«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 1141

الحديث رقم 1141 من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قيام النبي ﷺ بالليل.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا…

«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ». تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ حُمَيْدٍ.

سند حديث: ١١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ…

١١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا…

معنى الحديث: يخبر أنس رضي الله عنه عن حال النبي صلى الله عليه وسلم في صيامه وقيامه، فيخبر أنه كان يُفْطِرُ من الشهر حتى يظن المرء أنه لا يصوم منه شيئا؛ لكثرة فطره فيه، ويصوم حتى يُظن أنه لا يُفْطِر منه شيئًا؛ لكثرة صيامه فيه، و كذلك كان عليه -الصلاة والسلام- لا يَتَقَيَد بوقت معين في صلاة القيام، بل يصلي تارة في أول الليل، وتارة في وسطه، وتارة في آخره، بحيث لا تُحب أن تراه من الليل مصليًا إلا رأيته، ولا نائمًا إلا رأيته، فكان عَمَله التَوَسط بين الإفْرَاطِ والتفريط.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • صوم النفل المطلق لا يختص بزمان إلا ما نهي عنه.
  • الحث على الإكثار من العبادة وخاصة صيام النفل والتهجد مع التَوسط في ذلك، بحيث لا يضيع الحقوق أو يُقَصِّر في الواجبات.
  • لم يَصم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدَّهر، ولا قام الليل كله.
  • من كُلِّ الليل قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن كل الشهر صام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «كان رسول الله ﷺ يفطر من الشهر حتى نظن أن لا…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ، ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ لِيُوَافِقُوا

١١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنْ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ.

تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ حُمَيْدٍ.

[الحديث ١١٤٢ - أطرافه في: ٣٥٦٣، ١٩٧٣، ١٩٧٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ نَوْمِهِ، وَمَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ﴾؛ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ - يَعْنِي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ - فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرْضِيَّتِهِ، وَاسْتَغْنَى الْبُخَارِيُّ عَنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ - لِكَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ - بِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَنَسٍ، فَإِنَّ فِيهِ: وَلَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا نَامَ كُلَّ اللَّيْلِ، وَهَذَا سَبِيلُ التَّطَوُّعِ، فَلَوِ اسْتَمَرَّ الْوُجُوبُ لَمَا أَخَلَّ بِالْقِيَامِ. وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ.

وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَاهِدًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَنَّ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالنَّسْخِ سَنَةً، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْهُمْ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ النَّسْخَ وَقَعَ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى فَرْضِ الْخَمْسِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَكَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ آخِرَ السُّورَةِ نَسَخَ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ، إِلَّا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ثُمَّ نُسِخَ فَرْضُ ذَلِكَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَاسْتَشْكَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَالتَّعَقُّبُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَتَضَمَّنَ كَلَامُهُ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي نَسَخَتِ الْوُجُوبَ مَدَنِيَّةٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا مَكِّيَّةٌ. نَعَمْ، ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ إِلَّا الْآيَةَ الْأَخِيرَةَ، وَقَوَّى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ هَذَا الْقَوْلَ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، أَنَّ نَسْخَ قِيَامِ اللَّيْلِ وَقَعَ لَمَّا تَوَجَّهُوا مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي جَيْشِ الْخَبَطِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ.

لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ طَحْلَاءَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصِيرًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَفِيهِ: اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ خَيْرَ الْعَمَلِ أَدْوَمُهُ، وَإِنْ قَلَّ. وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَأُنْزِلَتْ مَنْزِلَةَ الْفَرِيضَةِ، حَتَّى إِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ لَيَرْبِطُ الْحَبْلَ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تَكَلُّفَهُمُ ابْتِغَاءَ رِضَاهُ وَضَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَرَدَّهُمْ إِلَى الْفَرِيضَةِ، وَوَضَعَ عَنْهُمْ قِيَامَ اللَّيْلِ إِلَّا مَا تَطَوَّعُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا مَدَنِيَّةٌ، لَكِنْ فِيهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، وَهُوَ شَدِيدُ الضَّعْفِ، فَلَا حُجَّةَ فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ، وَلَوْ صَحَّ مَا رَوَاهُ لَاقْتَضَى ذَلِكَ وُقُوعَ مَا خَشِيَ مِنْهُ ﷺ حَيْثُ تَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ بِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ أَيِ: الْمُتَلَفِّفُ فِي ثِيَابِهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؛ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ زَمَّلْتَ الْقُرْآنَ. فَكَأَنَّ الْأَصْلَ: يَا أَيُّهَا الْمُتَزَمِّلُ.

قَوْلُهُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ مِنْهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي

حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: الْقَلِيلُ مَا دُونَ الْمِعْشَارِ وَالسُّدُسِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: ﴿نِصْفَهُ﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ ﴿قَلِيلا﴾، فَكَأَنَّ فِي الْآيَةِ تَخْيِيرًا بَيْنَ قِيَامِ النِّصْفِ بِتَمَامِهِ، أَوْ قِيَامِ أَنْقَصَ مِنْهُ أَوْ أَزْيَدَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ، وَ ﴿إِلا قَلِيلا﴾ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ النِّصْفِ، حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ، وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مَعْنَاهُ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ.

قَوْلُهُ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ أَيِ: اقْرَأْهُ مُتَرَسِّلًا بِتَبْيِينِ الْحُرُوفِ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرَتِّلُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: ﴿قَوْلا ثَقِيلا﴾ أَيِ: الْقُرْآنُ. وَعَنِ الْحَسَنِ: الْعَمَلُ بِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ، قَالَ: ثَقِيلًا فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَتَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ عَلَى ثِقَلِ الْوَحْيِ حِينَ يَنْزِلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ.

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَشَأَ قَامَ بِالْحَبَشِيَّةِ)؛ يَعْنِي: فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أَيْ: قِيَامُ اللَّيْلِ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هُوَ كَلَامُ الْحَبَشَةِ، نَشَأَ: قَامَ. وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، وَأَبِي مَالِكٍ نَحْوَهُ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالُوا: مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ تَوَافُقِ اللُّغَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَنَاشِئَةُ اللَّيْلِ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فَاعِلَةٍ، مِنْ نَشَأَ إِذَا قَامَ، أَوِ اسْمُ فَاعِلٍ أَيِ النَّفْسُ النَّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ، أَيِ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ مَضْجَعِهَا إِلَى الْعِبَادَةِ، أَيْ تَنْهَضُ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبَيْنِ أَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ بِاللَّيْلِ وَبَدَأَ فَهُوَ نَاشِئٌ، وَقَدْ نَشَأَ. وَفِي الْمَجَازِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: نَاشِئَةُ اللَّيْلِ آنَاءَ اللَّيْلِ نَاشِئَةٌ بَعْدَ نَاشِئَةٍ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّاعَاتِ النَّاشِئَةَ مِنَ اللَّيْلِ - أَيِ: الْمُقْبِلَةَ بَعْضُهَا فِي أَثَرِ بَعْضٍ - هِيَ أَشَدُّ.

قَوْلُهُ: (وَطَاءً، قَالَ: مُوَاطَأَةً لِلْقُرْآنِ، أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ) وَهَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَشَدُّ وَطَاءً؛ أَيْ يُوَافِقُ سَمْعَكَ وَبَصَرَكَ وَقَلْبَكَ بَعْضُهُ بَعْضًا، قَالَ الطَّبَرِيُّ: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكِ: وَاطَأَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ مُوَاطَأَةً وَوَطَاءً. قَالَ: وَقَرَأَ الْأَكْثَرُ: وَطْئًا؛ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الطَّاءِ، ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ: وَطِئْنَا اللَّيْلَ وَطْئًا؛ أَيْ سِرْنَا فِيهِ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾؛ أَثْبَتُ فِي الْخَيْرِ. ﴿وَأَقْوَمُ قِيلا﴾: أَبْلَغُ فِي الْحِفْظِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَشَدُّ وَطْئًا؛ أَيْ قِيَامًا. وَأَصْلُ الْوَطْءِ فِي اللُّغَةِ الثِّقَلُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ.

قَوْلُهُ: (لِيُوَاطِئُوا لِيُوَافِقُوا) هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ تَفْسِيرِ (بَرَاءَةً)، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهَا هُنَا تَأْيِيدًا لِلتَّفْسِيرِ الْأَوَّل، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَكِنْ بِلَفْظِ: لِيُشَابِهُوا.

قَوْلُهُ: ﴿سَبْحًا طَوِيلا﴾؛ أَيْ: فَرَاغًا، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنِ السُّدِّيِّ: سَبْحًا طَوِيلًا؛ أَيْ: تَطَوُّعًا كَثِيرًا، كَأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنَ السُّبْحَةِ؛ وَهِيَ النَّافِلَةُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أَيِ: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْمَدَنِيُّ، وَحُمَيْدٌ هُوَ الطَّوِيلُ.

قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيُّ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَخْ)؛ أَيْ: إِنَّ صَلَاتَهُ وَنَوْمَهُ كَانَ يَخْتَلِفُ بِاللَّيْلِ، وَلَا يُرَتِّبُ وَقْتًا مُعَيَّنًا، بَلْ بِحَسَبِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ الْقِيَامُ. وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: كَانَ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ. فَإِنَّ عَائِشَةَ تُخْبِرُ عَمَّا لَهَا عَلَيْهِ اطِّلَاعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ كَانَتْ تَقَعُ مِنْهُ غَالِبًا فِي الْبَيْتِ، فَخَبَرُ أَنَسٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ. وَقَدْ مَضَى فِي حَدِيثِهَا فِي أَبْوَابِ الْوِتْرِ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخُصُّ الْوِتْرَ بِوَقْتٍ بِعَيْنِهِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ)؛ كَذَا ثَبَتَتِ الْوَاوُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا، فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، كَمَا جَزَمَ بِهِ خَلَفٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ زَائِدَةً مِنَ النَّاسِخِ، فَإِنَّ أَبَا خَالِدٍ الْأَحْمَرَ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ، وَحَدِيثُهُ فِي هَذَا سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وِطَاءً) بكسر الواو: (قَالَ) المؤلِّف، ممَّا وصله عبد بن حُميد من طريق مجاهدٍ: معناه: (مُوَاطَأَةَ القُرْآنِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «مواطأةً للقرآن» بالتَّنوين واللَّام (أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ) ثمَّ ذكر ما يؤيِّد هذا التَّفسير، فقال في قوله تعالى في سورة براءة: ﴿يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لّ﴾ [التوبة: ٣٧]: (﴿لِّيُوَاطِؤُواْ﴾) معناه: (لِيُوَافِقُوا) وقد وصله الطَّبريُّ عن ابن عبَّاسٍ، لكن بلفظ: ليُشابهوا.

١١٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثير المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أنس بن مالك» (﵁، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ) أي: من الشَّهر، زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «شيئًا» (وَ) كان ﵊ (يَصُومُ) منه (١) (حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ) بالنَّصب، وللأَصيليِّ: «أنَّه لا يفطرُ» بالرَّفع (مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ) ﵊ (لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) مصلِّيًا (وَلَا) تشاء أن تراه من اللَّيل (نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) نائمًا، أي: ما أردنا منه ﵊ أمرًا إلَّا وجدناه عليه، إن أردنا أن يكون مصلِّيًا؛ وجدناه مصلِّيًا، وإن أردنا أن نراه نائمًا وجدناه نائمًا، وهو يدلُّ على أنَّه ربَّما نام كلَّ اللَّيل، وهذا سبيلُ التَّطوُّع، فلو استمرَّ الوجوب في قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] لما أخلَّ بالقيام، وفيه أيضًا: أنَّ صلاتَه ونومه كانا يختلفان (٢) باللَّيل، وأنَّه (٣) لا يُرتِّب وقتًا معيَّنًا، بل بحسب ما تيسَّر له من القيام (٤)، لا يقال: يعارضه قول عائشة [خ¦١١٣٢]: «كان إذا سمع الصَّارخَ قام»؛ فإنَّ كلًّا من عائشة وأنس أَخبر بما اطَّلع عليه.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٠٤١١ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى اقال أخبرنَا حَنْظَلَةُ عنِ القاسمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الوِتْرُ وَرَكْعَتا الفَجْرِ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد قُلْنَا عَن قريب: إِن البُخَارِيّ، رَحمَه الله، روى حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن عبيد الله بن مُوسَى فِيمَا قيل عَن إِسْحَاق عَن عبيد الله هَذَا، وَهنا روى عَنهُ بِلَا وَاسِطَة، وَهُوَ يروي عَن حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان الجُمَحِي الْقرشِي من أهل مَكَّة، وَاسم أبي سُفْيَان: الْأسود بن عبد الرَّحْمَن، مَاتَ سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة، وَقد مر فِي أول كتاب الْإِيمَان.

وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن ابْن أبي عدي،. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد ابْن سَلمَة الْمرَادِي عَن عبد الله بن وهب، ثَلَاثَتهمْ عَن حَنْظَلَة بِهِ.

قَوْله: (ثَلَاث عشرَة) مَبْنِيّ على الْفَتْح، وَأَجَازَ الْفراء سُكُون الشين من عشرَة. قَوْله: (مِنْهَا) أيَّ من ثَلَاث عشرَة.

١١ - (بابُ قِيَامِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِاللَّيلِ وَنَوْمِهِ وَمَا نُسْخَ مِنْ قِيامِ اللَّيْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قيام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي: صلَاته بِاللَّيْلِ. قَوْله: (من نَومه) وَفِي بعض النّسخ: (ونومه) ، بواو الْعَطف. قَوْله: (وَمَا نسخ) أَي: بَاب أَيْضا فِي بَيَان مَا نسخ من قيام اللَّيْل.

وقَوْلِهِ تَعَالى: {يَا أيُّهَا المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إلَاّ قَلِيلاً نِصْفُهُ أوُ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أوْ زِدْ عَليهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أشَدُّ وِطاءً وَأقْوَمُ قِيلاً إنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحا طَوِيلاً (ع المزمل: ١ ٧) . وقَوْلُهُ: {عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ الله وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فاقْرَؤا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأقْرِضُوا الله قَرْضا حَسَنا وَمَا تُقَدِّمُوا لأِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ الله هُوَ خَيْرا وَأعْظَمَ أجْرا وَاسْتَغْفِرُوا الله إنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ} (المزمل: ٠٢) .

