«يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١١٤٢

الحديث رقم ١١٤٢ من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام…

«يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ».

سند حديث: ١١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

١١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام…

يُخْبِرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بحال الشيطان وصراعه مع الإنسان الذي يريد القيام لصلاة الليل أو الفجر.


فإن المؤمن إذا ذهب إلى النوم يعقد الشيطان على قافيته -يعني: مُؤخَّر رأسه- ثلاث عقد.


فإذا استيقظ المؤمن وذكر الله تعالى ولم يستجب لوساوس الشيطان؛ انفكَّت عقدة.


فإن توضأ انفكت الأخرى.


وإن قام فصلى انفكت العقدة الثالثة، وأصبح نشيطًا طيب النفس؛ لسروره بما وفّقه الله من الطاعة، مستبشرًا بما وعده الله من الثواب والغفران، مع ما زال عنه من عُقَد الشيطان وتثبيطه، وإلا أصبح خبيث النفس، محزون القلب، كسلان عن أعمال الخير والبر؛ لأنه مُقَيَّد بِقَيْد الشيطان، ومُبْعَد عن قُرْبِ الرحمن.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الشيطان يسعى دائمًا في كل طريق للإنسان؛ لِيَحُوْلَ بينه وبين طاعة الله عز وجل، ولا نجاة للعبد من الشيطان إلا بالاستعانة بالله عز وجل، والأخذ بأسباب الوقاية والحفظ.
  • ذكر الله تعالى وعبادته تُوْرِث النشاطَ في النفس وانْشِرَاح الصَّدر، وتَطْرد الكَسَل والخُمُول، وتُذْهِب الكَرْب والمَقْت؛ لأنها تطرد الشيطان وهذا مِن وسوسته.
  • المؤمن يُسَرُّ بتوفيق الله تعالى له للقيام بطاعته، ويَكْتَئِب لتقصيره في درجات الفضل والكمال.
  • الغفلة والركون عن الطاعات هو من فعل الشيطان وتزيينه.
  • هذه الأمور الثلاثة -ذكر الله، والوضوء، والصلاة- تطرد الشيطان.
  • العَقْد من الشيطان على مُؤخَّر الرأس خاصة؛ لأنها مَركَز القُوى، ومجال تَصَرُّفِها، فإذا رَبَطَ عليها أمكنه السيطرة على رُوح الانسان، وإلقاء النوم عليه.
  • قال ابن حجر العسقلاني: ذكر الليل في قوله: "عليك ليل"، ظاهره اختصاص ذلك بنوم الليل.
  • قال ابن حجر العسقلاني: لا يتعين للذكر شيء مخصوص لا يجزئ غيره، بل كل ما صدق عليه ذكر الله أجزأ، ويدخل فيه تلاوة القرآن، وقراءة الحديث النبوي، والاشتغال بالعلم الشرعي، وأولى ما يذكر به قول النبي صلى الله عليه وسلم: من تعار من الليل فقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ قُبلت صلاته) رواه البخاري.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٢ - باب عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ

١١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّه قَالَ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ على مكان كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ.

[الحديث ١١٤٢ - طرفه في: ٣٢٦٩]

١١٤٣ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَب ، عَنْ النَّبِيِّ ، فِي الرُّؤْيَا قَالَ: أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: إِذَا لَمْ يُصَلِّ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَعْقِدُ عَلَى رَأْسِ مَنْ صَلَّى، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ، لَكِنْ مَنْ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ تَنْحَلُّ عُقَدُهُ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ. وَأَجَابَ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ: بَابُ بَقَاءِ عُقَدِ الشَّيْطَانِ. . إِلَخْ، وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ قَوْلَهُ: عَقْدِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ وَبِلَفْظِ الْجَمْعِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْإِيرَادَ بِعَيْنِهِ لِلْمَازِرِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يُعْتَذَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ مَنْ يُسْتَدَامُ الْعَقْدُ عَلَى رَأْسِهِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَكَأَنَّهُ قَدَّرَ مَنِ انْحَلَّتْ عُقَدُهُ، كَأَنْ لَمْ تُعْقَدْ عَلَيْهِ، انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ الْمَنْفِيَّةُ فِي التَّرْجَمَةِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ، فَيَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِذَا لَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ، فَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ نَامَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، بِخِلَافِ مَنْ صَلَّاهَا، وَلَا سِيَّمَا فِي الْجَمَاعَةِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ لِحَدِيثِ سَمُرَةَ عَقِبِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ.

وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا كَوْنُهُ أَوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِي تَضَاعِيفِ صَلَاةِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ أَرَادَ دَفْعَ تَوَهُّمِ مَنْ يَحْمِلُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ سَمُرَةَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْمَكْتُوبَةِ، وَالْوَعِيدُ عَلَامَةُ الْوُجُوبِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى خَطَأِ مَنِ احْتَجَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ اللَّيْلِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، ثُمَّ وَجَدْتُ مَعْنَى هَذَا الِاحْتِمَالِ لِلشَّيْخِ وَلِيِّ الدِّينِ الْمَلَوِيِّ، وَقَوَّاهُ بِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى التَّوْفِيقِ لِذَلِكَ. وَيُقَوِّيهِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ : إِنَّ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ مُسَمَّى قِيَامِ اللَّيْلِ يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ بِقِيَامِ بَعْضِهِ، فَحِينَئِذٍ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ أَنَّهُ قَامَ اللَّيْلَ، وَالْعُقَدُ الْمَذْكُورَةُ تَنْحَلُّ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَصَارَ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ فِي حَلِّ عُقَدِ الشَّيْطَانِ. وَخَفِيَتِ الْمُنَاسَبَةُ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ، فَقَالَ: وَرَفْضُ الْقُرْآنِ لَيْسَ هُوَ تَرْكُ الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ. وَيُتَعَجَّبُ مِنْ إِغْفَالِهِ آخِرَ الْحَدِيثِ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (الشَّيْطَانِ) كَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ، وَفَاعِلُ ذَلِكَ هُوَ الْقَرِينُ أَوْ غَيْرُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ رَأْسُ الشَّيَاطِينِ وَهُوَ إِبْلِيسُ، وَتَجُوزُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ الْآمِرَ بِهِ الدَّاعِيَ إِلَيْهِ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ صِفَةِ إِبْلِيسَ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: (قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ) أَيْ مُؤَخَّرُ عُنُقِهِ. وَقَافِيَةُ كُلِّ شَيْءٍ مُؤَخَّرُهُ، وَمِنْهُ قَافِيَةُ الْقَصِيدَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْقَافِيَةُ: الْقَفَا، وَقِيلَ: مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: وَسَطُهُ. وَظَاهِرُ

قَوْلِهِ: أَحَدِكُمْ التَّعْمِيمُ فِي الْمُخَاطَبِينَ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَخُصَّ مِنْهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَمَنْ وَرَدَ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ يُحْفَظُ مِنَ الشَّيْطَانِ كَالْأَنْبِيَاءِ، وَمَنْ تَنَاوَلَهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ وَكَمَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ عِنْدَ نَوْمِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُحْفَظُ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُصْبِحَ، وَفِيهِ بَحْثٌ سَأَذْكُرُهُ فِي آخِرِ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (إِذَا هُوَ نَامَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: إِذَا هُوَ نَائِمٌ؛ بِوَزْنِ فَاعِلٍ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ.

قَوْلُهُ: (يَضْرِبُ عَلَى مَكَانِ كُلِّ عُقْدَةٍ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَلِبَعْضِهِمْ بِحَذْفِ: عَلَى، ولِلكُشْمِيهَنِيِّ بِلَفْظِ: عِنْدَ مَكَانِ. وَقَوْلُهُ: يَضْرِبُ؛ أَيْ بِيَدِهِ عَلَى الْعُقْدَةِ تَأْكِيدًا وَإِحْكَامًا لَهَا قَائِلًا ذَلِكَ، وَقِيلَ: مَعْنَى يَضْرِبُ: يَحْجُبُ الْحِسَّ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾؛ أَيْ: حَجَبْنَا الْحِسَّ أَنْ يَلِجَ فِي آذَانِهِمْ فَيَنْتَبِهُوا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: مَا أَحَدٌ يَنَامُ إِلَّا ضُرِبَ عَلَى سِمَاخِهِ بِجَرِيرٍ مَعْقُودٍ. أَخْرَجَهُ الْمُخَلِّصُ فِي فَوَائِدِهِ، وَالسِّمَاخُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرِهِ مُعْجَمَةٌ، وَيُقَالُ: بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ السِّينِ، وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: مَا أَصْبَحَ رَجُلٌ عَلَى غَيْرِ وِتْرٍ إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى رَأْسِهِ جَرِيرٌ قَدْرَ سَبْعِينَ ذِرَاعًا.

قَوْلُهُ: (عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنِ الْبُخَارِيِّ بِالرَّفْعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ مَالِكٍ: عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا. وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، قَالَ عِيَاضٌ: رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ عَنْ مُسْلِمٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى الِابْتِدَاءِ، أَيْ بَاقٍ عَلَيْكَ، أَوْ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ؛ أَيْ: بَقِيَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرَّفْعُ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ الْأَمْكَنُ فِي الْغُرُورِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُخْبِرُهُ عَنْ طُولِ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالرُّقَادِ بِقَوْلِهِ: فَارْقُدْ، وَإِذَا نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا الْأَمْرُ بِمُلَازَمَةِ طُولِ الرُّقَادِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: فَارْقُدْ ضَائِعًا، وَمَقْصُودُ الشَّيْطَانِ بِذَلِكَ تَسْوِيفُهُ بِالْقِيَامِ وَالْإِلْبَاسُ عَلَيْهِ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْعُقَدِ، فَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ كَمَا يَعْقِدُ السَّاحِرُ مَنْ يَسْحَرُهُ، وَأَكْثَرُ مَنْ يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ؛ تَأْخُذُ إِحْدَاهُنَّ الْخَيْطَ، فَتَعْقِدُ مِنْهُ عُقْدَةً وَتَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ بِالسِّحْرِ، فَيَتَأَثَّرُ الْمَسْحُورُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، وَعَلَى هَذَا، فَالْمَعْقُودُ شَيْءٌ عِنْدَ قَافِيَةِ الرَّأْسِ، لَا قَافِيَةُ الرَّأْسِ نَفْسُهَا، وَهَلِ الْعُقَدُ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ فِي غَيْرِهِ؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ شَعْرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ عَلَى رَأْسِ كُلِّ آدَمِيٍّ حَبْلًا، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ حَبْلٌ فِيهِ ثَلَاثُ عُقَدٍ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ عُقِدَ عَلَى رَأْسِهِ بِجَرِيرٍ. وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: مَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى إِلَّا عَلَى رَأْسِهِ جَرِيرٌ مَعْقُودٌ حِينَ يَرْقُدُ. الْحَدِيثَ، وَفِي الثَّوَابِ لِآدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ نَحْوُهُ. وَالْجَرِيرُ بِفَتْحِ الْجِيمِ هُوَ الْحَبْلُ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعُقَدَ لَازِمَةٌ، وَيَرُدُّهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا تَنْحَلُّ بِالصَّلَاةِ، فَيَلْزَمُ إِعَادَةُ عَقْدِهَا، فَأُبْهِمَ فَاعِلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفُسِّرَ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ. وَقِيلَ هُوَ عَلَى الْمَجَازِ، كَأَنَّهُ شَبَّهَ فِعْلَ الشَّيْطَانِ بِالنَّائِمِ بِفِعْلِ السَّاحِرِ بِالْمَسْحُورِ، فَلَمَّا كَانَ السَّاحِرُ يَمْنَعُ بِعَقْدِهِ ذَلِكَ تَصَرُّفَ مَنْ يُحَاوِلُ عَقْدَهُ، كَانَ هَذَا مِثْلَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ لِلنَّائِمِ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ عَقْدُ الْقَلْبِ وَتَصْمِيمُهُ عَلَى الشَّيْءِ، كَأَنَّهُ يُوَسْوِسُ لَهُ بِأَنَّهُ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلَةِ قِطْعَةٌ طَوِيلَةٌ فَيَتَأَخَّرُ عَنِ الْقِيَامِ. وَانْحِلَالُ الْعُقَدِ كِنَايَةٌ عَنْ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِ فِيمَا وَسْوَسَ بِهِ. وَقِيلَ: الْعُقَدُ كِنَايَةٌ عَنْ تَثْبِيطِ الشَّيْطَانِ لِلنَّائِمِ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْهُ عَقَدْتُ فُلَانًا عَنِ امْرَأَتِهِ؛ أَيْ: مَنَعْتُهُ عَنْهَا، أَوْ عَنْ تَثْقِيلِهِ عَلَيْهِ النَّوْمَ، كَأَنَّهُ قَدْ شَدَّ عَلَيْهِ شِدَادًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِالْعُقَدِ الثَّلَاثِ: الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالنَّوْمُ؛ لِأَنَّ مَنْ أَكْثَرَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ كَثُرَ نَوْمُهُ. وَاسْتَبْعَدَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي أَنَّ الْعُقَدَ تَقَعُ عِنْدَ النَّوْمِ. فَهِيَ غَيْرُهُ،

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثِ أَنَّ أَغْلَبَ مَا يَكُونُ انْتِبَاهُ الْإِنْسَانِ فِي السَّحَرِ، فَإِنِ اتَّفَقَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى النَّوْمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تَنْقَضِ النَّوْمَةُ الثَّالِثَةُ إِلَّا وَقَدْ ذَهَبَ اللَّيْلُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: التَّقْيِيدُ بِالثَّلَاثِ إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَهُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الذِّكْرِ وَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، فَكَأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِعُقْدَةٍ عَقَدَهَا عَلَى رَأْسِهِ، وَكَأَنَّ تَخْصِيصَ الْقَفَا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْوَهْمِ وَمَجَالَ تَصَرُّفِهِ، وَهُوَ أَطَوْعُ الْقُوَى لِلشَّيْطَانِ، وَأَسْرَعُهَا إِجَابَةً لِدَعْوَتِهِ. وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ الْمَلَوِيِّ: أَنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ عَلَى خِزَانَةِ الْإِلَهِيَّاتِ مِنَ الْحَافِظَةِ، وَهِيَ الْكَنْزُ الْمُحَصَّلُ مِنَ الْقُوَى، وَمِنْهَا يَتَنَاوَلُ الْقَلْبُ مَا يُرِيدُ التَّذَكُّرَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (انْحَلَّ عُقَدُهُ) بِلَفْظِ الْجَمْعِ، بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ فِي الْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ بِالْإِفْرَادِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَحْمَدَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا قَبْلُ، فَإِنَّ فِيهَا: فَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ أُطْلِقَتِ الثَّانِيَةُ، فَإِنْ صَلَّى أُطْلِقَتِ الثَّالِثَةُ. وَكَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَهُوَ مَنْ يَنَامُ مُضْطَجِعًا، فَيَحْتَاجُ إِلَى الْوُضُوءِ إِذَا انْتَبَهَ، فَيَكُونُ لِكُلِّ فِعْلٍ عُقْدَةٌ يَحِلُّهَا، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا سَيَأْتِي فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: عُقَدُهُ كُلُّهَا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: انْحَلَّتِ الْعُقَدُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعُقَدَ تَنْحَلُّ كُلُّهَا بِالصَّلَاةِ خَاصَّةً، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الطَّهَارَةِ، كَمَنْ نَامَ مُتَمَكِّنًا مَثَلًا (١)، ثُمَّ انْتَبَهَ فَصَلَّى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَذْكُرَ أَوْ يَتَطَهَّرَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تُجْزِئُهُ فِي حَلِّ الْعُقَدِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ الطَّهَارَةَ وَتَتَضَمَّنُ الذِّكْرَ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا؛ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْوُضُوءِ، فَظَاهِرٌ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَالْمَعْنَى انْحَلَّتْ بِكُلِّ عُقْدَةٍ، أَوِ انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا بِانْحِلَالِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي بِهَا يَتِمُّ انْحِلَالُ الْعُقَدِ. وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ: فَإِنْ قَامَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ أُطْلِقَتِ الثَّانِيَةُ، فَإِنْ صَلَّى أُطْلِقَتِ الثَّالِثَةُ.

وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَهُوَ مَنْ يَنَامُ مُضْطَجِعًا، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ اسْتِيقَاظِهِ فَيَكُونُ لِكُلِّ فِعْلٍ عُقْدَةٌ يَحِلُّهَا.

قَوْلُهُ: (طَيِّبَ النَّفْسِ) أَيْ: لِسُرُورِهِ بِمَا وَفَّقَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ، وَبِمَا وَعَدَهُ مِنَ الثَّوَابِ، وَبِمَا زَالَ عَنْهُ مِنْ عُقَدِ الشَّيْطَانِ. كَذَا قِيلَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ سِرًّا فِي طِيبِ النَّفْسِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرِ الْمُصَلِّي شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا﴾، وَقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى النَّوْمِ لَا يَعُودُ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ بِالْعَقْدِ الْمَذْكُورِ ثَانِيًا، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ - مِمَّنْ يَقُومُ وَيَذْكُرُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي - مَنْ لَمْ يَنْهَهُ ذَلِكَ عَنِ الْفَحْشَاءِ، بَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْلِعَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ النَّدَمِ وَالتَّوْبَةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْإِقْلَاعِ، وَبَيْنَ الْمُصِرِّ.

قَوْلُهُ: (وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ)؛ أَيْ: بِتَرْكِهِ مَا كَانَ اعْتَادَهُ أَوْ أَرَادَهُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ، كَذَا قِيلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.

وَقَوْلُهُ: (كَسْلَانَ) غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلْوَصْفِ وَلِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: وَإِلَّا أَصْبَحَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَجْمَعِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ دَخَلَ تَحْتَ مَنْ يُصْبِحُ خَبِيثًا كَسْلَانَ، وَإِنْ أَتَى بِبَعْضِهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْقُوَّةِ وَالْخِفَّةِ، فَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ - مَثَلًا - كَانَ فِي ذَلِكَ أَخَفَّ مِمَّنْ لَمْ يَذْكُرْ أَصْلًا. وَرَوَيْنَا فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنَ الْأَوَّلِ مِنْ حَدِيثِ الْمَخَلِّصِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ: فَإِنْ قَامَ فَصَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ كُلُّهُنَّ، وَإِنِ اسْتَيْقَظَ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يُصَلِّ أَصْبَحَتِ الْعُقَدُ كُلُّهَا كَهَيْئَتِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الذَّمُّ يَخْتَصُّ بِمَنْ لَمْ يَقُمْ إِلَى صَلَاتِهِ وَضَيَّعَهَا، أَمَّا مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ أَوْ إِلَى النَّافِلَةِ بِاللَّيْلِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنَامَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ

اللَّهَ يَكْتُبُ لَهُ أَجْرَ صَلَاتِهِ، وَنَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ. وَقَالَ أَيْضًا: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُعَارِضُ قَوْلَهُ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ عَنْ إِضَافَةِ الْمَرْءِ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ كَرَاهَةً لِتِلْكَ الْكَلِمَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ ذَمًّا لِفِعْلِهِ، وَلِكُلٍّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ وَجْهٌ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ اخْتِلَافٌ؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ إِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْسِ - لِكَوْنِ الْخُبْثِ بِمَعْنَى فَسَادِ الدِّينِ - وَوَصْفُ بَعْضِ الْأَفْعَالِ بِذَلِكَ تَحْذِيرًا مِنْهَا وَتَنْفِيرًا.

قُلْتُ: تَقْرِيرُ الْإِشْكَالِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ إِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْسِ، فَكُلُّ مَا نُهِيَ الْمُؤْمِنُ أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى نَفْسِهِ نُهِيَ أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ، وَقَدْ وَصَفَ هَذَا الْمَرْءَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَيَلْزَمُ جَوَازُ وَصْفِنَا لَهُ بِذَلِكَ لِمَحَلِّ التَّأَسِّي، وَيَحْصُلُ الِانْفِصَالُ فِيمَا يَظْهَرُ بِأَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَامِلٌ عَلَى الْوَصْفِ بِذَلِكَ كَالتَّنْفِيرِ وَالتَّحْذِيرِ.

(تَنْبِيهَاتٌ): الْأَوَّلُ: ذِكْرُ اللَّيْلِ فِي قَوْلِهِ: عَلَيْكَ لَيْلٌ، ظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِنَوْمِ اللَّيْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَجِيءَ مِثْلُهُ فِي نَوْمِ النَّهَارِ كَالنَّوْمِ حَالَةَ الْإِبْرَادِ مَثَلًا، وَلَاسِيَّمَا عَلَى تَفْسِيرِ الْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ.

ثَانِيهَا: ادَّعَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْمَأَ هُنَا إِلَى وُجُوبِ صَلَاةِ اللَّيْلِ لِقَوْلِهِ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ. وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ فِي خَامِسِ تَرْجَمَةٍ مِنْ أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ بِخِلَافِهِ حَيْثُ قَالَ: مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ. وَأَيْضًا فَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مِنْ أَنَّهُ حَمْلُ الصَّلَاةِ هُنَا عَلَى الْمَكْتُوبَةِ يَدْفَعُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَيْضًا، وَلَمْ أَرَ النَّقْلَ فِي الْقَوْلِ بِإِيجَابِهِ إِلَّا عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: شَذَّ بَعْضُ التَّابِعِينَ، فَأَوْجَبَ قِيَامَ اللَّيْلِ، وَلَوْ قَدْرَ حَلْبِ شَاةٍ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالَّذِي وَجَدْنَاهُ عَنِ الْحَسَنِ مَا أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ اسْتَظْهَرَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ إِنَّمَا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ هَذَا؟ إِنَّمَا يَتَوَسَّدُ الْقُرْآنَ. فَقِيلَ لَهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْ قَدْرَ خَمْسِينَ آيَةٍ. وَكَانَ هَذَا هُوَ مُسْتَنَدُ مَنْ نَقَلَ عَنِ الْحَسَنِ الْوُجُوبَ. وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا قِيَامُ اللَّيْلِ عَلَى أَصْحَابِ الْقُرْآنِ، وَهَذَا يُخَصِّصُ مَا نُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ أَقْرَبُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالْوُجُوبِ أَيْضًا.

ثَالِثُهَا: قَدْ يُظَنُّ أَنَّ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ الْآتِي فِي الْوَكَالَةِ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِيهِ: إنَّ قَارِئَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ عِنْدَ نَوْمِهِ لَا يَقْرَبُهُ الشَّيْطَانُ - مُعَارَضَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا حُمِلَ عَلَى الْأَمْرِ الْمَعْنَوِيِّ، وَالْقُرْبَ عَلَى الْأَمْرِ الْحِسِّيِّ، وَكَذَا الْعَكْسُ، فَلَا إِشْكَالَ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ سِحْرِهِ إِيَّاهُ مَثَلًا أَنْ يَمَاسَّهُ، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ مُمَاسَّتِهِ أَنْ يَقْرَب هُ بِسَرِقَةٍ أَوْ أَذًى فِي جَسَدِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِنْ حُمِلَا عَلَى الْمَعْنَوِيَّيْنِ، أَوِ الْعَكْسِ، فَيُجَابُ بِادِّعَاءِ الْخُصُوصِ فِي عُمُومِ أَحَدِهِمَا. وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْمَخْصُوصَ حَدِيثُ الْبَابِ كَمَا تَقَدَّمَ تَخْصِيصُهُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْقِيَامَ، فَكَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: يَخْتَصُّ بِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لِطَرْدِ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

رَابِعُهَا: ذَكَرَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ السِّرَّ فِي اسْتِفْتَاحِ صَلَاةِ اللَّيْلِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى حَلِّ عُقَدِ الشَّيْطَانِ، وَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْحَلَّ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَمَامِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا، لَمْ يُسَاوِ مَنْ أَتَمَّهَا، وَكَذَا الْوُضُوءُ. وَكَأَنَّ الشُّرُوعَ فِي حَلِّ الْعُقَدِ يَحْصُلُ بِالشُّرُوعِ فِي الْعِبَادَةِ وَيَنْتَهِي بِانْتِهَائِهَا. وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِصَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَانْدَفَعَ إِيرَادُ مَنْ أَوْرَدَ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ إِنَّمَا وَرَدَتَا مِنْ فِعْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ عُقَدِ الشَّيْطَانِ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَرِدِ الْأَمْرُ بِذَلِكَ لَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: يُحْمَلُ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَلَى تَعْلِيمِ أُمَّتِهِ وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى مَا يَحْفَظُهُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَحُلُّوا عُقَدَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ورواته ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ (١)، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٩٧٢].

(تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّد بن جعفر عن حميدٍ (سُلَيْمَانُ) هو ابن بلالٍ، كما جزم به خلفٌ (وَأَبُو خَالِدٍ) سليمان بن حيَّان (الأَحْمَرُ) أو الواو زائدةٌ في «وأبو» من النَّاسخ؛ فإنَّ أبا خالد اسمه سليمان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل، ومتابعةُ أبي خالدٍ وصلها المؤلِّف في «الصَّوم» [خ¦١٩٧٢].

(١٢) (باب عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ) أي: قفاه، أو مؤخَّر العنق، أو مؤخَّر الرَّأس، أو وسطه (إِذَا) نام و (لَمْ يُصَلِّ) صلاة العشاء (بِاللَّيْلِ).

١١٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ) إبليسُ، أو أحدُ أعوانه (عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ) ظاهره التَّعميم في المخاطبين ومَن في معناهم، ويمكن أن يُخَصَّ منه من صلَّى العشاء في جماعة -كما مرَّ- ومن ورد في حقِّه أنَّه يُحفَظ من الشَّيطان كالأنبياء، ومن يتناوله قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي

لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] وكمن قرأ آية الكرسيِّ عند نومه؛ فقد ثبت: «أنَّه يُحفَظُ من الشَّيطان حتَّى يُصبح» (إِذَا هُوَ نَامَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «إذا هو نائمٌ» بوزن فاعِل، قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل أصوب، وهو الَّذي في «الموطَّأ»، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ رواية «الموطَّأ» لا تدلُّ على أنَّ ذلك أصوب، بل الظَّاهر أنَّ رواية المُستملي أصوب؛ لأنَّها جملةٌ اسميَّةٌ، والخبر فيها اسمٌ (ثَلَاثَ عُقَدٍ) نصب مفعول «يعقد»، و «عُقَد»؛ بضمِّ العين وفتح القاف: جمع عُقْدَةٍ (يَضْرِبُ) بيده (كُلَّ عُقْدَةٍ) منها، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (١): «على مكان كلِّ عقدة»، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عند مكان كلِّ عُقدةٍ» تأكيدًا وإحكامًا لِمَا يفعله قائلًا: باقٍ أو بقي (٢) (عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ) أو «عليك ليلٌ» مبتدأٌ وخبرٌ مقدَّم، فـ «ليلٌ» رفع على الابتداء، أي: باقٍ عليك، أو إضمار فعلٍ، أي: بقي عليك (٣) (فَارْقُدْ) كأنَّ الفاء رابطة شرطٍ مقدَّرٍ، أي: وإذا كان كذلك؛ فارقد ولا تعجل بالقيام ففي الوقت متَّسعٌ. وهل هذا العقد حقيقة؟ فيكون من باب عقد السَّواحر (٤) ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وذلك بأن يأخذن خيطًا فيعقدن عليه منه عقدةً، ويتكلَّمن عليه بالسِّحر، فيتأثَّر المسحور حينئذٍ بمرضٍ أو تحريك قلبٍ أو نحوه، وعلى هذا فالمعقود شيءٌ عند قافية الرَّأس، لا قافية الرَّأس نفسها، وهل العقد (٥) في شعر الرَّأس أو غيره؟ الأقرب أنَّه في غيره؛ لأنَّه ليس لكلِّ أحدٍ شعرٌ، وفي رواية ابن ماجه: «على قافية رأس أحدكم بالليل (٦) حبلٌ فيه ثلاث عقدٍ»، ولأحمد: «إذا نام أحدكم عُقد على رأسه ثلاث عقدٍ (٧) بجَريرٍ» وهو بفتح الجيم: الحبل، وقيل: «العقد» مجازٌ؛ كأنَّه شبَّه فعل الشَّيطان بالنَّائمِ بفعلِ السَّاحر بالمسحور، فلمَّا كان السَّاحر يمنع بعقده ذلك تصرُّف من يحاول عَقده؛ كان هذا مثله من الشَّيطان للنَّائم، وقيل: معنى «يضرب»: يحجب الحسَّ عن النَّائم حتَّى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] أي:

حجبنا (١) الحسَّ أن يَلِجَ في آذانهم فينتبهوا؛ فالمراد: تثقيله في النَّوم وإطالته، فكأنَّه قد شدَّ عليه شدادًا، وعَقدَه (٢) ثلاث عُقَد، والتَّقييد بالثلاث: إمَّا للتَّأكيد، أو أنَّ الَّذي ينحلُّ به عقده ثلاثةٌ: الذِّكر، والوضوء، والصَّلاة، كما أشار إليه بقوله: (فَإِنِ اسْتَيْقَظَ) من نومه (فَذَكَرَ اللهَ) بكلِّ ما صدق عليه الذِّكر؛ كتلاوة القرآن، وقراءة الحديث، والاشتغال بالعلم الشَّرعيِّ (انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) واحدةٌ من الثَّلاث (فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) أخرى ثانيةٌ (فَإِنْ صَلَّى) الفريضة أو النَّافلة (انْحَلَّتْ عُقَدُهُ) الثَّلاث كلُّها، وظاهره: أنَّ العُقَدَ كلَّها تنحلُّ بالصَّلاة خاصَّةً، وهو كذلك في حقِّ من لم يحتج إلى الطَّهارة؛ كمن نام متمكِّنًا مثلًا ثمَّ انتبه فصلَّى من قبل أن يذكر أو يتطهَّر؛ لأنَّ الصَّلاة تستلزم الطَّهارة، وتتضمَّن الذِّكر، وقوله: «عقده» ضبطها في «اليونينيَّة» بلفظ الجمع والإفراد كما ترى. قال ابن قرقول في «مطالعه» كعياض في «مشارقه»: اختلف في الآخرة منها فقط، فوقع في «الموطَّأ» لابن وضَّاح على الجمع، وكذا ضبطناه في «البخاريِّ»، وكلاهما -يعني: الجمع والإفراد- صحيحٌ، والجمع أوجه، لا سيَّما وقد جاء في رواية مسلمٍ: في الأولى: «عقدة»، وفي الثَّانية: «عقدتان»، وفي الثَّالثة: «العقد». انتهى. فقد تبيَّن أنَّ قول من قال: «إنَّه في «اليونينيَّة» بلفظ الجمع مع نصب الدَّال، ناشئٌ (٣) عن عدم تأمُّله لِما في «اليونينيَّة»، ولعلَّه لم يقف على «اليونينيَّة» نفسها، بل على ما هو مقابَلٌ عليها أو مكتوبٌ منها، وخفي على الكاتب أو المقابِل ذلك؛ لدقَّة ذلك؛ كمواضع فيها مُحيت لا تُدرك إلَّا بالتَّأمُّل التَّام، ويؤيِّد ما قلتُه قول القاضي السَّابق فتأمَّله، وأمَّا تخريج النَّصب على الاختصاص أو غيره؛ فلا يُصار إليه إلَّا عند ثبوت الرِّواية، ولا أعرفه، ومن ادَّعى أنَّ النَّصب مع الجمع رواية فعليه البيان. وقوله (٤): (فَأَصْبَحَ نَشِيطًا) أي: لسروره لِما (٥) وفَّقه الله له من الطَّاعة، وما وُعِد به من الثَّواب، وما زال عنه من عُقَد الشَّيطان (طَيِّبَ النَّفْسِ) لما بارك الله له في نفسه من هذا التَّصرُّف الحسن، كذا قيل، قال في «الفتح»: والظَّاهر: أنَّ في صلاة اللَّيل سرًّا في طيب النَّفس وإن لم يستحضر المصلِّي شيئًا ممَّا ذُكِر (وَإِلَّا) بأن ترك الذِّكر والوضوء والصَّلاة (أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ)

بتركه ما كان اعتاده أو قصده من فعل الخير، ووصف النَّفس بالخبث -وإن كان وقع النَّهيُ عنه في قوله [خ¦٦١٧٩]: «لا يقولنَّ أحدُكم: خبُثت نفسي» - للتَّنفير والتَّحذير، أو النَّهي لمن يقول ذلك، وهنا إنَّما أخبر عنه بأنَّه كذلك، فلا تضادَّ. (كَسْلَانَ) لبقاء أثر تثبيط الشَّيطان، ولشؤم تفريطه، وظفر الشَّيطان به بتفويته الحظَّ الأوفر من قيام اللَّيل، فلا يكاد تَخِفُّ عليه صلاةٌ ولا غيرها من القربات، و «كسلان»: غير منصرفٍ للوصف وزيادة الألف والنُّون، مذكَّر «كسلى»، ومقتضى قوله: «وإلَّا أصبح» أنَّه إن (١) لم يجمع الأمور الثَّلاثة دخل تحت من يُصبح خبيثًا كسلان وإن أتى ببعضها، لكن يختلف ذلك بالقوَّة والخفَّة، فمن ذكر الله مثلًا كان في ذلك أخفَّ ممَّن لم يذكر أصلًا، وهذا الذَّمُّ مختصٌّ بمن لم يقم إلى الصَّلاة (٢) وضيَّعها، أمَّا من كانت له عادةٌ فغلبته عينه؛ فقد ثبت أنَّ الله يكتب له أجر صلاته ونومُه عليه صدقة، ولا يبعد أن يجيء مثل ما ذُكِرَ في نوم النَّهار؛ كالنَّوم حالة الإبراد مثلًا، ولا سيَّما على تفسير البخاريِّ من أنَّ المراد بالحديث: الصَّلاة المفروضة (٣)، قاله في «الفتح»، فإن قلت: الحديث مُطلَقٌ، يدلُّ على عقده رأس جميع المكلَّفين؛ من صلَّى ومن لم يصلِّ، وإنَّما تنحلُّ عمَّن أتى بالثَّلاث، والتَّرجمة مقيَّدةٌ برأس من لم يصلِّ، فما وجه المطابقة؟ أجيب بأنَّ مراده: أنَّ استدامة العقد إنَّما تكون على من (٤) ترك الصَّلاة، وجُعِل من صلَّى وانحلَّت عقده كمن لم يُعقَد عليه؛ لزوال أثره، قاله المازريُّ، وقوله في التَّرجمة: «إذا لم يصلِّ» أعمُّ من ألَّا يصلِّي العشاء أو غيرها من صلاة اللَّيل، ولا قرينة للتَّقييد بالعشاء، وظاهر الحديث يدلُّ على أنَّ العقد يكون عند النَّوم، سواء صلَّى قبله أم (٥) لم يصلِّ، قاله في «عمدة القاري»، رادًّا على صاحب «الفتح» حيث قال: ويحتمل أن تكون الصَّلاة المنفيَّة في التَّرجمة صلاة العشاء، فيكون التَّقدير: إذا لم يصلِّ العشاء، فكأنَّه يرى أنَّ الشَّيطان إنَّما يفعل ذلك بمن نام قبل صلاة العشاء، بخلاف من صلَّاها لا سيَّما في الجماعة؛ فإنَّه كمن قام اللَّيل في حَلِّ عُقَد الشيطان.

وهذا الحديث أخرجه أبو داود.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَوْله: (وَأَبُو خَالِد) عطف عَلَيْهِ، أَي: وتابع مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد أَبُو خَالِد سُلَيْمَان بن حبَان الملقب بالأحمر، وَهَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ، بواو الْعَطف، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون سُلَيْمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَيحْتَمل أَن تكون الْوَاو زَائِدَة فَإِن أَبَا خالدٍ الْأَحْمَر اسْمه سُلَيْمَان. قلت: هَذَا كَلَام غير موجه، لِأَن زِيَادَة: وَاو، الْعَطف نادرة، بِخِلَاف الأَصْل، سِيمَا الحكم بذلك بِالِاحْتِمَالِ فَلَا يلْزم من كَون اسْم أبي خَالِد سُلَيْمَان أَن يكون سُلَيْمَان الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِيَّاه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: وَأَبُو خَالِد بِالْوَاو، فَلَا بُد أَن يُقَال: سُلَيْمَان الْمَذْكُور غير سُلَيْمَان المكنى بِأبي خَالِد، ولولاه لَكَانَ شخصا وَاحِدًا مَذْكُورا بالإسم والكنية وَالصّفة، أما مُتَابعَة سُلَيْمَان فَقَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب مَا يذكر من صَوْم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد (عَن أنس أَن أنسا يَقُول: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يفْطر من الشَّهْر) الحَدِيث، وَفِي آخِره قَالَ سُلَيْمَان عَن حميد إِنَّه سَأَلَ أنسا فِي الصَّوْم، وَأما مُتَابعَة أبي خَالِد فقد ذكرهَا البُخَارِيّ فِي كتاب الصّيام، وَنَذْكُر مَا فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٢١ - (بابُ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قافِيَةِ الرَّأسِ إذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عقد الشَّيْطَان على قافية رَأس النَّائِم إِذا نَام، وَلم يصل، وقافية الرَّأْس: قَفاهُ، وقافية كل شَيْء آخِره، قَالَه الْأَزْهَرِي وَغَيره.

٢٤١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِك عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قافِيةِ رَأسِ أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كلَّ عُقْدَةٍ علَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ فإنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحلَّتْ عُقْدَةٌ فانْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فأصْبَحَ نَشِيطا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإلَاّ أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ.

(الحَدِيث ٢٤١١ طرفه فِي: ٩٦٢٣) .

اعْترض بِأَنَّهُ لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن الحَدِيث مُطلق والترجمة مُقَيّدَة، وَأجِيب: بِأَن مُرَاده أَن اسْتِدَامَة العقد إِنَّمَا يكون على ترك الصَّلَاة، وَجعل من صلى وانحلت عقده كمن لم يعْقد عَلَيْهِ لزوَال أَثَره، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون الصَّلَاة المنفية فِي التَّرْجَمَة صَلَاة الْعشَاء، فَيكون التَّقْدِير: إِذا لم يصل الْعشَاء، فَكَأَنَّهُ يرى أَن الشَّيْطَان إِنَّمَا يفعل ذَلِك لمن نَام قبل صَلَاة الْعشَاء، بِخِلَاف من صلاهَا، وَلَا سِيمَا فِي الْجَمَاعَة. انْتهى. قلت: قَوْله: (إِذا لم يصل) أَعم من أَن لَا يُصَلِّي الْعشَاء أَو غَيرهَا من صَلَاة اللَّيْل، وَلَا قرينَة لتقييدها بالعشاء، وَظَاهر الحَدِيث يدل على أَن العقد يكون عِنْد النّوم، سَوَاء صلى قبله أَو لم يصل، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن زَنْجوَيْه فِي كتاب الْفَضَائِل من حَدِيث أبي لَهِيعَة عَن أبي عشانة، سمع عقبَة بن عَامر يَقُول عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يقوم أحدكُم من اللَّيْل يعالج طهوره وَعَلِيهِ عقد، فَإِذا وضأ يَده انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ وَجهه انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا مسح بِرَأْسِهِ انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ رجلَيْهِ انْحَلَّت عقدَة) . وَمن حَدِيث ابْن لَهِيعَة أَيْضا عَن أبي الزبير (عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَيْسَ فِي الأَرْض نفس من ذكر وَأُنْثَى إلاّ وعَلى رَأسه جرير معقدة، فَإِن اسْتَيْقَظَ فَتَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة، وَإِن اسْتَيْقَظَ وَصلى حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يصل وَلم يتَوَضَّأ أَصبَحت العقد كَمَا هِيَ) . والجرير: بِفَتْح الْجِيم: الْحَبل. وَفِي (كتاب الثَّوَاب) لآدَم بن أبي إِيَاس الْعَسْقَلَانِي، من حَدِيث الرّبيع بن صبيح: عَن الْحسن قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من عبد ينَام إلاّ وعَلى رَأسه ثَلَاث عقد، فَإِن هُوَ تعار من اللَّيْل فسبح الله وحمده وَهَلله وَكبره حلت عقدَة، وَإِن عزم الله لَهُ فَقَامَ وَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يفعل شَيْئا من ذَلِك حَتَّى يصبح أصبح وَالْعقد كلهَا كَمَا هِيَ) .

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز،. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يعْقد الشَّيْطَان) الْكَلَام فِي العقد والشيطان. أما العقد فقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْحَقِيقَة بِمَعْنى السحر للْإنْسَان، وَمنعه من الْقيام كَمَا يعْقد السَّاحر من سحره، وَأكْثر مَا يَفْعَله النِّسَاء تَأْخُذ إِحْدَاهُنَّ الْخَيط فتعقد مِنْهُ عقدا وتتكلم عَلَيْهَا بالكلمات فيتأثر المسحور عِنْد ذَلِك، كَمَا أخبر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم {وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد} (الفلق: ٤) . فَالَّذِي خذل يعْمل فِيهِ وَالَّذِي وفْق يصرف عَنهُ، وَالدَّلِيل على كَونه على الْحَقِيقَة مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَمُحَمّد بن نصر من طَرِيق صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (على قافية رَأس أحدكُم حَبل فِيهِ ثَلَاث عقد) ، وروى أَحْمد من طَرِيق الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِذا نَام أحدكُم عقد على رَأسه بجرير) ، وروى ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: (مَا من ذكر وَلَا أُنْثَى إلاّ على رَأسه جرير مَعْقُود حِين يرقد) ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْمجَاز كَأَنَّهُ شبه فعل الشَّيْطَان بالنائم بِفعل السَّاحر بالمسحور، وَقيل: هُوَ من عقد الْقلب وتصميمه فَكَأَنَّهُ يوسوس بِأَن عَلَيْك لَيْلًا طَويلا فَيتَأَخَّر عَن الْقيام بِاللَّيْلِ، وَقَالَ صَاحب (النِّهَايَة) : المُرَاد مِنْهُ تثقيله فِي النّوم وإطالته، فَكَأَنَّهُ قد سد عَلَيْهِ سدا وَعقد عَلَيْهِ عقدا. وَقَالَ ابْن بطال: قد فسر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، معنى العقد بقوله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) ، فَكَأَنَّهُ يَقُولهَا إِذا أَرَادَ النَّائِم الاستيقاظ. وَقَالَ ابْن بطال أَيْضا: وَرَأَيْت لبَعض من فسر هَذَا الحَدِيث العقد الثَّلَاث هِيَ: الْأكل وَالشرب وَالنَّوْم. وَقَالَ أَلا يرى أَنه من أَكثر الْأكل وَالشرب أَنه يكثر النّوم لذَلِك؟ واستبعد بَعضهم هَذَا القَوْل لقَوْله فِي الحَدِيث: (إِذا هُوَ نَام) ، فَجعل العقد حِينَئِذٍ، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ مثل، واستعاره من عقد بني آدم، وَلَيْسَ المُرَاد العقد نَفسهَا، وَلَكِن لما كَانَ بَنو آدم يمْنَعُونَ بعقدهم ذَلِك تصرف من يحاول فِيمَا عقده كَأَن هَذَا مثله من الشَّيْطَان للنائم الَّذِي لَا يقوم من نَومه إِلَى مَا يحب من ذكر الله تَعَالَى وَالصَّلَاة.

وَأما الشَّيْطَان: فَيجوز أَن يُرَاد بِهِ الْجِنْس، وَيكون فَاعل ذَلِك القرين أَو غَيره من أعوان الشَّيْطَان. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ رَأس الشَّيَاطِين وَهُوَ إِبْلِيس لَعنه الله. قلت: يُعَكر عَلَيْهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا: أَن النائمين عَن قيام اللَّيْل كثير لَا يُحْصى، فإبليس لَا يلحقهم بذلك إلاّ أَن يكون جَوَاز نِسْبَة ذَلِك إِلَيْهِ لكَونه آمرا لأعوانه بذلك، وَهُوَ الدَّاعِي إِلَيْهِ وَالْآخر: أَن مَرَدَة الشَّيَاطِين يصفدون فِي شهر رَمَضَان وأكبرهم إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة.

قَوْله: (على قافية رَأس أحدكُم) أَي: مُؤخر عُنُقه، وَقد ذكرنَا أَن قافية كل شَيْء مؤخره، وَمِنْه قافية القصيدة، وَفِي (الْمُحكم) : القافية: هِيَ الْقَفَا، وَقيل: هِيَ وسط الرَّأْس. قَوْله: (إِذا هُوَ نَام) ، أَي: حِين نَام، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين هَكَذَا: (إِذا هُوَ نَام) ، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي (إِذا هُوَ نَائِم) على وزن اسْم الْفَاعِل، وَقَالَ بَعضهم: وَالْأول أصوب وَهُوَ الَّذِي فِي (الْمُوَطَّأ) قلت: رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لَا تدل على أَن ذَلِك أصوب، بل الظَّاهِر أَن رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي أصوب لِأَنَّهَا جملَة إسمية وَالْخَبَر فِيهَا إسم. قَوْله: (ثَلَاث عقد) كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله: (يعْقد) ، وَالْعقد، بِضَم الْعين وَفتح الْقَاف: جمع عقدَة. قَوْله: (يضْرب على كل عقدَة) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (على مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَمعنى يضْرب، يضْرب بِيَدِهِ على كل عقدَة، ذكر هَذَا تَأْكِيدًا وإحكاما لما يَفْعَله، وَقيل: يضْرب بالرقاد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف} (الْكَهْف: ١١) . وَمَعْنَاهُ: حجب الْحس عَن النَّائِم حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظ. قَوْله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) أَي: يضْرب قَائِلا: عَلَيْك ليل طَوِيل، وَوَقع فِي جَمِيع رِوَايَات البُخَارِيّ هَكَذَا: (ليل طَوِيل) بِالرَّفْع فيهمَا، فارتفاع: ليل، بِالِابْتِدَاءِ، و: عَلَيْك، خَبره مقدما وارتفاع: طَوِيل، بالوصفية. وَيجوز أَن يكون ارْتِفَاع: ليل، بِفعل مَحْذُوف وَتَقْدِيره: بَقِي عَلَيْك ليل طَوِيل، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل الْمَحْذُوف، أَي: يضْرب كل عقدَة قَائِلا هَذَا الْكَلَام، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي مُصعب فِي (الْمُوَطَّأ) عَن مَالك: (عَلَيْك لَيْلًا طَويلا) ، وَهِي رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد فِي رِوَايَة مُسلم. قَالَ عِيَاض: رِوَايَة الْأَكْثَرين عَن مُسلم بِالنّصب على الإغراء. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرّفْع أولى من جِهَة الْمَعْنى لِأَنَّهُ الأمكن فِي الْغرُور من حَيْثُ إِنَّه يُخبرهُ عَن طول اللَّيْل: ثمَّ يَأْمُرهُ بالرقاد بقوله: (فارقد) ، وَإِذا نصب على الإغراء لم يكن فِيهِ إلاّ الْأَمر بملازمة طول الرقاد، وَحِينَئِذٍ يكون قَوْله: (فارقد) ضائعا. قلت: لَا نسلم أَنه يكون ضائعا، بل يكون تَأْكِيدًا ثمَّ إِن مَقْصُود الشَّيْطَان بذلك تسويفه بِالْقيامِ والإلباس عَلَيْهِ. قَوْله (فَذكر الله انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ وَكَذَلِكَ قَوْله: (فَإِن تَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ. وَقَوله: (فَإِن صلى انْحَلَّت عقدَة) بِضَم الْعين بِلَفْظ الْجمع هَذَا الاخلاف فِيهِ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَوَقع لبَعض رُوَاة الْمُوَطَّأ بِالْإِفْرَادِ وَذكر ابْن قرقول انه اخْتلف فِي الْأَخِيرَة مِنْهَا، فَوَقع فِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لِابْنِ وضاح

انْحَلَّت عقد) على الْجمع، وَكَذَا ضبطناه فِي البُخَارِيّ وَفِي غَيرهمَا: (عقدَة) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَالْجمع أولى لَا سِيمَا وَقد جَاءَ مُسلم فِي الأولى: عقدَة وَفِي الثَّانِيَة: عقدان، وَفِي الثَّالِثَة: انْحَلَّت العقد. قَوْله: (أصبح نشيطا) أَي: لسروره بِمَا وَفقه الله تَعَالَى من الطَّاعَة وَطيب النَّفس لما بَارك الله لَهُ فِي نَفسه وتصرفه فِي كل أُمُوره، وَبِمَا زَالَ عَنهُ من عقد الشَّيْطَان. قَوْله: (وإلاّ أصبح خَبِيث النَّفس) يَعْنِي: بِتَرْكِهِ مَا كَانَ اعتاده أَو نَوَاه من فعل الْخَيْر. قَوْله: (كسلان) يَعْنِي: بِبَقَاء أثر تثبيط الشَّيْطَان عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَاعْلَم أَن مُقْتَضى (وإلَاّ أصبح) أَن من لم يجمع الْأُمُور الثَّلَاثَة: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَهُوَ دَاخل تَحت من يصبح خبيثا كسلان وَإِن أَتَى بِبَعْضِهَا. قلت: فعلى هَذَا تَقْدِير الْكَلَام: وَإِن لم يذكر وَلم يتَوَضَّأ وَلم يصل يصبح خَبِيث النَّفس كسلان.

الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قيل: إِن أَبَا بكر وَأَبا هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَا يوتران أول اللَّيْل وينامان آخِره؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد: الَّذِي ينَام وَلَا نِيَّة لَهُ فِي الْقيام، وَأما من صلى من النَّافِلَة مَا قدر لَهُ ونام بنية الْقيام فَلَا يدْخل فِي ذَلِك، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : بِدَلِيل قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من امرىء يكون لَهُ صَلَاة بلَيْل فغلبه عَلَيْهَا نوم إلَاّ كتب لَهُ أجر صلَاته، وَكَانَ نَومه صَلَاة) . ذكره ابْن التِّين قلت: روى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) فِي: بَاب من نوى أَن يُصَلِّي من اللَّيْل، من حَدِيث شُعْبَة، قَالَ أَبُو ذَر وَأَبُو الدَّرْدَاء، شكّ شُعْبَة: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من عبد يحدث نَفسه بِقِيَام سَاعَة من اللَّيْل فينام عَنْهَا إلَاّ كَانَ نَومه صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْهِ وَكتب لَهُ أجر مَا نوى) .

وَمِنْهَا مَا قيل: فِي هَذَا الحَدِيث مَا يُعَارض قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَقُولَن أحدكُم خبثت نَفسِي؟) وَأجِيب: بِأَن النَّهْي إِنَّمَا ورد عَن إِضَافَة الْمَرْء ذَلِك إِلَى نَفسه كَرَاهَة لتِلْك الْكَلِمَة، وَهَذَا الحَدِيث وَقع ذما لفعله، وَلكُل من الْخَبَرَيْنِ وَجه، وَقَالَ الْبَاجِيّ: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين اخْتِلَاف لِأَنَّهُ نهي عَن إِضَافَة ذَلِك إِلَى النَّفس، لكَون الْخبث فَمَعْنَى فَسَاد الدّين، وَوصف بعض الْأَفْعَال بذلك تحذيرا مِنْهَا وتنفيرا.

وَمِنْهَا مَا قيل: مَا فَائِدَة تَقْيِيد العقد بِالثلَاثِ؟ وَأجِيب: بإنه أما تَأْكِيد وَإِمَّا لِأَن مَا ينْحل بِهِ العقد ثَلَاثَة أَشْيَاء: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَكَانَ الشَّيْطَان منع عَن كل وَاحِد مِنْهَا بعقدة عقدهَا على قافيته.

وَمِنْهَا مَا قيل: مَا وَجه تَخْصِيص قافية الرَّأْس بِضَرْب العقد عَلَيْهَا. وَأجِيب بِأَنَّهَا مَحل الواهمة وَمحل تصرفها، وَهِي أطوع القوى للشَّيْطَان وأسرعها إِجَابَة لدعوته.

وَمِنْهَا مَا قيل: أَنه قد يظنّ أَن بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره أَن قارىء آيَة الْكُرْسِيّ عِنْد نَومه لَا يقربهُ شَيْطَان تعَارض؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد من العقد إِن كَانَ أمرا معنويا، وَمن الْقرب أمرا حسيا أَو بِالْعَكْسِ، فَلَا إِشْكَال، وَإِن كَانَ كِلَاهُمَا معنويا أَو بِالْعَكْسِ فَيكون أَحدهمَا مَخْصُوصًا، وَالْأَقْرَب أَن يكون حَدِيث الْبَاب مَخْصُوصًا بِمن لم يقْرَأ آيَة الْكُرْسِيّ لطرد الشَّيْطَان.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الذّكر يطرد الشَّيْطَان، وَكَذَا الْوضُوء وَالصَّلَاة، وَلَا يتَعَيَّن للذّكر شَيْء مَخْصُوص لَا يجزىء غَيره، بل كل مَا يصدق عَلَيْهِ، ذكر الله تَعَالَى أَجزَأَهُ، وَيدخل فِيهِ تِلَاوَة الْقُرْآن، وَأولى مَا يذكر فِيهِ مَا سَيَجِيءُ فِي: بَاب فضل من تعار من اللَّيْل، إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قلت: كَيفَ حكم الْجنب؟ فَهَل تحل عقدته بِالْوضُوءِ؟ قلت: لَا تحل إلاّ بالاغتسال وَتَخْصِيص الْوضُوء بِالذكر لكَونه الْغَالِب، وَالتَّيَمُّم يقوم مقامهما عِنْد جَوَازه، وَالله أعلم.

٣٤١١ - حدَّثنا مُؤَمِّلُ بنُ هِشَامٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا عَوفٌ قَالَ حدَّثنا أبُو رَجَاءٍ قَالَ حدَّثَنَا سَمْرَةُ بنُ جُنْدَبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الرُّؤيَا قَالَ أمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأسُهُ بِالحَجَرِ فإنَّهُ يَأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنَامُ عنِ الصَّلَاة المَكْتُوبَةِ..

زعم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن حَدِيث سَمُرَة هَذَا لَا يدْخل فِي هَذَا الْبَاب لِأَن رفض الْقُرْآن لَيْسَ ترك الصَّلَاة بِاللَّيْلِ. قلت: حفظ شَيْئا وَغَابَ عَنهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ، فَفِي الحَدِيث: (وينام عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) ، وَالْمرَاد مِنْهَا الْعشَاء الْآخِرَة، فَأَي مُنَاسبَة تطلب بِأَكْثَرَ من هَذَا؟

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُؤَمل، بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول: ابْن هِشَام الْبَصْرِيّ ختن شَيْخه إِسْمَاعِيل بن علية، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح اللَّام، وَعليَّة اسْم أمه، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم الْأَسدي الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث أَو أَربع وَتِسْعين وَمِائَة بِبَغْدَاد. الثَّالِث: عَوْف الْأَعرَابِي، مر فِي: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان. الرَّابِع: أَبُو رَجَاء، بخفة الْجِيم وبالمد: اسْمه عمرَان بن ملْحَان العطاردي.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

١٢ - باب عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ

١١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّه قَالَ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ على مكان كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ.

[الحديث ١١٤٢ - طرفه في: ٣٢٦٩]

١١٤٣ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَب ، عَنْ النَّبِيِّ ، فِي الرُّؤْيَا قَالَ: أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: إِذَا لَمْ يُصَلِّ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَعْقِدُ عَلَى رَأْسِ مَنْ صَلَّى، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ، لَكِنْ مَنْ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ تَنْحَلُّ عُقَدُهُ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ. وَأَجَابَ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ: بَابُ بَقَاءِ عُقَدِ الشَّيْطَانِ. . إِلَخْ، وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ قَوْلَهُ: عَقْدِ بِلَفْظِ الْفِعْلِ وَبِلَفْظِ الْجَمْعِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْإِيرَادَ بِعَيْنِهِ لِلْمَازِرِيِّ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يُعْتَذَرُ عَنْهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ مَنْ يُسْتَدَامُ الْعَقْدُ عَلَى رَأْسِهِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، وَكَأَنَّهُ قَدَّرَ مَنِ انْحَلَّتْ عُقَدُهُ، كَأَنْ لَمْ تُعْقَدْ عَلَيْهِ، انْتَهَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ الْمَنْفِيَّةُ فِي التَّرْجَمَةِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ، فَيَكُونَ التَّقْدِيرُ: إِذَا لَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ، فَكَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْ نَامَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، بِخِلَافِ مَنْ صَلَّاهَا، وَلَا سِيَّمَا فِي الْجَمَاعَةِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِهِ لِحَدِيثِ سَمُرَةَ عَقِبِ هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ: وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ.

وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا كَوْنُهُ أَوْرَدَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِي تَضَاعِيفِ صَلَاةِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ أَرَادَ دَفْعَ تَوَهُّمِ مَنْ يَحْمِلُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ سَمُرَةَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْمَكْتُوبَةِ، وَالْوَعِيدُ عَلَامَةُ الْوُجُوبِ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى خَطَأِ مَنِ احْتَجَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ اللَّيْلِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، ثُمَّ وَجَدْتُ مَعْنَى هَذَا الِاحْتِمَالِ لِلشَّيْخِ وَلِيِّ الدِّينِ الْمَلَوِيِّ، وَقَوَّاهُ بِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى التَّوْفِيقِ لِذَلِكَ. وَيُقَوِّيهِ مَا ثَبَتَ عَنْهُ : إِنَّ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَمَنْ قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ مُسَمَّى قِيَامِ اللَّيْلِ يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ بِقِيَامِ بَعْضِهِ، فَحِينَئِذٍ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ أَنَّهُ قَامَ اللَّيْلَ، وَالْعُقَدُ الْمَذْكُورَةُ تَنْحَلُّ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَصَارَ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَمَنْ قَامَ اللَّيْلَ فِي حَلِّ عُقَدِ الشَّيْطَانِ. وَخَفِيَتِ الْمُنَاسَبَةُ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ، فَقَالَ: وَرَفْضُ الْقُرْآنِ لَيْسَ هُوَ تَرْكُ الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ. وَيُتَعَجَّبُ مِنْ إِغْفَالِهِ آخِرَ الْحَدِيثِ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (الشَّيْطَانِ) كَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ، وَفَاعِلُ ذَلِكَ هُوَ الْقَرِينُ أَوْ غَيْرُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ رَأْسُ الشَّيَاطِينِ وَهُوَ إِبْلِيسُ، وَتَجُوزُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ الْآمِرَ بِهِ الدَّاعِيَ إِلَيْهِ، وَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ صِفَةِ إِبْلِيسَ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ.

قَوْلُهُ: (قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ) أَيْ مُؤَخَّرُ عُنُقِهِ. وَقَافِيَةُ كُلِّ شَيْءٍ مُؤَخَّرُهُ، وَمِنْهُ قَافِيَةُ الْقَصِيدَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ: الْقَافِيَةُ: الْقَفَا، وَقِيلَ: مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: وَسَطُهُ. وَظَاهِرُ

قَوْلِهِ: أَحَدِكُمْ التَّعْمِيمُ فِي الْمُخَاطَبِينَ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَخُصَّ مِنْهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَمَنْ وَرَدَ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ يُحْفَظُ مِنَ الشَّيْطَانِ كَالْأَنْبِيَاءِ، وَمَنْ تَنَاوَلَهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ وَكَمَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ عِنْدَ نَوْمِهِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُحْفَظُ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُصْبِحَ، وَفِيهِ بَحْثٌ سَأَذْكُرُهُ فِي آخِرِ شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (إِذَا هُوَ نَامَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْحَمَوِيِّ، وَالْمُسْتَمْلِي: إِذَا هُوَ نَائِمٌ؛ بِوَزْنِ فَاعِلٍ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ.

قَوْلُهُ: (يَضْرِبُ عَلَى مَكَانِ كُلِّ عُقْدَةٍ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَلِبَعْضِهِمْ بِحَذْفِ: عَلَى، ولِلكُشْمِيهَنِيِّ بِلَفْظِ: عِنْدَ مَكَانِ. وَقَوْلُهُ: يَضْرِبُ؛ أَيْ بِيَدِهِ عَلَى الْعُقْدَةِ تَأْكِيدًا وَإِحْكَامًا لَهَا قَائِلًا ذَلِكَ، وَقِيلَ: مَعْنَى يَضْرِبُ: يَحْجُبُ الْحِسَّ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾؛ أَيْ: حَجَبْنَا الْحِسَّ أَنْ يَلِجَ فِي آذَانِهِمْ فَيَنْتَبِهُوا، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: مَا أَحَدٌ يَنَامُ إِلَّا ضُرِبَ عَلَى سِمَاخِهِ بِجَرِيرٍ مَعْقُودٍ. أَخْرَجَهُ الْمُخَلِّصُ فِي فَوَائِدِهِ، وَالسِّمَاخُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرِهِ مُعْجَمَةٌ، وَيُقَالُ: بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ السِّينِ، وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: مَا أَصْبَحَ رَجُلٌ عَلَى غَيْرِ وِتْرٍ إِلَّا أَصْبَحَ عَلَى رَأْسِهِ جَرِيرٌ قَدْرَ سَبْعِينَ ذِرَاعًا.

قَوْلُهُ: (عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ عَنِ الْبُخَارِيِّ بِالرَّفْعِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ مَالِكٍ: عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا. وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، قَالَ عِيَاضٌ: رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ عَنْ مُسْلِمٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى الِابْتِدَاءِ، أَيْ بَاقٍ عَلَيْكَ، أَوْ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ؛ أَيْ: بَقِيَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الرَّفْعُ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ الْأَمْكَنُ فِي الْغُرُورِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُخْبِرُهُ عَنْ طُولِ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالرُّقَادِ بِقَوْلِهِ: فَارْقُدْ، وَإِذَا نُصِبَ عَلَى الْإِغْرَاءِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا الْأَمْرُ بِمُلَازَمَةِ طُولِ الرُّقَادِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: فَارْقُدْ ضَائِعًا، وَمَقْصُودُ الشَّيْطَانِ بِذَلِكَ تَسْوِيفُهُ بِالْقِيَامِ وَالْإِلْبَاسُ عَلَيْهِ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْعُقَدِ، فَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّهُ كَمَا يَعْقِدُ السَّاحِرُ مَنْ يَسْحَرُهُ، وَأَكْثَرُ مَنْ يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ؛ تَأْخُذُ إِحْدَاهُنَّ الْخَيْطَ، فَتَعْقِدُ مِنْهُ عُقْدَةً وَتَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ بِالسِّحْرِ، فَيَتَأَثَّرُ الْمَسْحُورُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، وَعَلَى هَذَا، فَالْمَعْقُودُ شَيْءٌ عِنْدَ قَافِيَةِ الرَّأْسِ، لَا قَافِيَةُ الرَّأْسِ نَفْسُهَا، وَهَلِ الْعُقَدُ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ أَوْ فِي غَيْرِهِ؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ إِذْ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ شَعْرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ عَلَى رَأْسِ كُلِّ آدَمِيٍّ حَبْلًا، فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ، وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ حَبْلٌ فِيهِ ثَلَاثُ عُقَدٍ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ عُقِدَ عَلَى رَأْسِهِ بِجَرِيرٍ. وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: مَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى إِلَّا عَلَى رَأْسِهِ جَرِيرٌ مَعْقُودٌ حِينَ يَرْقُدُ. الْحَدِيثَ، وَفِي الثَّوَابِ لِآدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ نَحْوُهُ. وَالْجَرِيرُ بِفَتْحِ الْجِيمِ هُوَ الْحَبْلُ، وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا أَنَّ الْعُقَدَ لَازِمَةٌ، وَيَرُدُّهُ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا تَنْحَلُّ بِالصَّلَاةِ، فَيَلْزَمُ إِعَادَةُ عَقْدِهَا، فَأُبْهِمَ فَاعِلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفُسِّرَ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ. وَقِيلَ هُوَ عَلَى الْمَجَازِ، كَأَنَّهُ شَبَّهَ فِعْلَ الشَّيْطَانِ بِالنَّائِمِ بِفِعْلِ السَّاحِرِ بِالْمَسْحُورِ، فَلَمَّا كَانَ السَّاحِرُ يَمْنَعُ بِعَقْدِهِ ذَلِكَ تَصَرُّفَ مَنْ يُحَاوِلُ عَقْدَهُ، كَانَ هَذَا مِثْلَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ لِلنَّائِمِ.

وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ عَقْدُ الْقَلْبِ وَتَصْمِيمُهُ عَلَى الشَّيْءِ، كَأَنَّهُ يُوَسْوِسُ لَهُ بِأَنَّهُ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلَةِ قِطْعَةٌ طَوِيلَةٌ فَيَتَأَخَّرُ عَنِ الْقِيَامِ. وَانْحِلَالُ الْعُقَدِ كِنَايَةٌ عَنْ عِلْمِهِ بِكَذِبِهِ فِيمَا وَسْوَسَ بِهِ. وَقِيلَ: الْعُقَدُ كِنَايَةٌ عَنْ تَثْبِيطِ الشَّيْطَانِ لِلنَّائِمِ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُورِ، وَمِنْهُ عَقَدْتُ فُلَانًا عَنِ امْرَأَتِهِ؛ أَيْ: مَنَعْتُهُ عَنْهَا، أَوْ عَنْ تَثْقِيلِهِ عَلَيْهِ النَّوْمَ، كَأَنَّهُ قَدْ شَدَّ عَلَيْهِ شِدَادًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ بِالْعُقَدِ الثَّلَاثِ: الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالنَّوْمُ؛ لِأَنَّ مَنْ أَكْثَرَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ كَثُرَ نَوْمُهُ. وَاسْتَبْعَدَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي أَنَّ الْعُقَدَ تَقَعُ عِنْدَ النَّوْمِ. فَهِيَ غَيْرُهُ،

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثِ أَنَّ أَغْلَبَ مَا يَكُونُ انْتِبَاهُ الْإِنْسَانِ فِي السَّحَرِ، فَإِنِ اتَّفَقَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى النَّوْمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تَنْقَضِ النَّوْمَةُ الثَّالِثَةُ إِلَّا وَقَدْ ذَهَبَ اللَّيْلُ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: التَّقْيِيدُ بِالثَّلَاثِ إِمَّا لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَهُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الذِّكْرِ وَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، فَكَأَنَّهُ مَنَعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِعُقْدَةٍ عَقَدَهَا عَلَى رَأْسِهِ، وَكَأَنَّ تَخْصِيصَ الْقَفَا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْوَهْمِ وَمَجَالَ تَصَرُّفِهِ، وَهُوَ أَطَوْعُ الْقُوَى لِلشَّيْطَانِ، وَأَسْرَعُهَا إِجَابَةً لِدَعْوَتِهِ. وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ الْمَلَوِيِّ: أَنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ عَلَى خِزَانَةِ الْإِلَهِيَّاتِ مِنَ الْحَافِظَةِ، وَهِيَ الْكَنْزُ الْمُحَصَّلُ مِنَ الْقُوَى، وَمِنْهَا يَتَنَاوَلُ الْقَلْبُ مَا يُرِيدُ التَّذَكُّرَ بِهِ.

قَوْلُهُ: (انْحَلَّ عُقَدُهُ) بِلَفْظِ الْجَمْعِ، بِغَيْرِ اخْتِلَافٍ فِي الْبُخَارِيِّ، وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ بِالْإِفْرَادِ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَحْمَدَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا قَبْلُ، فَإِنَّ فِيهَا: فَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ أُطْلِقَتِ الثَّانِيَةُ، فَإِنْ صَلَّى أُطْلِقَتِ الثَّالِثَةُ. وَكَأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَهُوَ مَنْ يَنَامُ مُضْطَجِعًا، فَيَحْتَاجُ إِلَى الْوُضُوءِ إِذَا انْتَبَهَ، فَيَكُونُ لِكُلِّ فِعْلٍ عُقْدَةٌ يَحِلُّهَا، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا سَيَأْتِي فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: عُقَدُهُ كُلُّهَا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: انْحَلَّتِ الْعُقَدُ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعُقَدَ تَنْحَلُّ كُلُّهَا بِالصَّلَاةِ خَاصَّةً، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الطَّهَارَةِ، كَمَنْ نَامَ مُتَمَكِّنًا مَثَلًا (١)، ثُمَّ انْتَبَهَ فَصَلَّى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَذْكُرَ أَوْ يَتَطَهَّرَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تُجْزِئُهُ فِي حَلِّ الْعُقَدِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ الطَّهَارَةَ وَتَتَضَمَّنُ الذِّكْرَ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا؛ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْوُضُوءِ، فَظَاهِرٌ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَالْمَعْنَى انْحَلَّتْ بِكُلِّ عُقْدَةٍ، أَوِ انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا بِانْحِلَالِ الْأَخِيرَةِ الَّتِي بِهَا يَتِمُّ انْحِلَالُ الْعُقَدِ. وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ الْمَذْكُورَةِ قَبْلُ: فَإِنْ قَامَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ وَاحِدَةٌ، فَإِنْ قَامَ فَتَوَضَّأَ أُطْلِقَتِ الثَّانِيَةُ، فَإِنْ صَلَّى أُطْلِقَتِ الثَّالِثَةُ.

وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَهُوَ مَنْ يَنَامُ مُضْطَجِعًا، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ الطَّهَارَةِ عِنْدَ اسْتِيقَاظِهِ فَيَكُونُ لِكُلِّ فِعْلٍ عُقْدَةٌ يَحِلُّهَا.

قَوْلُهُ: (طَيِّبَ النَّفْسِ) أَيْ: لِسُرُورِهِ بِمَا وَفَّقَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ، وَبِمَا وَعَدَهُ مِنَ الثَّوَابِ، وَبِمَا زَالَ عَنْهُ مِنْ عُقَدِ الشَّيْطَانِ. كَذَا قِيلَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ سِرًّا فِي طِيبِ النَّفْسِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرِ الْمُصَلِّي شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا﴾، وَقَدِ اسْتَنْبَطَ بَعْضُهُمْ مِنْهُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى النَّوْمِ لَا يَعُودُ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ بِالْعَقْدِ الْمَذْكُورِ ثَانِيًا، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ - مِمَّنْ يَقُومُ وَيَذْكُرُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي - مَنْ لَمْ يَنْهَهُ ذَلِكَ عَنِ الْفَحْشَاءِ، بَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْلِعَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ النَّدَمِ وَالتَّوْبَةِ وَالْعَزْمِ عَلَى الْإِقْلَاعِ، وَبَيْنَ الْمُصِرِّ.

قَوْلُهُ: (وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ)؛ أَيْ: بِتَرْكِهِ مَا كَانَ اعْتَادَهُ أَوْ أَرَادَهُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ، كَذَا قِيلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ.

وَقَوْلُهُ: (كَسْلَانَ) غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلْوَصْفِ وَلِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: وَإِلَّا أَصْبَحَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَجْمَعِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ دَخَلَ تَحْتَ مَنْ يُصْبِحُ خَبِيثًا كَسْلَانَ، وَإِنْ أَتَى بِبَعْضِهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالْقُوَّةِ وَالْخِفَّةِ، فَمَنْ ذَكَرَ اللَّهَ - مَثَلًا - كَانَ فِي ذَلِكَ أَخَفَّ مِمَّنْ لَمْ يَذْكُرْ أَصْلًا. وَرَوَيْنَا فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنَ الْأَوَّلِ مِنْ حَدِيثِ الْمَخَلِّصِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ: فَإِنْ قَامَ فَصَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ كُلُّهُنَّ، وَإِنِ اسْتَيْقَظَ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَلَمْ يُصَلِّ أَصْبَحَتِ الْعُقَدُ كُلُّهَا كَهَيْئَتِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا الذَّمُّ يَخْتَصُّ بِمَنْ لَمْ يَقُمْ إِلَى صَلَاتِهِ وَضَيَّعَهَا، أَمَّا مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ أَوْ إِلَى النَّافِلَةِ بِاللَّيْلِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنَامَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ

اللَّهَ يَكْتُبُ لَهُ أَجْرَ صَلَاتِهِ، وَنَوْمُهُ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ. وَقَالَ أَيْضًا: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُعَارِضُ قَوْلَهُ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ عَنْ إِضَافَةِ الْمَرْءِ ذَلِكَ إِلَى نَفْسِهِ كَرَاهَةً لِتِلْكَ الْكَلِمَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَقَعَ ذَمًّا لِفِعْلِهِ، وَلِكُلٍّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ وَجْهٌ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ اخْتِلَافٌ؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ إِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْسِ - لِكَوْنِ الْخُبْثِ بِمَعْنَى فَسَادِ الدِّينِ - وَوَصْفُ بَعْضِ الْأَفْعَالِ بِذَلِكَ تَحْذِيرًا مِنْهَا وَتَنْفِيرًا.

قُلْتُ: تَقْرِيرُ الْإِشْكَالِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ إِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى النَّفْسِ، فَكُلُّ مَا نُهِيَ الْمُؤْمِنُ أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى نَفْسِهِ نُهِيَ أَنْ يُضِيفَهُ إِلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ، وَقَدْ وَصَفَ هَذَا الْمَرْءَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَيَلْزَمُ جَوَازُ وَصْفِنَا لَهُ بِذَلِكَ لِمَحَلِّ التَّأَسِّي، وَيَحْصُلُ الِانْفِصَالُ فِيمَا يَظْهَرُ بِأَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَامِلٌ عَلَى الْوَصْفِ بِذَلِكَ كَالتَّنْفِيرِ وَالتَّحْذِيرِ.

(تَنْبِيهَاتٌ): الْأَوَّلُ: ذِكْرُ اللَّيْلِ فِي قَوْلِهِ: عَلَيْكَ لَيْلٌ، ظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِنَوْمِ اللَّيْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَجِيءَ مِثْلُهُ فِي نَوْمِ النَّهَارِ كَالنَّوْمِ حَالَةَ الْإِبْرَادِ مَثَلًا، وَلَاسِيَّمَا عَلَى تَفْسِيرِ الْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ.

ثَانِيهَا: ادَّعَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْمَأَ هُنَا إِلَى وُجُوبِ صَلَاةِ اللَّيْلِ لِقَوْلِهِ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ. وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ فِي خَامِسِ تَرْجَمَةٍ مِنْ أَبْوَابِ التَّهَجُّدِ بِخِلَافِهِ حَيْثُ قَالَ: مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ. وَأَيْضًا فَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مِنْ أَنَّهُ حَمْلُ الصَّلَاةِ هُنَا عَلَى الْمَكْتُوبَةِ يَدْفَعُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَيْضًا، وَلَمْ أَرَ النَّقْلَ فِي الْقَوْلِ بِإِيجَابِهِ إِلَّا عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: شَذَّ بَعْضُ التَّابِعِينَ، فَأَوْجَبَ قِيَامَ اللَّيْلِ، وَلَوْ قَدْرَ حَلْبِ شَاةٍ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالَّذِي وَجَدْنَاهُ عَنِ الْحَسَنِ مَا أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ اسْتَظْهَرَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ إِنَّمَا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ هَذَا؟ إِنَّمَا يَتَوَسَّدُ الْقُرْآنَ. فَقِيلَ لَهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْ قَدْرَ خَمْسِينَ آيَةٍ. وَكَانَ هَذَا هُوَ مُسْتَنَدُ مَنْ نَقَلَ عَنِ الْحَسَنِ الْوُجُوبَ. وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا قِيَامُ اللَّيْلِ عَلَى أَصْحَابِ الْقُرْآنِ، وَهَذَا يُخَصِّصُ مَا نُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ أَقْرَبُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالْوُجُوبِ أَيْضًا.

ثَالِثُهَا: قَدْ يُظَنُّ أَنَّ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْحَدِيثِ الْآتِي فِي الْوَكَالَةِ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِيهِ: إنَّ قَارِئَ آيَةِ الْكُرْسِيِّ عِنْدَ نَوْمِهِ لَا يَقْرَبُهُ الشَّيْطَانُ - مُعَارَضَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا حُمِلَ عَلَى الْأَمْرِ الْمَعْنَوِيِّ، وَالْقُرْبَ عَلَى الْأَمْرِ الْحِسِّيِّ، وَكَذَا الْعَكْسُ، فَلَا إِشْكَالَ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ سِحْرِهِ إِيَّاهُ مَثَلًا أَنْ يَمَاسَّهُ، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ مُمَاسَّتِهِ أَنْ يَقْرَب هُ بِسَرِقَةٍ أَوْ أَذًى فِي جَسَدِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِنْ حُمِلَا عَلَى الْمَعْنَوِيَّيْنِ، أَوِ الْعَكْسِ، فَيُجَابُ بِادِّعَاءِ الْخُصُوصِ فِي عُمُومِ أَحَدِهِمَا. وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْمَخْصُوصَ حَدِيثُ الْبَابِ كَمَا تَقَدَّمَ تَخْصِيصُهُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْقِيَامَ، فَكَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: يَخْتَصُّ بِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لِطَرْدِ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

رَابِعُهَا: ذَكَرَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ السِّرَّ فِي اسْتِفْتَاحِ صَلَاةِ اللَّيْلِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى حَلِّ عُقَدِ الشَّيْطَانِ، وَبَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْحَلَّ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَمَامِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا، لَمْ يُسَاوِ مَنْ أَتَمَّهَا، وَكَذَا الْوُضُوءُ. وَكَأَنَّ الشُّرُوعَ فِي حَلِّ الْعُقَدِ يَحْصُلُ بِالشُّرُوعِ فِي الْعِبَادَةِ وَيَنْتَهِي بِانْتِهَائِهَا. وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِصَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَانْدَفَعَ إِيرَادُ مَنْ أَوْرَدَ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ إِنَّمَا وَرَدَتَا مِنْ فِعْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ عُقَدِ الشَّيْطَانِ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَرِدِ الْأَمْرُ بِذَلِكَ لَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: يُحْمَلُ فِعْلُهُ ذَلِكَ عَلَى تَعْلِيمِ أُمَّتِهِ وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى مَا يَحْفَظُهُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: فَحُلُّوا عُقَدَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ورواته ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ (١)، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٩٧٢].

(تَابَعَهُ) أي: تابع محمَّد بن جعفر عن حميدٍ (سُلَيْمَانُ) هو ابن بلالٍ، كما جزم به خلفٌ (وَأَبُو خَالِدٍ) سليمان بن حيَّان (الأَحْمَرُ) أو الواو زائدةٌ في «وأبو» من النَّاسخ؛ فإنَّ أبا خالد اسمه سليمان (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل، ومتابعةُ أبي خالدٍ وصلها المؤلِّف في «الصَّوم» [خ¦١٩٧٢].

(١٢) (باب عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ) أي: قفاه، أو مؤخَّر العنق، أو مؤخَّر الرَّأس، أو وسطه (إِذَا) نام و (لَمْ يُصَلِّ) صلاة العشاء (بِاللَّيْلِ).

١١٤٢ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ) إبليسُ، أو أحدُ أعوانه (عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ) ظاهره التَّعميم في المخاطبين ومَن في معناهم، ويمكن أن يُخَصَّ منه من صلَّى العشاء في جماعة -كما مرَّ- ومن ورد في حقِّه أنَّه يُحفَظ من الشَّيطان كالأنبياء، ومن يتناوله قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي

لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] وكمن قرأ آية الكرسيِّ عند نومه؛ فقد ثبت: «أنَّه يُحفَظُ من الشَّيطان حتَّى يُصبح» (إِذَا هُوَ نَامَ) وللحَمُّويي والمُستملي: «إذا هو نائمٌ» بوزن فاعِل، قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل أصوب، وهو الَّذي في «الموطَّأ»، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ رواية «الموطَّأ» لا تدلُّ على أنَّ ذلك أصوب، بل الظَّاهر أنَّ رواية المُستملي أصوب؛ لأنَّها جملةٌ اسميَّةٌ، والخبر فيها اسمٌ (ثَلَاثَ عُقَدٍ) نصب مفعول «يعقد»، و «عُقَد»؛ بضمِّ العين وفتح القاف: جمع عُقْدَةٍ (يَضْرِبُ) بيده (كُلَّ عُقْدَةٍ) منها، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي (١): «على مكان كلِّ عقدة»، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «عند مكان كلِّ عُقدةٍ» تأكيدًا وإحكامًا لِمَا يفعله قائلًا: باقٍ أو بقي (٢) (عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ) أو «عليك ليلٌ» مبتدأٌ وخبرٌ مقدَّم، فـ «ليلٌ» رفع على الابتداء، أي: باقٍ عليك، أو إضمار فعلٍ، أي: بقي عليك (٣) (فَارْقُدْ) كأنَّ الفاء رابطة شرطٍ مقدَّرٍ، أي: وإذا كان كذلك؛ فارقد ولا تعجل بالقيام ففي الوقت متَّسعٌ. وهل هذا العقد حقيقة؟ فيكون من باب عقد السَّواحر (٤) ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وذلك بأن يأخذن خيطًا فيعقدن عليه منه عقدةً، ويتكلَّمن عليه بالسِّحر، فيتأثَّر المسحور حينئذٍ بمرضٍ أو تحريك قلبٍ أو نحوه، وعلى هذا فالمعقود شيءٌ عند قافية الرَّأس، لا قافية الرَّأس نفسها، وهل العقد (٥) في شعر الرَّأس أو غيره؟ الأقرب أنَّه في غيره؛ لأنَّه ليس لكلِّ أحدٍ شعرٌ، وفي رواية ابن ماجه: «على قافية رأس أحدكم بالليل (٦) حبلٌ فيه ثلاث عقدٍ»، ولأحمد: «إذا نام أحدكم عُقد على رأسه ثلاث عقدٍ (٧) بجَريرٍ» وهو بفتح الجيم: الحبل، وقيل: «العقد» مجازٌ؛ كأنَّه شبَّه فعل الشَّيطان بالنَّائمِ بفعلِ السَّاحر بالمسحور، فلمَّا كان السَّاحر يمنع بعقده ذلك تصرُّف من يحاول عَقده؛ كان هذا مثله من الشَّيطان للنَّائم، وقيل: معنى «يضرب»: يحجب الحسَّ عن النَّائم حتَّى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] أي:

حجبنا (١) الحسَّ أن يَلِجَ في آذانهم فينتبهوا؛ فالمراد: تثقيله في النَّوم وإطالته، فكأنَّه قد شدَّ عليه شدادًا، وعَقدَه (٢) ثلاث عُقَد، والتَّقييد بالثلاث: إمَّا للتَّأكيد، أو أنَّ الَّذي ينحلُّ به عقده ثلاثةٌ: الذِّكر، والوضوء، والصَّلاة، كما أشار إليه بقوله: (فَإِنِ اسْتَيْقَظَ) من نومه (فَذَكَرَ اللهَ) بكلِّ ما صدق عليه الذِّكر؛ كتلاوة القرآن، وقراءة الحديث، والاشتغال بالعلم الشَّرعيِّ (انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) واحدةٌ من الثَّلاث (فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) أخرى ثانيةٌ (فَإِنْ صَلَّى) الفريضة أو النَّافلة (انْحَلَّتْ عُقَدُهُ) الثَّلاث كلُّها، وظاهره: أنَّ العُقَدَ كلَّها تنحلُّ بالصَّلاة خاصَّةً، وهو كذلك في حقِّ من لم يحتج إلى الطَّهارة؛ كمن نام متمكِّنًا مثلًا ثمَّ انتبه فصلَّى من قبل أن يذكر أو يتطهَّر؛ لأنَّ الصَّلاة تستلزم الطَّهارة، وتتضمَّن الذِّكر، وقوله: «عقده» ضبطها في «اليونينيَّة» بلفظ الجمع والإفراد كما ترى. قال ابن قرقول في «مطالعه» كعياض في «مشارقه»: اختلف في الآخرة منها فقط، فوقع في «الموطَّأ» لابن وضَّاح على الجمع، وكذا ضبطناه في «البخاريِّ»، وكلاهما -يعني: الجمع والإفراد- صحيحٌ، والجمع أوجه، لا سيَّما وقد جاء في رواية مسلمٍ: في الأولى: «عقدة»، وفي الثَّانية: «عقدتان»، وفي الثَّالثة: «العقد». انتهى. فقد تبيَّن أنَّ قول من قال: «إنَّه في «اليونينيَّة» بلفظ الجمع مع نصب الدَّال، ناشئٌ (٣) عن عدم تأمُّله لِما في «اليونينيَّة»، ولعلَّه لم يقف على «اليونينيَّة» نفسها، بل على ما هو مقابَلٌ عليها أو مكتوبٌ منها، وخفي على الكاتب أو المقابِل ذلك؛ لدقَّة ذلك؛ كمواضع فيها مُحيت لا تُدرك إلَّا بالتَّأمُّل التَّام، ويؤيِّد ما قلتُه قول القاضي السَّابق فتأمَّله، وأمَّا تخريج النَّصب على الاختصاص أو غيره؛ فلا يُصار إليه إلَّا عند ثبوت الرِّواية، ولا أعرفه، ومن ادَّعى أنَّ النَّصب مع الجمع رواية فعليه البيان. وقوله (٤): (فَأَصْبَحَ نَشِيطًا) أي: لسروره لِما (٥) وفَّقه الله له من الطَّاعة، وما وُعِد به من الثَّواب، وما زال عنه من عُقَد الشَّيطان (طَيِّبَ النَّفْسِ) لما بارك الله له في نفسه من هذا التَّصرُّف الحسن، كذا قيل، قال في «الفتح»: والظَّاهر: أنَّ في صلاة اللَّيل سرًّا في طيب النَّفس وإن لم يستحضر المصلِّي شيئًا ممَّا ذُكِر (وَإِلَّا) بأن ترك الذِّكر والوضوء والصَّلاة (أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ)

بتركه ما كان اعتاده أو قصده من فعل الخير، ووصف النَّفس بالخبث -وإن كان وقع النَّهيُ عنه في قوله [خ¦٦١٧٩]: «لا يقولنَّ أحدُكم: خبُثت نفسي» - للتَّنفير والتَّحذير، أو النَّهي لمن يقول ذلك، وهنا إنَّما أخبر عنه بأنَّه كذلك، فلا تضادَّ. (كَسْلَانَ) لبقاء أثر تثبيط الشَّيطان، ولشؤم تفريطه، وظفر الشَّيطان به بتفويته الحظَّ الأوفر من قيام اللَّيل، فلا يكاد تَخِفُّ عليه صلاةٌ ولا غيرها من القربات، و «كسلان»: غير منصرفٍ للوصف وزيادة الألف والنُّون، مذكَّر «كسلى»، ومقتضى قوله: «وإلَّا أصبح» أنَّه إن (١) لم يجمع الأمور الثَّلاثة دخل تحت من يُصبح خبيثًا كسلان وإن أتى ببعضها، لكن يختلف ذلك بالقوَّة والخفَّة، فمن ذكر الله مثلًا كان في ذلك أخفَّ ممَّن لم يذكر أصلًا، وهذا الذَّمُّ مختصٌّ بمن لم يقم إلى الصَّلاة (٢) وضيَّعها، أمَّا من كانت له عادةٌ فغلبته عينه؛ فقد ثبت أنَّ الله يكتب له أجر صلاته ونومُه عليه صدقة، ولا يبعد أن يجيء مثل ما ذُكِرَ في نوم النَّهار؛ كالنَّوم حالة الإبراد مثلًا، ولا سيَّما على تفسير البخاريِّ من أنَّ المراد بالحديث: الصَّلاة المفروضة (٣)، قاله في «الفتح»، فإن قلت: الحديث مُطلَقٌ، يدلُّ على عقده رأس جميع المكلَّفين؛ من صلَّى ومن لم يصلِّ، وإنَّما تنحلُّ عمَّن أتى بالثَّلاث، والتَّرجمة مقيَّدةٌ برأس من لم يصلِّ، فما وجه المطابقة؟ أجيب بأنَّ مراده: أنَّ استدامة العقد إنَّما تكون على من (٤) ترك الصَّلاة، وجُعِل من صلَّى وانحلَّت عقده كمن لم يُعقَد عليه؛ لزوال أثره، قاله المازريُّ، وقوله في التَّرجمة: «إذا لم يصلِّ» أعمُّ من ألَّا يصلِّي العشاء أو غيرها من صلاة اللَّيل، ولا قرينة للتَّقييد بالعشاء، وظاهر الحديث يدلُّ على أنَّ العقد يكون عند النَّوم، سواء صلَّى قبله أم (٥) لم يصلِّ، قاله في «عمدة القاري»، رادًّا على صاحب «الفتح» حيث قال: ويحتمل أن تكون الصَّلاة المنفيَّة في التَّرجمة صلاة العشاء، فيكون التَّقدير: إذا لم يصلِّ العشاء، فكأنَّه يرى أنَّ الشَّيطان إنَّما يفعل ذلك بمن نام قبل صلاة العشاء، بخلاف من صلَّاها لا سيَّما في الجماعة؛ فإنَّه كمن قام اللَّيل في حَلِّ عُقَد الشيطان.

وهذا الحديث أخرجه أبو داود.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

قَوْله: (وَأَبُو خَالِد) عطف عَلَيْهِ، أَي: وتابع مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد أَبُو خَالِد سُلَيْمَان بن حبَان الملقب بالأحمر، وَهَكَذَا وَقع فِي جَمِيع النّسخ، بواو الْعَطف، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يكون سُلَيْمَان هُوَ ابْن بِلَال، وَيحْتَمل أَن تكون الْوَاو زَائِدَة فَإِن أَبَا خالدٍ الْأَحْمَر اسْمه سُلَيْمَان. قلت: هَذَا كَلَام غير موجه، لِأَن زِيَادَة: وَاو، الْعَطف نادرة، بِخِلَاف الأَصْل، سِيمَا الحكم بذلك بِالِاحْتِمَالِ فَلَا يلْزم من كَون اسْم أبي خَالِد سُلَيْمَان أَن يكون سُلَيْمَان الْمَعْطُوف عَلَيْهِ إِيَّاه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض النّسخ: وَأَبُو خَالِد بِالْوَاو، فَلَا بُد أَن يُقَال: سُلَيْمَان الْمَذْكُور غير سُلَيْمَان المكنى بِأبي خَالِد، ولولاه لَكَانَ شخصا وَاحِدًا مَذْكُورا بالإسم والكنية وَالصّفة، أما مُتَابعَة سُلَيْمَان فَقَالَ البُخَارِيّ فِي كتاب الصَّوْم فِي: بَاب مَا يذكر من صَوْم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: حَدثنِي عبد الْعَزِيز بن عبد الله، قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن جَعْفَر عَن حميد (عَن أنس أَن أنسا يَقُول: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يفْطر من الشَّهْر) الحَدِيث، وَفِي آخِره قَالَ سُلَيْمَان عَن حميد إِنَّه سَأَلَ أنسا فِي الصَّوْم، وَأما مُتَابعَة أبي خَالِد فقد ذكرهَا البُخَارِيّ فِي كتاب الصّيام، وَنَذْكُر مَا فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

٢١ - (بابُ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قافِيَةِ الرَّأسِ إذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان عقد الشَّيْطَان على قافية رَأس النَّائِم إِذا نَام، وَلم يصل، وقافية الرَّأْس: قَفاهُ، وقافية كل شَيْء آخِره، قَالَه الْأَزْهَرِي وَغَيره.

٢٤١١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِك عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قافِيةِ رَأسِ أحَدِكُمْ إذَا هُوَ نامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كلَّ عُقْدَةٍ علَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ فإنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحلَّتْ عُقْدَةٌ فانْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فأصْبَحَ نَشِيطا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإلَاّ أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ.

(الحَدِيث ٢٤١١ طرفه فِي: ٩٦٢٣) .

اعْترض بِأَنَّهُ لَا مُطَابقَة بَين الحَدِيث والترجمة، لِأَن الحَدِيث مُطلق والترجمة مُقَيّدَة، وَأجِيب: بِأَن مُرَاده أَن اسْتِدَامَة العقد إِنَّمَا يكون على ترك الصَّلَاة، وَجعل من صلى وانحلت عقده كمن لم يعْقد عَلَيْهِ لزوَال أَثَره، وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن تكون الصَّلَاة المنفية فِي التَّرْجَمَة صَلَاة الْعشَاء، فَيكون التَّقْدِير: إِذا لم يصل الْعشَاء، فَكَأَنَّهُ يرى أَن الشَّيْطَان إِنَّمَا يفعل ذَلِك لمن نَام قبل صَلَاة الْعشَاء، بِخِلَاف من صلاهَا، وَلَا سِيمَا فِي الْجَمَاعَة. انْتهى. قلت: قَوْله: (إِذا لم يصل) أَعم من أَن لَا يُصَلِّي الْعشَاء أَو غَيرهَا من صَلَاة اللَّيْل، وَلَا قرينَة لتقييدها بالعشاء، وَظَاهر الحَدِيث يدل على أَن العقد يكون عِنْد النّوم، سَوَاء صلى قبله أَو لم يصل، وَيُؤَيّد هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن زَنْجوَيْه فِي كتاب الْفَضَائِل من حَدِيث أبي لَهِيعَة عَن أبي عشانة، سمع عقبَة بن عَامر يَقُول عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يقوم أحدكُم من اللَّيْل يعالج طهوره وَعَلِيهِ عقد، فَإِذا وضأ يَده انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ وَجهه انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا مسح بِرَأْسِهِ انْحَلَّت عقدَة، فَإِذا وضأ رجلَيْهِ انْحَلَّت عقدَة) . وَمن حَدِيث ابْن لَهِيعَة أَيْضا عَن أبي الزبير (عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: لَيْسَ فِي الأَرْض نفس من ذكر وَأُنْثَى إلاّ وعَلى رَأسه جرير معقدة، فَإِن اسْتَيْقَظَ فَتَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة، وَإِن اسْتَيْقَظَ وَصلى حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يصل وَلم يتَوَضَّأ أَصبَحت العقد كَمَا هِيَ) . والجرير: بِفَتْح الْجِيم: الْحَبل. وَفِي (كتاب الثَّوَاب) لآدَم بن أبي إِيَاس الْعَسْقَلَانِي، من حَدِيث الرّبيع بن صبيح: عَن الْحسن قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من عبد ينَام إلاّ وعَلى رَأسه ثَلَاث عقد، فَإِن هُوَ تعار من اللَّيْل فسبح الله وحمده وَهَلله وَكبره حلت عقدَة، وَإِن عزم الله لَهُ فَقَامَ وَتَوَضَّأ وَصلى رَكْعَتَيْنِ حلت العقد كلهَا، وَإِن لم يفعل شَيْئا من ذَلِك حَتَّى يصبح أصبح وَالْعقد كلهَا كَمَا هِيَ) .

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الزِّنَاد، بالزاي وَالنُّون: عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز،. والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يعْقد الشَّيْطَان) الْكَلَام فِي العقد والشيطان. أما العقد فقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْحَقِيقَة بِمَعْنى السحر للْإنْسَان، وَمنعه من الْقيام كَمَا يعْقد السَّاحر من سحره، وَأكْثر مَا يَفْعَله النِّسَاء تَأْخُذ إِحْدَاهُنَّ الْخَيط فتعقد مِنْهُ عقدا وتتكلم عَلَيْهَا بالكلمات فيتأثر المسحور عِنْد ذَلِك، كَمَا أخبر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم {وَمن شَرّ النفاثات فِي العقد} (الفلق: ٤) . فَالَّذِي خذل يعْمل فِيهِ وَالَّذِي وفْق يصرف عَنهُ، وَالدَّلِيل على كَونه على الْحَقِيقَة مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَمُحَمّد بن نصر من طَرِيق صَالح عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (على قافية رَأس أحدكُم حَبل فِيهِ ثَلَاث عقد) ، وروى أَحْمد من طَرِيق الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِذا نَام أحدكُم عقد على رَأسه بجرير) ، وروى ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان من حَدِيث جَابر مَرْفُوعا: (مَا من ذكر وَلَا أُنْثَى إلاّ على رَأسه جرير مَعْقُود حِين يرقد) ، وَقَالَ بَعضهم: هُوَ على الْمجَاز كَأَنَّهُ شبه فعل الشَّيْطَان بالنائم بِفعل السَّاحر بالمسحور، وَقيل: هُوَ من عقد الْقلب وتصميمه فَكَأَنَّهُ يوسوس بِأَن عَلَيْك لَيْلًا طَويلا فَيتَأَخَّر عَن الْقيام بِاللَّيْلِ، وَقَالَ صَاحب (النِّهَايَة) : المُرَاد مِنْهُ تثقيله فِي النّوم وإطالته، فَكَأَنَّهُ قد سد عَلَيْهِ سدا وَعقد عَلَيْهِ عقدا. وَقَالَ ابْن بطال: قد فسر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، معنى العقد بقوله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) ، فَكَأَنَّهُ يَقُولهَا إِذا أَرَادَ النَّائِم الاستيقاظ. وَقَالَ ابْن بطال أَيْضا: وَرَأَيْت لبَعض من فسر هَذَا الحَدِيث العقد الثَّلَاث هِيَ: الْأكل وَالشرب وَالنَّوْم. وَقَالَ أَلا يرى أَنه من أَكثر الْأكل وَالشرب أَنه يكثر النّوم لذَلِك؟ واستبعد بَعضهم هَذَا القَوْل لقَوْله فِي الحَدِيث: (إِذا هُوَ نَام) ، فَجعل العقد حِينَئِذٍ، وَقَالَ ابْن قرقول: هُوَ مثل، واستعاره من عقد بني آدم، وَلَيْسَ المُرَاد العقد نَفسهَا، وَلَكِن لما كَانَ بَنو آدم يمْنَعُونَ بعقدهم ذَلِك تصرف من يحاول فِيمَا عقده كَأَن هَذَا مثله من الشَّيْطَان للنائم الَّذِي لَا يقوم من نَومه إِلَى مَا يحب من ذكر الله تَعَالَى وَالصَّلَاة.

وَأما الشَّيْطَان: فَيجوز أَن يُرَاد بِهِ الْجِنْس، وَيكون فَاعل ذَلِك القرين أَو غَيره من أعوان الشَّيْطَان. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ رَأس الشَّيَاطِين وَهُوَ إِبْلِيس لَعنه الله. قلت: يُعَكر عَلَيْهِ شَيْئَانِ أَحدهمَا: أَن النائمين عَن قيام اللَّيْل كثير لَا يُحْصى، فإبليس لَا يلحقهم بذلك إلاّ أَن يكون جَوَاز نِسْبَة ذَلِك إِلَيْهِ لكَونه آمرا لأعوانه بذلك، وَهُوَ الدَّاعِي إِلَيْهِ وَالْآخر: أَن مَرَدَة الشَّيَاطِين يصفدون فِي شهر رَمَضَان وأكبرهم إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة.

قَوْله: (على قافية رَأس أحدكُم) أَي: مُؤخر عُنُقه، وَقد ذكرنَا أَن قافية كل شَيْء مؤخره، وَمِنْه قافية القصيدة، وَفِي (الْمُحكم) : القافية: هِيَ الْقَفَا، وَقيل: هِيَ وسط الرَّأْس. قَوْله: (إِذا هُوَ نَام) ، أَي: حِين نَام، وَرِوَايَة الْأَكْثَرين هَكَذَا: (إِذا هُوَ نَام) ، وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ وَالْمُسْتَمْلِي (إِذا هُوَ نَائِم) على وزن اسْم الْفَاعِل، وَقَالَ بَعضهم: وَالْأول أصوب وَهُوَ الَّذِي فِي (الْمُوَطَّأ) قلت: رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لَا تدل على أَن ذَلِك أصوب، بل الظَّاهِر أَن رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي أصوب لِأَنَّهَا جملَة إسمية وَالْخَبَر فِيهَا إسم. قَوْله: (ثَلَاث عقد) كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول لقَوْله: (يعْقد) ، وَالْعقد، بِضَم الْعين وَفتح الْقَاف: جمع عقدَة. قَوْله: (يضْرب على كل عقدَة) وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي: (على مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (عِنْد مَكَان كل عقدَة) ، وَمعنى يضْرب، يضْرب بِيَدِهِ على كل عقدَة، ذكر هَذَا تَأْكِيدًا وإحكاما لما يَفْعَله، وَقيل: يضْرب بالرقاد، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {فضربنا على آذانهم فِي الْكَهْف} (الْكَهْف: ١١) . وَمَعْنَاهُ: حجب الْحس عَن النَّائِم حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظ. قَوْله: (عَلَيْك ليل طَوِيل) أَي: يضْرب قَائِلا: عَلَيْك ليل طَوِيل، وَوَقع فِي جَمِيع رِوَايَات البُخَارِيّ هَكَذَا: (ليل طَوِيل) بِالرَّفْع فيهمَا، فارتفاع: ليل، بِالِابْتِدَاءِ، و: عَلَيْك، خَبره مقدما وارتفاع: طَوِيل، بالوصفية. وَيجوز أَن يكون ارْتِفَاع: ليل، بِفعل مَحْذُوف وَتَقْدِيره: بَقِي عَلَيْك ليل طَوِيل، وَالْجُمْلَة مقول القَوْل الْمَحْذُوف، أَي: يضْرب كل عقدَة قَائِلا هَذَا الْكَلَام، وَوَقع فِي رِوَايَة أبي مُصعب فِي (الْمُوَطَّأ) عَن مَالك: (عَلَيْك لَيْلًا طَويلا) ، وَهِي رِوَايَة سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد فِي رِوَايَة مُسلم. قَالَ عِيَاض: رِوَايَة الْأَكْثَرين عَن مُسلم بِالنّصب على الإغراء. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الرّفْع أولى من جِهَة الْمَعْنى لِأَنَّهُ الأمكن فِي الْغرُور من حَيْثُ إِنَّه يُخبرهُ عَن طول اللَّيْل: ثمَّ يَأْمُرهُ بالرقاد بقوله: (فارقد) ، وَإِذا نصب على الإغراء لم يكن فِيهِ إلاّ الْأَمر بملازمة طول الرقاد، وَحِينَئِذٍ يكون قَوْله: (فارقد) ضائعا. قلت: لَا نسلم أَنه يكون ضائعا، بل يكون تَأْكِيدًا ثمَّ إِن مَقْصُود الشَّيْطَان بذلك تسويفه بِالْقيامِ والإلباس عَلَيْهِ. قَوْله (فَذكر الله انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ وَكَذَلِكَ قَوْله: (فَإِن تَوَضَّأ انْحَلَّت عقدَة) بِالْإِفْرَادِ. وَقَوله: (فَإِن صلى انْحَلَّت عقدَة) بِضَم الْعين بِلَفْظ الْجمع هَذَا الاخلاف فِيهِ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ وَوَقع لبَعض رُوَاة الْمُوَطَّأ بِالْإِفْرَادِ وَذكر ابْن قرقول انه اخْتلف فِي الْأَخِيرَة مِنْهَا، فَوَقع فِي رِوَايَة (الْمُوَطَّأ) لِابْنِ وضاح

انْحَلَّت عقد) على الْجمع، وَكَذَا ضبطناه فِي البُخَارِيّ وَفِي غَيرهمَا: (عقدَة) ، وَكِلَاهُمَا صَحِيح، وَالْجمع أولى لَا سِيمَا وَقد جَاءَ مُسلم فِي الأولى: عقدَة وَفِي الثَّانِيَة: عقدان، وَفِي الثَّالِثَة: انْحَلَّت العقد. قَوْله: (أصبح نشيطا) أَي: لسروره بِمَا وَفقه الله تَعَالَى من الطَّاعَة وَطيب النَّفس لما بَارك الله لَهُ فِي نَفسه وتصرفه فِي كل أُمُوره، وَبِمَا زَالَ عَنهُ من عقد الشَّيْطَان. قَوْله: (وإلاّ أصبح خَبِيث النَّفس) يَعْنِي: بِتَرْكِهِ مَا كَانَ اعتاده أَو نَوَاه من فعل الْخَيْر. قَوْله: (كسلان) يَعْنِي: بِبَقَاء أثر تثبيط الشَّيْطَان عَلَيْهِ. قَالَ الْكرْمَانِي: وَاعْلَم أَن مُقْتَضى (وإلَاّ أصبح) أَن من لم يجمع الْأُمُور الثَّلَاثَة: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَهُوَ دَاخل تَحت من يصبح خبيثا كسلان وَإِن أَتَى بِبَعْضِهَا. قلت: فعلى هَذَا تَقْدِير الْكَلَام: وَإِن لم يذكر وَلم يتَوَضَّأ وَلم يصل يصبح خَبِيث النَّفس كسلان.

الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قيل: إِن أَبَا بكر وَأَبا هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَا يوتران أول اللَّيْل وينامان آخِره؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد: الَّذِي ينَام وَلَا نِيَّة لَهُ فِي الْقيام، وَأما من صلى من النَّافِلَة مَا قدر لَهُ ونام بنية الْقيام فَلَا يدْخل فِي ذَلِك، وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : بِدَلِيل قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من امرىء يكون لَهُ صَلَاة بلَيْل فغلبه عَلَيْهَا نوم إلَاّ كتب لَهُ أجر صلَاته، وَكَانَ نَومه صَلَاة) . ذكره ابْن التِّين قلت: روى ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) فِي: بَاب من نوى أَن يُصَلِّي من اللَّيْل، من حَدِيث شُعْبَة، قَالَ أَبُو ذَر وَأَبُو الدَّرْدَاء، شكّ شُعْبَة: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (مَا من عبد يحدث نَفسه بِقِيَام سَاعَة من اللَّيْل فينام عَنْهَا إلَاّ كَانَ نَومه صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْهِ وَكتب لَهُ أجر مَا نوى) .

وَمِنْهَا مَا قيل: فِي هَذَا الحَدِيث مَا يُعَارض قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَقُولَن أحدكُم خبثت نَفسِي؟) وَأجِيب: بِأَن النَّهْي إِنَّمَا ورد عَن إِضَافَة الْمَرْء ذَلِك إِلَى نَفسه كَرَاهَة لتِلْك الْكَلِمَة، وَهَذَا الحَدِيث وَقع ذما لفعله، وَلكُل من الْخَبَرَيْنِ وَجه، وَقَالَ الْبَاجِيّ: لَيْسَ بَين الْحَدِيثين اخْتِلَاف لِأَنَّهُ نهي عَن إِضَافَة ذَلِك إِلَى النَّفس، لكَون الْخبث فَمَعْنَى فَسَاد الدّين، وَوصف بعض الْأَفْعَال بذلك تحذيرا مِنْهَا وتنفيرا.

وَمِنْهَا مَا قيل: مَا فَائِدَة تَقْيِيد العقد بِالثلَاثِ؟ وَأجِيب: بإنه أما تَأْكِيد وَإِمَّا لِأَن مَا ينْحل بِهِ العقد ثَلَاثَة أَشْيَاء: الذّكر وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة، فَكَانَ الشَّيْطَان منع عَن كل وَاحِد مِنْهَا بعقدة عقدهَا على قافيته.

وَمِنْهَا مَا قيل: مَا وَجه تَخْصِيص قافية الرَّأْس بِضَرْب العقد عَلَيْهَا. وَأجِيب بِأَنَّهَا مَحل الواهمة وَمحل تصرفها، وَهِي أطوع القوى للشَّيْطَان وأسرعها إِجَابَة لدعوته.

وَمِنْهَا مَا قيل: أَنه قد يظنّ أَن بَين هَذَا الحَدِيث وَبَين مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره أَن قارىء آيَة الْكُرْسِيّ عِنْد نَومه لَا يقربهُ شَيْطَان تعَارض؟ وَأجِيب: بِأَن المُرَاد من العقد إِن كَانَ أمرا معنويا، وَمن الْقرب أمرا حسيا أَو بِالْعَكْسِ، فَلَا إِشْكَال، وَإِن كَانَ كِلَاهُمَا معنويا أَو بِالْعَكْسِ فَيكون أَحدهمَا مَخْصُوصًا، وَالْأَقْرَب أَن يكون حَدِيث الْبَاب مَخْصُوصًا بِمن لم يقْرَأ آيَة الْكُرْسِيّ لطرد الشَّيْطَان.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن الذّكر يطرد الشَّيْطَان، وَكَذَا الْوضُوء وَالصَّلَاة، وَلَا يتَعَيَّن للذّكر شَيْء مَخْصُوص لَا يجزىء غَيره، بل كل مَا يصدق عَلَيْهِ، ذكر الله تَعَالَى أَجزَأَهُ، وَيدخل فِيهِ تِلَاوَة الْقُرْآن، وَأولى مَا يذكر فِيهِ مَا سَيَجِيءُ فِي: بَاب فضل من تعار من اللَّيْل، إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَإِن قلت: كَيفَ حكم الْجنب؟ فَهَل تحل عقدته بِالْوضُوءِ؟ قلت: لَا تحل إلاّ بالاغتسال وَتَخْصِيص الْوضُوء بِالذكر لكَونه الْغَالِب، وَالتَّيَمُّم يقوم مقامهما عِنْد جَوَازه، وَالله أعلم.

٣٤١١ - حدَّثنا مُؤَمِّلُ بنُ هِشَامٍ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قَالَ حدَّثنا عَوفٌ قَالَ حدَّثنا أبُو رَجَاءٍ قَالَ حدَّثَنَا سَمْرَةُ بنُ جُنْدَبٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الرُّؤيَا قَالَ أمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأسُهُ بِالحَجَرِ فإنَّهُ يَأخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنَامُ عنِ الصَّلَاة المَكْتُوبَةِ..

زعم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن حَدِيث سَمُرَة هَذَا لَا يدْخل فِي هَذَا الْبَاب لِأَن رفض الْقُرْآن لَيْسَ ترك الصَّلَاة بِاللَّيْلِ. قلت: حفظ شَيْئا وَغَابَ عَنهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ، فَفِي الحَدِيث: (وينام عَن الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة) ، وَالْمرَاد مِنْهَا الْعشَاء الْآخِرَة، فَأَي مُنَاسبَة تطلب بِأَكْثَرَ من هَذَا؟

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُؤَمل، بِلَفْظ اسْم الْمَفْعُول: ابْن هِشَام الْبَصْرِيّ ختن شَيْخه إِسْمَاعِيل بن علية، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن علية، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح اللَّام، وَعليَّة اسْم أمه، وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن سهم الْأَسدي الْبَصْرِيّ، مَاتَ سنة ثَلَاث أَو أَربع وَتِسْعين وَمِائَة بِبَغْدَاد. الثَّالِث: عَوْف الْأَعرَابِي، مر فِي: بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان. الرَّابِع: أَبُو رَجَاء، بخفة الْجِيم وبالمد: اسْمه عمرَان بن ملْحَان العطاردي.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 20 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 21.2 / 29.5
الإضاءة 60%
الهلال الجديد بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده