الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٠٤٥
الحديث رقم ١٠٤٥ من كتاب «كتاب الكسوف» في صحيح البخاري، تحت باب: باب النداء بالصلاة جامعة في الكسوف.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ خُطْبَةِ الْإِمَامِ فِي الْكُسُوفِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ
١٠٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ:
⦗٣٥⦘
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ الْحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَظْهَرُ فِيهِمَا مِنَ التَّغْيِيرِ وَالنَّقْصِ الْمُنَزَّهِ عَنْهُ الْمَعْبُودُ جَلَّ وَعَلَا ﷾.
٣ - بَاب النِّدَاءِ بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فِي الْكُسُوفِ
١٠٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ الْحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابُ النِّدَاءِ بِالصَّلَاةِ جَامِعَةٌ) هُوَ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْحِكَايَةِ، وَنَصْبُ الصَّلَاةِ فِي الْأَصْلِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَجَامِعَةٌ عَلَى الْحَالِ، أَيِ: احْضُرُوا الصَّلَاةَ فِي حَالِ كَوْنِهَا جَامِعَةً. وَقِيلَ بِرَفْعِهِمَا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مُبْتَدَأٌ وَجَامِعَةٌ خَبَرُهُ وَمَعْنَاهُ ذَاتُ جَمَاعَةٍ، وَقِيلَ: جَامِعَةٌ صِفَةٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَاحْضُرُوهَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَلَى رَأْيِ الْجَيَّانِيِّ أَوِ ابْنُ رَاهْوَيْهِ عَلَى رَأْيِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَيَحْيَى ابْنُ صَالِحٍ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَرُبَّمَا أَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا.
قَوْلُهُ: (الْحَبَشِيُّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، وَوَهِمَ مَنْ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ الصَّوَافِ، عَنْ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
قَوْلُهُ: (نُودِيَ) كَذَا فِيهِ بِلَفْظِ الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَصَرَّحَ الشَّيْخَانِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا فَنَادَى بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا وَلَا يُقَامُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ الصَّلَاةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ وَهِيَ الْمُفَسِّرَةُ، وَرُوِيَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ ذَاتُ جَمَاعَةٍ حَاضِرَةٍ وَيُرْوَى بِرَفْعِ جَامِعَةٍ عَلَى أَنَّهُ الْخَبَرُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ جَامِعَةٌ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ التَّرْجَمَةِ. وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ جَامِعَةٌ النَّصْبُ فِيهِمَا، وَالرَّفْعُ فِيهِمَا، وَيَجُوزُ رَفْعُ الْأَوَّلِ وَنَصْبُ الثَّانِي، وَبِالْعَكْسِ.
٤ - بَاب خُطْبَةِ الْإِمَامِ فِي الْكُسُوفِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ، وَأَسْمَاءُ خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ
١٠٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، ح. وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَ يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَكَبَّرَ فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ أَدْنَى مِنْ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ
﵄ كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: إِنَّ أَخَاكَ يَوْمَ خَسَفَتْ بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ. قَالَ: أَجَلْ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ خُطْبَةِ الْإِمَامِ فِي الْكُسُوفِ) اخْتُلِفَ فِي الْخُطْبَةِ فِيهِ، فَاسْتَحَبَّهَا الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحْمَدَ ذَلِكَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لَيْسَ فِي الْكُسُوفِ خُطْبَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ ثَبَتَتْ فِيهِ وَهِيَ ذَاتُ كَثْرَةٍ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنْ لَا خُطْبَةَ لَهَا، مَعَ أَنَّ مَالِكًا رَوَى الْحَدِيثَ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْخُطْبَةِ. وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ لَهَا خُطْبَةً بِخُصُوصِهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْكُسُوفَ لِمَوْتِ بَعْضِ النَّاسِ. وَتُعُقِّبَ بِمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالْخُطْبَةِ وَحِكَايَةِ شَرَائِطِهَا مِنَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالْمَوْعِظَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ الْأَحَادِيثُ، فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْإِعْلَامِ بِسَبَبِ الْكُسُوفِ، وَالْأَصْلُ مَشْرُوعِيَّةُ الِاتِّبَاعِ، وَالْخَصَائِصُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ. وَقَدِ اسْتَضْعَفَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ وَقَالَ: إِنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَنْحَصِرُ مَقَاصِدُهَا فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا مِنَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالْمَوْعِظَةِ، وَجَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ سَبَبِ الْكُسُوفِ وَغَيْرِهِ هُوَ مِنْ مَقَاصِدِ خُطْبَةِ الْكُسُوفِ، فَيَنْبَغِي التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ ﷺ فَيَذْكُرُ الْإِمَامُ ذَلِكَ فِي خُطْبَةِ الْكُسُوفِ.
نَعَمْ نَازَعَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي كَوْنِ خُطْبَةِ الْكُسُوفِ كَخُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، إِذْ لَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَإِلَى ذَلِكَ نَحَا ابْنُ الْمُنِيرِ فِي حَاشِيَتِهِ وَرَدَّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْخُطْبَةِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي الْأَحَادِيثِ وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِمُ احْتَجَّ عَلَى تَرْكِ الْخُطْبَةِ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، ثُمَّ زَيَّفَهُ بِأَنَّ الْمِنْبَرَ لَيْسَ شَرْطًا، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَدْ مَضَى قَبْلُ بِبَابٍ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ صَرِيحًا، وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَهَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِالْخُطْبَةِ، لَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الثَّنَاءَ الْمَذْكُورَ فِي طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ كَانَ فِي الْخُطْبَةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ - وَهِيَ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ أُخْتُ عَائِشَةَ لِأَبِيهَا - فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَحَدَ عَشَرَ بَابًا.
قَوْلُهُ: (فَصَفَّ النَّاسُ) بِالرَّفْعِ أَيِ اصْطَفُّوا، يُقَالُ: صَفَّ الْقَوْمُ إِذَا صَارُوا صَفًّا، وَيَجُوزُ النَّصْبُ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ وَالْمُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) فِيهِ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ ثُمَّ فَعَلَ.
قَوْلُهُ: (فَافْزَعُوا) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيِ الْتَجِئُوا وَتَوَجَّهُوا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْمَأْمُورِ بِهِ، وَأَنَّ الِالْتِجَاءَ إِلَى اللَّهِ عِنْدَ الْمَخَاوِفِ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ سَبَبٌ لِمَحْوِ مَا فُرِّطَ مِنَ الْعِصْيَانِ يُرْجَى بِهِ زَوَالُ الْمَخَاوِفِ وَأَنَّ الذُّنُوبَ سَبَبٌ لِلْبَلَايَا وَالْعُقُوبَاتِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى رَحْمَتَهُ وَعَفْوَهُ وَغُفْرَانَهُ.
قَوْلُهُ: (إِلَى الصَّلَاةِ) أَيِ الْمَعْهُودَةِ الْخَاصَّةِ، وَهِيَ الَّتِي تَقَدَّمَ فِعْلُهَا مِنْهُ ﷺ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. وَلَمْ يُصِبْ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مُطْلَقِ الصَّلَاةِ. وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا لِأَنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الصَّلَاةِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَيْهَا، وَانْتِظَارُ الْجَمَاعَةِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِهَا وَإِلَى إِخْلَاءِ بَعْضِ الْوَقْتِ مِنَ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ) هُوَ بِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الِاسْمِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ وَأَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَمِرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ وَسَاقَ الْمَتْنَ بِلَفْظِ صَلَّى يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَطَوَّلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ) هُوَ مَقُولُ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أَخَاكَ) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
تقديره: باب النِّداء بقوله: «الصَّلاةَ جامعةً»، ونصب «الصَّلاةَ» في الأصل على الإغراء و «جامعةً» على الحال، ويجوز رفع «الصَّلاةُ» على الابتداء و «جامعةٌ» على الخبر، أي: الصَّلاة تجمع النَّاس في المسجد الجامع (١)، ويجوز أن تكون الصَّلاة ذات جماعة (٢)، أي: تُصلَّى جماعةً لا منفردًا (٣) كسنن الرَّواتب فالإسناد مجازيٌّ، كنهرٍ جارٍ، وطريقٍ سائرٍ.
