الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٤١
الحديث رقم ١١٤١ من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قيام النبي ﷺ بالليل.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ
١١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ، ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ لِيُوَافِقُوا
١١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنْ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ.
تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ حُمَيْدٍ.
[الحديث ١١٤٢ - أطرافه في: ٣٥٦٣، ١٩٧٣، ١٩٧٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ نَوْمِهِ، وَمَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ﴾؛ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ - يَعْنِي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ - فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرْضِيَّتِهِ، وَاسْتَغْنَى الْبُخَارِيُّ عَنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ - لِكَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ - بِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَنَسٍ، فَإِنَّ فِيهِ: وَلَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا نَامَ كُلَّ اللَّيْلِ، وَهَذَا سَبِيلُ التَّطَوُّعِ، فَلَوِ اسْتَمَرَّ الْوُجُوبُ لَمَا أَخَلَّ بِالْقِيَامِ. وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَاهِدًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَنَّ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالنَّسْخِ سَنَةً، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْهُمْ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ النَّسْخَ وَقَعَ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى فَرْضِ الْخَمْسِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَكَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ آخِرَ السُّورَةِ نَسَخَ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ، إِلَّا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ثُمَّ نُسِخَ فَرْضُ ذَلِكَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَاسْتَشْكَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَالتَّعَقُّبُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَتَضَمَّنَ كَلَامُهُ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي نَسَخَتِ الْوُجُوبَ مَدَنِيَّةٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا مَكِّيَّةٌ. نَعَمْ، ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ إِلَّا الْآيَةَ الْأَخِيرَةَ، وَقَوَّى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ هَذَا الْقَوْلَ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، أَنَّ نَسْخَ قِيَامِ اللَّيْلِ وَقَعَ لَمَّا تَوَجَّهُوا مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي جَيْشِ الْخَبَطِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ.
لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ طَحْلَاءَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصِيرًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَفِيهِ: اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ خَيْرَ الْعَمَلِ أَدْوَمُهُ، وَإِنْ قَلَّ. وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَأُنْزِلَتْ مَنْزِلَةَ الْفَرِيضَةِ، حَتَّى إِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ لَيَرْبِطُ الْحَبْلَ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تَكَلُّفَهُمُ ابْتِغَاءَ رِضَاهُ وَضَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَرَدَّهُمْ إِلَى الْفَرِيضَةِ، وَوَضَعَ عَنْهُمْ قِيَامَ اللَّيْلِ إِلَّا مَا تَطَوَّعُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا مَدَنِيَّةٌ، لَكِنْ فِيهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، وَهُوَ شَدِيدُ الضَّعْفِ، فَلَا حُجَّةَ فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ، وَلَوْ صَحَّ مَا رَوَاهُ لَاقْتَضَى ذَلِكَ وُقُوعَ مَا خَشِيَ مِنْهُ ﷺ حَيْثُ تَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ بِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ أَيِ: الْمُتَلَفِّفُ فِي ثِيَابِهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؛ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ زَمَّلْتَ الْقُرْآنَ. فَكَأَنَّ الْأَصْلَ: يَا أَيُّهَا الْمُتَزَمِّلُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ مِنْهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي
حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: الْقَلِيلُ مَا دُونَ الْمِعْشَارِ وَالسُّدُسِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: ﴿نِصْفَهُ﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ ﴿قَلِيلا﴾، فَكَأَنَّ فِي الْآيَةِ تَخْيِيرًا بَيْنَ قِيَامِ النِّصْفِ بِتَمَامِهِ، أَوْ قِيَامِ أَنْقَصَ مِنْهُ أَوْ أَزْيَدَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ، وَ ﴿إِلا قَلِيلا﴾ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ النِّصْفِ، حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ، وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مَعْنَاهُ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ أَيِ: اقْرَأْهُ مُتَرَسِّلًا بِتَبْيِينِ الْحُرُوفِ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرَتِّلُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: ﴿قَوْلا ثَقِيلا﴾ أَيِ: الْقُرْآنُ. وَعَنِ الْحَسَنِ: الْعَمَلُ بِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ، قَالَ: ثَقِيلًا فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَتَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ عَلَى ثِقَلِ الْوَحْيِ حِينَ يَنْزِلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَشَأَ قَامَ بِالْحَبَشِيَّةِ)؛ يَعْنِي: فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أَيْ: قِيَامُ اللَّيْلِ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هُوَ كَلَامُ الْحَبَشَةِ، نَشَأَ: قَامَ. وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، وَأَبِي مَالِكٍ نَحْوَهُ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالُوا: مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ تَوَافُقِ اللُّغَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَنَاشِئَةُ اللَّيْلِ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فَاعِلَةٍ، مِنْ نَشَأَ إِذَا قَامَ، أَوِ اسْمُ فَاعِلٍ أَيِ النَّفْسُ النَّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ، أَيِ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ مَضْجَعِهَا إِلَى الْعِبَادَةِ، أَيْ تَنْهَضُ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبَيْنِ أَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ بِاللَّيْلِ وَبَدَأَ فَهُوَ نَاشِئٌ، وَقَدْ نَشَأَ. وَفِي الْمَجَازِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: نَاشِئَةُ اللَّيْلِ آنَاءَ اللَّيْلِ نَاشِئَةٌ بَعْدَ نَاشِئَةٍ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّاعَاتِ النَّاشِئَةَ مِنَ اللَّيْلِ - أَيِ: الْمُقْبِلَةَ بَعْضُهَا فِي أَثَرِ بَعْضٍ - هِيَ أَشَدُّ.
قَوْلُهُ: (وَطَاءً، قَالَ: مُوَاطَأَةً لِلْقُرْآنِ، أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ) وَهَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَشَدُّ وَطَاءً؛ أَيْ يُوَافِقُ سَمْعَكَ وَبَصَرَكَ وَقَلْبَكَ بَعْضُهُ بَعْضًا، قَالَ الطَّبَرِيُّ: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكِ: وَاطَأَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ مُوَاطَأَةً وَوَطَاءً. قَالَ: وَقَرَأَ الْأَكْثَرُ: وَطْئًا؛ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الطَّاءِ، ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ: وَطِئْنَا اللَّيْلَ وَطْئًا؛ أَيْ سِرْنَا فِيهِ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾؛ أَثْبَتُ فِي الْخَيْرِ. ﴿وَأَقْوَمُ قِيلا﴾: أَبْلَغُ فِي الْحِفْظِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَشَدُّ وَطْئًا؛ أَيْ قِيَامًا. وَأَصْلُ الْوَطْءِ فِي اللُّغَةِ الثِّقَلُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ.
قَوْلُهُ: (لِيُوَاطِئُوا لِيُوَافِقُوا) هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ تَفْسِيرِ (بَرَاءَةً)، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهَا هُنَا تَأْيِيدًا لِلتَّفْسِيرِ الْأَوَّل، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَكِنْ بِلَفْظِ: لِيُشَابِهُوا.
قَوْلُهُ: ﴿سَبْحًا طَوِيلا﴾؛ أَيْ: فَرَاغًا، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنِ السُّدِّيِّ: سَبْحًا طَوِيلًا؛ أَيْ: تَطَوُّعًا كَثِيرًا، كَأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنَ السُّبْحَةِ؛ وَهِيَ النَّافِلَةُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أَيِ: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْمَدَنِيُّ، وَحُمَيْدٌ هُوَ الطَّوِيلُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيُّ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَخْ)؛ أَيْ: إِنَّ صَلَاتَهُ وَنَوْمَهُ كَانَ يَخْتَلِفُ بِاللَّيْلِ، وَلَا يُرَتِّبُ وَقْتًا مُعَيَّنًا، بَلْ بِحَسَبِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ الْقِيَامُ. وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: كَانَ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ. فَإِنَّ عَائِشَةَ تُخْبِرُ عَمَّا لَهَا عَلَيْهِ اطِّلَاعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ كَانَتْ تَقَعُ مِنْهُ غَالِبًا فِي الْبَيْتِ، فَخَبَرُ أَنَسٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ. وَقَدْ مَضَى فِي حَدِيثِهَا فِي أَبْوَابِ الْوِتْرِ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخُصُّ الْوِتْرَ بِوَقْتٍ بِعَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ)؛ كَذَا ثَبَتَتِ الْوَاوُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا، فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، كَمَا جَزَمَ بِهِ خَلَفٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ زَائِدَةً مِنَ النَّاسِخِ، فَإِنَّ أَبَا خَالِدٍ الْأَحْمَرَ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ، وَحَدِيثُهُ فِي هَذَا سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وِطَاءً) بكسر الواو: (قَالَ) المؤلِّف، ممَّا وصله عبد بن حُميد من طريق مجاهدٍ: معناه: (مُوَاطَأَةَ القُرْآنِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «مواطأةً للقرآن» بالتَّنوين واللَّام (أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ) ثمَّ ذكر ما يؤيِّد هذا التَّفسير، فقال في قوله تعالى في سورة براءة: ﴿يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لّ﴾ [التوبة: ٣٧]: (﴿لِّيُوَاطِؤُواْ﴾) معناه: (لِيُوَافِقُوا) وقد وصله الطَّبريُّ عن ابن عبَّاسٍ، لكن بلفظ: ليُشابهوا.
١١٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثير المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أنس بن مالك» (﵁، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ) أي: من الشَّهر، زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «شيئًا» (وَ) كان ﵊ (يَصُومُ) منه (١) (حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ) بالنَّصب، وللأَصيليِّ: «أنَّه لا يفطرُ» بالرَّفع (مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ) ﵊ (لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) مصلِّيًا (وَلَا) تشاء أن تراه من اللَّيل (نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) نائمًا، أي: ما أردنا منه ﵊ أمرًا إلَّا وجدناه عليه، إن أردنا أن يكون مصلِّيًا؛ وجدناه مصلِّيًا، وإن أردنا أن نراه نائمًا وجدناه نائمًا، وهو يدلُّ على أنَّه ربَّما نام كلَّ اللَّيل، وهذا سبيلُ التَّطوُّع، فلو استمرَّ الوجوب في قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] لما أخلَّ بالقيام، وفيه أيضًا: أنَّ صلاتَه ونومه كانا يختلفان (٢) باللَّيل، وأنَّه (٣) لا يُرتِّب وقتًا معيَّنًا، بل بحسب ما تيسَّر له من القيام (٤)، لا يقال: يعارضه قول عائشة [خ¦١١٣٢]: «كان إذا سمع الصَّارخَ قام»؛ فإنَّ كلًّا من عائشة وأنس أَخبر بما اطَّلع عليه.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ، ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ لِيُوَافِقُوا
١١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنْ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ.
تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ حُمَيْدٍ.
[الحديث ١١٤٢ - أطرافه في: ٣٥٦٣، ١٩٧٣، ١٩٧٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ نَوْمِهِ، وَمَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ﴾؛ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ - يَعْنِي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ - فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرْضِيَّتِهِ، وَاسْتَغْنَى الْبُخَارِيُّ عَنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ - لِكَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ - بِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَنَسٍ، فَإِنَّ فِيهِ: وَلَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا نَامَ كُلَّ اللَّيْلِ، وَهَذَا سَبِيلُ التَّطَوُّعِ، فَلَوِ اسْتَمَرَّ الْوُجُوبُ لَمَا أَخَلَّ بِالْقِيَامِ. وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَاهِدًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَنَّ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالنَّسْخِ سَنَةً، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْهُمْ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ النَّسْخَ وَقَعَ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى فَرْضِ الْخَمْسِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَكَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ آخِرَ السُّورَةِ نَسَخَ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ، إِلَّا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ثُمَّ نُسِخَ فَرْضُ ذَلِكَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَاسْتَشْكَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَالتَّعَقُّبُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَتَضَمَّنَ كَلَامُهُ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي نَسَخَتِ الْوُجُوبَ مَدَنِيَّةٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا مَكِّيَّةٌ. نَعَمْ، ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ إِلَّا الْآيَةَ الْأَخِيرَةَ، وَقَوَّى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ هَذَا الْقَوْلَ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، أَنَّ نَسْخَ قِيَامِ اللَّيْلِ وَقَعَ لَمَّا تَوَجَّهُوا مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي جَيْشِ الْخَبَطِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ.
لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ طَحْلَاءَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصِيرًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَفِيهِ: اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ خَيْرَ الْعَمَلِ أَدْوَمُهُ، وَإِنْ قَلَّ. وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَأُنْزِلَتْ مَنْزِلَةَ الْفَرِيضَةِ، حَتَّى إِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ لَيَرْبِطُ الْحَبْلَ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تَكَلُّفَهُمُ ابْتِغَاءَ رِضَاهُ وَضَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَرَدَّهُمْ إِلَى الْفَرِيضَةِ، وَوَضَعَ عَنْهُمْ قِيَامَ اللَّيْلِ إِلَّا مَا تَطَوَّعُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا مَدَنِيَّةٌ، لَكِنْ فِيهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، وَهُوَ شَدِيدُ الضَّعْفِ، فَلَا حُجَّةَ فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ، وَلَوْ صَحَّ مَا رَوَاهُ لَاقْتَضَى ذَلِكَ وُقُوعَ مَا خَشِيَ مِنْهُ ﷺ حَيْثُ تَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ بِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ أَيِ: الْمُتَلَفِّفُ فِي ثِيَابِهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؛ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ زَمَّلْتَ الْقُرْآنَ. فَكَأَنَّ الْأَصْلَ: يَا أَيُّهَا الْمُتَزَمِّلُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ مِنْهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي
حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: الْقَلِيلُ مَا دُونَ الْمِعْشَارِ وَالسُّدُسِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: ﴿نِصْفَهُ﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ ﴿قَلِيلا﴾، فَكَأَنَّ فِي الْآيَةِ تَخْيِيرًا بَيْنَ قِيَامِ النِّصْفِ بِتَمَامِهِ، أَوْ قِيَامِ أَنْقَصَ مِنْهُ أَوْ أَزْيَدَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ، وَ ﴿إِلا قَلِيلا﴾ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ النِّصْفِ، حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ، وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مَعْنَاهُ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ أَيِ: اقْرَأْهُ مُتَرَسِّلًا بِتَبْيِينِ الْحُرُوفِ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرَتِّلُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: ﴿قَوْلا ثَقِيلا﴾ أَيِ: الْقُرْآنُ. وَعَنِ الْحَسَنِ: الْعَمَلُ بِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ، قَالَ: ثَقِيلًا فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَتَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ عَلَى ثِقَلِ الْوَحْيِ حِينَ يَنْزِلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ.
قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَشَأَ قَامَ بِالْحَبَشِيَّةِ)؛ يَعْنِي: فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أَيْ: قِيَامُ اللَّيْلِ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هُوَ كَلَامُ الْحَبَشَةِ، نَشَأَ: قَامَ. وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، وَأَبِي مَالِكٍ نَحْوَهُ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالُوا: مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ تَوَافُقِ اللُّغَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَنَاشِئَةُ اللَّيْلِ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فَاعِلَةٍ، مِنْ نَشَأَ إِذَا قَامَ، أَوِ اسْمُ فَاعِلٍ أَيِ النَّفْسُ النَّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ، أَيِ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ مَضْجَعِهَا إِلَى الْعِبَادَةِ، أَيْ تَنْهَضُ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبَيْنِ أَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ بِاللَّيْلِ وَبَدَأَ فَهُوَ نَاشِئٌ، وَقَدْ نَشَأَ. وَفِي الْمَجَازِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: نَاشِئَةُ اللَّيْلِ آنَاءَ اللَّيْلِ نَاشِئَةٌ بَعْدَ نَاشِئَةٍ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّاعَاتِ النَّاشِئَةَ مِنَ اللَّيْلِ - أَيِ: الْمُقْبِلَةَ بَعْضُهَا فِي أَثَرِ بَعْضٍ - هِيَ أَشَدُّ.
قَوْلُهُ: (وَطَاءً، قَالَ: مُوَاطَأَةً لِلْقُرْآنِ، أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ) وَهَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَشَدُّ وَطَاءً؛ أَيْ يُوَافِقُ سَمْعَكَ وَبَصَرَكَ وَقَلْبَكَ بَعْضُهُ بَعْضًا، قَالَ الطَّبَرِيُّ: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكِ: وَاطَأَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ مُوَاطَأَةً وَوَطَاءً. قَالَ: وَقَرَأَ الْأَكْثَرُ: وَطْئًا؛ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الطَّاءِ، ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ: وَطِئْنَا اللَّيْلَ وَطْئًا؛ أَيْ سِرْنَا فِيهِ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾؛ أَثْبَتُ فِي الْخَيْرِ. ﴿وَأَقْوَمُ قِيلا﴾: أَبْلَغُ فِي الْحِفْظِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَشَدُّ وَطْئًا؛ أَيْ قِيَامًا. وَأَصْلُ الْوَطْءِ فِي اللُّغَةِ الثِّقَلُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ.
قَوْلُهُ: (لِيُوَاطِئُوا لِيُوَافِقُوا) هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ تَفْسِيرِ (بَرَاءَةً)، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهَا هُنَا تَأْيِيدًا لِلتَّفْسِيرِ الْأَوَّل، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَكِنْ بِلَفْظِ: لِيُشَابِهُوا.
قَوْلُهُ: ﴿سَبْحًا طَوِيلا﴾؛ أَيْ: فَرَاغًا، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنِ السُّدِّيِّ: سَبْحًا طَوِيلًا؛ أَيْ: تَطَوُّعًا كَثِيرًا، كَأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنَ السُّبْحَةِ؛ وَهِيَ النَّافِلَةُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أَيِ: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْمَدَنِيُّ، وَحُمَيْدٌ هُوَ الطَّوِيلُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيُّ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَخْ)؛ أَيْ: إِنَّ صَلَاتَهُ وَنَوْمَهُ كَانَ يَخْتَلِفُ بِاللَّيْلِ، وَلَا يُرَتِّبُ وَقْتًا مُعَيَّنًا، بَلْ بِحَسَبِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ الْقِيَامُ. وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: كَانَ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ. فَإِنَّ عَائِشَةَ تُخْبِرُ عَمَّا لَهَا عَلَيْهِ اطِّلَاعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ كَانَتْ تَقَعُ مِنْهُ غَالِبًا فِي الْبَيْتِ، فَخَبَرُ أَنَسٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ. وَقَدْ مَضَى فِي حَدِيثِهَا فِي أَبْوَابِ الْوِتْرِ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخُصُّ الْوِتْرَ بِوَقْتٍ بِعَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ)؛ كَذَا ثَبَتَتِ الْوَاوُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا، فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، كَمَا جَزَمَ بِهِ خَلَفٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ زَائِدَةً مِنَ النَّاسِخِ، فَإِنَّ أَبَا خَالِدٍ الْأَحْمَرَ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ، وَحَدِيثُهُ فِي هَذَا سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وِطَاءً) بكسر الواو: (قَالَ) المؤلِّف، ممَّا وصله عبد بن حُميد من طريق مجاهدٍ: معناه: (مُوَاطَأَةَ القُرْآنِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «مواطأةً للقرآن» بالتَّنوين واللَّام (أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ) ثمَّ ذكر ما يؤيِّد هذا التَّفسير، فقال في قوله تعالى في سورة براءة: ﴿يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لّ﴾ [التوبة: ٣٧]: (﴿لِّيُوَاطِؤُواْ﴾) معناه: (لِيُوَافِقُوا) وقد وصله الطَّبريُّ عن ابن عبَّاسٍ، لكن بلفظ: ليُشابهوا.
١١٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثير المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أنس بن مالك» (﵁، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ) أي: من الشَّهر، زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «شيئًا» (وَ) كان ﵊ (يَصُومُ) منه (١) (حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ) بالنَّصب، وللأَصيليِّ: «أنَّه لا يفطرُ» بالرَّفع (مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ) ﵊ (لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) مصلِّيًا (وَلَا) تشاء أن تراه من اللَّيل (نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) نائمًا، أي: ما أردنا منه ﵊ أمرًا إلَّا وجدناه عليه، إن أردنا أن يكون مصلِّيًا؛ وجدناه مصلِّيًا، وإن أردنا أن نراه نائمًا وجدناه نائمًا، وهو يدلُّ على أنَّه ربَّما نام كلَّ اللَّيل، وهذا سبيلُ التَّطوُّع، فلو استمرَّ الوجوب في قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] لما أخلَّ بالقيام، وفيه أيضًا: أنَّ صلاتَه ونومه كانا يختلفان (٢) باللَّيل، وأنَّه (٣) لا يُرتِّب وقتًا معيَّنًا، بل بحسب ما تيسَّر له من القيام (٤)، لا يقال: يعارضه قول عائشة [خ¦١١٣٢]: «كان إذا سمع الصَّارخَ قام»؛ فإنَّ كلًّا من عائشة وأنس أَخبر بما اطَّلع عليه.