّرَاطِ يَا عَائِشَةُ» «١» ، قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حسن صحيح.

انتهى من «التذكرة» «٢» .

وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ: أي الكفّار، ومُقَرَّنِينَ: أي: مربوطين في قَرْنٍ، وهو الحَبْلُ الذي تشدّ به رؤوس الإبل والبقر، والْأَصْفادِ: هي الأغلال، واحِدُها صَفَد، والسَّرابيل:

القُمُصُ، وال قَطِرانٍ: هو الذي تهنأ به الإِبل، وللنار فيه اشتعال شديدٌ، فلذلك جعل اللَّهُ قُمُصَ أهْلِ النارِ منه، وقرأ عمر بن الخطاب وعليٌّ وأبو هريرة وابنُ عبَّاس وغيرهم «٣» :

«مِنْ قِطْرٍ آنٍ» ، والقِطْر: القَصْدِير، وقيل: النُّحَاس، وروي عن عمر أنَّه قال: ليس بالقَطِرَانِ، ولكنَّه النُّحَاس يسر بلونه «٤» ، و «آن» : صفة، وهو الذائبُ الحارُّ الذي تناهَى حَرُّه قال الحَسَن: قد سُعِّرَتْ عليه جهنَّم منْذُ خُلِقَتْ، فتناهَى حَرُّه «٥» .

وقوله سبحانه: لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ...

الآية: جاء من لفظة الكَسْب بما يعم المُسِيءَ والمُحْسِنَ لينبِّه على أنَّ المحسن أيضاً يجازَى بإِحسانه خيراً.

وقوله سبحانه: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ ...

الآية: إِشارةٌ إِلى القرآن والوعيدِ الذي تضمنَّه، والمعنى: هذا بلاغٌ للناس، وهو لينذروا به وليذَّكَّر أولو الألباب، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ.

والثّانِي: الإنْذارُ.

والبَلاغُ: الكِفايَةُ.

قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِالنّاسِ: أهْلُ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ﴾ أيْ: أُنْزِلَ لِيُنْذَرُوا بِهِ، ولِيَعْلَمُوا بِما فِيهِ مِنَ الحُجَجِ " أنَما هو إلَهٌ واحِدٌ، ولِيَذَّكَّرَ " أيْ: ولِيَتَّعِظَ ﴿ أُولُو الألْبابِ ﴾ .

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ ﴾ ﴿ سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النارُ ﴾ ﴿ لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إنَّ اللهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِهِ ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ ﴾ المُجْرِمُونَ هُمُ الكُفّارُ، و"مُقَرَّنِينَ" مَرْبُوطِينَ في قَرَنٍ وهو الحَبَلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ رُؤُوسُ الإبِلِ والبَقَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وابْنُ اللَبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ و"الأصْفادُ" الأغْلالُ، واحِدُها صَفَدٌ، يُقالُ: صَفَدَهُ وأصْفَدَهُ وصَفَّدَهُ إذا غَلَّلَهُ، والِاسْمُ الصِفادُ، ومِنهُ قَوْلُ سَلامَةَ بْنِ جَنْدَلٍ: وزَيْدُ الخَيْلِ قَدْ لاقى صِفادًا ∗∗∗ ∗∗∗ يَعَضُّ بِساعِدٍ وبِعَظْمِ ساقِ وكَذَلِكَ يُقالُ في العَطاءِ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ.

فَلَمْ أُعَرِّضْ -أبَيْتَ اللَعْنَ- بِالصَفْدِ.

وَ "السَرابِيلُ": القُمُصُ، و"القَطِرانُ" هو الَّذِي تَهْنَأُ بِهِ الإبِلُ، ولِلنّارِ فِيهِ اشْتِعالٌ شَدِيدٌ، فَلِذَلِكَ جَعَلَ اللهُ قُمُصَ أهْلِ النارِ مِنهُ، ويُقالُ بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِ الطاءِ، وبِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ الطاءِ، وبِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ عُمَرُ، وعَلَيٌّ، والحُسْنُ بِخِلافٍ- وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وعَلْقَمَةُ، وسِنّانُ بْنُ سَلَمَةَ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ سِيرِينَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والكَلْبِيُّ، وقَتادَةُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: " قَطْرٍ آنٍ"، والقَطْرُ: القَصْدِيرُ، وقِيلَ: النُحاسُ.

ورُوِيَ عن عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ بِالقَطْرانِ، ولَكِنَّهُ النُحاسُ يُسَرْبَلُونَهُ، و"آنٍ" صِفَةٌ، وهو الذائِبُ الحارُّ الَّذِي قَدْ تَناهى حَرُّهُ، قالَ الحَسَنُ: قَدْ سُعِّرَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ مُنْذُ خُلِقَتْ فَتَناهى حَرُّهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وُجُوهَهُمْ" بِالنَصْبِ "النارُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِالعَكْسِ، فالأوَّلُ عَلى نَحْوِ: ﴿ واللَيْلِ إذا يَغْشى  ﴾ فَهي حَقِيقَةُ الغَشَيانِ، والثانِي عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: يُغْشَوْنَ حَتّى ما تَهِرُّ كِلابُهم ∗∗∗ ∗∗∗ لا يَسْألُونَ عَنِ السَوادِ المُقْبِلِ فَهِيَ بِتَجَوُّزٍ في الغَشَيانِ، كَأنَّ وُرُودَ الوُجُوهِ عَلى النارِ غَشَيانٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ اللهُ ﴾ أيْ: لِكَيْ يَجْزِيَ اللهُ واللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أُنَفِّذُ عَلى المُجْرِمِينَ هَذا العِقابَ لِيَكُونَ في ذَلِكَ جَزاءُ المُسِيءِ عَلى إساءَتِهِ، وجاءَ مِن لَفْظَةِ الكَسْبِ بِما يَعُمُّ المُسِيءَ والمُحْسِنَ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ المُحْسِنَ أيْضًا يُجازى بِإحْسانِهِ خَيْرًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ أيْ: فاصِلَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ بِالإحاطَةِ الَّتِي لَهُ بِدَقِيقِ أمْرِهِمْ وجَلِيلِها، لا إلَهَ غَيْرُهُ، وقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كَيْفَ يُحاسِبُ اللهُ العِبادَ في وقْتٍ واحِدٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ؟

قالَ: كَما يَرْزُقُهم في وقْتٍ واحِدٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ﴾ الآيَةُ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ والوَعِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ، ووَصَفَهُ بِالمَصْدَرِ في قَوْلِهِ: "بَلاغٌ"، والمَعْنى: هَذا ذُو بَلاغٍ لِلنّاسِ، وهو لِيُنْذَرُوا بِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلِيُنْذَرُوا" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الذالِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ عِمارَةَ، وأحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أُسَيْدٍ: "وَلِيَنْذَرُوا" بِفَتْحِ الياءِ والذالِ، تَقُولُ العَرَبُ: "نَذَرْتُ بِكَذا" إذا أشْعَرْتُ بِهِ، وتَحَرَّزَتْ مِنهُ، وأعْدَدْتُ لَهُ.

ورُوِيَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ ﴾ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

انْتَهى تَفْسِيرُ سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ المَبْعُوثِ بَشِيرًا ونَذِيرًا وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الإشارة إلى الكلام السابق في السورة كلها من أيْنَ ابتدأتهُ أصبت مراد الإشارة، والأحسن أن يكون للسورة كلها.

والبلاغ اسم مصدر التبليغ، أي هذا المقدار من القرآن في هذه السورة تبليغ للناس كلهم.

واللام في ﴿ للناس ﴾ هي المعروفة بلام التبليغ، وهي التي تدخل على اسم من يَسمع قولاً أو ما في معناه.

وعطف ﴿ ولينذروا ﴾ على ﴿ بلاغ ﴾ عطف على كلام مقدر يدل عليه لفظ ﴿ بلاغ ﴾ ، إذ ليس في الجملة التي قبله ما يصلح لأن يعطف هذا عليه فإن وجود لام الجر مع وجود واو العطف مانع من جعله عطفاً على الخبر، لأن المجرور إذا وقع خبر عن المبتدإ اتصل به مباشرة دون عطف إذ هو بتقدير كائِن أو مستَقر، وإنما تعطف الأخبار إذا كانت أوصافاً.

والتقدير هذا بلاغ للناس ليستيقظوا من غفلتهم ولينذروا به.

واللام في ﴿ ولينذروا ﴾ لام كي.

وقد تقدم قريب من نظم هذه الآية في قوله تعالى ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها ﴾ في سورة الأنعام (92).

والمعنى وليعلموا مِما ذكر فيه من الأدلة مَا الله إلا إلهٌ واحد، أي مقصور على الإلهية الموحدة.