وَقَوله: بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (وَمَا نسخ من قيام اللَّيْل) وَهُوَ إِلَى آخِره دَاخل فِي التَّرْجَمَة. قَوْله عز وَجل: {يَا أَيهَا المزمل} يَعْنِي: الملتف فِي ثِيَابه، وَأَصله المتزمل، وَهُوَ الَّذِي يتزمل فِي الثِّيَاب، وكل من التف فِي ثَوْبه فقد تزمل، قلبت التَّاء زايا وأدغمت الزَّاي فِي الزَّاي، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: {يَا أَيهَا المزمل} أَي: يَا مُحَمَّد قد زملت الْقُرْآن، وقرىء المتزمل على الأَصْل، والمزمل، بتَخْفِيف الزَّاي وَفتح الْمِيم وَكسرهَا، على أَنه اسْم فَاعل، أَو اسْم مفعول من زمله، وَهُوَ الَّذِي زمله غَيره أَو زمل نَفسه، وَكَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نَائِما بِاللَّيْلِ متزملاً فِي قطيفة،، فنبه وَنُودِيَ بهَا. وَعَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا سُئِلت: مَا كَانَ تزميله؟ قَالَت: كَانَ مِرْطًا طوله أَربع عشرَة ذِرَاعا وَنصفه عَليّ وَأَنا نَائِمَة، وَنصفه عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَسُئِلت: مَا كَانَ؟ فَقَالَت: وَالله مَا كَانَ خَزًّا وَلَا قَزًّا وَلَا مرعزا وَلَا إبْريسَمًا وَلَا صُوفًا، وَكَانَ سداه شعرًا وَلحمَته وَبرا، قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، ثمَّ قَالَ: وَقيل: دخل على خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقد جِئْت فرقا أول مَا أَتَاهُ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وبوادره ترْعد، فَقَالَ: زَمِّلُونِي، وحسبت أَنه عرض لَهُ، فَبَيْنَمَا هوكذلك إِذْ ناداه جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، يَا أَيهَا المزمل. وَعَن عِكْرِمَة: أَن الْمَعْنى: يَا أَيهَا الَّذِي زمل أمرا عَظِيما، أَي: حمله، والزمل: الْحمل، وازدمله: احتمله. انْتهى. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) أَشَارَ إِلَى أَن القَوْل الأول نِدَاء بِمَا يهجن إِلَيْهِ الْحَالة الَّتِي كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهَا من التزميل فِي قطيفة، واستعداده للاشتغال فِي النّوم، كَمَا يفعل من لَا يهمه أَمر وَلَا يعنيه شَأْن، فَأمر أَن يخْتَار على الهجود والتهجد، وعَلى التزمل التشمر، والتخفف لِلْعِبَادَةِ والمجاهدة فِي الله عز وَجل، فَلَا جرم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد تشمر لذَلِك مَعَ أَصْحَابه حق التشمر، وَأَقْبلُوا على إحْيَاء لياليهم، ورفضوا لَهُ الرقاد والدعاة وَجَاهدُوا

فِيهِ حَتَّى انتفخت أَقْدَامهم، واصفرت ألوانهم، وَظَهَرت السيماء فِي وُجُوههم، وترقى أَمرهم إِلَى حد رَحِمهم لَهُ رَبهم، فَخفف عَنْهُم. وَأَشَارَ إِلَى أَن القَوْل الثَّانِي: وَهُوَ قَوْله: وَعَن عَائِشَة، لَيْسَ بتهجين بل هُوَ ثَنَاء عَلَيْهِ وتحسين لحالته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَأمره أَن يَدُوم على ذَلِك. قَوْله: {قُم اللَّيْل إلَاّ قَلِيلا} أَي: مِنْهُ، قَالَ أَبُو بكر الأدفوي: للْعُلَمَاء فِيهِ أَقْوَال: الأول: أَنه لَيْسَ بِفَرْض، يدل على ذَلِك أَن بعده: {نصفه أَو انقص مِنْهُ قَلِيلا أَو زد عَلَيْهِ} وَلَيْسَ كَذَلِك يكون الْفَرْض، وَإِنَّمَا هُوَ ندب. وَالثَّانِي: أَنه هُوَ حتم. وَالثَّالِث: أَنه فرض على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَحده، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: وَقَالَ الْحسن وَابْن سِيرِين: صَلَاة اللَّيْل فَرِيضَة على كل مُسلم، وَلَو قدر حلب شَاة. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: قَالَا ذَلِك لقَوْله تَعَالَى: {فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ} ، وَقَالَ الشَّافِعِي، رَحمَه الله: سَمِعت بعض الْعلمَاء يَقُول: إِن الله تَعَالَى أنزل فرضا فِي الصَّلَاة قبل فرض الصَّلَوَات الْخمس، فَقَالَ: {يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا} الْآيَة، ثمَّ نسخ هَذَا بقوله: {فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ} ثمَّ احْتمل قَوْله: {فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ} أَن يكون فرضا ثَانِيًا، لقَوْله تَعَالَى: {وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ نَافِلَة لَك} (الْإِسْرَاء: ٩٧) . فَوَجَبَ طلب الدَّلِيل من السّنة على أحد الْمَعْنيين، فوجدن سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن لَا وَاجِب من الصَّلَوَات إلاّ الْخمس. قَالَ أَبُو عمر: قَول بعض التَّابِعين: قيام اللَّيْل فرض وَلَو قدر حلب شَاة، قَول شَاذ مَتْرُوك لإِجْمَاع الْعلمَاء أَن قيام اللَّيْل نسخ بقوله: {علم إِن لن تحصوه. .} الْآيَة. وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة: افْترض الْقيام فِي أول هَذِه الصُّورَة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى أَصْحَابه حولا حَتَّى انتفخت أَقْدَامهم، وَأمْسك الله خاتمتها إثني عشر شهرا، ثمَّ نزل التَّخْفِيف فِي آخرهَا، فَصَارَ قيام اللَّيْل تَطَوّعا بعد أَن كَانَ فَرِيضَة، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَزيد بن أسلم وَآخَرين، فِيمَا حكى عَنْهُم النّحاس، وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) : {قُم اللَّيْل} يَعْنِي: قُم اللَّيْل كُله إلاّ قَلِيلا مِنْهُ، فَاشْتَدَّ ذَلِك على النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعَلى أَصْحَابه وَقَامُوا اللَّيْل كُله وَلم يعرفوا مَا حد الْقَلِيل، فَأنْزل الله تَعَالَى: {نصفه أَو انقص مِنْهُ قَلِيلا} فَاشْتَدَّ ذَلِك أَيْضا على النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعَلى أَصْحَابه فَقَامُوا اللَّيْل كُله حَتَّى انتفخت أَقْدَامهم، وَذَلِكَ قبل الصَّلَوَات الْخمس، فَفَعَلُوا ذَلِك سنة، فَأنْزل الله تَعَالَى ناسختها فَقَالَ: {علم أَن لن تحصوه} يَعْنِي: قيام اللَّيْل من الثُّلُث وَالنّصف، وَكَانَ هَذَا قبل أَن تفرض الصَّلَوَات الْخمس، فَلَمَّا فرضت الْخمس نسخت هَذِه كَمَا نسخت الزَّكَاة كل صَدَقَة، وَصَوْم رَمَضَان كل صَوْم، وَفِي (تَفْسِير ابْن الْجَوْزِيّ) : كَانَ الرجل يسهر طول اللَّيْل مَخَافَة أَن يقصر فِيمَا أَمر بِهِ من قيام ثُلثي اللَّيْل أَو نصفه أَو ثلثه، فشق عَلَيْهِم ذَلِك، فَخفف الله عَنْهُم بعد سنة، وَنسخ وجوب التَّقْدِير بقوله: {علم أَن لن تحصوه فَتَابَ عَلَيْكُم فاقرؤا مَا تيَسّر مِنْهُ} أَي: صلوا مَا تيَسّر من الصَّلَاة، وَلَو قدر حلب شَاة، ثمَّ نسخ وجوب قيام اللَّيْل بالصلوات الْخمس بعد سنة أُخْرَى، فَكَانَ بَين الْوُجُوب وَالتَّخْفِيف سنة، وَبَين الْوُجُوب والنسخ بِالْكُلِّيَّةِ سنتَانِ.

ثمَّ إِعْرَاب قَوْله تَعَالَى: {قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا} على مَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ: {نصفه} بدل {من اللَّيْل} و {إِلَّا قَلِيلا} اسْتثِْنَاء من النّصْف، كَأَنَّهُ قَالَ: قُم أقل من نصف اللَّيْل وَالضَّمِير فِي {مِنْهُ} و {عَلَيْهِ} لِلنِّصْفِ، وَالْمعْنَى التَّخْيِير بَين أَمريْن: بَين أَن يقوم أقل من نصف اللَّيْل على الْبَتّ، وَبَين أَن يخْتَار أحد الْأَمريْنِ، وهما النُّقْصَان من النّصْف وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ، وَإِن شِئْت جعلت: نصفه، بَدَلا من: قَلِيلا، وَكَانَ تخييرا بَين ثَلَاث: بَين قيام النّصْف بِتَمَامِهِ، وَبَين النَّاقِص، وَبَين قيام الزَّائِد عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وصف النّصْف بالقلة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكل.

قَوْله: {ورتل الْقُرْآن ترتيلاً} يَعْنِي ترسل فِيهِ. وَقَالَ الْحسن: بَينه، إِذا قرأته. وَقَالَ الضَّحَّاك: إقرأ حرفا حرفا، وروى مُسلم من حَدِيث حَفْصَة: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يرتل السُّورَة حَتَّى تكون أطول من أطول مِنْهَا، وَعَن مُجَاهِد: رتل بعضه على إِثْر بعض على تؤدة، وَعَن ابْن عَبَّاس: بَينه بَيَانا، وَعنهُ: إقرأه على هينتك ثَلَاث آيَات وأربعا وخمسا، وَقَالَ قَتَادَة: تثبت فِيهِ تثبتا، وَقيل: فَصله تَفْصِيلًا وَلَا تعجل فِي قِرَاءَته. وَقَالَ أَبُو بكر بن طَاهِر: تدبر فِي لطائف خطابه، وطالب نَفسك بِالْقيامِ بأحكامه، وقلبك بفهم مَعَانِيه، وسرك بالإقبال عَلَيْهِ. قَوْله: {إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلاً} أَي: الْقُرْآن يثقل الله فَرَائِضه وحدوده، وَيُقَال: هُوَ ثقيل على من خَالفه، وَيُقَال: هُوَ ثقيل فِي الْمِيزَان، خَفِيف على اللِّسَان، وَيُقَال: إِن نُزُوله ثقيل كَمَا قَالَ: {لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل} (الْحَشْر: ١٢) . الْآيَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يَعْنِي بالْقَوْل الثقيل: الْقُرْآن وَمَا فِيهِ من الْأَوَامِر والنواهي الَّتِي هِيَ تكاليف شاقة ثَقيلَة على الْمُكَلّفين، خَاصَّة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ متحملها بِنَفسِهِ ومحملها لأمته، فَهِيَ أثقل عَلَيْهِ وأنهض لَهُ. قَوْله: {إِن ناشئة اللَّيْل} قَالَ السَّمرقَنْدِي: يَعْنِي سَاعَات اللَّيْل، وَهِي مَأْخُوذَة من: نشأت أَي: ابتدأت شَيْئا بعد شَيْء، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِن سَاعَات اللَّيْل الناشئة فَاكْتفى

بِالْوَصْفِ عَن الِاسْم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ناشئة اللَّيْل النَّفس الناشئة بِاللَّيْلِ الَّتِي تنشأ من مضجعها إِلَى الْعِبَادَة، أَي: تنهض وترفع من نشأت السَّحَاب إِذا ارْتَفَعت، وَنَشَأ من مَكَانَهُ وَنشر إِذا نَهَضَ، أَو: قيام اللَّيْل، على أَن الناشئة مصدر من نَشأ إِذا أَقَامَ ونهض على فاعلة كالعاقبة. قَوْله: {هِيَ أَشد وطأ} قَالَ السَّمرقَنْدِي: يَعْنِي: أثقل على الْمُصَلِّي من سَاعَات النَّهَار، فَأخْبر أَن الثَّوَاب على قدر الشدَّة، قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن عَامر: أَشد وطاء، بِكَسْر الْوَاو وَمد الْألف، وَالْبَاقُونَ بِنصب الْوَاو بِغَيْر مد، فَمن قَرَأَ بِالْكَسْرِ يَعْنِي: أَشد مواطاة، أَي: مُوَافقَة بِالْقَلْبِ والسمع، يَعْنِي: أَن الْقِرَاءَة فِي اللَّيْل يتواطأ فِيهَا قلب الْمُصَلِّي وَلسَانه وسَمعه على التفهم، وَمن قَرَأَ بِالنّصب أبلغ فِي الْقيام وَأبين فِي القَوْل. قَوْله: {وأقوم قيلا} يَعْنِي: أثبت للْقِرَاءَة، وَعَن الْحسن: أبلغ فِي الْخَبَر وَأَمْنَع من هَذَا الْعَدو. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أقوم قيلاً. أَشد مقَالا وَأثبت قِرَاءَة لهدوِّ الْأَصْوَات. وَعَن أنس: أَنه قَرَأَ: وأصوب قيلاً د فَقيل لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَة إِنَّمَا هِيَ أقوم قيلاً. فَقَالَ: إِن أقوم وأهيأ وَاحِد. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : أقوم قيلاً، أصح قولا وَأَشد استقامة وصوابا بالفراغ الْقلب، وَقيل: أعجل إِجَابَة للدُّعَاء. قَوْله: {إِن لَك فِي النَّهَار سبحا طَويلا} قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: سبحا: تَصرفا وتقلبا فِي مهماتك وشواغلك، وَقَالَ السَّمرقَنْدِي: سبحا فراغا طَويلا تقضي حوائجك فِيهِ، ففرغ نَفسك لصَلَاة اللَّيْل. وَعَن السّديّ: سبحا طَويلا أَي: تَطَوّعا كثيرا كَأَنَّهُ جعله من السبحة، وَهِي النَّافِلَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أما الْقِرَاءَة بِالْخَاءِ فاستعارة من: سبخ الصُّوف، وَهُوَ نفشه وَنشر أَجْزَائِهِ لانتشار الْهم وتفرق الْقلب بالشواغل، كلفه بِقِيَام اللَّيْل، ثمَّ ذكر الْحِكْمَة فِيمَا كلفه مِنْهُ، وَهُوَ: أَن اللَّيْل أَهْون على المواطأة وَأَشد للْقِرَاءَة لهدوِّ الرجل وخفوت الصَّوْت، وَأَنه أجمع للقلب وأهم لنشر الْهم من النَّهَار، لِأَنَّهُ وَقت تَفْرِيق الهموم وتوزع الخواطر والتقلب فِي حوائج المعاش والمعاد. قَوْله: {علم أَن لن تحصوه} هَذَا مُرْتَبِط بِمَا قبله، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {إِن رَبك يعلم أَنَّك تقوم أدنى من ثُلثي اللَّيْل وَنصفه وَثلثه وَطَائِفَة من الَّذين مَعَك وَالله يقدر اللَّيْل وَالنَّهَار علم أَن لن تحصوه} أَي: علم الله أَن لن تُطِيقُوا قيام اللَّيْل، وَقيل: الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى مصدر مُقَدّر، أَي: علم أَن لَا يَصح مِنْكُم ضبط الْأَوْقَات، وَلَا يَتَأَتَّى حِسَابهَا بالتعديل والتسوية إلاّ أَن تَأْخُذُوا بالأوسع للِاحْتِيَاط، وَذَلِكَ شاق عَلَيْكُم بَالغ مِنْكُم. قَوْله: {فَتَابَ عَلَيْكُم} عبارَة عَن الترخيص فِي ترك الْقيام الْمُقدر. قَوْله: {فاقرأوا مَا تيَسّر} قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: عبر عَن الصَّلَاة بِالْقِرَاءَةِ، لِأَنَّهَا بعض أَرْكَانهَا، كَمَا عبر عَنْهَا بِالْقيامِ وَالرُّكُوع وَالسُّجُود، يُرِيد: فصلوا مَا تيَسّر عَلَيْكُم من صَلَاة اللَّيْل، وَهَذَا نَاسخ للْأولِ، ثمَّ نسخا جَمِيعًا بالصلوات الْخمس، وَقيل: هِيَ قِرَاءَة الْقُرْآن بِعَينهَا. قيل: يقْرَأ مائَة آيَة، وَمن قَرَأَ مائَة آيَة فِي لَيْلَة لم يحاجه الْقُرْآن. وَقيل: من قَرَأَ مائَة آيَة كتب من القانتين. وَقيل: خمسين آيَة، وَقد بَين الْحِكْمَة فِي النّسخ بقوله: {علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى} لَا يقدرُونَ على قيام اللَّيْل {وَآخَرُونَ يضْربُونَ فِي الأَرْض} يَعْنِي: يسافرون فِي الأَرْض {يَبْتَغُونَ من فضل الله} يَعْنِي: فِي طلب الْمَعيشَة يطْلبُونَ الرزق من الله تَعَالَى: {وَآخَرُونَ يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله} يَعْنِي: يجاهدون فِي طَاعَة الله تَعَالَى. قَوْله: {فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ} أَي: من الْقُرْآن. قيل: فِي صَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء. قَوْله: {وَأقِيمُوا الصَّلَاة} أَي: الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة. {وَآتوا الزَّكَاة} الْوَاجِبَة، وَقيل: زَكَاة الْفطر، وَإِنَّمَا وَجَبت بعد ذَلِك، وَمن فَسرهَا بِالزَّكَاةِ الْوَاجِبَة جعل آخر السُّورَة مدنيا. قَوْله: {وأقرضوا الله قرضا حسنا} قيل: يُرِيد سَائِر الصَّدقَات المستحبة، وَسَماهُ قرضا تَأْكِيدًا للجزاء. وَقيل: تصدقوا من أَمْوَالكُم بنية خَالِصَة من مَال حَلَال. قَوْله: {وَمَا تقدمُوا لأنفسكم من خير} يَعْنِي: مَا تَعْمَلُونَ من الْأَعْمَال الصَّالِحَة وتتصدقون بنية خَالِصَة {تَجِدُوهُ عِنْد الله} يَعْنِي: تَجِدُونَ ثَوَابه فِي الْآخِرَة. قَوْله: (هُوَ خيرا} ثَانِي مفعولي: وجد، وَهُوَ فصل، وَجَاز وَإِن لم يَقع بَين معرفتين، لِأَن أفعل من أشبه فِي امْتِنَاعه من حُرُوف التَّعْرِيف بالمعرفة. قَوْله: {وَاسْتَغْفرُوا الله} يَعْنِي: أطلبوا من الله لذنوبكم الْمَغْفِرَة، وَقيل: اسْتَغْفرُوا الله من تَقْصِير وذنب وَقع مِنْكُم. {إِن الله غَفُور} لمن تَابَ {رَحِيم} لمن اسْتغْفر.

قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نَشَأَ قامَ بالحَبَشِيَّة

هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد بن حميد الْكَجِّي فِي (تَفْسِيره) بِسَنَد صَحِيح عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن سعيد بن جُبَير (عَن ابْن عَبَّاس: {إِن ناشئة اللَّيْل} (المزمل: ٦) . قَالَ هُوَ بِكَلَام الحبشية: نَشأ قَامَ) . وأنبأنا عبد الْملك بن عَمْرو عَن رَافع

ابْن عَمْرو عَن ابْن أبي مليكَة: (سُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن قَوْله تَعَالَى: {إِن ناشئة اللَّيْل} (المزمل: ٦) . فَقَالَ أَي اللَّيْل قُمْت فقد أنشأت) وَفِي عبد أَيْضا: عَن أبي ميسرَة، قَالَ: هُوَ كَلَام الْحَبَشَة: نَشأ قَامَ، وَعَن أبي مَالك: قيام اللَّيْل بِلِسَان الْحَبَشَة: ناشئة، وَعَن قَتَادَة وَالْحسن وَأبي مجلز: كل شَيْء بعد الْعشَاء: ناشئة، وَقَالَ مُجَاهِد: إِذا قُمْت من اللَّيْل تصلي فَهِيَ ناشئة، وَفِي رِوَايَة: أَي سَاعَة تهجد فِيهَا. وَقَالَ مُعَاوِيَة بن قُرَّة: هِيَ قيام اللَّيْل. وَعَن عَاصِم: ناشئة اللَّيْل، مَهْمُوزَة الْيَاء، وَفِي (الْمجَاز) لأبي عُبَيْدَة: ناشئة اللَّيْل ناشئة بعد ناشئة. وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمَعَالِي: ناشئة اللَّيْل: أول ساعاته. وَيُقَال: أول مَا ينشأ من اللَّيْل من الطَّاعَات هِيَ النشيئة. وَفِي (الْمُحكم) : الناشئة أول النَّهَار وَاللَّيْل. وَقيل: الناشئة إِذا نمت من أول اللَّيْل نومَة، ثمَّ قُمْت، وَفِي (كتاب الْهَرَوِيّ) : كل مَا حدث بِاللَّيْلِ وبدا فَهُوَ ناشىء، وَقد نَشأ وَالْجمع: ناشئة.

وَاخْتلف الْعلمَاء، هَل فِي الْقُرْآن شَيْء بِغَيْر الْعَرَبيَّة؟ فَذهب بَعضهم، إِلَى أَن غير الْعَرَبيَّة مَوْجُود فِي الْقُرْآن: كسجيل وفردوس وناشئة، وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه لَيْسَ الْقُرْآن شَيْء بِغَيْر الْعَرَبيَّة، وَقَالُوا: مَا ورد من ذَلِك فَهُوَ من توَافق اللغتين، فعلى هَذَا لفظ، ناشئة، إِمَّا مصدر على وزن: فاعلة، كعاقبة من نَشأ إِذا قَامَ، أَو هُوَ: اسْم فَاعل، صفة لمَحْذُوف تَقْدِيره: النَّفس الناشئة، كَمَا نقلنا عَن الزَّمَخْشَرِيّ عَن قريب.

وِطَاءً قَالَ مُوَاطأةَ القُرآنِ أشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وقَلْبِهِ لِيُوَاطِؤُا لِيُوَافِقُوا

وَفِي بعض النّسخ: وطاءً قَالَ مواطأة أَي: قَالَ البُخَارِيّ: معنى: وطأ مواطأة لِلْقُرْآنِ، وَفِي بعض النّسخ: مواطأة لِلْقُرْآنِ يَعْنِي: إِن ناشئة اللَّيْل، هُوَ أَشد مواطاة لِلْقُرْآنِ، وَهَذَا التَّعْلِيق أَيْضا وَصله عبد بن حميد من طَرِيق مُجَاهِد. وَقَالَ أَشد وطاء، أَي: يُوَافق سَمعك وبصرك وقلبك بعضه بَعْضًا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (ليواطؤا ليوافقوا) هَذَا من تَفْسِير بَرَاءَة من قَوْله تَعَالَى: {يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما ليواطؤا عدَّة مَا حرم الله} (التَّوْبَة: ٧٣) . الْآيَة، وَذكر أَن مَعْنَاهُ: ليوافقوا، وَإِنَّمَا ذكره هَهُنَا تَأْكِيدًا لتفسيره: وطاء، وَقد وَصله الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس، لَكِن بِلَفْظ: (ليشابهوا) .

١٤١١ - عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني محَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ أنَّهُ سَمِعَ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنُّ أنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ شَيْئا ويَصُومُ حَتَّى نَظُنُّ أنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئا وكانَ لَا تَشَاءُ أنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَليا إلَاّ رَأيْتَهُ نائِما إلَاّ رَأيْتَهُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ لإنشاء أَن ترَاهُ من اللَّيْل مُصَليا إلاّ رَأَيْته) ، وَهُوَ قيام اللَّيْل.

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد الْعَزِيز عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير ضد الْقَلِيل مر فِي كتاب الْحيض. الثَّالِث: حميد، بِضَم الْحَاء: ابْن أبي حميد الطَّوِيل. الرَّابِع: أنس بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين مَاضِيا ومضارعا. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَهُوَ وَمُحَمّد بن جَعْفَر مدنيان، وَحميد بَصرِي.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن لَا يَصُوم مِنْهُ) ، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل النصب على أَنه مفعول: يظنّ، قَوْله: (مِنْهُ شَيْئا) ، أَي: من الشَّهْر شَيْئا من الصَّوْم، وَلَفظه: شَيْئا، فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا لَيْسَ فِيهِ هَذَا اللَّفْظ. قَوْله: (وَكَانَ) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَوْله: (وَلَا نَائِما) أَي: وَلَا تشَاء أَن ترَاهُ من اللَّيْل نَائِما إلاّ رَأَيْته نَائِما.

وَالَّذِي يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث: أَن صلَاته ونومه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يخْتَلف بِاللَّيْلِ، وَلَا يَتَرَتَّب وقتا معينا بل بِحَسب مَا تيَسّر لَهُ الْقيام. فَإِن قلت: يُعَارضهُ حَدِيث عَائِشَة: (كَانَ إِذا سمع الصَّارِخ قَامَ) . قلت: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخْبرت بِحَسب مَا اطَّلَعت عَلَيْهِ، لِأَن صَلَاة اللَّيْل غَالِبا كَانَت تقع مِنْهُ فِي الْبَيْت، وَخبر أنس مَحْمُول على مَا وَرَاء ذَلِك.

تابَعَهُ سُلَيْمَانُ وأبُو خالِدٍ الأحْمَرُ عنْ حُمَيْدٍ

أَي: تَابع مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد سُلَيْمَان ذكر خلف أَنه ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي التَّيْمِيّ وَلَاء.

قَوْله: (وَأَبُو خَالِد) عطف عَلَيْهِ، أَي: وتابع مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد أَبُو خَالِد سُلَيْمَان بن حبَان الملقب بالأحمر، وَهَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ، بواو الْعَطف، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون سُلَيْمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَيحْتَمل أَن تكون الْوَاو زَائِدَة فَإِن أَبَا خالدٍ الْأَحْمَر اسْمه سُلَيْمَان. قلت: هَذَا كَلَام غير موجه، لِأَن زِيَادَة: وَاو، الْعَطف نادرة، بِخِلَاف الأَصْل، سِيمَا الحكم بذلك بِالِاحْتِمَالِ فَلَا يلْزم من كَون اسْم أبي خَالِد سُلَيْمَان أَن يكون سُلَيْمَان الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِيَّاه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: وَأَبُو خَالِد بِالْوَاو، فَلَا بُد أَن يُقَال: سُلَيْمَان الْمَذْكُور غير سُلَيْمَان المكنى بِأبي خَالِد، ولولاه لَكَانَ شخصا وَاحِدًا مَذْكُورا بالإسم والكنية وَالصّفة، أما مُتَابعَة سُلَيْمَان فَقَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب مَا يذكر من صَوْم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد (عَن أنس أَن أنسا يَقُول: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يفْطر من الشَّهْر) الحَدِيث، وَفِي آخِره قَالَ سُلَيْمَان عَن حميد إِنَّه سَأَلَ أنسا فِي الصَّوْم، وَأما مُتَابعَة أبي خَالِد فقد ذكرهَا البُخَارِيّ فِي كتاب الصّيام، وَنَذْكُر مَا فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٢١ - (بابُ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قافِيَةِ الرَّأسِ إذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عقد الشَّيْطَان على قافية رَأس النَّائِم إِذا نَام، وَلم يصل، وقافية الرَّأْس: قَفاهُ، وقافية كل شَيْء آخِره، قَالَه الْأَزْهَرِي وَغَيره.

٢٤١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِك عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قافِيةِ رَأسِ أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كلَّ عُقْدَةٍ علَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ فإنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحلَّتْ عُقْدَةٌ فانْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فأصْبَحَ نَشِيطا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإلَاّ أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ.

(الحَدِيث ٢٤١١ طرفه فِي: ٩٦٢٣) .

اعْترض بِأَنَّهُ لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن الحَدِيث مُطلق والترجمة مُقَيّدَة، وَأجِيب: بِأَن مُرَاده أَن اسْتِدَامَة العقد إِنَّمَا يكون على ترك الصَّلَاة، وَجعل من صلى وانحلت عقده كمن لم يعْقد عَلَيْهِ لزوَال أَثَره، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون الصَّلَاة المنفية فِي التَّرْجَمَة صَلَاة الْعشَاء، فَيكون التَّقْدِير: إِذا لم يصل الْعشَاء، فَكَأَنَّهُ يرى أَن الشَّيْطَان إِنَّمَا يفعل ذَلِك لمن نَام قبل صَلَاة الْعشَاء، بِخِلَاف من صلاهَا، وَلَا سِيمَا فِي الْجَمَاعَة. انْتهى. قلت: قَوْله: (إِذا لم يصل) أَعم من أَن لَا يُصَلِّي الْعشَاء أَو غَيرهَا من صَلَاة اللَّيْل، وَلَا قرينَة لتقييدها بالعشاء، وَظَاهر الحَدِيث يدل على أَن العقد يكون عِنْد النّوم، سَوَاء صلى قبله أَو لم يصل، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن زَنْجوَيْه فِي كتاب الْفَضَائِل من حَدِيث أبي لَهِيعَة عَن أبي عشانة، سمع عقبَة بن عَامر يَقُول عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يقوم أحدكُم من اللَّيْل يعالج طهوره وَعَلِيهِ عقد، فَإِذا وضأ يَده انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ وَجهه انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا مسح بِرَأْسِهِ انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ رجلَيْهِ انْحَلَّت عقدَة) . وَمن حَدِيث ابْن لَهِيعَة أَيْضا عَن أبي الزبير (عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَيْسَ فِي الأَرْض نفس من ذكر وَأُنْثَى إلاّ وعَلى رَأسه جرير معقدة، فَإِن اسْتَيْقَظَ فَتَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة، وَإِن اسْتَيْقَظَ وَصلى حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يصل وَلم يتَوَضَّأ أَصبَحت العقد كَمَا هِيَ) . والجرير: بِفَتْح الْجِيم: الْحَبل. وَفِي (كتاب الثَّوَاب) لآدَم بن أبي إِيَاس الْعَسْقَلَانِي، من حَدِيث الرّبيع بن صبيح: عَن الْحسن قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من عبد ينَام إلاّ وعَلى رَأسه ثَلَاث عقد، فَإِن هُوَ تعار من اللَّيْل فسبح الله وحمده وَهَلله وَكبره حلت عقدَة، وَإِن عزم الله لَهُ فَقَامَ وَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يفعل شَيْئا من ذَلِك حَتَّى يصبح أصبح وَالْعقد كلهَا كَمَا هِيَ) .