١٠٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ) غير منسوبٍ، فقال (٤) الجيانيُّ: هو ابن منصور الكوسج، وقال أبو نُعيمٍ: هو ابن رَاهُوْيَه (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحاظيُّ، بضمِّ الواو والحاء مهملةٌ، نسبةً إلى وُحاظ، بطنٌ من حِمْيَر (٥)، وهو حمصيٌّ من شيوخ البخاريِّ، وربَّما أخرج عنه بالواسطة كما هنا (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ ابْنِ أَبِي سَلَّامٍ) بفتح السِّين وتشديد اللَّام فيهما (الحَبَشِيُّ) بفتح الحاء المهملة والموحَّدة
وكسر الشِّين المعجمة، نسبةً إلى بلاد الحبشة، أو حيٌّ من حِمْيَر، ونُسِبَ (١) إلى الأَصيليِّ ضبطُها (٢) هنا: بضمِّ الحاء وسكون الموحَّدة، كعَجَم: بفتحتين، وعُجْم: بضمِّ العين وسكون الجيم (٣)، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو وهمٌ (الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا (٤) يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) هو ابن العاص (﵄ قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الكاف والسِّين (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، وفي «الصَّحيحين» من حديث عائشة [خ¦١٠٦٦]: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعث مناديًا فنادى (٥) (أَنِ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ) بفتح الهمزة وتخفيف النُّون، وهي المفسِّرة، وفي روايةٍ: «إنَّ الصَّلاة» بكسر الهمزة وتشديد النُّون، والخبر محذوفٌ، تقديره: إنَّ الصَّلاةَ ذاتَ جماعةٍ (٦) حاضرةٌ، ويُروى: برفع «جامعة» (٧) على أنَّه الخبر، وهو الَّذي في الفرع وأصله (٨)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «نُودِيَ بالصَّلاة جامعة»، وفيه ما تقدَّم في لفظ التَّرجمة، وجوَّز بعضهم (٩) في: «الصَّلاة جامعة»، النَّصب فيهما، والرَّفع فيهما (١٠)، ورفْع الأوَّل ونصْب الثَّاني، وبالعكس (١١)، وظاهر الحديث أنَّ ذلك كان قبل اجتماع النَّاس،
وليس فيه: أنَّه بعد اجتماعهم نُودي «الصَّلاة (١) جامعة»، حتَّى يكون ذلك بمنزلة الإقامة الَّتي يعقبها الفرض، ومِن ثمَّ لم يعوِّل في الاستدلال على أنَّه لا يؤذَّن لها، وأنَّه (٢) يُقال فيها: «الصَّلاة جامعة» إلَّا على ما أرسله الزُّهريُّ، قال في «الأمِّ»: ولا أذان لكسوفٍ (٣)، ولا لعيدٍ، ولا لصلاةٍ غير مكتوبةٍ، وإن أمر الإمام من يفتتح (٤): الصَّلاة جامعة، أحببت ذلك له، فإنَّ الزُّهريَّ يقول: «كان النَّبيُّ ﷺ يأمر المؤذِّن في صلاة العيدين أن (٥) يقول: الصَّلاة جامعة».
وفي حديث الباب: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالإفراد، والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الكسوف» [خ¦١٠٥١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا النَّسائيُّ.
(٤) (بابُ خُطْبَةِ الإِمَامِ فِي الكُسُوفِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ) بنتا أبي بكر الصديق ﵃: (خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ) في الكسوف، وحديث عائشة سبق موصولًا في «باب الصَّدقة في الكسوف» [خ¦١٠٤٤] وحديث أسماء يأتي إن شاء الله تعالى بعد أحدَ عشر بابًا [خ¦١٠٦١].
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
يَظْهَرُ فِيهِمَا مِنَ التَّغْيِيرِ وَالنَّقْصِ الْمُنَزَّهِ عَنْهُ الْمَعْبُودُ جَلَّ وَعَلَا ﷾.