وهذا قصر موصوف على صفة وهو إضافي، أي أنه تعالى لا يتجاوز تلك الصفة إلى صفة التعدد بالكثرة أو التثليث، كقوله: ﴿ إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد ﴾ [سورة النساء: 171].

والتذكر: النظر في أدلة صدق الرسول عليه الصلاة والسلام ووجوب اتباعه، ولذلك خص بذوي الألباب تنزيلاً لغيرهم منزلة من لا عقول لهم ﴿ إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ﴾ [سورة الفرقان: 44].

وقد رتبت صفات الآيات المشار إليها باسم الإشارة على ترتيب عقلي بحسب حصول بعضها عقب بعض، فابتدئ بالصفة العامة وهي حصول التبليغ.

ثم ما يعقب حصول التبليغ من الإنذار ثم ما ينشأ عنه من العلم بالوحدانية لما في خلال هذه السورة من الدلائل.

ثم بالتذكير في ما جاء به ذلك البلاغ وهو تفاصيل العلم والعمل.

وهذه المراتب هي جامع حكمة مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم موزعة على من بَلّغ إليهم.

ويختص المسلمون بمضمون قوله: وليذكروا أولوا الألباب}.

الجزء الرابع عشر

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ هَذا بَلاغٌ لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هَذا الإنْذارُ كافٍ لِلنّاسِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّانِي: هَذا القُرْآنُ كافٍ لِلنّاسِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالرَّسُولِ.

الثّانِي: بِالقُرْآنِ.

﴿ وَلِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى تَوْحِيدِهِ.

﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولْيَتَّعِظَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: لِيَسْتَرْجِعَ يَعْنِي بِما سَمِعَ مِنَ المَواعِظِ.

أُولُو الألْبابِ، أيْ ذَوُو العُقُولِ.

وَرَوى يَمانُ بْنُ رِئابٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ سرابيلهم ﴾ قال: قمصهم.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه قال: ﴿ السرابيل ﴾ القمص.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ من قطران ﴾ قال: قطران الابل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ من قطران ﴾ قال: هذا القطران يطلى به حتى يشتعل ناراً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ من قطران ﴾ قال: هو النحاس المذاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿ سرابيلهم من قطر آن ﴾ قال: من نحاس آن قال: قد أنى لهم أن يعذبوا به.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ من قطر آن ﴾ قال: القطر الصفر والآن الحار.

وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر، عن عكرمة رضي الله عنه أنه كان يقرؤها ﴿ من قطر ﴾ قال: من صفر يحمي عليه ﴿ آن ﴾ .

قال: قد انتهى حره.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وتغشى وجوههم النار ﴾ قال تلفحهم فتحرقهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من حرب» .

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النائحة إذ لم تتب قبل موتها، توقف في طريق بين الجنة والنار، سرابيلها من قطران وتغشى وجهها النار» .

أما قوله تعالى: ﴿ هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ هذا بلاغ للناس ﴾ قال القرآن ﴿ ولينذروا به ﴾ قال بالقرآن.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أنزلت إليك من قصة إبراهيم ودعائه لوالده وما تبرأ منه من عبادة الأصنام وما دعا للمؤمنين، وقال غيره من أهل العلم: ﴿ هَذَا ﴾ : القرآن (١) ﴿ بَلَاغٌ لِلنَّاسِ ﴾ والبلاغ اسم يقوم مقام التبليغ، قال أبو علي الجرجاني: تأويله: فعلنا هذا؛ يعني إنزال القرآن وما فيه من المواعظ لتبلِّغ الناس، وهذا عطف على البلاغ بالفعل، وهو قوله: ﴿ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ ﴾ (٢) (٣) ﴿ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ أي بما ذكر فيه من الحجج التي تدل على وحدانيته، ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ قال يريد وليتعظ أهل اللب والعقل والبصائر.

(١) قاله ابن زيد، أخرجه الطبري 13/ 258، بلفظه، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 146، والطوسي 6/ 311، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 170، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وورد غير منسوب في "تفسير السمرقندي" 2/ 212، والبغوي 3/ 363، وابن الجوزي 4/ 378، والخارن 3/ 87.

(٢) والتقدير: فعلنا هذا لتبلّغ الناس ولينذروا به، فعطف ﴿ وَلِيُنْذَرُوا ﴾ على البلاغ == وهو مصدر بمعنى التبليغ.

وقد ورد في وجه عطف ﴿ وَلِيُنْذَرُوا ﴾ تسعة أقوال، ذكرها السمين في "الدر المصون" 7/ 134.

(٣) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 339 بنصه.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَتَرَى المجرمين ﴾ يعني الكفار ﴿ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد ﴾ أي مربوطين في الأغلال ﴿ سَرَابِيلُهُم ﴾ أي قمصهم والسربال القميص ﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ متعلق بمحذوف أي جعل الله فيه ذلك وهو الذي تهنأ به الإبل وللنار فيه اشتعال شديد، فلذلك جعل الله قمص أهل النار منه ﴿ لِيَجْزِىَ ﴾ يتعلق بمحذوف أي فعل الله ذلك ليجزي ﴿ هذا بلاغ ﴾ إشارة إلى القرآن أو إلى ما تضمنه هذه السورة ﴿ وَلِيُنذَرُواْ ﴾ معطوف على محذوف تقديره لينصحوا به ولينذروا ﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب ﴾ أي هذا الذكر لأولي العقول، وهم أهل العلم رضي الله عنهم.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إبراهام ﴾ بالألف: هشام والأخفش عن ابن ذكوان ﴿ إني أسكنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ ومن عصاني ﴾ بالإمالة: علي ﴿ دعائي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب.

وقرأ أبو عمرو ويزيد وورش وحمزة وسهل والبرجمي والخزاز عن هبيرة وأحمد بن فرج عن أبي عمرو عن إسماعيل بالياء في الوصل.

والباقون والهاشمي عن ابن فليح بغير ياء في الحالين.

﴿ نؤخرهم ﴾ بالنون: عباس والمفضل في رواية أبي زيد.

الآخرون بالياء.

﴿ لتزول ﴾ بفتح الأول ورفع الآخر: عليّ.

الباقون بكسر الأول ونصب الآخر.

﴿ القهار ﴾ مثل ﴿ البوار ﴾ ﴿ قطر ﴾ بكسر القاف وسكون الطاء والراء مكسورة منونة.

﴿ آن ﴾ على أنه اسم فاعل: يزيد عن يعقوب والوقف على قراءته ﴿ آني ﴾ بالياء.

الوقوف: ﴿ الأصنام ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ج ﴿ مني ﴾ ج فصلاً بين النقيضين مع اتحاد الكلام ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المحرم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ ليقيموا ﴾ يتعلق بقوله: ﴿ أسكنت ﴾ وكلمة ﴿ ربنا ﴾ تكرار ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ ما نعلن ﴾ ط ﴿ ولا في السماء ﴾ ه لا ﴿ وإسحاق ﴾ ط ﴿ الدعاء ﴾ ه ﴿ ومن ذريتي ﴾ ز قد قيل: {والوصل أولى للعطف ﴿ وربنا ﴾ تكرار ﴿ دعاء ﴾ ه ﴿ الحساب ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ط ﴿ الأبصار ﴾ ه لا لأن ما بعده حال ﴿ طرفهم ﴾ ج لاحتمال أن قوله: ﴿ وأفئدتهم ﴾ يكون من صفات أهل المحشر وأن يكون من صفة الكفار في الدنيا ﴿ هواء ﴾ ه ط ﴿ قريب ﴾ لا لأن قوله: ﴿ نجب ﴾ جواب ﴿ أخرنا ﴾ ﴿ الرسل ﴾ ط ﴿ زوال ﴾ ه لا للعطف على ﴿ أقسمتم ﴾ ﴿ الأمثال ﴾ ه ﴿ وعند الله مكرهم ﴾ ط ﴿ الجبال ﴾ ه ﴿ رسله ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ط فإن انتقامه لا يختص بوقت والتقدير اذكر يوم ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ في الأصفاد ﴾ ه ج للآية ولأن الجملة بعد من صفات المجرمين ﴿ النار ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ ما كسبت ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الألباب ﴾ ه.

التفسير: إن قصة إبراهيم  يحتمل أن تكون مثالاً للكلمة الطيبة وأن تكون دعاء إلى التوحيد وإنكار لعبادة الأصنام، وأن تكون تعديداً لبعض نعمه على عبيده فإن وجود الصالحين ولا سيما الأنبياء والمرسلين رحمة فيما بين العالمين كما قال: ﴿ لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً  ﴾ .

وذلك بدعاء إبراهيم ومن نسله  نبينا  .