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز،. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يعْقد الشَّيْطَان) الْكَلَام فِي العقد والشيطان. أما العقد فقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْحَقِيقَة بِمَعْنى السحر للْإنْسَان، وَمنعه من الْقيام كَمَا يعْقد السَّاحر من سحره، وَأكْثر مَا يَفْعَله النِّسَاء تَأْخُذ إِحْدَاهُنَّ الْخَيط فتعقد مِنْهُ عقدا وتتكلم عَلَيْهَا بالكلمات فيتأثر المسحور عِنْد ذَلِك، كَمَا أخبر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم {وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد} (الفلق: ٤) . فَالَّذِي خذل يعْمل فِيهِ وَالَّذِي وفْق يصرف عَنهُ، وَالدَّلِيل على كَونه على الْحَقِيقَة مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَمُحَمّد بن نصر من طَرِيق صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (على قافية رَأس أحدكُم حَبل فِيهِ ثَلَاث عقد) ، وروى أَحْمد من طَرِيق الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِذا نَام أحدكُم عقد على رَأسه بجرير) ، وروى ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: (مَا من ذكر وَلَا أُنْثَى إلاّ على رَأسه جرير مَعْقُود حِين يرقد) ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْمجَاز كَأَنَّهُ شبه فعل الشَّيْطَان بالنائم بِفعل السَّاحر بالمسحور، وَقيل: هُوَ من عقد الْقلب وتصميمه فَكَأَنَّهُ يوسوس بِأَن عَلَيْك لَيْلًا طَويلا فَيتَأَخَّر عَن الْقيام بِاللَّيْلِ، وَقَالَ صَاحب (النِّهَايَة) : المُرَاد مِنْهُ تثقيله فِي النّوم وإطالته، فَكَأَنَّهُ قد سد عَلَيْهِ سدا وَعقد عَلَيْهِ عقدا. وَقَالَ ابْن بطال: قد فسر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، معنى العقد بقوله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) ، فَكَأَنَّهُ يَقُولهَا إِذا أَرَادَ النَّائِم الاستيقاظ. وَقَالَ ابْن بطال أَيْضا: وَرَأَيْت لبَعض من فسر هَذَا الحَدِيث العقد الثَّلَاث هِيَ: الْأكل وَالشرب وَالنَّوْم. وَقَالَ أَلا يرى أَنه من أَكثر الْأكل وَالشرب أَنه يكثر النّوم لذَلِك؟ واستبعد بَعضهم هَذَا القَوْل لقَوْله فِي الحَدِيث: (إِذا هُوَ نَام) ، فَجعل العقد حِينَئِذٍ، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ مثل، واستعاره من عقد بني آدم، وَلَيْسَ المُرَاد العقد نَفسهَا، وَلَكِن لما كَانَ بَنو آدم يمْنَعُونَ بعقدهم ذَلِك تصرف من يحاول فِيمَا عقده كَأَن هَذَا مثله من الشَّيْطَان للنائم الَّذِي لَا يقوم من نَومه إِلَى مَا يحب من ذكر الله تَعَالَى وَالصَّلَاة.

وَأما الشَّيْطَان: فَيجوز أَن يُرَاد بِهِ الْجِنْس، وَيكون فَاعل ذَلِك القرين أَو غَيره من أعوان الشَّيْطَان. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ رَأس الشَّيَاطِين وَهُوَ إِبْلِيس لَعنه الله. قلت: يُعَكر عَلَيْهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا: أَن النائمين عَن قيام اللَّيْل كثير لَا يُحْصى، فإبليس لَا يلحقهم بذلك إلاّ أَن يكون جَوَاز نِسْبَة ذَلِك إِلَيْهِ لكَونه آمرا لأعوانه بذلك، وَهُوَ الدَّاعِي إِلَيْهِ وَالْآخر: أَن مَرَدَة الشَّيَاطِين يصفدون فِي شهر رَمَضَان وأكبرهم إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة.

قَوْله: (على قافية رَأس أحدكُم) أَي: مُؤخر عُنُقه، وَقد ذكرنَا أَن قافية كل شَيْء مؤخره، وَمِنْه قافية القصيدة، وَفِي (الْمُحكم) : القافية: هِيَ الْقَفَا، وَقيل: هِيَ وسط الرَّأْس. قَوْله: (إِذا هُوَ نَام) ، أَي: حِين نَام، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين هَكَذَا: (إِذا هُوَ نَام) ، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي (إِذا هُوَ نَائِم) على وزن اسْم الْفَاعِل، وَقَالَ بَعضهم: وَالْأول أصوب وَهُوَ الَّذِي فِي (الْمُوَطَّأ) قلت: رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لَا تدل على أَن ذَلِك أصوب، بل الظَّاهِر أَن رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي أصوب لِأَنَّهَا جملَة إسمية وَالْخَبَر فِيهَا إسم. قَوْله: (ثَلَاث عقد) كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله: (يعْقد) ، وَالْعقد، بِضَم الْعين وَفتح الْقَاف: جمع عقدَة. قَوْله: (يضْرب على كل عقدَة) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (على مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَمعنى يضْرب، يضْرب بِيَدِهِ على كل عقدَة، ذكر هَذَا تَأْكِيدًا وإحكاما لما يَفْعَله، وَقيل: يضْرب بالرقاد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف} (الْكَهْف: ١١) . وَمَعْنَاهُ: حجب الْحس عَن النَّائِم حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظ. قَوْله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) أَي: يضْرب قَائِلا: عَلَيْك ليل طَوِيل، وَوَقع فِي جَمِيع رِوَايَات البُخَارِيّ هَكَذَا: (ليل طَوِيل) بِالرَّفْع فيهمَا، فارتفاع: ليل، بِالِابْتِدَاءِ، و: عَلَيْك، خَبره مقدما وارتفاع: طَوِيل، بالوصفية. وَيجوز أَن يكون ارْتِفَاع: ليل، بِفعل مَحْذُوف وَتَقْدِيره: بَقِي عَلَيْك ليل طَوِيل، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل الْمَحْذُوف، أَي: يضْرب كل عقدَة قَائِلا هَذَا الْكَلَام، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي مُصعب فِي (الْمُوَطَّأ) عَن مَالك: (عَلَيْك لَيْلًا طَويلا) ، وَهِي رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد فِي رِوَايَة مُسلم. قَالَ عِيَاض: رِوَايَة الْأَكْثَرين عَن مُسلم بِالنّصب على الإغراء. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرّفْع أولى من جِهَة الْمَعْنى لِأَنَّهُ الأمكن فِي الْغرُور من حَيْثُ إِنَّه يُخبرهُ عَن طول اللَّيْل: ثمَّ يَأْمُرهُ بالرقاد بقوله: (فارقد) ، وَإِذا نصب على الإغراء لم يكن فِيهِ إلاّ الْأَمر بملازمة طول الرقاد، وَحِينَئِذٍ يكون قَوْله: (فارقد) ضائعا. قلت: لَا نسلم أَنه يكون ضائعا، بل يكون تَأْكِيدًا ثمَّ إِن مَقْصُود الشَّيْطَان بذلك تسويفه بِالْقيامِ والإلباس عَلَيْهِ. قَوْله (فَذكر الله انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ وَكَذَلِكَ قَوْله: (فَإِن تَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ. وَقَوله: (فَإِن صلى انْحَلَّت عقدَة) بِضَم الْعين بِلَفْظ الْجمع هَذَا الاخلاف فِيهِ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَوَقع لبَعض رُوَاة الْمُوَطَّأ بِالْإِفْرَادِ وَذكر ابْن قرقول انه اخْتلف فِي الْأَخِيرَة مِنْهَا، فَوَقع فِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لِابْنِ وضاح

انْحَلَّت عقد) على الْجمع، وَكَذَا ضبطناه فِي البُخَارِيّ وَفِي غَيرهمَا: (عقدَة) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَالْجمع أولى لَا سِيمَا وَقد جَاءَ مُسلم فِي الأولى: عقدَة وَفِي الثَّانِيَة: عقدان، وَفِي الثَّالِثَة: انْحَلَّت العقد. قَوْله: (أصبح نشيطا) أَي: لسروره بِمَا وَفقه الله تَعَالَى من الطَّاعَة وَطيب النَّفس لما بَارك الله لَهُ فِي نَفسه وتصرفه فِي كل أُمُوره، وَبِمَا زَالَ عَنهُ من عقد الشَّيْطَان. قَوْله: (وإلاّ أصبح خَبِيث النَّفس) يَعْنِي: بِتَرْكِهِ مَا كَانَ اعتاده أَو نَوَاه من فعل الْخَيْر. قَوْله: (كسلان) يَعْنِي: بِبَقَاء أثر تثبيط الشَّيْطَان عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَاعْلَم أَن مُقْتَضى (وإلَاّ أصبح) أَن من لم يجمع الْأُمُور الثَّلَاثَة: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَهُوَ دَاخل تَحت من يصبح خبيثا كسلان وَإِن أَتَى بِبَعْضِهَا. قلت: فعلى هَذَا تَقْدِير الْكَلَام: وَإِن لم يذكر وَلم يتَوَضَّأ وَلم يصل يصبح خَبِيث النَّفس كسلان.

الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قيل: إِن أَبَا بكر وَأَبا هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَا يوتران أول اللَّيْل وينامان آخِره؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد: الَّذِي ينَام وَلَا نِيَّة لَهُ فِي الْقيام، وَأما من صلى من النَّافِلَة مَا قدر لَهُ ونام بنية الْقيام فَلَا يدْخل فِي ذَلِك، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : بِدَلِيل قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من امرىء يكون لَهُ صَلَاة بلَيْل فغلبه عَلَيْهَا نوم إلَاّ كتب لَهُ أجر صلَاته، وَكَانَ نَومه صَلَاة) . ذكره ابْن التِّين قلت: روى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) فِي: بَاب من نوى أَن يُصَلِّي من اللَّيْل، من حَدِيث شُعْبَة، قَالَ أَبُو ذَر وَأَبُو الدَّرْدَاء، شكّ شُعْبَة: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من عبد يحدث نَفسه بِقِيَام سَاعَة من اللَّيْل فينام عَنْهَا إلَاّ كَانَ نَومه صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْهِ وَكتب لَهُ أجر مَا نوى) .

وَمِنْهَا مَا قيل: فِي هَذَا الحَدِيث مَا يُعَارض قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَقُولَن أحدكُم خبثت نَفسِي؟) وَأجِيب: بِأَن النَّهْي إِنَّمَا ورد عَن إِضَافَة الْمَرْء ذَلِك إِلَى نَفسه كَرَاهَة لتِلْك الْكَلِمَة، وَهَذَا الحَدِيث وَقع ذما لفعله، وَلكُل من الْخَبَرَيْنِ وَجه، وَقَالَ الْبَاجِيّ: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين اخْتِلَاف لِأَنَّهُ نهي عَن إِضَافَة ذَلِك إِلَى النَّفس، لكَون الْخبث فَمَعْنَى فَسَاد الدّين، وَوصف بعض الْأَفْعَال بذلك تحذيرا مِنْهَا وتنفيرا.

وَمِنْهَا مَا قيل: مَا فَائِدَة تَقْيِيد العقد بِالثلَاثِ؟ وَأجِيب: بإنه أما تَأْكِيد وَإِمَّا لِأَن مَا ينْحل بِهِ العقد ثَلَاثَة أَشْيَاء: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَكَانَ الشَّيْطَان منع عَن كل وَاحِد مِنْهَا بعقدة عقدهَا على قافيته.

وَمِنْهَا مَا قيل: مَا وَجه تَخْصِيص قافية الرَّأْس بِضَرْب العقد عَلَيْهَا. وَأجِيب بِأَنَّهَا مَحل الواهمة وَمحل تصرفها، وَهِي أطوع القوى للشَّيْطَان وأسرعها إِجَابَة لدعوته.

وَمِنْهَا مَا قيل: أَنه قد يظنّ أَن بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره أَن قارىء آيَة الْكُرْسِيّ عِنْد نَومه لَا يقربهُ شَيْطَان تعَارض؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد من العقد إِن كَانَ أمرا معنويا، وَمن الْقرب أمرا حسيا أَو بِالْعَكْسِ، فَلَا إِشْكَال، وَإِن كَانَ كِلَاهُمَا معنويا أَو بِالْعَكْسِ فَيكون أَحدهمَا مَخْصُوصًا، وَالْأَقْرَب أَن يكون حَدِيث الْبَاب مَخْصُوصًا بِمن لم يقْرَأ آيَة الْكُرْسِيّ لطرد الشَّيْطَان.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الذّكر يطرد الشَّيْطَان، وَكَذَا الْوضُوء وَالصَّلَاة، وَلَا يتَعَيَّن للذّكر شَيْء مَخْصُوص لَا يجزىء غَيره، بل كل مَا يصدق عَلَيْهِ، ذكر الله تَعَالَى أَجزَأَهُ، وَيدخل فِيهِ تِلَاوَة الْقُرْآن، وَأولى مَا يذكر فِيهِ مَا سَيَجِيءُ فِي: بَاب فضل من تعار من اللَّيْل، إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قلت: كَيفَ حكم الْجنب؟ فَهَل تحل عقدته بِالْوضُوءِ؟ قلت: لَا تحل إلاّ بالاغتسال وَتَخْصِيص الْوضُوء بِالذكر لكَونه الْغَالِب، وَالتَّيَمُّم يقوم مقامهما عِنْد جَوَازه، وَالله أعلم.

٣٤١١ - حدَّثنا مُؤَمِّلُ بنُ هِشَامٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا عَوفٌ قَالَ حدَّثنا أبُو رَجَاءٍ قَالَ حدَّثَنَا سَمْرَةُ بنُ جُنْدَبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الرُّؤيَا قَالَ أمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأسُهُ بِالحَجَرِ فإنَّهُ يَأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنَامُ عنِ الصَّلَاة المَكْتُوبَةِ..

زعم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن حَدِيث سَمُرَة هَذَا لَا يدْخل فِي هَذَا الْبَاب لِأَن رفض الْقُرْآن لَيْسَ ترك الصَّلَاة بِاللَّيْلِ. قلت: حفظ شَيْئا وَغَابَ عَنهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ، فَفِي الحَدِيث: (وينام عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) ، وَالْمرَاد مِنْهَا الْعشَاء الْآخِرَة، فَأَي مُنَاسبَة تطلب بِأَكْثَرَ من هَذَا؟

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُؤَمل، بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول: ابْن هِشَام الْبَصْرِيّ ختن شَيْخه إِسْمَاعِيل بن علية، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح اللَّام، وَعليَّة اسْم أمه، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم الْأَسدي الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث أَو أَربع وَتِسْعين وَمِائَة بِبَغْدَاد. الثَّالِث: عَوْف الْأَعرَابِي، مر فِي: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان. الرَّابِع: أَبُو رَجَاء، بخفة الْجِيم وبالمد: اسْمه عمرَان بن ملْحَان العطاردي.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ، ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ لِيُوَافِقُوا

١١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنْ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنْ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ.

تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ حُمَيْدٍ.

[الحديث ١١٤٢ - أطرافه في: ٣٥٦٣، ١٩٧٣، ١٩٧٢]

قَوْلُهُ: (بَابُ قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ مِنْ نَوْمِهِ، وَمَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ﴾؛ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ - يَعْنِي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ - فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرْضِيَّتِهِ، وَاسْتَغْنَى الْبُخَارِيُّ عَنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ - لِكَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ - بِمَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَنَسٍ، فَإِنَّ فِيهِ: وَلَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا نَامَ كُلَّ اللَّيْلِ، وَهَذَا سَبِيلُ التَّطَوُّعِ، فَلَوِ اسْتَمَرَّ الْوُجُوبُ لَمَا أَخَلَّ بِالْقِيَامِ. وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ.

وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَاهِدًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَنَّ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالنَّسْخِ سَنَةً، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنْهُمْ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ النَّسْخَ وَقَعَ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى فَرْضِ الْخَمْسِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَكَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ آخِرَ السُّورَةِ نَسَخَ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ، إِلَّا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ثُمَّ نُسِخَ فَرْضُ ذَلِكَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَاسْتَشْكَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَالتَّعَقُّبُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَتَضَمَّنَ كَلَامُهُ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي نَسَخَتِ الْوُجُوبَ مَدَنِيَّةٌ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا مَكِّيَّةٌ. نَعَمْ، ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ إِلَّا الْآيَةَ الْأَخِيرَةَ، وَقَوَّى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ هَذَا الْقَوْلَ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، أَنَّ نَسْخَ قِيَامِ اللَّيْلِ وَقَعَ لَمَّا تَوَجَّهُوا مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي جَيْشِ الْخَبَطِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ.

لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ طَحْلَاءَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصِيرًا، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ، وَفِيهِ: اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ خَيْرَ الْعَمَلِ أَدْوَمُهُ، وَإِنْ قَلَّ. وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَأُنْزِلَتْ مَنْزِلَةَ الْفَرِيضَةِ، حَتَّى إِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ لَيَرْبِطُ الْحَبْلَ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تَكَلُّفَهُمُ ابْتِغَاءَ رِضَاهُ وَضَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَرَدَّهُمْ إِلَى الْفَرِيضَةِ، وَوَضَعَ عَنْهُمْ قِيَامَ اللَّيْلِ إِلَّا مَا تَطَوَّعُوا بِهِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ السُّورَةَ كُلَّهَا مَدَنِيَّةٌ، لَكِنْ فِيهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، وَهُوَ شَدِيدُ الضَّعْفِ، فَلَا حُجَّةَ فِيمَا تَفَرَّدَ بِهِ، وَلَوْ صَحَّ مَا رَوَاهُ لَاقْتَضَى ذَلِكَ وُقُوعَ مَا خَشِيَ مِنْهُ ﷺ حَيْثُ تَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ بِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ أَيِ: الْمُتَلَفِّفُ فِي ثِيَابِهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؛ أَيْ: يَا مُحَمَّدُ، قَدْ زَمَّلْتَ الْقُرْآنَ. فَكَأَنَّ الْأَصْلَ: يَا أَيُّهَا الْمُتَزَمِّلُ.

قَوْلُهُ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ أَيْ مِنْهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي

حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: الْقَلِيلُ مَا دُونَ الْمِعْشَارِ وَالسُّدُسِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: ﴿نِصْفَهُ﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ ﴿قَلِيلا﴾، فَكَأَنَّ فِي الْآيَةِ تَخْيِيرًا بَيْنَ قِيَامِ النِّصْفِ بِتَمَامِهِ، أَوْ قِيَامِ أَنْقَصَ مِنْهُ أَوْ أَزْيَدَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿نِصْفَهُ﴾ بَدَلًا مِنَ اللَّيْلِ، وَ ﴿إِلا قَلِيلا﴾ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ النِّصْفِ، حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ، وَأَسْنَدَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مَعْنَاهُ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ.

قَوْلُهُ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ أَيِ: اقْرَأْهُ مُتَرَسِّلًا بِتَبْيِينِ الْحُرُوفِ وَإِشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ، وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرَتِّلُ السُّورَةَ حَتَّى تَكُونَ أَطْوَلَ مِنْ أَطْوَلَ مِنْهَا.

قَوْلُهُ: ﴿قَوْلا ثَقِيلا﴾ أَيِ: الْقُرْآنُ. وَعَنِ الْحَسَنِ: الْعَمَلُ بِهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ، قَالَ: ثَقِيلًا فِي الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَتَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ عَلَى ثِقَلِ الْوَحْيِ حِينَ يَنْزِلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ.

قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَشَأَ قَامَ بِالْحَبَشِيَّةِ)؛ يَعْنِي: فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أَيْ: قِيَامُ اللَّيْلِ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هُوَ كَلَامُ الْحَبَشَةِ، نَشَأَ: قَامَ. وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، وَأَبِي مَالِكٍ نَحْوَهُ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالُوا: مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ تَوَافُقِ اللُّغَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَنَاشِئَةُ اللَّيْلِ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فَاعِلَةٍ، مِنْ نَشَأَ إِذَا قَامَ، أَوِ اسْمُ فَاعِلٍ أَيِ النَّفْسُ النَّاشِئَةُ بِاللَّيْلِ، أَيِ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ مَضْجَعِهَا إِلَى الْعِبَادَةِ، أَيْ تَنْهَضُ. وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبَيْنِ أَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ بِاللَّيْلِ وَبَدَأَ فَهُوَ نَاشِئٌ، وَقَدْ نَشَأَ. وَفِي الْمَجَازِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: نَاشِئَةُ اللَّيْلِ آنَاءَ اللَّيْلِ نَاشِئَةٌ بَعْدَ نَاشِئَةٍ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّاعَاتِ النَّاشِئَةَ مِنَ اللَّيْلِ - أَيِ: الْمُقْبِلَةَ بَعْضُهَا فِي أَثَرِ بَعْضٍ - هِيَ أَشَدُّ.

قَوْلُهُ: (وَطَاءً، قَالَ: مُوَاطَأَةً لِلْقُرْآنِ، أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ) وَهَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَشَدُّ وَطَاءً؛ أَيْ يُوَافِقُ سَمْعَكَ وَبَصَرَكَ وَقَلْبَكَ بَعْضُهُ بَعْضًا، قَالَ الطَّبَرِيُّ: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكِ: وَاطَأَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ مُوَاطَأَةً وَوَطَاءً. قَالَ: وَقَرَأَ الْأَكْثَرُ: وَطْئًا؛ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الطَّاءِ، ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ: وَطِئْنَا اللَّيْلَ وَطْئًا؛ أَيْ سِرْنَا فِيهِ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾؛ أَثْبَتُ فِي الْخَيْرِ. ﴿وَأَقْوَمُ قِيلا﴾: أَبْلَغُ فِي الْحِفْظِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَشَدُّ وَطْئًا؛ أَيْ قِيَامًا. وَأَصْلُ الْوَطْءِ فِي اللُّغَةِ الثِّقَلُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ.

قَوْلُهُ: (لِيُوَاطِئُوا لِيُوَافِقُوا) هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ تَفْسِيرِ (بَرَاءَةً)، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهَا هُنَا تَأْيِيدًا لِلتَّفْسِيرِ الْأَوَّل، وَقَدْ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَكِنْ بِلَفْظِ: لِيُشَابِهُوا.

قَوْلُهُ: ﴿سَبْحًا طَوِيلا﴾؛ أَيْ: فَرَاغًا، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنِ السُّدِّيِّ: سَبْحًا طَوِيلًا؛ أَيْ: تَطَوُّعًا كَثِيرًا، كَأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنَ السُّبْحَةِ؛ وَهِيَ النَّافِلَةُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) أَيِ: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ الْمَدَنِيُّ، وَحُمَيْدٌ هُوَ الطَّوِيلُ.

قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيُّ شَيْئًا.

قَوْلُهُ: (وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَخْ)؛ أَيْ: إِنَّ صَلَاتَهُ وَنَوْمَهُ كَانَ يَخْتَلِفُ بِاللَّيْلِ، وَلَا يُرَتِّبُ وَقْتًا مُعَيَّنًا، بَلْ بِحَسَبِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ الْقِيَامُ. وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ: كَانَ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ قَامَ. فَإِنَّ عَائِشَةَ تُخْبِرُ عَمَّا لَهَا عَلَيْهِ اطِّلَاعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ كَانَتْ تَقَعُ مِنْهُ غَالِبًا فِي الْبَيْتِ، فَخَبَرُ أَنَسٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ. وَقَدْ مَضَى فِي حَدِيثِهَا فِي أَبْوَابِ الْوِتْرِ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخُصُّ الْوِتْرَ بِوَقْتٍ بِعَيْنِهِ.

قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ)؛ كَذَا ثَبَتَتِ الْوَاوُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا، فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ بِلَالٍ، كَمَا جَزَمَ بِهِ خَلَفٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ زَائِدَةً مِنَ النَّاسِخِ، فَإِنَّ أَبَا خَالِدٍ الْأَحْمَرَ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ، وَحَدِيثُهُ فِي هَذَا سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(وِطَاءً) بكسر الواو: (قَالَ) المؤلِّف، ممَّا وصله عبد بن حُميد من طريق مجاهدٍ: معناه: (مُوَاطَأَةَ القُرْآنِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: «مواطأةً للقرآن» بالتَّنوين واللَّام (أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ) ثمَّ ذكر ما يؤيِّد هذا التَّفسير، فقال في قوله تعالى في سورة براءة: ﴿يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لّ﴾ [التوبة: ٣٧]: (﴿لِّيُوَاطِؤُواْ﴾) معناه: (لِيُوَافِقُوا) وقد وصله الطَّبريُّ عن ابن عبَّاسٍ، لكن بلفظ: ليُشابهوا.

١١٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو ابن أبي كثير المدنيُّ (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا) ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ: «أنس بن مالك» (﵁، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ) أي: من الشَّهر، زاد الأَصيليُّ وأبو ذَرٍّ: «شيئًا» (وَ) كان ﵊ (يَصُومُ) منه (١) (حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ) بالنَّصب، وللأَصيليِّ: «أنَّه لا يفطرُ» بالرَّفع (مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ) ﵊ (لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) مصلِّيًا (وَلَا) تشاء أن تراه من اللَّيل (نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ) نائمًا، أي: ما أردنا منه ﵊ أمرًا إلَّا وجدناه عليه، إن أردنا أن يكون مصلِّيًا؛ وجدناه مصلِّيًا، وإن أردنا أن نراه نائمًا وجدناه نائمًا، وهو يدلُّ على أنَّه ربَّما نام كلَّ اللَّيل، وهذا سبيلُ التَّطوُّع، فلو استمرَّ الوجوب في قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] لما أخلَّ بالقيام، وفيه أيضًا: أنَّ صلاتَه ونومه كانا يختلفان (٢) باللَّيل، وأنَّه (٣) لا يُرتِّب وقتًا معيَّنًا، بل بحسب ما تيسَّر له من القيام (٤)، لا يقال: يعارضه قول عائشة [خ¦١١٣٢]: «كان إذا سمع الصَّارخَ قام»؛ فإنَّ كلًّا من عائشة وأنس أَخبر بما اطَّلع عليه.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

٠٤١١ - حدَّثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسى اقال أخبرنَا حَنْظَلَةُ عنِ القاسمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الوِتْرُ وَرَكْعَتا الفَجْرِ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَقد قُلْنَا عَن قريب: إِن البُخَارِيّ، رَحمَه الله، روى حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عَن عبيد الله بن مُوسَى فِيمَا قيل عَن إِسْحَاق عَن عبيد الله هَذَا، وَهنا روى عَنهُ بِلَا وَاسِطَة، وَهُوَ يروي عَن حَنْظَلَة بن أبي سُفْيَان الجُمَحِي الْقرشِي من أهل مَكَّة، وَاسم أبي سُفْيَان: الْأسود بن عبد الرَّحْمَن، مَاتَ سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة، وَقد مر فِي أول كتاب الْإِيمَان.

وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن ابْن أبي عدي،. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد ابْن سَلمَة الْمرَادِي عَن عبد الله بن وهب، ثَلَاثَتهمْ عَن حَنْظَلَة بِهِ.

قَوْله: (ثَلَاث عشرَة) مَبْنِيّ على الْفَتْح، وَأَجَازَ الْفراء سُكُون الشين من عشرَة. قَوْله: (مِنْهَا) أيَّ من ثَلَاث عشرَة.

١١ - (بابُ قِيَامِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِاللَّيلِ وَنَوْمِهِ وَمَا نُسْخَ مِنْ قِيامِ اللَّيْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قيام النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي: صلَاته بِاللَّيْلِ. قَوْله: (من نَومه) وَفِي بعض النّسخ: (ونومه) ، بواو الْعَطف. قَوْله: (وَمَا نسخ) أَي: بَاب أَيْضا فِي بَيَان مَا نسخ من قيام اللَّيْل.

وقَوْلِهِ تَعَالى: {يَا أيُّهَا المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إلَاّ قَلِيلاً نِصْفُهُ أوُ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أوْ زِدْ عَليهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أشَدُّ وِطاءً وَأقْوَمُ قِيلاً إنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحا طَوِيلاً (ع المزمل: ١ ٧) . وقَوْلُهُ: {عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ الله وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فاقْرَؤا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأقْرِضُوا الله قَرْضا حَسَنا وَمَا تُقَدِّمُوا لأِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ الله هُوَ خَيْرا وَأعْظَمَ أجْرا وَاسْتَغْفِرُوا الله إنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ} (المزمل: ٠٢) .

وَقَوله: بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (وَمَا نسخ من قيام اللَّيْل) وَهُوَ إِلَى آخِره دَاخل فِي التَّرْجَمَة. قَوْله عز وَجل: {يَا أَيهَا المزمل} يَعْنِي: الملتف فِي ثِيَابه، وَأَصله المتزمل، وَهُوَ الَّذِي يتزمل فِي الثِّيَاب، وكل من التف فِي ثَوْبه فقد تزمل، قلبت التَّاء زايا وأدغمت الزَّاي فِي الزَّاي، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ: {يَا أَيهَا المزمل} أَي: يَا مُحَمَّد قد زملت الْقُرْآن، وقرىء المتزمل على الأَصْل، والمزمل، بتَخْفِيف الزَّاي وَفتح الْمِيم وَكسرهَا، على أَنه اسْم فَاعل، أَو اسْم مفعول من زمله، وَهُوَ الَّذِي زمله غَيره أَو زمل نَفسه، وَكَانَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نَائِما بِاللَّيْلِ متزملاً فِي قطيفة،، فنبه وَنُودِيَ بهَا. وَعَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا سُئِلت: مَا كَانَ تزميله؟ قَالَت: كَانَ مِرْطًا طوله أَربع عشرَة ذِرَاعا وَنصفه عَليّ وَأَنا نَائِمَة، وَنصفه عَلَيْهِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَسُئِلت: مَا كَانَ؟ فَقَالَت: وَالله مَا كَانَ خَزًّا وَلَا قَزًّا وَلَا مرعزا وَلَا إبْريسَمًا وَلَا صُوفًا، وَكَانَ سداه شعرًا وَلحمَته وَبرا، قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ، ثمَّ قَالَ: وَقيل: دخل على خَدِيجَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقد جِئْت فرقا أول مَا أَتَاهُ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وبوادره ترْعد، فَقَالَ: زَمِّلُونِي، وحسبت أَنه عرض لَهُ، فَبَيْنَمَا هوكذلك إِذْ ناداه جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، يَا أَيهَا المزمل. وَعَن عِكْرِمَة: أَن الْمَعْنى: يَا أَيهَا الَّذِي زمل أمرا عَظِيما، أَي: حمله، والزمل: الْحمل، وازدمله: احتمله. انْتهى. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) أَشَارَ إِلَى أَن القَوْل الأول نِدَاء بِمَا يهجن إِلَيْهِ الْحَالة الَّتِي كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَلَيْهَا من التزميل فِي قطيفة، واستعداده للاشتغال فِي النّوم، كَمَا يفعل من لَا يهمه أَمر وَلَا يعنيه شَأْن، فَأمر أَن يخْتَار على الهجود والتهجد، وعَلى التزمل التشمر، والتخفف لِلْعِبَادَةِ والمجاهدة فِي الله عز وَجل، فَلَا جرم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد تشمر لذَلِك مَعَ أَصْحَابه حق التشمر، وَأَقْبلُوا على إحْيَاء لياليهم، ورفضوا لَهُ الرقاد والدعاة وَجَاهدُوا

فِيهِ حَتَّى انتفخت أَقْدَامهم، واصفرت ألوانهم، وَظَهَرت السيماء فِي وُجُوههم، وترقى أَمرهم إِلَى حد رَحِمهم لَهُ رَبهم، فَخفف عَنْهُم. وَأَشَارَ إِلَى أَن القَوْل الثَّانِي: وَهُوَ قَوْله: وَعَن عَائِشَة، لَيْسَ بتهجين بل هُوَ ثَنَاء عَلَيْهِ وتحسين لحالته الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَأمره أَن يَدُوم على ذَلِك. قَوْله: {قُم اللَّيْل إلَاّ قَلِيلا} أَي: مِنْهُ، قَالَ أَبُو بكر الأدفوي: للْعُلَمَاء فِيهِ أَقْوَال: الأول: أَنه لَيْسَ بِفَرْض، يدل على ذَلِك أَن بعده: {نصفه أَو انقص مِنْهُ قَلِيلا أَو زد عَلَيْهِ} وَلَيْسَ كَذَلِك يكون الْفَرْض، وَإِنَّمَا هُوَ ندب. وَالثَّانِي: أَنه هُوَ حتم. وَالثَّالِث: أَنه فرض على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَحده، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: وَقَالَ الْحسن وَابْن سِيرِين: صَلَاة اللَّيْل فَرِيضَة على كل مُسلم، وَلَو قدر حلب شَاة. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق: قَالَا ذَلِك لقَوْله تَعَالَى: {فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ} ، وَقَالَ الشَّافِعِي، رَحمَه الله: سَمِعت بعض الْعلمَاء يَقُول: إِن الله تَعَالَى أنزل فرضا فِي الصَّلَاة قبل فرض الصَّلَوَات الْخمس، فَقَالَ: {يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا} الْآيَة، ثمَّ نسخ هَذَا بقوله: {فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ} ثمَّ احْتمل قَوْله: {فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ} أَن يكون فرضا ثَانِيًا، لقَوْله تَعَالَى: {وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ نَافِلَة لَك} (الْإِسْرَاء: ٩٧) . فَوَجَبَ طلب الدَّلِيل من السّنة على أحد الْمَعْنيين، فوجدن سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن لَا وَاجِب من الصَّلَوَات إلاّ الْخمس. قَالَ أَبُو عمر: قَول بعض التَّابِعين: قيام اللَّيْل فرض وَلَو قدر حلب شَاة، قَول شَاذ مَتْرُوك لإِجْمَاع الْعلمَاء أَن قيام اللَّيْل نسخ بقوله: {علم إِن لن تحصوه. .} الْآيَة. وروى النَّسَائِيّ من حَدِيث عَائِشَة: افْترض الْقيام فِي أول هَذِه الصُّورَة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وعَلى أَصْحَابه حولا حَتَّى انتفخت أَقْدَامهم، وَأمْسك الله خاتمتها إثني عشر شهرا، ثمَّ نزل التَّخْفِيف فِي آخرهَا، فَصَارَ قيام اللَّيْل تَطَوّعا بعد أَن كَانَ فَرِيضَة، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَزيد بن أسلم وَآخَرين، فِيمَا حكى عَنْهُم النّحاس، وَفِي (تَفْسِير ابْن عَبَّاس) : {قُم اللَّيْل} يَعْنِي: قُم اللَّيْل كُله إلاّ قَلِيلا مِنْهُ، فَاشْتَدَّ ذَلِك على النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعَلى أَصْحَابه وَقَامُوا اللَّيْل كُله وَلم يعرفوا مَا حد الْقَلِيل، فَأنْزل الله تَعَالَى: {نصفه أَو انقص مِنْهُ قَلِيلا} فَاشْتَدَّ ذَلِك أَيْضا على النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعَلى أَصْحَابه فَقَامُوا اللَّيْل كُله حَتَّى انتفخت أَقْدَامهم، وَذَلِكَ قبل الصَّلَوَات الْخمس، فَفَعَلُوا ذَلِك سنة، فَأنْزل الله تَعَالَى ناسختها فَقَالَ: {علم أَن لن تحصوه} يَعْنِي: قيام اللَّيْل من الثُّلُث وَالنّصف، وَكَانَ هَذَا قبل أَن تفرض الصَّلَوَات الْخمس، فَلَمَّا فرضت الْخمس نسخت هَذِه كَمَا نسخت الزَّكَاة كل صَدَقَة، وَصَوْم رَمَضَان كل صَوْم، وَفِي (تَفْسِير ابْن الْجَوْزِيّ) : كَانَ الرجل يسهر طول اللَّيْل مَخَافَة أَن يقصر فِيمَا أَمر بِهِ من قيام ثُلثي اللَّيْل أَو نصفه أَو ثلثه، فشق عَلَيْهِم ذَلِك، فَخفف الله عَنْهُم بعد سنة، وَنسخ وجوب التَّقْدِير بقوله: {علم أَن لن تحصوه فَتَابَ عَلَيْكُم فاقرؤا مَا تيَسّر مِنْهُ} أَي: صلوا مَا تيَسّر من الصَّلَاة، وَلَو قدر حلب شَاة، ثمَّ نسخ وجوب قيام اللَّيْل بالصلوات الْخمس بعد سنة أُخْرَى، فَكَانَ بَين الْوُجُوب وَالتَّخْفِيف سنة، وَبَين الْوُجُوب والنسخ بِالْكُلِّيَّةِ سنتَانِ.

ثمَّ إِعْرَاب قَوْله تَعَالَى: {قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا} على مَا قَالَه الزَّمَخْشَرِيّ: {نصفه} بدل {من اللَّيْل} و {إِلَّا قَلِيلا} اسْتثِْنَاء من النّصْف، كَأَنَّهُ قَالَ: قُم أقل من نصف اللَّيْل وَالضَّمِير فِي {مِنْهُ} و {عَلَيْهِ} لِلنِّصْفِ، وَالْمعْنَى التَّخْيِير بَين أَمريْن: بَين أَن يقوم أقل من نصف اللَّيْل على الْبَتّ، وَبَين أَن يخْتَار أحد الْأَمريْنِ، وهما النُّقْصَان من النّصْف وَالزِّيَادَة عَلَيْهِ، وَإِن شِئْت جعلت: نصفه، بَدَلا من: قَلِيلا، وَكَانَ تخييرا بَين ثَلَاث: بَين قيام النّصْف بِتَمَامِهِ، وَبَين النَّاقِص، وَبَين قيام الزَّائِد عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وصف النّصْف بالقلة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكل.

قَوْله: {ورتل الْقُرْآن ترتيلاً} يَعْنِي ترسل فِيهِ. وَقَالَ الْحسن: بَينه، إِذا قرأته. وَقَالَ الضَّحَّاك: إقرأ حرفا حرفا، وروى مُسلم من حَدِيث حَفْصَة: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يرتل السُّورَة حَتَّى تكون أطول من أطول مِنْهَا، وَعَن مُجَاهِد: رتل بعضه على إِثْر بعض على تؤدة، وَعَن ابْن عَبَّاس: بَينه بَيَانا، وَعنهُ: إقرأه على هينتك ثَلَاث آيَات وأربعا وخمسا، وَقَالَ قَتَادَة: تثبت فِيهِ تثبتا، وَقيل: فَصله تَفْصِيلًا وَلَا تعجل فِي قِرَاءَته. وَقَالَ أَبُو بكر بن طَاهِر: تدبر فِي لطائف خطابه، وطالب نَفسك بِالْقيامِ بأحكامه، وقلبك بفهم مَعَانِيه، وسرك بالإقبال عَلَيْهِ. قَوْله: {إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلاً} أَي: الْقُرْآن يثقل الله فَرَائِضه وحدوده، وَيُقَال: هُوَ ثقيل على من خَالفه، وَيُقَال: هُوَ ثقيل فِي الْمِيزَان، خَفِيف على اللِّسَان، وَيُقَال: إِن نُزُوله ثقيل كَمَا قَالَ: {لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل} (الْحَشْر: ١٢) . الْآيَة، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: يَعْنِي بالْقَوْل الثقيل: الْقُرْآن وَمَا فِيهِ من الْأَوَامِر والنواهي الَّتِي هِيَ تكاليف شاقة ثَقيلَة على الْمُكَلّفين، خَاصَّة على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ متحملها بِنَفسِهِ ومحملها لأمته، فَهِيَ أثقل عَلَيْهِ وأنهض لَهُ. قَوْله: {إِن ناشئة اللَّيْل} قَالَ السَّمرقَنْدِي: يَعْنِي سَاعَات اللَّيْل، وَهِي مَأْخُوذَة من: نشأت أَي: ابتدأت شَيْئا بعد شَيْء، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِن سَاعَات اللَّيْل الناشئة فَاكْتفى

بِالْوَصْفِ عَن الِاسْم. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: ناشئة اللَّيْل النَّفس الناشئة بِاللَّيْلِ الَّتِي تنشأ من مضجعها إِلَى الْعِبَادَة، أَي: تنهض وترفع من نشأت السَّحَاب إِذا ارْتَفَعت، وَنَشَأ من مَكَانَهُ وَنشر إِذا نَهَضَ، أَو: قيام اللَّيْل، على أَن الناشئة مصدر من نَشأ إِذا أَقَامَ ونهض على فاعلة كالعاقبة. قَوْله: {هِيَ أَشد وطأ} قَالَ السَّمرقَنْدِي: يَعْنِي: أثقل على الْمُصَلِّي من سَاعَات النَّهَار، فَأخْبر أَن الثَّوَاب على قدر الشدَّة، قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن عَامر: أَشد وطاء، بِكَسْر الْوَاو وَمد الْألف، وَالْبَاقُونَ بِنصب الْوَاو بِغَيْر مد، فَمن قَرَأَ بِالْكَسْرِ يَعْنِي: أَشد مواطاة، أَي: مُوَافقَة بِالْقَلْبِ والسمع، يَعْنِي: أَن الْقِرَاءَة فِي اللَّيْل يتواطأ فِيهَا قلب الْمُصَلِّي وَلسَانه وسَمعه على التفهم، وَمن قَرَأَ بِالنّصب أبلغ فِي الْقيام وَأبين فِي القَوْل. قَوْله: {وأقوم قيلا} يَعْنِي: أثبت للْقِرَاءَة، وَعَن الْحسن: أبلغ فِي الْخَبَر وَأَمْنَع من هَذَا الْعَدو. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أقوم قيلاً. أَشد مقَالا وَأثبت قِرَاءَة لهدوِّ الْأَصْوَات. وَعَن أنس: أَنه قَرَأَ: وأصوب قيلاً د فَقيل لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَة إِنَّمَا هِيَ أقوم قيلاً. فَقَالَ: إِن أقوم وأهيأ وَاحِد. وَفِي (تَفْسِير النَّسَفِيّ) : أقوم قيلاً، أصح قولا وَأَشد استقامة وصوابا بالفراغ الْقلب، وَقيل: أعجل إِجَابَة للدُّعَاء. قَوْله: {إِن لَك فِي النَّهَار سبحا طَويلا} قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: سبحا: تَصرفا وتقلبا فِي مهماتك وشواغلك، وَقَالَ السَّمرقَنْدِي: سبحا فراغا طَويلا تقضي حوائجك فِيهِ، ففرغ نَفسك لصَلَاة اللَّيْل. وَعَن السّديّ: سبحا طَويلا أَي: تَطَوّعا كثيرا كَأَنَّهُ جعله من السبحة، وَهِي النَّافِلَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: أما الْقِرَاءَة بِالْخَاءِ فاستعارة من: سبخ الصُّوف، وَهُوَ نفشه وَنشر أَجْزَائِهِ لانتشار الْهم وتفرق الْقلب بالشواغل، كلفه بِقِيَام اللَّيْل، ثمَّ ذكر الْحِكْمَة فِيمَا كلفه مِنْهُ، وَهُوَ: أَن اللَّيْل أَهْون على المواطأة وَأَشد للْقِرَاءَة لهدوِّ الرجل وخفوت الصَّوْت، وَأَنه أجمع للقلب وأهم لنشر الْهم من النَّهَار، لِأَنَّهُ وَقت تَفْرِيق الهموم وتوزع الخواطر والتقلب فِي حوائج المعاش والمعاد. قَوْله: {علم أَن لن تحصوه} هَذَا مُرْتَبِط بِمَا قبله، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {إِن رَبك يعلم أَنَّك تقوم أدنى من ثُلثي اللَّيْل وَنصفه وَثلثه وَطَائِفَة من الَّذين مَعَك وَالله يقدر اللَّيْل وَالنَّهَار علم أَن لن تحصوه} أَي: علم الله أَن لن تُطِيقُوا قيام اللَّيْل، وَقيل: الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى مصدر مُقَدّر، أَي: علم أَن لَا يَصح مِنْكُم ضبط الْأَوْقَات، وَلَا يَتَأَتَّى حِسَابهَا بالتعديل والتسوية إلاّ أَن تَأْخُذُوا بالأوسع للِاحْتِيَاط، وَذَلِكَ شاق عَلَيْكُم بَالغ مِنْكُم. قَوْله: {فَتَابَ عَلَيْكُم} عبارَة عَن الترخيص فِي ترك الْقيام الْمُقدر. قَوْله: {فاقرأوا مَا تيَسّر} قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: عبر عَن الصَّلَاة بِالْقِرَاءَةِ، لِأَنَّهَا بعض أَرْكَانهَا، كَمَا عبر عَنْهَا بِالْقيامِ وَالرُّكُوع وَالسُّجُود، يُرِيد: فصلوا مَا تيَسّر عَلَيْكُم من صَلَاة اللَّيْل، وَهَذَا نَاسخ للْأولِ، ثمَّ نسخا جَمِيعًا بالصلوات الْخمس، وَقيل: هِيَ قِرَاءَة الْقُرْآن بِعَينهَا. قيل: يقْرَأ مائَة آيَة، وَمن قَرَأَ مائَة آيَة فِي لَيْلَة لم يحاجه الْقُرْآن. وَقيل: من قَرَأَ مائَة آيَة كتب من القانتين. وَقيل: خمسين آيَة، وَقد بَين الْحِكْمَة فِي النّسخ بقوله: {علم أَن سَيكون مِنْكُم مرضى} لَا يقدرُونَ على قيام اللَّيْل {وَآخَرُونَ يضْربُونَ فِي الأَرْض} يَعْنِي: يسافرون فِي الأَرْض {يَبْتَغُونَ من فضل الله} يَعْنِي: فِي طلب الْمَعيشَة يطْلبُونَ الرزق من الله تَعَالَى: {وَآخَرُونَ يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله} يَعْنِي: يجاهدون فِي طَاعَة الله تَعَالَى. قَوْله: {فاقرأوا مَا تيَسّر مِنْهُ} أَي: من الْقُرْآن. قيل: فِي صَلَاة الْمغرب وَالْعشَاء. قَوْله: {وَأقِيمُوا الصَّلَاة} أَي: الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة. {وَآتوا الزَّكَاة} الْوَاجِبَة، وَقيل: زَكَاة الْفطر، وَإِنَّمَا وَجَبت بعد ذَلِك، وَمن فَسرهَا بِالزَّكَاةِ الْوَاجِبَة جعل آخر السُّورَة مدنيا. قَوْله: {وأقرضوا الله قرضا حسنا} قيل: يُرِيد سَائِر الصَّدقَات المستحبة، وَسَماهُ قرضا تَأْكِيدًا للجزاء. وَقيل: تصدقوا من أَمْوَالكُم بنية خَالِصَة من مَال حَلَال. قَوْله: {وَمَا تقدمُوا لأنفسكم من خير} يَعْنِي: مَا تَعْمَلُونَ من الْأَعْمَال الصَّالِحَة وتتصدقون بنية خَالِصَة {تَجِدُوهُ عِنْد الله} يَعْنِي: تَجِدُونَ ثَوَابه فِي الْآخِرَة. قَوْله: (هُوَ خيرا} ثَانِي مفعولي: وجد، وَهُوَ فصل، وَجَاز وَإِن لم يَقع بَين معرفتين، لِأَن أفعل من أشبه فِي امْتِنَاعه من حُرُوف التَّعْرِيف بالمعرفة. قَوْله: {وَاسْتَغْفرُوا الله} يَعْنِي: أطلبوا من الله لذنوبكم الْمَغْفِرَة، وَقيل: اسْتَغْفرُوا الله من تَقْصِير وذنب وَقع مِنْكُم. {إِن الله غَفُور} لمن تَابَ {رَحِيم} لمن اسْتغْفر.

قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا نَشَأَ قامَ بالحَبَشِيَّة

هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ عبد بن حميد الْكَجِّي فِي (تَفْسِيره) بِسَنَد صَحِيح عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن سعيد بن جُبَير (عَن ابْن عَبَّاس: {إِن ناشئة اللَّيْل} (المزمل: ٦) . قَالَ هُوَ بِكَلَام الحبشية: نَشأ قَامَ) . وأنبأنا عبد الْملك بن عَمْرو عَن رَافع

ابْن عَمْرو عَن ابْن أبي مليكَة: (سُئِلَ ابْن عَبَّاس عَن قَوْله تَعَالَى: {إِن ناشئة اللَّيْل} (المزمل: ٦) . فَقَالَ أَي اللَّيْل قُمْت فقد أنشأت) وَفِي عبد أَيْضا: عَن أبي ميسرَة، قَالَ: هُوَ كَلَام الْحَبَشَة: نَشأ قَامَ، وَعَن أبي مَالك: قيام اللَّيْل بِلِسَان الْحَبَشَة: ناشئة، وَعَن قَتَادَة وَالْحسن وَأبي مجلز: كل شَيْء بعد الْعشَاء: ناشئة، وَقَالَ مُجَاهِد: إِذا قُمْت من اللَّيْل تصلي فَهِيَ ناشئة، وَفِي رِوَايَة: أَي سَاعَة تهجد فِيهَا. وَقَالَ مُعَاوِيَة بن قُرَّة: هِيَ قيام اللَّيْل. وَعَن عَاصِم: ناشئة اللَّيْل، مَهْمُوزَة الْيَاء، وَفِي (الْمجَاز) لأبي عُبَيْدَة: ناشئة اللَّيْل ناشئة بعد ناشئة. وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمَعَالِي: ناشئة اللَّيْل: أول ساعاته. وَيُقَال: أول مَا ينشأ من اللَّيْل من الطَّاعَات هِيَ النشيئة. وَفِي (الْمُحكم) : الناشئة أول النَّهَار وَاللَّيْل. وَقيل: الناشئة إِذا نمت من أول اللَّيْل نومَة، ثمَّ قُمْت، وَفِي (كتاب الْهَرَوِيّ) : كل مَا حدث بِاللَّيْلِ وبدا فَهُوَ ناشىء، وَقد نَشأ وَالْجمع: ناشئة.

وَاخْتلف الْعلمَاء، هَل فِي الْقُرْآن شَيْء بِغَيْر الْعَرَبيَّة؟ فَذهب بَعضهم، إِلَى أَن غير الْعَرَبيَّة مَوْجُود فِي الْقُرْآن: كسجيل وفردوس وناشئة، وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه لَيْسَ الْقُرْآن شَيْء بِغَيْر الْعَرَبيَّة، وَقَالُوا: مَا ورد من ذَلِك فَهُوَ من توَافق اللغتين، فعلى هَذَا لفظ، ناشئة، إِمَّا مصدر على وزن: فاعلة، كعاقبة من نَشأ إِذا قَامَ، أَو هُوَ: اسْم فَاعل، صفة لمَحْذُوف تَقْدِيره: النَّفس الناشئة، كَمَا نقلنا عَن الزَّمَخْشَرِيّ عَن قريب.

وِطَاءً قَالَ مُوَاطأةَ القُرآنِ أشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وقَلْبِهِ لِيُوَاطِؤُا لِيُوَافِقُوا

وَفِي بعض النّسخ: وطاءً قَالَ مواطأة أَي: قَالَ البُخَارِيّ: معنى: وطأ مواطأة لِلْقُرْآنِ، وَفِي بعض النّسخ: مواطأة لِلْقُرْآنِ يَعْنِي: إِن ناشئة اللَّيْل، هُوَ أَشد مواطاة لِلْقُرْآنِ، وَهَذَا التَّعْلِيق أَيْضا وَصله عبد بن حميد من طَرِيق مُجَاهِد. وَقَالَ أَشد وطاء، أَي: يُوَافق سَمعك وبصرك وقلبك بعضه بَعْضًا، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. قَوْله: (ليواطؤا ليوافقوا) هَذَا من تَفْسِير بَرَاءَة من قَوْله تَعَالَى: {يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما ليواطؤا عدَّة مَا حرم الله} (التَّوْبَة: ٧٣) . الْآيَة، وَذكر أَن مَعْنَاهُ: ليوافقوا، وَإِنَّمَا ذكره هَهُنَا تَأْكِيدًا لتفسيره: وطاء، وَقد وَصله الطَّبَرِيّ عَن ابْن عَبَّاس، لَكِن بِلَفْظ: (ليشابهوا) .

١٤١١ - عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثني محَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ أنَّهُ سَمِعَ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنُّ أنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ شَيْئا ويَصُومُ حَتَّى نَظُنُّ أنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئا وكانَ لَا تَشَاءُ أنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَليا إلَاّ رَأيْتَهُ نائِما إلَاّ رَأيْتَهُ..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَكَانَ لإنشاء أَن ترَاهُ من اللَّيْل مُصَليا إلاّ رَأَيْته) ، وَهُوَ قيام اللَّيْل.

ذكر رِجَاله: وهم أَرْبَعَة: الأول: عبد الْعَزِيز عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري. الثَّانِي: مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي كثير ضد الْقَلِيل مر فِي كتاب الْحيض. الثَّالِث: حميد، بِضَم الْحَاء: ابْن أبي حميد الطَّوِيل. الرَّابِع: أنس بن مَالك.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين مَاضِيا ومضارعا. وَفِيه: أَن شَيْخه من أَفْرَاده، وَهُوَ وَمُحَمّد بن جَعْفَر مدنيان، وَحميد بَصرِي.

وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (أَن لَا يَصُوم مِنْهُ) ، كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل النصب على أَنه مفعول: يظنّ، قَوْله: (مِنْهُ شَيْئا) ، أَي: من الشَّهْر شَيْئا من الصَّوْم، وَلَفظه: شَيْئا، فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَأبي ذَر، وَفِي رِوَايَة غَيرهمَا لَيْسَ فِيهِ هَذَا اللَّفْظ. قَوْله: (وَكَانَ) أَي: رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَوْله: (وَلَا نَائِما) أَي: وَلَا تشَاء أَن ترَاهُ من اللَّيْل نَائِما إلاّ رَأَيْته نَائِما.

وَالَّذِي يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث: أَن صلَاته ونومه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يخْتَلف بِاللَّيْلِ، وَلَا يَتَرَتَّب وقتا معينا بل بِحَسب مَا تيَسّر لَهُ الْقيام. فَإِن قلت: يُعَارضهُ حَدِيث عَائِشَة: (كَانَ إِذا سمع الصَّارِخ قَامَ) . قلت: عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخْبرت بِحَسب مَا اطَّلَعت عَلَيْهِ، لِأَن صَلَاة اللَّيْل غَالِبا كَانَت تقع مِنْهُ فِي الْبَيْت، وَخبر أنس مَحْمُول على مَا وَرَاء ذَلِك.

تابَعَهُ سُلَيْمَانُ وأبُو خالِدٍ الأحْمَرُ عنْ حُمَيْدٍ

أَي: تَابع مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد سُلَيْمَان ذكر خلف أَنه ابْن بِلَال أَبُو أَيُّوب، وَيُقَال: أَبُو مُحَمَّد الْقرشِي التَّيْمِيّ وَلَاء.

قَوْله: (وَأَبُو خَالِد) عطف عَلَيْهِ، أَي: وتابع مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد أَبُو خَالِد سُلَيْمَان بن حبَان الملقب بالأحمر، وَهَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ، بواو الْعَطف، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون سُلَيْمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَيحْتَمل أَن تكون الْوَاو زَائِدَة فَإِن أَبَا خالدٍ الْأَحْمَر اسْمه سُلَيْمَان. قلت: هَذَا كَلَام غير موجه، لِأَن زِيَادَة: وَاو، الْعَطف نادرة، بِخِلَاف الأَصْل، سِيمَا الحكم بذلك بِالِاحْتِمَالِ فَلَا يلْزم من كَون اسْم أبي خَالِد سُلَيْمَان أَن يكون سُلَيْمَان الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِيَّاه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: وَأَبُو خَالِد بِالْوَاو، فَلَا بُد أَن يُقَال: سُلَيْمَان الْمَذْكُور غير سُلَيْمَان المكنى بِأبي خَالِد، ولولاه لَكَانَ شخصا وَاحِدًا مَذْكُورا بالإسم والكنية وَالصّفة، أما مُتَابعَة سُلَيْمَان فَقَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب مَا يذكر من صَوْم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد (عَن أنس أَن أنسا يَقُول: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يفْطر من الشَّهْر) الحَدِيث، وَفِي آخِره قَالَ سُلَيْمَان عَن حميد إِنَّه سَأَلَ أنسا فِي الصَّوْم، وَأما مُتَابعَة أبي خَالِد فقد ذكرهَا البُخَارِيّ فِي كتاب الصّيام، وَنَذْكُر مَا فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٢١ - (بابُ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قافِيَةِ الرَّأسِ إذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عقد الشَّيْطَان على قافية رَأس النَّائِم إِذا نَام، وَلم يصل، وقافية الرَّأْس: قَفاهُ، وقافية كل شَيْء آخِره، قَالَه الْأَزْهَرِي وَغَيره.

٢٤١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِك عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قافِيةِ رَأسِ أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كلَّ عُقْدَةٍ علَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ فإنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحلَّتْ عُقْدَةٌ فانْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فأصْبَحَ نَشِيطا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإلَاّ أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ.

(الحَدِيث ٢٤١١ طرفه فِي: ٩٦٢٣) .

اعْترض بِأَنَّهُ لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن الحَدِيث مُطلق والترجمة مُقَيّدَة، وَأجِيب: بِأَن مُرَاده أَن اسْتِدَامَة العقد إِنَّمَا يكون على ترك الصَّلَاة، وَجعل من صلى وانحلت عقده كمن لم يعْقد عَلَيْهِ لزوَال أَثَره، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون الصَّلَاة المنفية فِي التَّرْجَمَة صَلَاة الْعشَاء، فَيكون التَّقْدِير: إِذا لم يصل الْعشَاء، فَكَأَنَّهُ يرى أَن الشَّيْطَان إِنَّمَا يفعل ذَلِك لمن نَام قبل صَلَاة الْعشَاء، بِخِلَاف من صلاهَا، وَلَا سِيمَا فِي الْجَمَاعَة. انْتهى. قلت: قَوْله: (إِذا لم يصل) أَعم من أَن لَا يُصَلِّي الْعشَاء أَو غَيرهَا من صَلَاة اللَّيْل، وَلَا قرينَة لتقييدها بالعشاء، وَظَاهر الحَدِيث يدل على أَن العقد يكون عِنْد النّوم، سَوَاء صلى قبله أَو لم يصل، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن زَنْجوَيْه فِي كتاب الْفَضَائِل من حَدِيث أبي لَهِيعَة عَن أبي عشانة، سمع عقبَة بن عَامر يَقُول عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يقوم أحدكُم من اللَّيْل يعالج طهوره وَعَلِيهِ عقد، فَإِذا وضأ يَده انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ وَجهه انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا مسح بِرَأْسِهِ انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ رجلَيْهِ انْحَلَّت عقدَة) . وَمن حَدِيث ابْن لَهِيعَة أَيْضا عَن أبي الزبير (عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَيْسَ فِي الأَرْض نفس من ذكر وَأُنْثَى إلاّ وعَلى رَأسه جرير معقدة، فَإِن اسْتَيْقَظَ فَتَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة، وَإِن اسْتَيْقَظَ وَصلى حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يصل وَلم يتَوَضَّأ أَصبَحت العقد كَمَا هِيَ) . والجرير: بِفَتْح الْجِيم: الْحَبل. وَفِي (كتاب الثَّوَاب) لآدَم بن أبي إِيَاس الْعَسْقَلَانِي، من حَدِيث الرّبيع بن صبيح: عَن الْحسن قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من عبد ينَام إلاّ وعَلى رَأسه ثَلَاث عقد، فَإِن هُوَ تعار من اللَّيْل فسبح الله وحمده وَهَلله وَكبره حلت عقدَة، وَإِن عزم الله لَهُ فَقَامَ وَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يفعل شَيْئا من ذَلِك حَتَّى يصبح أصبح وَالْعقد كلهَا كَمَا هِيَ) .

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز،. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يعْقد الشَّيْطَان) الْكَلَام فِي العقد والشيطان. أما العقد فقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْحَقِيقَة بِمَعْنى السحر للْإنْسَان، وَمنعه من الْقيام كَمَا يعْقد السَّاحر من سحره، وَأكْثر مَا يَفْعَله النِّسَاء تَأْخُذ إِحْدَاهُنَّ الْخَيط فتعقد مِنْهُ عقدا وتتكلم عَلَيْهَا بالكلمات فيتأثر المسحور عِنْد ذَلِك، كَمَا أخبر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم {وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد} (الفلق: ٤) . فَالَّذِي خذل يعْمل فِيهِ وَالَّذِي وفْق يصرف عَنهُ، وَالدَّلِيل على كَونه على الْحَقِيقَة مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَمُحَمّد بن نصر من طَرِيق صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (على قافية رَأس أحدكُم حَبل فِيهِ ثَلَاث عقد) ، وروى أَحْمد من طَرِيق الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِذا نَام أحدكُم عقد على رَأسه بجرير) ، وروى ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: (مَا من ذكر وَلَا أُنْثَى إلاّ على رَأسه جرير مَعْقُود حِين يرقد) ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْمجَاز كَأَنَّهُ شبه فعل الشَّيْطَان بالنائم بِفعل السَّاحر بالمسحور، وَقيل: هُوَ من عقد الْقلب وتصميمه فَكَأَنَّهُ يوسوس بِأَن عَلَيْك لَيْلًا طَويلا فَيتَأَخَّر عَن الْقيام بِاللَّيْلِ، وَقَالَ صَاحب (النِّهَايَة) : المُرَاد مِنْهُ تثقيله فِي النّوم وإطالته، فَكَأَنَّهُ قد سد عَلَيْهِ سدا وَعقد عَلَيْهِ عقدا. وَقَالَ ابْن بطال: قد فسر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، معنى العقد بقوله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) ، فَكَأَنَّهُ يَقُولهَا إِذا أَرَادَ النَّائِم الاستيقاظ. وَقَالَ ابْن بطال أَيْضا: وَرَأَيْت لبَعض من فسر هَذَا الحَدِيث العقد الثَّلَاث هِيَ: الْأكل وَالشرب وَالنَّوْم. وَقَالَ أَلا يرى أَنه من أَكثر الْأكل وَالشرب أَنه يكثر النّوم لذَلِك؟ واستبعد بَعضهم هَذَا القَوْل لقَوْله فِي الحَدِيث: (إِذا هُوَ نَام) ، فَجعل العقد حِينَئِذٍ، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ مثل، واستعاره من عقد بني آدم، وَلَيْسَ المُرَاد العقد نَفسهَا، وَلَكِن لما كَانَ بَنو آدم يمْنَعُونَ بعقدهم ذَلِك تصرف من يحاول فِيمَا عقده كَأَن هَذَا مثله من الشَّيْطَان للنائم الَّذِي لَا يقوم من نَومه إِلَى مَا يحب من ذكر الله تَعَالَى وَالصَّلَاة.

وَأما الشَّيْطَان: فَيجوز أَن يُرَاد بِهِ الْجِنْس، وَيكون فَاعل ذَلِك القرين أَو غَيره من أعوان الشَّيْطَان. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ رَأس الشَّيَاطِين وَهُوَ إِبْلِيس لَعنه الله. قلت: يُعَكر عَلَيْهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا: أَن النائمين عَن قيام اللَّيْل كثير لَا يُحْصى، فإبليس لَا يلحقهم بذلك إلاّ أَن يكون جَوَاز نِسْبَة ذَلِك إِلَيْهِ لكَونه آمرا لأعوانه بذلك، وَهُوَ الدَّاعِي إِلَيْهِ وَالْآخر: أَن مَرَدَة الشَّيَاطِين يصفدون فِي شهر رَمَضَان وأكبرهم إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة.

قَوْله: (على قافية رَأس أحدكُم) أَي: مُؤخر عُنُقه، وَقد ذكرنَا أَن قافية كل شَيْء مؤخره، وَمِنْه قافية القصيدة، وَفِي (الْمُحكم) : القافية: هِيَ الْقَفَا، وَقيل: هِيَ وسط الرَّأْس. قَوْله: (إِذا هُوَ نَام) ، أَي: حِين نَام، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين هَكَذَا: (إِذا هُوَ نَام) ، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي (إِذا هُوَ نَائِم) على وزن اسْم الْفَاعِل، وَقَالَ بَعضهم: وَالْأول أصوب وَهُوَ الَّذِي فِي (الْمُوَطَّأ) قلت: رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لَا تدل على أَن ذَلِك أصوب، بل الظَّاهِر أَن رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي أصوب لِأَنَّهَا جملَة إسمية وَالْخَبَر فِيهَا إسم. قَوْله: (ثَلَاث عقد) كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله: (يعْقد) ، وَالْعقد، بِضَم الْعين وَفتح الْقَاف: جمع عقدَة. قَوْله: (يضْرب على كل عقدَة) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (على مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَمعنى يضْرب، يضْرب بِيَدِهِ على كل عقدَة، ذكر هَذَا تَأْكِيدًا وإحكاما لما يَفْعَله، وَقيل: يضْرب بالرقاد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف} (الْكَهْف: ١١) . وَمَعْنَاهُ: حجب الْحس عَن النَّائِم حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظ. قَوْله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) أَي: يضْرب قَائِلا: عَلَيْك ليل طَوِيل، وَوَقع فِي جَمِيع رِوَايَات البُخَارِيّ هَكَذَا: (ليل طَوِيل) بِالرَّفْع فيهمَا، فارتفاع: ليل، بِالِابْتِدَاءِ، و: عَلَيْك، خَبره مقدما وارتفاع: طَوِيل، بالوصفية. وَيجوز أَن يكون ارْتِفَاع: ليل، بِفعل مَحْذُوف وَتَقْدِيره: بَقِي عَلَيْك ليل طَوِيل، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل الْمَحْذُوف، أَي: يضْرب كل عقدَة قَائِلا هَذَا الْكَلَام، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي مُصعب فِي (الْمُوَطَّأ) عَن مَالك: (عَلَيْك لَيْلًا طَويلا) ، وَهِي رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد فِي رِوَايَة مُسلم. قَالَ عِيَاض: رِوَايَة الْأَكْثَرين عَن مُسلم بِالنّصب على الإغراء. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرّفْع أولى من جِهَة الْمَعْنى لِأَنَّهُ الأمكن فِي الْغرُور من حَيْثُ إِنَّه يُخبرهُ عَن طول اللَّيْل: ثمَّ يَأْمُرهُ بالرقاد بقوله: (فارقد) ، وَإِذا نصب على الإغراء لم يكن فِيهِ إلاّ الْأَمر بملازمة طول الرقاد، وَحِينَئِذٍ يكون قَوْله: (فارقد) ضائعا. قلت: لَا نسلم أَنه يكون ضائعا، بل يكون تَأْكِيدًا ثمَّ إِن مَقْصُود الشَّيْطَان بذلك تسويفه بِالْقيامِ والإلباس عَلَيْهِ. قَوْله (فَذكر الله انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ وَكَذَلِكَ قَوْله: (فَإِن تَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ. وَقَوله: (فَإِن صلى انْحَلَّت عقدَة) بِضَم الْعين بِلَفْظ الْجمع هَذَا الاخلاف فِيهِ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَوَقع لبَعض رُوَاة الْمُوَطَّأ بِالْإِفْرَادِ وَذكر ابْن قرقول انه اخْتلف فِي الْأَخِيرَة مِنْهَا، فَوَقع فِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لِابْنِ وضاح

انْحَلَّت عقد) على الْجمع، وَكَذَا ضبطناه فِي البُخَارِيّ وَفِي غَيرهمَا: (عقدَة) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَالْجمع أولى لَا سِيمَا وَقد جَاءَ مُسلم فِي الأولى: عقدَة وَفِي الثَّانِيَة: عقدان، وَفِي الثَّالِثَة: انْحَلَّت العقد. قَوْله: (أصبح نشيطا) أَي: لسروره بِمَا وَفقه الله تَعَالَى من الطَّاعَة وَطيب النَّفس لما بَارك الله لَهُ فِي نَفسه وتصرفه فِي كل أُمُوره، وَبِمَا زَالَ عَنهُ من عقد الشَّيْطَان. قَوْله: (وإلاّ أصبح خَبِيث النَّفس) يَعْنِي: بِتَرْكِهِ مَا كَانَ اعتاده أَو نَوَاه من فعل الْخَيْر. قَوْله: (كسلان) يَعْنِي: بِبَقَاء أثر تثبيط الشَّيْطَان عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَاعْلَم أَن مُقْتَضى (وإلَاّ أصبح) أَن من لم يجمع الْأُمُور الثَّلَاثَة: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَهُوَ دَاخل تَحت من يصبح خبيثا كسلان وَإِن أَتَى بِبَعْضِهَا. قلت: فعلى هَذَا تَقْدِير الْكَلَام: وَإِن لم يذكر وَلم يتَوَضَّأ وَلم يصل يصبح خَبِيث النَّفس كسلان.

الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قيل: إِن أَبَا بكر وَأَبا هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَا يوتران أول اللَّيْل وينامان آخِره؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد: الَّذِي ينَام وَلَا نِيَّة لَهُ فِي الْقيام، وَأما من صلى من النَّافِلَة مَا قدر لَهُ ونام بنية الْقيام فَلَا يدْخل فِي ذَلِك، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : بِدَلِيل قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من امرىء يكون لَهُ صَلَاة بلَيْل فغلبه عَلَيْهَا نوم إلَاّ كتب لَهُ أجر صلَاته، وَكَانَ نَومه صَلَاة) . ذكره ابْن التِّين قلت: روى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) فِي: بَاب من نوى أَن يُصَلِّي من اللَّيْل، من حَدِيث شُعْبَة، قَالَ أَبُو ذَر وَأَبُو الدَّرْدَاء، شكّ شُعْبَة: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من عبد يحدث نَفسه بِقِيَام سَاعَة من اللَّيْل فينام عَنْهَا إلَاّ كَانَ نَومه صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْهِ وَكتب لَهُ أجر مَا نوى) .

وَمِنْهَا مَا قيل: فِي هَذَا الحَدِيث مَا يُعَارض قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَقُولَن أحدكُم خبثت نَفسِي؟) وَأجِيب: بِأَن النَّهْي إِنَّمَا ورد عَن إِضَافَة الْمَرْء ذَلِك إِلَى نَفسه كَرَاهَة لتِلْك الْكَلِمَة، وَهَذَا الحَدِيث وَقع ذما لفعله، وَلكُل من الْخَبَرَيْنِ وَجه، وَقَالَ الْبَاجِيّ: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين اخْتِلَاف لِأَنَّهُ نهي عَن إِضَافَة ذَلِك إِلَى النَّفس، لكَون الْخبث فَمَعْنَى فَسَاد الدّين، وَوصف بعض الْأَفْعَال بذلك تحذيرا مِنْهَا وتنفيرا.

وَمِنْهَا مَا قيل: مَا فَائِدَة تَقْيِيد العقد بِالثلَاثِ؟ وَأجِيب: بإنه أما تَأْكِيد وَإِمَّا لِأَن مَا ينْحل بِهِ العقد ثَلَاثَة أَشْيَاء: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَكَانَ الشَّيْطَان منع عَن كل وَاحِد مِنْهَا بعقدة عقدهَا على قافيته.

وَمِنْهَا مَا قيل: مَا وَجه تَخْصِيص قافية الرَّأْس بِضَرْب العقد عَلَيْهَا. وَأجِيب بِأَنَّهَا مَحل الواهمة وَمحل تصرفها، وَهِي أطوع القوى للشَّيْطَان وأسرعها إِجَابَة لدعوته.

وَمِنْهَا مَا قيل: أَنه قد يظنّ أَن بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره أَن قارىء آيَة الْكُرْسِيّ عِنْد نَومه لَا يقربهُ شَيْطَان تعَارض؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد من العقد إِن كَانَ أمرا معنويا، وَمن الْقرب أمرا حسيا أَو بِالْعَكْسِ، فَلَا إِشْكَال، وَإِن كَانَ كِلَاهُمَا معنويا أَو بِالْعَكْسِ فَيكون أَحدهمَا مَخْصُوصًا، وَالْأَقْرَب أَن يكون حَدِيث الْبَاب مَخْصُوصًا بِمن لم يقْرَأ آيَة الْكُرْسِيّ لطرد الشَّيْطَان.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الذّكر يطرد الشَّيْطَان، وَكَذَا الْوضُوء وَالصَّلَاة، وَلَا يتَعَيَّن للذّكر شَيْء مَخْصُوص لَا يجزىء غَيره، بل كل مَا يصدق عَلَيْهِ، ذكر الله تَعَالَى أَجزَأَهُ، وَيدخل فِيهِ تِلَاوَة الْقُرْآن، وَأولى مَا يذكر فِيهِ مَا سَيَجِيءُ فِي: بَاب فضل من تعار من اللَّيْل، إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قلت: كَيفَ حكم الْجنب؟ فَهَل تحل عقدته بِالْوضُوءِ؟ قلت: لَا تحل إلاّ بالاغتسال وَتَخْصِيص الْوضُوء بِالذكر لكَونه الْغَالِب، وَالتَّيَمُّم يقوم مقامهما عِنْد جَوَازه، وَالله أعلم.

٣٤١١ - حدَّثنا مُؤَمِّلُ بنُ هِشَامٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا عَوفٌ قَالَ حدَّثنا أبُو رَجَاءٍ قَالَ حدَّثَنَا سَمْرَةُ بنُ جُنْدَبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الرُّؤيَا قَالَ أمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأسُهُ بِالحَجَرِ فإنَّهُ يَأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنَامُ عنِ الصَّلَاة المَكْتُوبَةِ..

زعم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن حَدِيث سَمُرَة هَذَا لَا يدْخل فِي هَذَا الْبَاب لِأَن رفض الْقُرْآن لَيْسَ ترك الصَّلَاة بِاللَّيْلِ. قلت: حفظ شَيْئا وَغَابَ عَنهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ، فَفِي الحَدِيث: (وينام عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) ، وَالْمرَاد مِنْهَا الْعشَاء الْآخِرَة، فَأَي مُنَاسبَة تطلب بِأَكْثَرَ من هَذَا؟

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُؤَمل، بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول: ابْن هِشَام الْبَصْرِيّ ختن شَيْخه إِسْمَاعِيل بن علية، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح اللَّام، وَعليَّة اسْم أمه، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم الْأَسدي الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث أَو أَربع وَتِسْعين وَمِائَة بِبَغْدَاد. الثَّالِث: عَوْف الْأَعرَابِي، مر فِي: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان. الرَّابِع: أَبُو رَجَاء، بخفة الْجِيم وبالمد: اسْمه عمرَان بن ملْحَان العطاردي.

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.8 / 29.5
الإضاءة 65%
البدر بعد 6 يوم
أستغفر الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56