٣ - بَاب النِّدَاءِ بِالصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فِي الْكُسُوفِ
١٠٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ الْحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: لَمَّا كَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ.
قَوْلُهُ: (بَابُ النِّدَاءِ بِالصَّلَاةِ جَامِعَةٌ) هُوَ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى الْحِكَايَةِ، وَنَصْبُ الصَّلَاةِ فِي الْأَصْلِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَجَامِعَةٌ عَلَى الْحَالِ، أَيِ: احْضُرُوا الصَّلَاةَ فِي حَالِ كَوْنِهَا جَامِعَةً. وَقِيلَ بِرَفْعِهِمَا عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مُبْتَدَأٌ وَجَامِعَةٌ خَبَرُهُ وَمَعْنَاهُ ذَاتُ جَمَاعَةٍ، وَقِيلَ: جَامِعَةٌ صِفَةٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَاحْضُرُوهَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَلَى رَأْيِ الْجَيَّانِيِّ أَوِ ابْنُ رَاهْوَيْهِ عَلَى رَأْيِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَيَحْيَى ابْنُ صَالِحٍ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَرُبَّمَا أَخْرَجَ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ كَهَذَا.
قَوْلُهُ: (الْحَبَشِيُّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، وَوَهِمَ مَنْ ضَبَطَهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ الصَّوَافِ، عَنْ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
قَوْلُهُ: (نُودِيَ) كَذَا فِيهِ بِلَفْظِ الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَصَرَّحَ الشَّيْخَانِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا فَنَادَى بِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا وَلَا يُقَامُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ الصَّلَاةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ وَهِيَ الْمُفَسِّرَةُ، وَرُوِيَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ ذَاتُ جَمَاعَةٍ حَاضِرَةٍ وَيُرْوَى بِرَفْعِ جَامِعَةٍ عَلَى أَنَّهُ الْخَبَرُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ نُودِيَ بِالصَّلَاةِ جَامِعَةٌ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ التَّرْجَمَةِ. وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ جَامِعَةٌ النَّصْبُ فِيهِمَا، وَالرَّفْعُ فِيهِمَا، وَيَجُوزُ رَفْعُ الْأَوَّلِ وَنَصْبُ الثَّانِي، وَبِالْعَكْسِ.
٤ - بَاب خُطْبَةِ الْإِمَامِ فِي الْكُسُوفِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ، وَأَسْمَاءُ خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ
١٠٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، ح. وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَ يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ فَكَبَّرَ فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَامَ وَلَمْ يَسْجُدْ وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى ثُمَّ كَبَّرَ وَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ أَدْنَى مِنْ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: هُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ
﵄ كَانَ يُحَدِّثُ يَوْمَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: إِنَّ أَخَاكَ يَوْمَ خَسَفَتْ بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ. قَالَ: أَجَلْ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ خُطْبَةِ الْإِمَامِ فِي الْكُسُوفِ) اخْتُلِفَ فِي الْخُطْبَةِ فِيهِ، فَاسْتَحَبَّهَا الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أَحْمَدَ ذَلِكَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لَيْسَ فِي الْكُسُوفِ خُطْبَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْأَحَادِيثَ ثَبَتَتْ فِيهِ وَهِيَ ذَاتُ كَثْرَةٍ. وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنْ لَا خُطْبَةَ لَهَا، مَعَ أَنَّ مَالِكًا رَوَى الْحَدِيثَ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْخُطْبَةِ. وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ لَهَا خُطْبَةً بِخُصُوصِهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْكُسُوفَ لِمَوْتِ بَعْضِ النَّاسِ. وَتُعُقِّبَ بِمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالْخُطْبَةِ وَحِكَايَةِ شَرَائِطِهَا مِنَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالْمَوْعِظَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ الْأَحَادِيثُ، فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْإِعْلَامِ بِسَبَبِ الْكُسُوفِ، وَالْأَصْلُ مَشْرُوعِيَّةُ الِاتِّبَاعِ، وَالْخَصَائِصُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ. وَقَدِ اسْتَضْعَفَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ وَقَالَ: إِنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَنْحَصِرُ مَقَاصِدُهَا فِي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْهَا مِنَ الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ وَالْمَوْعِظَةِ، وَجَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ سَبَبِ الْكُسُوفِ وَغَيْرِهِ هُوَ مِنْ مَقَاصِدِ خُطْبَةِ الْكُسُوفِ، فَيَنْبَغِي التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ ﷺ فَيَذْكُرُ الْإِمَامُ ذَلِكَ فِي خُطْبَةِ الْكُسُوفِ.
نَعَمْ نَازَعَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي كَوْنِ خُطْبَةِ الْكُسُوفِ كَخُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، إِذْ لَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَإِلَى ذَلِكَ نَحَا ابْنُ الْمُنِيرِ فِي حَاشِيَتِهِ وَرَدَّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْخُطْبَةِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي الْأَحَادِيثِ وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِمُ احْتَجَّ عَلَى تَرْكِ الْخُطْبَةِ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، ثُمَّ زَيَّفَهُ بِأَنَّ الْمِنْبَرَ لَيْسَ شَرْطًا، ثُمَّ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَدْ مَضَى قَبْلُ بِبَابٍ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ صَرِيحًا، وَأَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَهَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ وَلَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِالْخُطْبَةِ، لَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الثَّنَاءَ الْمَذْكُورَ فِي طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ كَانَ فِي الْخُطْبَةِ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ - وَهِيَ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ أُخْتُ عَائِشَةَ لِأَبِيهَا - فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَحَدَ عَشَرَ بَابًا.
قَوْلُهُ: (فَصَفَّ النَّاسُ) بِالرَّفْعِ أَيِ اصْطَفُّوا، يُقَالُ: صَفَّ الْقَوْمُ إِذَا صَارُوا صَفًّا، وَيَجُوزُ النَّصْبُ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ وَالْمُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) فِيهِ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ ثُمَّ فَعَلَ.
قَوْلُهُ: (فَافْزَعُوا) بِفَتْحِ الزَّايِ أَيِ الْتَجِئُوا وَتَوَجَّهُوا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْمَأْمُورِ بِهِ، وَأَنَّ الِالْتِجَاءَ إِلَى اللَّهِ عِنْدَ الْمَخَاوِفِ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ سَبَبٌ لِمَحْوِ مَا فُرِّطَ مِنَ الْعِصْيَانِ يُرْجَى بِهِ زَوَالُ الْمَخَاوِفِ وَأَنَّ الذُّنُوبَ سَبَبٌ لِلْبَلَايَا وَالْعُقُوبَاتِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى رَحْمَتَهُ وَعَفْوَهُ وَغُفْرَانَهُ.
قَوْلُهُ: (إِلَى الصَّلَاةِ) أَيِ الْمَعْهُودَةِ الْخَاصَّةِ، وَهِيَ الَّتِي تَقَدَّمَ فِعْلُهَا مِنْهُ ﷺ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. وَلَمْ يُصِبْ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مُطْلَقِ الصَّلَاةِ. وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا لِأَنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الصَّلَاةِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَيْهَا، وَانْتِظَارُ الْجَمَاعَةِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِهَا وَإِلَى إِخْلَاءِ بَعْضِ الْوَقْتِ مِنَ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يُحَدِّثُ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ) هُوَ بِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الِاسْمِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ وَأَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ الْعَبَّاسِ وَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَمِرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ وَسَاقَ الْمَتْنَ بِلَفْظِ صَلَّى يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَطَوَّلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: (فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ) هُوَ مَقُولُ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (أَنَّ أَخَاكَ) يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
تقديره: باب النِّداء بقوله: «الصَّلاةَ جامعةً»، ونصب «الصَّلاةَ» في الأصل على الإغراء و «جامعةً» على الحال، ويجوز رفع «الصَّلاةُ» على الابتداء و «جامعةٌ» على الخبر، أي: الصَّلاة تجمع النَّاس في المسجد الجامع (١)، ويجوز أن تكون الصَّلاة ذات جماعة (٢)، أي: تُصلَّى جماعةً لا منفردًا (٣) كسنن الرَّواتب فالإسناد مجازيٌّ، كنهرٍ جارٍ، وطريقٍ سائرٍ.
١٠٤٥ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «حدَّثني» (إِسْحَاقُ) غير منسوبٍ، فقال (٤) الجيانيُّ: هو ابن منصور الكوسج، وقال أبو نُعيمٍ: هو ابن رَاهُوْيَه (قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوُحاظيُّ، بضمِّ الواو والحاء مهملةٌ، نسبةً إلى وُحاظ، بطنٌ من حِمْيَر (٥)، وهو حمصيٌّ من شيوخ البخاريِّ، وربَّما أخرج عنه بالواسطة كما هنا (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ ابْنِ أَبِي سَلَّامٍ) بفتح السِّين وتشديد اللَّام فيهما (الحَبَشِيُّ) بفتح الحاء المهملة والموحَّدة
وكسر الشِّين المعجمة، نسبةً إلى بلاد الحبشة، أو حيٌّ من حِمْيَر، ونُسِبَ (١) إلى الأَصيليِّ ضبطُها (٢) هنا: بضمِّ الحاء وسكون الموحَّدة، كعَجَم: بفتحتين، وعُجْم: بضمِّ العين وسكون الجيم (٣)، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو وهمٌ (الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا (٤) يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) بالمثلَّثة (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) هو ابن العاص (﵄ قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ) بفتح الكاف والسِّين (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول، وفي «الصَّحيحين» من حديث عائشة [خ¦١٠٦٦]: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعث مناديًا فنادى (٥) (أَنِ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ) بفتح الهمزة وتخفيف النُّون، وهي المفسِّرة، وفي روايةٍ: «إنَّ الصَّلاة» بكسر الهمزة وتشديد النُّون، والخبر محذوفٌ، تقديره: إنَّ الصَّلاةَ ذاتَ جماعةٍ (٦) حاضرةٌ، ويُروى: برفع «جامعة» (٧) على أنَّه الخبر، وهو الَّذي في الفرع وأصله (٨)، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «نُودِيَ بالصَّلاة جامعة»، وفيه ما تقدَّم في لفظ التَّرجمة، وجوَّز بعضهم (٩) في: «الصَّلاة جامعة»، النَّصب فيهما، والرَّفع فيهما (١٠)، ورفْع الأوَّل ونصْب الثَّاني، وبالعكس (١١)، وظاهر الحديث أنَّ ذلك كان قبل اجتماع النَّاس،
وليس فيه: أنَّه بعد اجتماعهم نُودي «الصَّلاة (١) جامعة»، حتَّى يكون ذلك بمنزلة الإقامة الَّتي يعقبها الفرض، ومِن ثمَّ لم يعوِّل في الاستدلال على أنَّه لا يؤذَّن لها، وأنَّه (٢) يُقال فيها: «الصَّلاة جامعة» إلَّا على ما أرسله الزُّهريُّ، قال في «الأمِّ»: ولا أذان لكسوفٍ (٣)، ولا لعيدٍ، ولا لصلاةٍ غير مكتوبةٍ، وإن أمر الإمام من يفتتح (٤): الصَّلاة جامعة، أحببت ذلك له، فإنَّ الزُّهريَّ يقول: «كان النَّبيُّ ﷺ يأمر المؤذِّن في صلاة العيدين أن (٥) يقول: الصَّلاة جامعة».
وفي حديث الباب: رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث بالجمع والإفراد، والإخبار بالإفراد، والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الكسوف» [خ¦١٠٥١]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا النَّسائيُّ.
(٤) (بابُ خُطْبَةِ الإِمَامِ فِي الكُسُوفِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ) بنتا أبي بكر الصديق ﵃: (خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ) في الكسوف، وحديث عائشة سبق موصولًا في «باب الصَّدقة في الكسوف» [خ¦١٠٤٤] وحديث أسماء يأتي إن شاء الله تعالى بعد أحدَ عشر بابًا [خ¦١٠٦١].