حكى الله  عنه طلب أمور منها: قوله: ﴿ رب اجعل هذا البلد آمناً ﴾ وقد مر في "البقرة" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك.

ولا ريب أن في مكة مزيد أمن ببركة دعائه حتى إن الناس مع شدة العداوة بينهم كانوا يتلاقون بمكة فلا يخاف بعضهم بعضاً، وكان الخائف إذا التجأ بمكة أمن، وللوحوش هناك استئناس ليس في غيرها، وإنما قدم طلب الأمن على سائر المطالب لأنه لولاه لم يفرغ الإنسان لشيء آخر من مهمات الدين والدنيا ومن هنا جاز التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه.

وسئل بعض الحكماء أن الأمن أفضل أم الصحة؟

فقال: الأمن دليله أن شاء لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل وإنها لو ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناول شيئاً إلى أن تموت، فدل ذلك على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الألم الحاصل للجسد.

ومنها قوله: ﴿ واجنبني ونبيّ أن نعبد الأصنام ﴾ قال جار الله: أهل الحجاز يقولون: جنبني شره بالتشديد.

وأهل نجد: جنبني وأجنبني.

وفائدة الطلب - والاجتناب حاصل - التثبت والإدامة ولا أقل من هضم النفس وإظهار الفقر والحاجة والتماس العصمة من الشرك الخفي.

أما قوله: ﴿ وبني ﴾ فقيل: أراد بنيه من صلبه وأنهم ما عبدوا صنماً ببركة دعائه.

وقيل: أولاده وأولاد أولاده ممن كانوا موجودين حال دعوته.

وقال مجاهد وابن عيينة: لم يبعد أحد من ولد إبراهيم صنماً وهو التمثال المصور، وإنما عبدت العرب الأوثان يعني أحجاراً مخصوصة كانت لكل قوم زعموا أن البيت حجر فحيثما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت، فكانوا يدورون بذلك الحجر ويسمونه الدوار ولذلك استحب أن يقال: طاف بالبيت ولا يقال دار بالبيت.

وضعف هذا الجواب بأنه إذا عبد غير الله فالوثن والصنم سيان، على أنه  وصف آلهتهم بما ينبىء عن كونهم مصورين كقوله: ﴿ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم  ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿ وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون  ﴾ .

وقيل: إن هذا الدعاء مختص بالمؤمنين من أولاده بدليل قوله: ﴿ فمن تبعني فإنه مني ﴾ أي من أهلي فإنه يفهم منه أن من لم يتبعه في دينه فإنه ليس من أهله كقوله لابن نوح ﴿ إنه ليس من أهلك  ﴾ وقيل: إنه وإن عمم الدعاء إلا أنه أجيب في البعض كقوله: ﴿ ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين  ﴾ .

قالت الأشاعرة: لو لم يكن الإيمان والكفر بخلق الله  لم يكن لالتماس التبعيد عن الكفر معنى.

وحمله المعتزلة على منح الألطاف.

أما قوله: ﴿ رب إنهن أضللن كثيراً ﴾ فاتفقوا على أن نسبة الإضلال إليهن مجاز لأنهن جمادات فهو كقولهم "فتنتهم الدنيا وغرتهم" أي صارت سبباً للفتنة والاغترار بها ﴿ فمن تبعني ﴾ بقي على الملة الحنيفة ﴿ فإنه مني ﴾ أي هو بعضي لفرط اختصاصه بي ﴿ ومن عصاني فإنك غفور رحيم ﴾ قال السدي: معناه ومن عصاني ثم تاب.

وقيل: إن هذا الدعاء كان قبل أن يعلم أن الله لا يغفر الشرك.

وقيل: المراد أنك قادر على أن تغفر له وترحمه بأن تنقله من الكفر إلى الإسلام.

وقيل: أراد أن يمهلهم حتى يتوبوا وقيل: ومن عصاني فيما دون الشرك فاستدل الأشاعرة بإطلاقه من غير اشتراط التوبة على أنه شفاعة في إسقاط العقاب عن أهل الكبائر، وإذا ثبت هذا في حق إبراهيم  ثبت في حق نبينا بالطريق الأولى.

ثم أراد أن يعطف الله بدعائه قلوب الناس كلهم أو جلهم على إسماعيل ومن ولد منه بمكة وأن يرزقهم من الثمرات فمهد لذلك مقدمة فقال: ﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي ﴾ أي بعضهم ﴿ بواد غير ذي زرع ﴾ أي لم يكن فيه شيء من زرع قط كقوله: { ﴿ قرآناً عربياً غير ذي عوج  ﴾ أي لا اعوجاج فيه أصلاً ولم يوجد ذلك فيه في زمن من الأزمان.

وقد سبق في سورة البقرة قصة مجيء إبراهيم  بإسماعيل وأمه هاجر إلى هنالك.

وفي قوله: ﴿ عند بيتك الحرام ﴾ دليل على أنه دعا هذه الدعوة بعد بناء البيت لا في حين مجيئه بهما.

ومعنى كون البيت محرماً أن الله حرم التعرض له والتهاون به وجعل ما حوله حرماً لأجل حرمته، وأنه لم يزل ممتنعاً عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحرم الذي حقه أن يجتنب.

وقيل: سمي محرماً لأنه حرم على الطوفان أي منع منه كما سمي عتيقاً لأنه أعتق منه فلم يستول عليه، أو حرم على المكلفين أن يقربوه بالدماء والأقذار، أو لأنه أمر الصائرون إليه يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل ﴿ ربنا ليقيموا الصلاة ﴾ أي ما أسكنتهم بهذا الوادي القفر إلا لإقامة الصلاة عند البيت وعمارته بالذكر والطواف.

﴿ فاجعل أفئدة من الناس ﴾ "من" للتبعيض أي أفئدة من أفئدة الناس.

قال مجاهد.

لو قال أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند.

وعن سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس لحجة اليهود والنصارى والمجوس ولكنه أراد أفئدة المسلمين.

وجوز في الكشاف أن يكون "من" للابتداء كقولك "القلب مني سقيم".

وعلى هذا فإنما يحصل التبعيض من تنكير أفئدة فكأنه قيل: أفئدة ناس.

ومعنى ﴿ تهوي ﴾ تسرع ﴿ إليهم ﴾ وتطير نحوهم شوقاً ونزاعاً.

وقيل: تنحط وتنحدر.

الأصمعي: هوى يهوي هوياً بفتح الهاء إذا سقط من علو إلى سفل وفي هذا الدعاء فائدتان: إحداهما ميل الناس إلى تلك البلدة للنسك والطاعة، والأخرى نقل الأقمشة إليه للتجارة، وفي ضمن ذلك تتسع معايشهم وتكثر أرزاقهم ومع ذلك قد صرح بها فقال: ﴿ وارزقهم من الثمرات ﴾ فلا جرم أجاب الله دعاءه فجعله حراماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء.

وقيل: أراد أن يحصل حواليها القرى والمزارع والبساتين.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ لعلهم يشركون ﴾ ليعلم أن المقصود الأصلي من منافع الدنيا وسعة الرزق هو التفرغ لأداء العبادات وإقامة والوظائف الشرعية.

ثم أثنى على الله  تمهيداً لدعوة أخرى وتعريضاً ببقية الحاجات فقال: ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن ﴾ على الإطلاق لأن الغيب والشهادة بالإضافة إلى العالم بالذات سيان.

وقيل: ما نخفي من الوجد بسبب الفرقة بيني وبين إسماعيل، وما نعلن من البكاء والدعاء، أو أراد ما جرى بينه وبين هاجر حين قالت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟

قال: إلى الله أكلكم.

قال المفسررون: ﴿ وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ﴾ من كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم، ويحتمل أن يكون من كلام إبراهيم.و"من" للاستغراق أي لا يخفى على الذين يستحق العبادة لذاته شيء ما في أيّ مكان يفرض.

﴿ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر ﴾ أي مع كبر السن وفي حال الشيخوخة ﴿ إسماعيل وإسحاق ﴾ ذكر أوّلاً كونه  عالماً بالضمائر والسرائر، ثم حمده على هذه الموهبة لأن المنة بهبة الولد في حال وقوع اليأس من الولادة أعظم لأنها تنتهي إلى حد الخوارق فكأنه رمز إلى أنه يطلب من الله  أن يبقيهما بعده ولهذا ختم الآية بقوله: ﴿ إن ربي لسيمع الدعاء ﴾ وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي مجيب الدعاء، أو إلى فاعلها بأن يجعل دعاء الله سميعاً على الإسناد المجازي، والمراد سماع الله  ، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إن ربي لسميع الدعاء ﴾ رمزاً إلى ما كان قد دعا ربه وسأله الولد بقوله: ﴿ رب هب لي من الصالحين  ﴾ روي أن إسماعيل ولد له وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحق وهو ابن مائة وثنتي عشرة سنة.

وقيل: إسماعيل لأربع وستين، وإسحق لتسعين.

وعن سعيد بن جبير: لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة.

ثم ختم الأدعية بقوله: ﴿ رب اجعلني مقيم الصلاة ﴾ أي مديمها ﴿ ومن ذريتي ﴾ أي واجعل بعض ذريتي كذلك لم يدع للكل لأنه علم بإعلام والله  أنه يكون في ذريته كفار وذلك قوله  ﴿ لا ينال عهدي الظالمين  ﴾ ﴿ ربنا وتقبل دعائي ﴾ عن ابن عباس: أي عبادتي، وحمله على تقبله الأدعية السابقة في الآية غير بعيد ﴿ ربنا اغفر لي ﴾ طلب المغفرة لا يوجب سابقة الذنب لأن مثل هذا إنما يصدر عن الأنبياء والأولياء في مقام الخوف والدهشة على أن ترك الأولى لا يمتنع منهم وحسنات الأبرار سيئات المقربين.أما قوله: ﴿ ولوالدي ﴾ فاعترض عليه بأنه كيف استغفر لأبويه وهما كافران؟

وأجيب بأنه قال ذلك بشرط الإسلام، وزيف بأن قوله  : ﴿ إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك  ﴾ مستثنى من الأشياء التي يؤتسى فيها بإبراهيم، ولو كان استغفاره مشروطاً بإسلام أبيه لكان استغفاراً صحيحاً فلم يحتج إلى الاستثناء.

وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء والصحيح في الجواب أنه استغفر له بناء على الجواز العقلي والمنع التوفيقي بعد ذلك لا ينافيه ﴿ يوم يقوم الحساب ﴾ أي يثبت مستعار من قيام القائم على الرجل ومثله قولهم "قامت الحرب على ساقها" أو أسند إلى الحساب قيام أهله إسناداً مجازياً، أو المضاف محذوف مثل ﴿ واسأل القرية  ﴾ .

ثم عاد إلى بيان الجزاء والمعاد لأن دعاء إبراهيم  قد انجر إلى ذكر الحساب فقال: ﴿ ولا تحسبن الله غافلاً ﴾ إن كان الخطاب لكل مكلف أو للنبي والمراد أمته فلا إشكال، وإن كان للنبي  فمعناه التثبت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله إلا عالماً بجميع المعلومات، أو المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يقولون ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير.

وعن ابن عيينة: تسلية للمظلوم وتهديد للظالم.

قالت: لأنه لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لزم أن يكون غافلاً عن الظلم أو عاجزاً عن الانتقام أو راضياً بالظلم وكل ذلك مناف لوجوب الوجود المستلزم لجميع الكمالات ﴿ إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ﴾ أي أبصارهم كقوله: ﴿ واشتعل الرأس  ﴾ شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا تطرف وذلك إنما يكون عند غاية الحيرة وسقوط القوة ﴿ مهطعين ﴾ مسرعين قاله أبو عبيدة.

والغالب من حال من يبقى بصره شاخصاً من شدة الخوف أن يبقى واقفاً، فبين الله  أن حالهم بخلاف هذا المعتاد لأنهم مع شخوص أبصارهم يكونون مسرعين نحو ذلك البلاء.

وقال أحمد بن يحيى: المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع.

وقيل: هو الساكت ﴿ مقنعي رؤوسهم ﴾ رافعيها وهذا أيضاً بخلاف المعتاد لأن الغالب ممن يشاهد البلاء أنه يطرق رأسه لكيلا يراه ﴿ لا يرتد إليهم طرفهم ﴾ الطرف تحريك الأجفان على الوجه الذي خلق وجبل عليه.

وسمى العين بالطرف تسمية بفعلها أي لا يرجع إليهم أن يطرفوا بعيونهم.

والمراد دوام الشخوص المذكور.

وقيل: أي لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم ﴿ وأفئدتهم هواء ﴾ والهواء الخلاء الذي يشغله الأجرام.

وصف قلب الجبان به لأنه لا قوة فيه، ويقال للأحمق أيضاً قلبه هواء.

والمعنى.

أن قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جميع الخوطر والأفكار لعظم ما نالهم، وعن كل رجاء وأمل لما تحققوه من العذاب.

والأظهر أن هذه الحالة لهم عند المحاسبة لتقدم قوله: ﴿ يوم يقوم الحساب ﴾ وقيل: هي عندما يتميز السعداء من الأشقياء.

وقيل: عند إجابة الداعي والقيام من القبور.

وعن ابن جريج: أراد أن أفئدة الكفار في الدنيا صفر من الخير خاوية منه.

قال أبو عبيدة: جوف لا عقول لهم ﴿ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب ﴾ مفعول ثان لأنذروا اليوم يوم القيامة، واللام في العذاب للمعهود السابق من شخوص الأبصار وغيره، أو للمعلوم وهو عذاب النار.

ومعنى ﴿ أخرنا ﴾ أمهلنا ﴿ إلى ﴾ أمد وحد من الزمان ﴿ قريب ﴾ أو يوم هلاكهم بالعذاب العاجل أو يوم موتهم معذبين بشدة السكراتولقاء الملائكة بلا بشرى ﴿ أو لم تكونوا ﴾ على إضمار القول أي فيقال لهم ذلك.

وأقسامهم إما بلسان الحال حيث بنوا شديداً وأملوا بعيداً، وإما بلسان المقال أشراً وبطراً وجهلاً وسفهاً.

و ﴿ ما لكم من زوال ﴾ جواب القسم.

ولو قيل "ما لنا من زوال" على حكاية لفظ المقسمين لجاز من حيث العربية.

والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت والفناء أو لا تنتقلون إلى دار أخرى هي دار الجزاء كقوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت  ﴾ .

ثم زادهم توبيخاً بقوله: ﴿ وسكنتم ﴾ استقررتم ﴿ في مساكن الذين ظلموا أنفسهم ﴾ بالكفر والمعاصي وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ﴿ وتبين لكم ﴾ بالأخبار والمشاهدة والبيان والعيان ﴿ كيف فعلنا بهم ﴾ من أصناف العقوبات ﴿ وضربنا لكم الأمثال ﴾ قال جار الله: أراد صفات ما فعلوا وما فعل بهم وهي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم.

وقال غير: المراد ما أورد في القرآن من دلائل القدرة على الإعادة والإبداء وعلى العذاب المعجل والمؤجل.

ثم حكى مكر أولئك الظلمة فقال: ﴿ وقد مكروا مكرهم ﴾ أي مكرهم العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم.

وقيل: الضمير عائد إلى قوم محمد  كما قال: ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك  ﴾ وقيل: أراد ما نقل أن نمروذ حاول الصعود إلى السماء فاتخذ لنفسه تابوتاً وربط قوائمه الأربع بأربع نسور، وكان قد جوعها ورفع من الجوانب الأربعة على التابوت عصياً أربعاً وعلق على كل واحدة منها قطعة من اللحم، ثم إنه جلس مع صاحبه في ذلك التابوت.

فلما أبصرت النسور ذلك اللحم تصاعدت في جو الهواء ثلاثة أيام وغابت الأرض عن عين نمروذ ورأى السماء بحالها، فعكس تلك العصيّ التي عليها اللحوم فهبطت النسور إلى الأرض.

وضعفت هذه الرواية لأنه لا يكاد يقدم عاقل على مثل هذا الخطر.

﴿ وعند الله مكرهم ﴾ إن كان مضافاً إلى الفاعل فالمعنى ومكتوب عند الله مكرهم فيجازيهم عليه بأعظم من ذلك، وإن كان مضافاً إلى المفعول فمعناه وعنده مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يستحقونه فيأتيهم به من حيث لا يشعرون.

أما قوله: ﴿ وإن كان مكرهم لتزول ﴾ من قرأ بكسر اللام الأولى ونصب الثانية فوجهان: أحدهما أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة فزوال الجبال مثل لعظم مكرهم وشدته أي وإن الشأن كان مكرهم معداً لذلك.

وثانيهما أن تكون "إن" نافية واللام المكسورة لتأكيد النفي كقوله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ والمعنى ومحال أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها أبد الدهر.

ومن قرأ بفتح اللام الأولى ورفع الثانية فإن مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة، والمعنى كما مر.

ثم إنه  أكد كونه مجازياً لأهل المكر على مكرهم بقوله: ﴿ فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله ﴾ قال جار الله: قدم المفعول الثاني - وهو الوعد - على المفعول الأول ليعلم أنه غير مخلف الوعد على الإطلاق.

ثم قال: ﴿ رسله ﴾ تنبيهاً على أنه إذا لم يكن من شأنه إخلاف الوعد فكيف يخلفه رسله الذين هم صفوته.

والمراد بالوعد قوله: ﴿ إنا لننصر رسلنا  ﴾ ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ ونحوهما من اللآيات.

قوله: ﴿ إن الله عزيز ذو انتقام ﴾ قد مر في أول "آل عمران" ﴿ يوم تبدل الأرض ﴾ قال الزجاج: انتصاب يوم على البدل من ﴿ يوم يأتيهم ﴾ أو على الظرف للانتقام.

والأظهر انتصابه باذكر كما مر في الوقوف.

ومعنى قوله: ﴿ والسموات ﴾ أي وتبدل السموات قال أهل اللغة: التبديل التغيير وقد يكون في الذوات كقولك "بدلت الدراهم دنانير" وفي الأوصاف كقولك "بدلت الحلقة خاتماً" إذا أذبتها وسوّيتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل.

وتفسير ابن عباس يناسب الوجه الثاني قال: هي تلك الأرض وإنما تغير فتسير عنها جبالها وتفجر بحارها وتسوّى فلا يرى فيها عوج ولا أمت، وتبدل السماء بانتثار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها وانشقاقها وكونها أبواباً.

وعن أبي هريرة أن النبي  قال: "يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدّها مدّ الأديم العكاظي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً" وهذا القول يناسب مذهب الحكماء في أن الذوات لا يتطرق إليها العدم وإنما تعدم صفاتها وأحوالها.

نعم جوزوا انعدام الصور مع أنها جواهر عندهم.

وتفسير ابن مسعود يناسب الوجه الأول قال: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة.

وعن علي كرم الله وجهه: تبدل أرضاً من فضة وسموات من ذهب وعن الضحاك: أرضاً من فضة بيضاء كالصحائف.

وقيل: لا يبعد أن يجعل الله الأرض جهنم والسموات الجنة.

﴿ وبرزوا لله ﴾ قد ذكرناه في أول السورة.

وتخصيص ﴿ الواحد القهار ﴾ بالموضع تعظيم وتهويل وأنه لا مستغاث وقتئذ إلى غيره ولا حكم يومئذ لأحد إلا له يتفرد في حكمه ويقهر ما سواه.

ومن نتائج قهره قوله: ﴿ وترى المجرمين يومئذ مقرنين ﴾ قرن بعضهم مع بعض لأن الجنسية علة الضم أو مع الشياطين الذين أضلوهم.

قالت الحكماء: هي الملكات الذميمة والعقائد الفاسدة التي اكتسبوها في تعلق الأبدان.

وقوله: ﴿ في الأصفاد ﴾ أي القيود إما أن يتعلق بمقرنين وإما أن يكون وصفاً مستقلاً أي مقرنين مصفدين.

وقيل: الأصفاد الأغلال.

والمعنى قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال.

وحظ العقل فيه أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء.

﴿ سرابيلهم ﴾ جمع سربال وهو القميص ﴿ من قطران ﴾ هو ما يتحلب أي يسيل من شجر يسمى الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإبل الجربى فيحرق الجرب بحره وحدّته، وقد تبلغ حرارته الجوف ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار، وقد يستسرج به وهو أسود اللون منتن الريح فيطلى به جلود أهل النار حتى يعود طلأوه لهم كالسرابيل فيجمع عليهم اللذع والحرقة والاشتعال والسواد والنتن، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين والوجه العقلي فيه أن البدن بمنزلة القميص للنفس، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم فإنما يحصل بسبب هذا البدن، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس بنفوذ الشهوة والحرص والغضب وسائر آثار الملكات الردية فيه.

ومن قرأ ﴿ من قطرآن ﴾ فالقطر النحاس والصفر المذاب والآني المتناهي حره.

قال ابن الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك السربال ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم ﴿ وتغشى وجوههم النار ﴾ خص الوجه بالذكر لأنه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه فعبر به عن الكل.

قوله: ﴿ ليجزي ﴾ اللام متعلقة بـ ﴿ تغشى ﴾ أو بجميع ما ذكر كأنه قيل: يفعل بالمجرمين ما يفعل ليجزي ﴿ الله كل نفس ما كسبت ﴾ قال الواحدي: أراد نفوس الكفار لأن ما سبق لا يليق إلا بهم.

ويحتمل أن يراد كل نفس مجرمة ومطيعة لأنه  إذا عاقب المجرمين لإجرامهم علم أنه يثيب المطيعين لطاعتهم.

ثم أشار إلى القرآن إلى ما في السورة أو إلى ما مر من قوله: ﴿ ولا تحبسن الله غافلاً ﴾ إلى ههنا فقال ﴿ هذا بلاغ ﴾ كفاية ﴿ للناس ﴾ في التذكير والموعظة لينصحوا ﴿ ولينذروا به ﴾ بهذا البلاغ.

ثم رمز إلى استكمال القوّة النظرية بقوله: ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ وإلى استكمال القوة العملية بقوله: ﴿ وليذكر أولوا الألباب ﴾ لأنهم إذا خافوا ما أنذروا به دعتهم المخافة إلى استكمال النفس بحسب القوتين والله ولي التوفيق.

التأويل: ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ الروح ﴿ رب اجعل ﴾ بلد القلب ﴿ آمناً ﴾ من وسوسة الشيطان وهواجس النفس وآفات الهوى ﴿ واجنبني وبني ﴾ هم الفؤاد والسر والخفى ﴿ أن نعبد الأصنام ﴾ وهو كل ما سوى الله.

فصنم النفس الدنيا، وصنم القلب العقبى، وصنم الروح الدرجات العلى، وصنم السر العرفان والقربات، وصنم الخفى الركون إلى المكاشفات والمشاهدات وأنواع الكرامات ﴿ ومن عصاني فإنك غفور ﴾ فيه نكتتان: إحداهما لم يقل "ومن عصاك" إشارة إلى أن عصيان الله لا يستحق المغفرة والرحمة، والثانية لم يقل "فأنا أغفره وأرحم عليه" لأن عالم الطبيعة البشرية يقتضي المكافأة وإنما المغفرة والرحمة من شأن الغني المطلق ﴿ أسكنت من ذريتي ﴾ هم صفات الروح والعقل والسر والخفى ﴿ بواد غير ذي زرع ﴾ وهو وادي النفس ﴿ عند بيتك المحرم ﴾ على ما سواك وهو كعبة القلب حرام أن يكون بيتاً لغير الله "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن".

وفيه أنه توسل في أجابة الدعاء بمحمد  وكأنه قال: إن ضيعت هاجر وإسماعيل فقد ضيعت محمداً.

وفي قوله: ﴿ ليقيموا الصلاة ﴾ إشارة إلى أنه لو لا تعلق الروح بالجسد وحلوله بأرض القالب لم يمكن استكمال الروح بالأعمال البدنية، وأنه لولا غرض هذا الاستكمال لم يحصل ذلك التعلق ﴿ فاجعل أفئدة ﴾ الصفات الناسوتية ﴿ تهوي ﴾ إلى الصفات الروحانية ﴿ وارزقهم من ﴾ ثمرات الصفات اللاهوتية ﴿ لعلهم يشكرون ﴾ هذه النعمة الجسيمة التي ليس ينالها الملائكة المقربون، وفي هذا سر عظيم لا يمكن إنشاؤه ﴿ ربنا إنك تعلم ما نخفي ﴾ من حقائق الدعاء ﴿ وما نعلن ﴾ من ظاهر القصة ﴿ وما يخفى على الله من شيء ﴾ في أرض المعاملات الصورية ولا في سماء القلوب من الغيوب ﴿ على الكبر ﴾ أي بعد تعلق الروح بالقالب ﴿ إسماعيل ﴾ السر ﴿ وإسحق ﴾ الخفي ﴿ مقيم الصلاة ﴾ دائم العروج فإن الصلاة معراج المؤمن ﴿ ربنا اغفر لي ﴾ استرني وامنحني بصفة معرفتك ﴿ ولوالدي ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية لئلا يحجبوني عن رؤيتك يوم يقوم حسابك بكمالية كل نفس ونقصانها لأكون في حساب الكاملين لا في حساب الناقصين.

﴿ ولا تحسبن ﴾ أي لم يكن ﴿ الله غافلاً ﴾ في الأزل بل الكل بقضائه وقدره ﴿ وإنما يؤخرهم ﴾ ليبلغوا إلى ما قدر لهم من الأعمال فإنها مودعة في الأعمار، وبذلك يصل كل من أهل السعادة والشقاوة إلى منازلهم ﴿ ما لكم من زوال ﴾ فيه من إبطال مذهب التناسخية.

زعموا أن نفوسهم لا تزال تتعلق بالأبدان ﴿ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا ﴾ تعلقتم بأبدان مثل أبدانهم منهمكين في ظلمات الأخلاق الذميمة ﴿ وعند الله ﴾ مقدار ﴿ مكرهم وإن كان مكرهم ﴾ بحيث يؤثر في إزالة الجبال عن أماكنها ولكنه لا تحرك شعرة إلا بإذن الله بقضائه ﴿ يوم تبدل ﴾ أرض البشرية بأرض القلوب فتضمحل ظلماتها بأنوار القلوب، وتبدل سموات الأسرار بسموات الأرواح فإن شموس الأرواح إذا تجلت لكواكب الأسرار انمحت أنوار كواكبها بسطوة أشعة شموسها، بل تبدل أرض الوجود المجازي عن إشراق تجلي أنوار هويته بحقائق أنوار الوجود الحقيقي كما قال: ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وحينئذ ﴿ برزوا لله الواحد القهار ﴾ فإن شموس الأرواح تصير مقهورة في تجلي نور الألوهية.

﴿ وترى المجرمين ﴾ يوم التجلي ﴿ مقرنين ﴾ في قيود الصفات الذميمة لا يستطيعون البروز لله.

﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ المعاصي وظلمات النفوس فهم محجوبون بهما عن الله ﴿ وتغشى وجوههم ﴾ نار الحسرة والقطيعة ﴿ هذا بلاغ للناس ﴾ الذين نسوا عالم الوحدة ﴿ وليذروا به ﴾ قبل المفارقة فإن الانتباه بالموت لا ينفع ﴿ وليعلموا أنما هو إله واحد ﴾ فيعبدوه ولا يتخذوا إلهاً غيره من الدنيا والهوى والشيطان ﴿ وليتذكر أولوا الألباب ﴾ عالم الشهود فيخرجوا من قشر الوجود، والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ .

قال بعضهم: المخاطب بهذا الرسول  خاصة؛ على علم منه أن رسول الله كان لا يظن أن الله يغفل عما يعمل الظالمون؛ لكنه خاطب به كما خاطب به في قوله: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ  ﴾ وأمثاله، نهاه مع العلم أنه لا يغفل ذلك، وأصله في هذا أن العصمة لا ترفع المحنة، وليس المحنة إلا الأمر والنهي؛ إذ لو رفعت العصمة المحنة؛ والأمر والنهي؛ لذهبت فائدة العصمة، ولا حاجة تقع إليها، فدل أن العصمة تزيد في المحنة، ومع المحنة يحتاج إليها وينتفع بها.

ويحتمل أن يكون الخطاب بالآية غيره، كل ظانّ يظن بالله الغفلة عن ظلم الظالم؛ وهو كما خاطب بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ  ﴾ إنما خاطب به كل غارّ بربه الكريم لا كل إنسان، فعلى ذلك خاطب بقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ كل ظانّ بالله الغفلة عن ظلم الظالمين، ثم إن الذي حملهم على الظن بالله الغفلة عن ظلم الظالم - حلمه، وتأخيره العذاب عنهم عن وقت ظلمهم، وترك أخذهم بذلك: فمنهم من ادعى الغفلة عن ذلك؛ لما رأوا من عادة ملوك الأرض أن من ظلم [أحداً] منهم انتقم منه في أعجل وقت يقدر على الانتقام منه؛ فحمل تأخير الله العذاب منهم؛ والانتقام منهم - على القول بالغفلة.

ومنهم من ادعى الرضا؛ بما اختاروا هم من الشرك والكفر بالله، وادعوا الأمر بذلك؛ لما لم يأخذهم ولم يستأصلهم بصنيعهم؛ فاستدلوا بذلك [على] رضاه بفعلهم، وأمره أياهم بذلك.

فأخبر رسوله أن تأخيره العذاب عنهم وإمهاله إياهم - ليس عن غفلة [عنه] ولا عن سهو، ولا لرضاه به وأمره ولكن إنما يؤخرهم ليوم، ثم وصف ذلك اليوم؛ لشدة فزعه وهوله فقال.

﴿ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: هذا كله يرجع إلى الطرف والبصر؛ يقول: شاخصة أبصارهم مهطعين: ناظرين إليه؛ أي: إلى الداعي، مقنعي رءوسهم: رافعي رءوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم؛ لهول ذلك اليوم، هذا كله يصرفون إلى الأبصار دون النفس؛ لأن الإهطاع والإقناع: هو للنظر ولشخوص الأبصار.

ومنهم من صرف قوله: ﴿ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ ﴾ ، و ﴿ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ﴾ إلى البصر، وصرف قوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ إلى الأنفس؛ وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِ  ﴾ أي: مسرعين إليه الإجابة؛ رجاء التخلص والنجاة عما حل بهم؛ بترك الإجابة.

والإهطاع: قيل: هو النظر الدائم، والإقناع: هو الرفع؛ رفع الرءوس، مهطعين: أي: مديمي النظر، مقنعي رءوسهم أي: رافعيها، وعلى تأويل بعضهم: مسرعين؛ عل ما ذكرنا.

وقال بعضهم: ﴿ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ ﴾ : أي: رافعيها؛ ملتزقة إلى أعناقهم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ .

[يخرج على وجهين: أحدهما: يقول: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ ﴾ ] وقت خلقه الخلق وإنشائهم؛ عما يكون منهم من الظلم؛ أي: لا عن غفلة وسهو عن ظلم الظالمين أنشأهم وخلقهم؛ ولكن على علم بما يكون منهم أنشأهم وخلقهم؛ لكن أنشأهم على علم منه، [بذلك؛ لأن منافع ما يكون منهم وضرره يرجع إليهم؛ فلم يخرج إنشاؤه إياهم على علم منه ذلك] عن الحكمة.

والثاني: ما ذكرنا أن تأخيره العذاب عنهم - ليس لغفلة منه بذلك؛ ولكن لما في أخذهم بالعذاب وقت صنيعهم زوال المحنة؛ لأنه يصير العذاب والثواب مشاهدة.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ .

[قيل]: خالية؛ لهول ذلك اليوم؛ أي: خالية عن التدبير؛ لأن في الشاهد أن من بلي ببلايا وشدائد يتدبر ويتفكر في دفع ذلك؛ فيخبر أن أفئدتهم هواء يومئذ: أي خالية عن التدبير؛ إذ أفئدتهم لا تكون معهم؛ لشدة أهواله.

وقال بعضهم: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ أي: لا شيء فيها؛ ما ينتفعون بها، وهكذا الهواء - هواء كل شيء - يوصف بالخلاء عن كل شيء.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ قولهم الذي يقولون يومئذ: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ .

ويحتمل: ﴿ وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ الذي يحل بهم.

ثم أخبر عما يقولون - إذا حل بهم العذاب -: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ قال بعضهم: إلى الدنيا؛ والدنيا أجلها قريب، لكن هذا لا يحتمل؛ لأن الدنيا أولى، والآخرة آخرة، فلو جاز هذا لتكون الآخرة أولى؛ فذلك بعيد؛ لكن طلبوا - والله أعلم - الردّ إلى حال الأمن؛ ليجيبوا داعيه؛ إذ لم تنفعهم إجابتهم في حال الخوف والهول، وما حل بهم إنما حل بتركهم [الإجابة] في حال الأمن؛ فطلبوا الرد إلى الأمن؛ ليجيبوا داعيه لتنفعهم إجابتهم؛ حيث قالوا: ﴿ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ ﴾ .

لم يبين بما أقسموا في هذه الآية؛ وهو ما بين في آية أخرى: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ  ﴾ .

ثم قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ ﴾ : قال قائلون: ما لكم من زوال من الدنيا، أي: كنتم تقولون: أن ليس إلا الدّنيا لا زوال لنا عنها؛ أحياء وموتى؛ كقولهم: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا...

﴾ الآية [المؤمنون: 37] على ما ذكر من قسمهم أنهم لا يبعثون.

وقال قائلون: قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ ﴾ جواب لسؤالهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ على الاستئناف؛ قال: ما لكم عما أنتم فيه من العذاب إلى ما تسألون من المدة والتأخير؛ أي: ما لكم إلى ذلك سبيل.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ : أي: تنزع قلوبهم؛ حتى صارت في حناجرهم؛ فلا تخرج من أفواههم، ولا تعود إلى أماكنها؛ لشدة هول ذلك اليوم وفزعهم عليه، وهو على التمثيل والكناية؛ كقولهم: ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ...

﴾ الآية [الأحزاب: 10]؛ لشدة خوفهم، وهو على التمثيل؛ إذ لا يحتمل بلوغ القلوب الحناجر في الدنيا حقيقة؛ إذ لو بلغت ذلك لخرجت فماتوا، إذ الدنيا يحتمل الموت فيها، فدلّ أن ذلك على التمثيل لشدّة خوفهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ بتكذيبهم الرسل.

[وتأويله - والله أعلم -: أنهم كانوا يطلبون من ربهم الرد إلى حال الأمن؛ ليجيبوا بقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ ﴾ ؛ والله أعلم، فقال: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ ؛ بتكذيبهم الرسل]؛ أي: سكنتم في الدنيا في مثل منازلهم ومساكنهم؛ فرأيتم ما نزل بأولئك الذين صنعوا مثل صنيعكم.

وذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ﴾ من التعذيب والاستئصال ثم لم يتعظوا بما حلّ بهم، فعلى ذلك إذا رددتم إلى حال الأمن لا تتعظون بما حلّ بكم في هذه الحال، وهو ما قال: ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ  ﴾ فيما يقولون: إنهم يجيبون دعوته، هذا - والله أعلم - تأويله.

وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ : أي: عملتم مثل أعمالهم، ﴿ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ ﴾ من الاستئصال بالتكذيب؛ بتكذيبهم الرسل؛ فلم تتعظوا بذلك؛ فلا تتعظون بهذا أيضاً إذا رددتم.

والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: دلالة لزوم النظر والاستدلال، ولزوم القياس، ودلالة لزوم العقوبة؛ وإن كان لم يعلموا به؛ بعد أن مكنوا من العلم به.

أما دلالة النظر والاستدلال: هو قوله: ﴿ وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ : فهلا نظرتم ما حلَّ بهم من تكذيبهم الرسل؛ واتعظتم به.

ودلالة القياس: هو ما خوفهم أن ينزل بهم ما نزل بأولئك؛ لأنهم أشتركوا في المعنى الذي نزل بأولئك؛ ما نزل وهو تكذيبهم الرسل، وسوء معاملتهم إياهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ ﴾ : أي: ﴿ وَضَرَبْنَا لَكُمُ ٱلأَمْثَالَ ﴾ ؛ ما لو تفكرتم فيها ونظرتم ثم لكان ذلك لكم موعظة وزجراً عن مثل صنيعكم.

أو يقول: وضربنا لكم الأمثال: أي: قد بينّا لكم الأمثال والأشباه ما يعرفكم؛ لو تأملتم أن أولئك لكم أشباه وأمثال، وصنيعهم لصنيعكم أشباه وأمثال؛ فينزل بكم ما نزل بهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ ﴾ .

[مكروا] واحتالوا على إهلاك الرسل وقتلهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 30] وكيدهم الذي ذكر - في غير آي من القرآن - برسل الله؛ حتى قال الرسل فيكيدوني جميعاً، ومكروا أيضاً بدين الله الذي أتت به الرسل، مكروا واحتالوا على إطفاء ذلك النور؛ فأبى الله ذلك عليهم، وأظهر دينه، وأبقى نوره إلى يوم القيامة، كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ  ﴾ ، كأن مكرهم وحيلهم يرجع - في أحد التأويلين - إلى أنفس الرسل حين هموا وتعمدوا إهلاكهم.

والثاني: يرجع إلى إطفاء الدِّين؛ [الذي] أتى به الرسل؛ والنور الذي دعوا إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ .

يحتمل: عند الله جزاء مكرهم؛ الذي مكروا برسل الله وبدينه.

[أو] ﴿ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ : أي: عند الله العلم بمكرهم، محفوظ ذلك عنده، لا يفوت ولا يذهب عنه شيء؛ فيجزيهم بذلك في الآخرة.

أو ﴿ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ ﴾ : أي: عند الله الأسباب التي بها مكروا، من عند الله استفادوا؛ وهو النعم التي أعطاهم، والأموال التي ملكهم، والعقول التي ركب فيهم؛ بما قدروا على المكر والاحتيال عند الله [، ذلك كله،] والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ﴾ .

اختلف في تلاوته، وقراءته، وتأويله: قرأ بعضهم: (وإن كاد مكرهم) بالدال؛ وهو حرف عبد الله بن مسعود، وأبي، وابن عباس  م.

وقرأ بعضهم (وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ) بالنون.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ .

وقال الحسن وغيره: و (إن) بمعنى: (ما)، أي: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، قال: كان مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، و (إن) بمعنى: (ما) كثير في القرآن، كقوله: ﴿ لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ  ﴾ أي: ما كنا فاعلين؛ وكقوله: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ  ﴾ أي: ما نحن إلا بشر مثلكم.

وقد تستعمل (إن) في موضع (قد)؛ كقوله: ﴿ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً  ﴾ أي: قد كان وعد ربنا لمفعولا.

فمن حمله على (ما) فقد استهان بمكرهم، واستخف به؛ فقال: إن مكرهم أوهن وأضعف من أن تزول منه الجبال، والجبال أوهن وأسرع زوالا من رسالة الرسل ودين الله، بل رسالة الرسل؛ ودين الله [أثبت من الجبال، لأن دين الله] ورسله معهما حجج الله وبراهينه، فإذا لم يعمل مكرهم في إزالة الجبال - لا يعمل في إزالة دين الله ورسالة الرسل، ومعهما الحجج والبراهين.

ومن قال: ﴿ وَإِن كَانَ ﴾ : قد حمله على الاستعظام بمكرهم.

وعلى ذلك: من قرأ [(كاد)] بالدال على الاستعظام بمكرهم؛ كقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً  أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً  ﴾ من عظيم ما قالوا في الله كادت السماوات أن تنشق، فعلى ذلك مكرهم جميعاً الوجهين: أن يستهان مرة ويستعظم؛ إلا أن يقال: إن كلمتهم من حيث الشرك والكفر عظيمة، ومن حيث احتيالهم ومكرهم - في إزالة ذلك النور وإطفائه - ضعيفة.

والله  أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ﴾ .

الخطاب به يحتمل ما ذكرنا: أي: لا تحسبن أن ما تأخر؛ من نزول ما وعد؛ أنه يخلف وعده الذي وعد رسله؛ كما لم يكن تأخير العذاب عنهم؛ من وقت ظلمهم عن غفلة وسهو، ولكن كان وعده إلى ذلك الوقت، وخلف الوعد في الشاهد من الخلق - إنما يكون لوجهين: أحدهما: لما لا يملك إنجاز ما وعد.

والثاني: لما يضره الإنجاز، فتعالى الله عن ذلك كله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾ .

قال بعضهم: عزيز: لا يعجزه شيء.

وقيل: عزيز: قاهر يقهر ويذل؛ فالخلائق كلهم أذلاء دونه.

وقوله: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ : أي: غالب قاهر ذو انتقام لأوليائه من أعدائهم؛ أي: غالب الأعداء وقاهرهم، وناصر الأولياء.

وأما ما قال أهل التأويل في قوله: ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ ﴾ .

إنه نزل في [شأن نمرود] وإنه اتخذ تابوتاً، وربط ثوراً على قوائمه، وما ذكروا إلى آخره - فلا علم لنا إلى ذلك، وأظنه أنه كله خيال، فلا نقول إلا القدر الذي ذكر في الآية.

و "لَتزولُ" بنصب اللام [الأولى] وبرفع الآخرة: على معنى التوكيد، و ﴿ لِتَزُولَ ﴾ بكسر [اللام] [الأولى] ونصب الآخرة: على الجحد؛ أي: ما كانت الجبال لتزول من مكرهم، وهو ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ ﴾ .

قال الحسن: تفنى هذه الأرض، ثم تعاد من ساعته مستوية، لا شجر فيها، ولا جبال، ولا آكام، قاعاً صفصفاً لا ترى فيه عوجاً ولا أمتاً.

وقال بعضهم: تبدل هذه الأرض أرضاً غير هذه؛ بيضاء نقية، لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها بالمعاصي، وكذلك السماوات.

ومنهم من يقول: لا تبدل عينها؛ ولكن يتغير صفتها وزينتها؛ كما يقول الرجل لآخر: تبدلت يا فلان، ولا يريد تبدل أصله وعينه؛ ولكن تغير الأخلاق والدِّين، فعلى ذلك ما ذكر من تبديل الأرض والسماوات.

والأشبه أن يكون على اختلاف الأحوال؛ لأنه ذكر في آية: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا  ﴾ وقال: ﴿ وَإِذَا ٱلأَرْضُ مُدَّتْ  ﴾ وقال: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ  ﴾ ، ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ  ﴾ ﴿ إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ  ﴾ ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ  ﴾ و ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ  ﴾ وقال: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ الفرقان: 23] ذكر مرة تمد الأرض، وذكر مرة أنها تخبر وتحدث عما عمل عليها، وذكر في السماء بالتشقق والانفطار، وفي الجبال بالسير والمرور مرة؛ ومرة بالرفع ومرة أخبر أنه جعلها هباء منثورا وأمثاله.

فيشبه أن يكون هذا كله على اختلاف الأحوال والأوقات؛ إذ يوم القيامة يوم ممتدّ؛ فيكون كل ما ذكر على ما قال يومئذ؛ ﴿ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ  ﴾ ؛ قال في آية: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\] وقوله: ﴿ يَسْأَلُهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ فهو - والله أعلم -: على اختلاف الأحوال والأوقات، فعلى ذلك الأول، والله أعلم بذلك.

وتبديل الأرض والسماوات: يحتمل وجهين: أحدهما: تبديل أهلها على ما يذكر؛ الأرض والقرية، والمراد منها الأهل؛ كقوله: ﴿ وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلْعِيْرَ ٱلَّتِيۤ أَقْبَلْنَا فِيهَا  ﴾ وقوله: ﴿ قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً...

﴾ الآية [النحل: 112] ونحوه كثير.

والثاني: تبديل نفس الأرض.

ثم يحتمل كل واحد من الوجهين وجهين: إما تبديل أهلها: هو أن يكونوا مستسلمين خاضعين له في ذلك، ولم يكونوا في الدنيا [كذلك].

والثاني: تبدل أهلها: هو أن يكون الأولياء في النعم الدائمة، واللذة الباقية، والأعداء في عذاب وألم وشدة، وكانوا في هذه الدنيا جميعاً مشتركين - الأولياء والأعداء - في اللذات والآلام.

فإن كان تبديل نفس الأرض - فهو يخرج على وجهين [أيضاً]: أحدهما: تبديل زينتها وصفتها.

والثاني: تبديل عينها وجوهرها؛ وهو ما ذكر: أن أرض الجنة تكون من مسك وزعفران، ونحو ما روي في الخبر والله أعلم.

كأنّ قوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ ﴾ صلة قوله: ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ...

﴾ الآية فقالوا: متى يكون ذلك؟

فقال: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ ﴾ يخرج جواباً لسؤالهم والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ .

قد ذكرنا تخصيص بروزهم لله يوم القيامة أنه - والله أعلم - أنشأ هذا العالم الأول للعالم الثاني، فالعالم الثاني هو المقصود في إنشاء هذه العالم، فخص بروزهم يومئذ له؛ لما هو المقصود في إنشائهم.

وقال قائلون: تخصيص البروز له يومئذ؛ لأنهم يخرجون من قبورهم للحساب لا لغيره، فهو يحاسبهم؛ فأضاف البروز إليه؛ لما لا يخرجون إلا له، وأما في الدنيا: فإنما يخرجون لحوائج أنفسهم؛ لذلك خرج التخصيص له والإضافة.

وقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: برزوا له مستسلمين خاضعين، قابلين طائعين، ولم يكونوا في الدنيا كذلك.

والثاني: يبرزون له؛ لما وعدوا وأوعدوا؛ بارزون لوعده ولوعيده، ولما دعوا إليه، ورغبوا فيه.

والثالث: يبرزون له؛ لما لا يملكون إخفاء أنفسهم وسترها؛ بل ظاهرين له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ .

[الواحد:] الذي لا شريك له، والقهار: يقهر الخلائق كلهم؛ ويغلبهم: الجبابرة، والفراعنة.

أو يبرزون له ليجزيهم، على ما ذكر  ﴿ لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ﴾ .

وذكر ﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ : قيل: (القطر) هو النحاس [و (آن) أي: قد انتهى حره، كقوله: ﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ  ﴾ .

وقيل: الصفر وقال بعضهم ﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ أي: من نحاس أنى لهم أن يعذبوا به].

وقال بعضهم: هو من القطران المعروف الذي يطلى به الإبل؛ ذكر هذا لأنه أشدّ إحراقاً واشتعالا.

وقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر: جعل الله عذاب الكفرة في الآخرة بالأسباب والأشياء التي كانوا يفتخرون بها في الدنيا؛ من اللباس والشراب والأصحاب؛ وغيره، وهو كان سبب منعهم عن إجابة الرسل فيما دعوهم إليه، فجعل تعذيبهم في الآخرة بذلك النوع من النار؛ فقال: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ ﴾ يقرن ويقيض بعضهم ببعض؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً...

﴾ الآية [الزخرف: 36]؛ لأنه كان يتبعه ويأتمر بأمره؛ وكقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ...

﴾ الآية [الصافات: 22]، وكذلك الرؤساء منهم، والمتبوعون.

وقوله: ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ﴾ لما كانوا يفتخرون في الدنيا بلباسهم، وكذلك كل نوع [كانوا] يفتخرون به في الدنيا، ويمنعهم عن الإجابة؛ إجابة الرسل، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

والأصفاد: قيل: الأغلال؛ أي: قد قرن بعضه إلى بعض في الأغلال، واحدها: صفد؛ وهو قول القتبي، وكذلك قول أبي عوسجة في الأصفاد، إلا أنه قال: واحدها: صفاد، والصفد العطيّة.

﴿ سَرَابِيلُهُم ﴾ : قمصهم، واحدها: سربال.

﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ : القطر - ما ذكرنا - النحاس، والآن الذي [قد] اشتد حره، وهو قول القتبي وأبي عوسجة.

ذكر هذه المواعيد والشدائد، وأنواع ما يعذبون به في الآخرة، ونعيمها على ألسن من قد ظهر صدقهم بالآيات والحجج؛ ليحذروا ما أوعدوا، ويرغبوا فيما رغبوا لئلا يكون لهم الاحتجاج يومئذ؛ كقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ  ﴾ وقوله: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ...

﴾ الآية [الأنفال: 42] ونحوه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ﴾ .

لأن أيديهم مغلولة إلى أعناقهم؛ فلا يقدرون أن يتّقوا النار بأيديهم ذكر هذا؛ لأن في الشاهد: من [أصاب وجهه] أذىً يتقي عنه بيده، فيخبر أنهم إنما يتقون ذلك بوجوههم.

والله أعلم.

﴿ لِيَجْزِىَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ .

لما ذكرنا؛ يبرزون لله؛ ليجزيهم من خير وشر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .

قال بعضهم: كان قد جاء حسابه.

والثاني: ذكر هذا؛ لأن الحساب إنما يبطئ لما لا يتذكر من له الحساب لمن يحاسبه في الشاهد - فيما يحاسبه، فيطول الحساب أو الاشتغال بشيء [يشغله] عنه، أو لجهل بالحساب.

فأمّا الله  وتعالى لا يخفى عليه شيء، ولا يشغله شيء عن شيء، كله محفوظ عنده؛ فهو سريع الحساب.

والله أعلم.

أو نقول: إنما يطول الحساب في الشاهد؛ ويمتد لما يحتاج إلى التفكر [والنظر] والتذكر في ذلك، فالله  متعال عن التفكر والنظر، بل كل شيء محفوظ عنده.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ ﴾ : القرآن؛ هو بلاغ للناس، على ما ذكر في صدر السورة: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ...

﴾ الآية [إبراهيم: 1] هو بلاغ على ما ذكر.

والله أعلم.

﴿ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ ﴾ : أي: بالقرآن أيضاً على ما ذكر: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا  ﴾ ويحتمل قوله: ﴿ هَـٰذَا بَلاَغٌ ﴾ ما ذكر من المواعيد؛ وهو قوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ أي: هذا الذي ذكر بلاغ يبلغهم لا محالة، ولينذروا بما ذكر.

﴿ وَلِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ ﴾ .

لا شريك له؛ بالآيات التي أقامها على وحدانية الله وألوهيته.

﴿ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ \[أي: ذوو العقول، والله أعلم\].

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هذا القرآن المنزل على محمد  إعلام من الله إلى الناس، وليخوفوا بما فيه من الترهيب والوعيد الشديد، وليعلموا أن المعبود بحق هو الله وحده فيعبدوه ولا يشركوا به أحدًا، وليتعظ به ويعتبر أصحاب العقول السليمة؛ لأنهم الذين ينتفعون بالعظات والعبر.

من فوائد الآيات تصوير مشاهد يوم القيامة وجزع الخلق وخوفهم وضعفهم ورهبتهم، وتبديل الأرض والسماوات.

وصف شدة العذاب والذل الذي يلحق باهل المعصية والكفر يوم القيامة.

أن العبد في سعة من أمره في حياته في الدنيا، فعليه أن يجتهد في الطاعة، فإن الله تعالى لا يتيح له فرصة أخرى إذا بعثه يوم القيامة.

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله