«اشْتَكَى ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِج�…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٣٠١

الحديث رقم ١٣٠١ من كتاب «كتاب الجنائز» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من لم يظهر حزنه عند المصيبة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٣٠١ في صحيح البخاري

«اشْتَكَى ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، هَيَّأَتْ شَيْئًا، وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: كَيْفَ الْغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ، وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ، قَالَ: فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا.» قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ، كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ.

بَابُ الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى وَقَالَ عُمَرُ نِعْمَ الْعِدْلَانِ وَنِعْمَ الْعِلَاوَةُ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾

إسناد حديث رقم ١٣٠١ من صحيح البخاري

١٣٠١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ:

⦗٨٣⦘

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٣٠١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

(حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) هُوَ الْفَلَّاسُ، وَالْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْوِتْرِ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ: مَا حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ حَالَةَ جُلُوسِهِ وَغَيْرِهَا.

٤١ - بَاب مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: الْجَزَعُ: الْقَوْلُ السَّيِّئُ وَالظَّنُّ السَّيِّئُ

وَقَالَ يَعْقُوبُ : ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾

١٣٠١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: اشْتَكَى ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا، وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: كَيْفَ الْغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ، وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ. قَالَ: فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا. قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ.

[الحديث ١٣٠١ - طرفه في: ٥٤٧٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَيُظْهِرُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ. وَحُزْنَهُ: مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ) يَعْنِي الْقُرَظِيَّ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا ظَاءٌ مُشَالَةٌ.

قَوْلُهُ: (السَّيِّئُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا أُخْرَى مَهْمُوزَةٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ: مَا يَبْعَثُ الْحُزْنَ غَالِبًا، وَبِالظَّنِّ السَّيِّئِ: الْيَأْسُ مِنْ تَعْوِيضِ اللَّهِ الْمُصَابَ فِي الْعَاجِلِ مَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُ مِنَ الْفَائِتِ، أَوِ الِاسْتِبْعَادُ لِحُصُولِ مَا وَعَدَ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى الصَّبْرِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ سَأَلَ، مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ كَقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ هَذَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ يَعْقُوبُ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ قَوْلَ يَعْقُوبَ لَمَّا تَضَمَّنَ أَنَّهُ لَا يَشْكُو - بِتَصْرِيحٍ وَلَا تَعْرِيضٍ - إِلَّا لِلَّهِ وَافَقَ مَقْصُودَ التَّرْجَمَةِ، وَكَانَ خِطَابُهُ بِذَلِكَ لِبَنِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: (يَا أَسْفَى عَلَى يُوسُفَ). وَالْبَثُّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ثَقِيلَةٌ: شِدَّةُ الْحُزْنِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ) هُوَ النَّيْسَابُورِيُّ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ. انْتَهَى. يَعْنِي مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَلَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ أَخُو إِسْحَاقَ الْمَذْكُورِ عَنْ أَنَسٍ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّيَالِسِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا. وَفِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ مَا لَيْسَ فِي رِوَايَةِ بَعْضٍ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي كُلٍّ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (اشْتَكَى ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ) أَيْ مَرِضَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ صَدَرَتْ مِنْهُ شَكْوَى، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ أَنَّ الْمَرِيضَ يَحْصُلُ مِنْهُ ذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَرَضٍ لِكُلِّ مَرِيضٍ. وَالِابْنُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو عُمَيْرٍ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ يُمَازِحُهُ وَيَقُولُ لَهُ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ،، بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، وَزَادَ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ فِي أَوَّلِهِ قِصَّةَ تَزْوِيجِ أُمِّ سُلَيْمٍ بِأَبِي طَلْحَةَ بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِمَ، وَقَالَ فِيهِ: فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا صَبِيحًا، فَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَعَاشَ حَتَّى تَحَرَّكَ فَمَرِضَ، فَحَزِنَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا حَتَّى تَضَعْضَعَ، وَأَبُو طَلْحَةَ يَغْدُو وَيَرُوحُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَرَاحَ رَوْحَةً فَمَاتَ الصَّبِيُّ. فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَسْمِيَةَ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ. أَيْ خَارِجُ الْبَيْتِ عِنْدَ النَّبِيِّ فِي أَوَاخِرِ النَّهَارِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: كَانَ لِأَبِي طَلْحَةَ وَلَدٌ فَتُوُفِّيَ، فَأَرْسَلَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ أَنَسًا يَدْعُو أَبَا طَلْحَةَ، وَأَمَرَتْهُ أَنْ لَا يُخْبِرَهُ بِوَفَاةِ ابْنِهِ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ صَائِمًا.

قَوْلُهُ: (هَيَّأَتْ شَيْئًا) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَيْ أَعَدَّتْ طَعَامًا لِأَبِي طَلْحَةَ وَأَصْلَحَتْهُ، وَقِيلَ: هَيَّأَتْ حَالَهَا وَتَزَيَّنَتْ. قُلْتُ: بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا هَيَّأَتْ أَمْرَ الصَّبِيِّ بِأَنْ غَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ صَرِيحًا، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ مَشَايِخِهِ عَنْ ثَابِتٍ: فَهَيَّأَتِ الصَّبِيَّ، وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: فَتُوُفِّيَ الْغُلَامُ فَهَيَّأَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ أَمْرَهُ. وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ ثَابِتٍ: فَهَلَكَ الصَّبِيُّ، فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ فَغَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ وَحَنَّطَتْهُ وَسَجَّتْ عَلَيْهِ ثَوْبًا.

قَوْلُهُ: (وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ) أَيْ جَعَلَتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ، وَفِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ فَجَعَلَتْهُ فِي مَخْدَعِهَا.

قَوْلُهُ: (هَدَأَتْ) بِالْهَمْزِ؛ أَيْ سَكَنَتْ وَ (نَفْسُهُ) بِسُكُونِ الْفَاءِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّفْسَ كَانَتْ قَلِقَةً مُنْزَعِجَةً بِعَارِضِ الْمَرَضِ، فَسَكَنَتْ بِالْمَوْتِ، وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّ مُرَادَهَا أَنَّهَا سَكَنَتْ بِالنَّوْمِ لِوُجُودِ الْعَافِيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: هَدَأَ نَفَسُهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ؛ أَيْ سَكَنَ، لِأَنَّ الْمَرِيضَ يَكُونُ نَفَسُهُ عَالِيًا، فَإِذَا زَالَ مَرَضُهُ سَكَنَ، وَكَذَا إِذَا مَاتَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ. وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ: أَمْسَى هَادِئًا. وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ: بِخَيْرِ مَا كَانَ. وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) لَمْ تَجْزِمْ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْأَدَبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلِمَتْ أَنَّ الطِّفْلَ لَا عَذَابَ عَلَيْهِ، فَفَوَّضَتِ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مَعَ وُجُودِ رَجَائِهَا بِأَنَّهُ اسْتَرَاحَ مِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: (وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِهَا، وَإِلَّا فَهِيَ صَادِقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَرَادَتْ.

قَوْلُهُ: (فَبَاتَ) أَيْ مَعَهَا (فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ) فِيهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، لِأَنَّ الْغُسْلَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ مِنْهُ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَفِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ: فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ تَعَرَّضَتْ لَهُ، فَأَصَابَ مِنْهَا. وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ: ثُمَّ تَطَيَّبَتْ. زَادَ جَعْفَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ حَتَّى وَقَعَ بِهَا. وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ) زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةَ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ. فَقَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا أَهْلَ بَيْتٍ عَارِيَةً، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَتْ: فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ. فَغَضِبَ وَقَالَ: تَرَكْتِنِي حَتَّى تَلَطَّخْتُ، ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: فَقَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيْتَ قَوْمًا أَعَارُوا مَتَاعًا ثُمَّ بَدَا لَهُمْ فِيهِ فَأَخَذُوهُ، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ. زَادَ حَمَّادٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ثَابِتٍ: فَأَبَوْا أَنْ يَرُدُّوهَا، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، إِنَّ الْعَارِيَةَ مُؤَدَّاةٌ إِلَى أَهْلِهَا. ثُمَّ اتَّفَقَا، فَقَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ أَعَارَنَا فُلَانًا ثُمَّ أَخَذَهُ مِنَّا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، و «الحَكَم» -بفتحتين- النَّيسابوريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) قال: (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريُّ، ابن أخي أنسٍ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُول: اشْتَكَى) أي: مرض (ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ، وابنه هو أبو عميرٍ صاحب النُّغير، كما قاله ابن حِبَّان في روايته وغيره، وكان غلامًا صبيحًا، وكان أبو طلحة يحبُّه حبًّا شديدًا، فلمَّا مرض حزن عليه حزنًا شديدًا حتَّى تضعضع (قَالَ: فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ) أمُّ سُلَيمٍ، وهي أمُّ أنس بن مالكٍ (أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا) أعدَّت طعامًا وأصلحته، أو هيَّأت شيئًا من حالها، وتزيَّنت لزوجها تعريضًا للجماع، أو هيَّأت أمر الصَّبيِّ بأن غسَّلته وكفَّنته وحنَّطته، وسجَّت عليه ثوبًا -كما في بعض طرق الحديث- فهو أَولى (وَنَحَّتْهُ) بفتح النُّون والحاء المهملة المشدَّدة، أي: جعلته (فِي جَانِبِ البَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ) لها: (كَيْفَ الغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ) أي: سكنت (نَفْسُهُ) بسكون الفاء، واحد: النُّفوس (١)، تعني: أنَّ نفسه كانت قلقةً منزعجةً بعارض (٢) المرض (٣)، فسكنت

بالموت، وظنَّ أبو طلحة أنَّ مرادها: سكنت بالنَّوم لوجود العافية، ولأبي ذرٍّ: «هدأ» بإسقاط التَّاء «نَفَسُهُ» بفتح الفاء (١)، واحد: الأنفاس، أي: سكن؛ لأنَّ المريض يكون نَفَسُه عاليًا، فإذا زال مرضه سكَن، وكذا إذا مات، وفي رواية معمرٍ، عن ثابتٍ: أمسى هادئًا (وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) تعني أمُّ سُلَيمٍ: من نكد الدُّنيا وتعبها، ولم تجزِم بكونه استراح أدبًا، أو لم تكن عالمةً أنَّ الطِّفل لا عذاب عليه، ففوَّضت الأمر إلى الله تعالى مع وجود رجائها بأنَّه استراح من نكد الدُّنيا (٢)، قال أنسٌ: (وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ) بالنِّسبة إلى ما فهمه من كلامها، وإلَّا فهي صادقةٌ بالنِّسبة إلى ما أرادت ممَّا هو في نفس الأمر؛ ولذا ورد: «إنَّ في المعاريض لمندوحةً عن الكذب» والمعاريض: هي ما احتمل معنَيين، وهذا من أحسنها، فإنَّها أخبرت بكلامٍ لم تكذب فيه، لكنَّها ورَّت (٣) به عن المعنى الَّذي كان يحزنها، ألا ترى أنَّ نفسه قد هدأت -كما قالت- بالموت وانقطاع النَّفَس، وأوهمته أنَّه استراح من قلقه، وإنَّما هو من همِّ الدُّنيا، وفيه مشروعيَّة المعاريض الموهِمة إذا دعت الضَّرورة إليها، وشرط جوازها: ألَّا تبطل حقَّ مسلمٍ. (قَالَ) أنس: (فَبَاتَ) معها، أي: جامعها (فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ) وفي رواية أنس بن سيرين [خ¦٥٤٧٠]: فقرَّبت إليه العشاء، فتعشَّى، ثمَّ أصاب منها، وفي رواية حمَّاد بن ثابتٍ: ثمَّ تطيَّبت، وزاد جعفر عن ثابتٍ: فتعرَّضت له حتَّى وقع بها، وفي رواية سليمان عن ثابتٍ: ثمَّ تصنَّعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها (٤)، وليس ما صنعته من التنطُّع، وإنَّما فعلته إعانةً لزوجها على الرِّضا والتَّسليم، ولو أعلمته بالأمر في أوَّل الحال لتنكَّد (٥) عليه وقته (٦)، ولم يبلغ (٧) الغرض الَّذي أرادته منه (٨)، ولعلَّها عند موت الطِّفل

قضت حقَّه من البكاء اليسير (فَلَمَّا أَرَادَ) أبو طلحة (أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ) قال في «الفتح»: زاد سليمان بن المغيرة كما عند مسلمٍ فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أنَّ قومًا أعاروا أهل بيتٍ عاريةً، فطلبوا عاريتهم (١)، ألهُمْ أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب، وقال: تركتني حتَّى تلطَّختُ ثم أخبرتِني بابني، وفي رواية عبد الله فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت قومًا أعاروا متاعًا، ثمَّ بدا لهم فيه، فأخذوه، فكأنَّهم وجدوا في أنفسهم، زاد حمَّاد في روايته عن ثابتٍ: فأبوا أن يردُّوها، فقال أبو طلحة: ليس لهم ذلك، إنَّ العارية مؤدَّاةٌ إلى أهلها، ثمَّ اتَّفقا، فقالت: إنَّ الله أعارنا غلامًا (٢)، ثمَّ أخذه منَّا (٣)، زاد حمَّادٌ: فاسترجع (فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا) بالتَّثنية، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «منها» بضمير (٤) المؤنَّثة المفردة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا) «لعلَّ» هنا بمعنى: عسى، بدليل دخول «أَنْ» على خبره، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «لهما في ليلتهما» بضمير الغائب، وفي رواية أنس بن سيرين [خ¦٥٤٧٠]: «اللَّهم بارك لهما» وفيه تنبيهٌ على أنَّ المراد بقوله: «أن يبارِك» -وإن كان لفظه لفظ الخبر- الدُّعاءُ، وزاد في رواية أنسِ بن سيرين: فولدت غلامًا، وفي رواية عبد الله بن عبد الله: فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالإسناد المذكور: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو عَبَاية بن رِفَاعة بن رافع بن خديج، كما عند البيهقيِّ وسعيد بن منصورٍ: (فَرَأَيْتُ (٥) تِسْعَةَ أَوْلَادٍ، كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ) كذا في رواية أبي ذرٍّ (٦) والأَصيلي وابن (٧) عساكر، ولغيرهم (٨) «فرأيت لهما» أي: من ولد ولدهما عبد الله الَّذي حملت به تلك اللَّيلة من أبي طلحة، كما في رواية عباية عند سعيد بن منصورٍ ومسدَّدٍ

والبيهقيِّ بلفظ: فولدت له غلامًا، قال عَبَاية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبعة بنين، قال ابن حجرٍ: ففي رواية سفيان تجوُّز في قوله: «لهما» أي: على رواية ثبوتها؛ لأنَّ ظاهره: أنَّه من ولدهما بغير واسطةٍ، وإنَّما المراد (١) من أولاد ولدهما، وتعقَّبه العينيُّ بعد أن ذكر عبارته بلفظ: «لهما» فقال: لا نسلِّم التَّجوُّز في رواية سفيان؛ لأنَّه ما صرَّح في قوله: «قال رجلٌ من الأنصار: فرأيت تسعة أولادٍ كلُّهم قد قرأ القرآن»، ولم يقل: رأيت منهما أو لهما تسعةً. انتهى. فانظر وتعجَّب من هذا التَّعقُّب، ووقع في رواية سفيان هنا: تسعة أولادٍ، بتقديم الفوقيَّة على السِّين، وفي رواية عَبَاية المذكور (٢): سبعة بنين كلُّهم قد ختم القرآن، بتقديم السِّين على الموحَّدة، فقيل: إحداهما (٣) تصحيفٌ، أو أنَّ المراد بالسَّبعة: مَن ختم القرآن كلَّه، وبالتِّسعة: مَن قرأ معظمه، وذكر ابن المدينيِّ من أسماء أولاد عبد الله بن أبي طلحة -وكذا ابن سعدٍ وغيره من أهل العلم بالأنساب- مَن قرأ القرآن وحمل العلم: إسحاق، وإسماعيل، ويعقوب، وعميرٌ، وعمرٌو (٤)، ومحمَّدٌ، وعبد الله، وزيدٌ، والقاسم.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.

(٤٢) (باب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى. وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب () ممَّا وصله الحاكم في «مستدركه»: (نِعْمَ العِدْلَانِ) بكسر العين وسكون الدَّال المهملتين، و «نِعْم» بكسر النُّون وسكون العين، كلمة مدحٍ، وتاليها فاعلها (وَنِعْمَ العِلَاوَةُ) بكسر العين أيضًا عطفٌ على سابقه، و «العِدْل» أصله: نصف الحمل على أحد شِقَّي الدَّابَّة، والحمل العِدْلان، والعِلاوة:

ما يُجعَل بين العِدلين، فهو مثلٌ ضُرِبَ للجزاء في قوله: (﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾) ممَّا يصيب الإنسان من مكروهٍ (﴿قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ﴾) عبيدًا وملكًا (﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾) في الآخرة فلا يضيع عمل عامل، وليس الصَّبر المذكور أوَّل آية الاسترجاع باللِّسان بل وبالقلب بأن يتصوَّر ما خُلِق له، وأنَّه راجعٌ إلى ربِّه، ويتذكَّر نعمه عليه؛ ليرى أنَّ (١) ما أُبقِي عليه أضعاف ما استردَّ منه، ليهوِّن على نفسه ويستسلم له، والمبشَّر به محذوفٌ دلَّ عليه (٢) قوله: (﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾) مغفرةٌ أو ثناءٌ (﴿مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾) وهما العِدلان -كما قاله المهلَّب- ورواه الحاكم في روايته المذكورة (٣) موصولًا عن عمر بلفظ: «﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ نِعْم العدلان» (﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧]) نعم العِلاوة، وكذا أخرجه البيهقيُّ عن الحاكم، وأخرجه عبد بن حميدٍ في «تفسيره» من وجهٍ آخر، قال الزَّين بن المُنيِّر: ويؤيِّده وقوعها بعد «على» المشعِرة بالفوقيَّة، المشعِرة بالحمل، وهو عند أهل البيان من باب التَّرشيح للمجاز، وذلك: أنَّه لمَّا كانت الآية ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ … ﴾ كذا وكذا، ولفظة «على» تعطي الحمل عبَّر عمر بهذه العبارة، وقيل: «العِدْلان»: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ والعِلاوة: الثَّواب عليهما وغير ذلك، والأُولى (٤) أَولى كما لا يخفى، واعلم أنَّ الصَّبر ذُكر في القرآن العظيم في خمسةٍ وتسعين موضعًا، ومن أجمعها هذه الآية ومن آنقها (٥) ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] قَرَنَ هاء (٦) الصَّابر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ الاية [الرعد: ٢٤] (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «باب الصَّبر»، أي: وباب قوله: (﴿وَاسْتَعِينُواْ﴾) على حوائجكم (﴿بِالصَّبْرِ﴾) أي: بانتظار النُّجح والفرج توكُّلًا على الله تعالى، أو بالصَّوم الَّذي هو صبرٌ عن المفطِرات؛ لما فيه من كسر الشَّهوة وتصفية النَّفس (﴿وَالصَّلَاةِ﴾) بالالتجاء إليها، فإنَّها جامعةٌ لأنواع العبادات النَّفسانيَّة والبدنيَّة من الطَّهارة، وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتَّوجُّه إلى الكعبة، والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النيَّة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

(حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) هُوَ الْفَلَّاسُ، وَالْكَلَامُ عَلَى الْمَتْنِ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْوِتْرِ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ: مَا حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ حَالَةَ جُلُوسِهِ وَغَيْرِهَا.

٤١ - بَاب مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: الْجَزَعُ: الْقَوْلُ السَّيِّئُ وَالظَّنُّ السَّيِّئُ

وَقَالَ يَعْقُوبُ : ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾

١٣٠١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: اشْتَكَى ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا، وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: كَيْفَ الْغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَرَاحَ، وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ. قَالَ: فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا. قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ.

[الحديث ١٣٠١ - طرفه في: ٥٤٧٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَيُظْهِرُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ. وَحُزْنَهُ: مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ) يَعْنِي الْقُرَظِيَّ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا ظَاءٌ مُشَالَةٌ.

قَوْلُهُ: (السَّيِّئُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا أُخْرَى مَهْمُوزَةٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ: مَا يَبْعَثُ الْحُزْنَ غَالِبًا، وَبِالظَّنِّ السَّيِّئِ: الْيَأْسُ مِنْ تَعْوِيضِ اللَّهِ الْمُصَابَ فِي الْعَاجِلِ مَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُ مِنَ الْفَائِتِ، أَوِ الِاسْتِبْعَادُ لِحُصُولِ مَا وَعَدَ بِهِ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى الصَّبْرِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ سَأَلَ، مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ كَقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ هَذَا.

قَوْلُهُ: (وَقَالَ يَعْقُوبُ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ قَوْلَ يَعْقُوبَ لَمَّا تَضَمَّنَ أَنَّهُ لَا يَشْكُو - بِتَصْرِيحٍ وَلَا تَعْرِيضٍ - إِلَّا لِلَّهِ وَافَقَ مَقْصُودَ التَّرْجَمَةِ، وَكَانَ خِطَابُهُ بِذَلِكَ لِبَنِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: (يَا أَسْفَى عَلَى يُوسُفَ). وَالْبَثُّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ ثَقِيلَةٌ: شِدَّةُ الْحُزْنِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ) هُوَ النَّيْسَابُورِيُّ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ. انْتَهَى. يَعْنِي مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَلَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، وَهُوَ أَخُو إِسْحَاقَ الْمَذْكُورِ عَنْ أَنَسٍ. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ سَعْدٍ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّيَالِسِيُّ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا. وَفِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ مَا لَيْسَ فِي رِوَايَةِ بَعْضٍ، وَسَأَذْكُرُ مَا فِي كُلٍّ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (اشْتَكَى ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ) أَيْ مَرِضَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ صَدَرَتْ مِنْهُ شَكْوَى، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ أَنَّ الْمَرِيضَ يَحْصُلُ مِنْهُ ذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ مَرَضٍ لِكُلِّ مَرِيضٍ. وَالِابْنُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو عُمَيْرٍ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ يُمَازِحُهُ وَيَقُولُ لَهُ: يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ،، بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، وَزَادَ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ فِي أَوَّلِهِ قِصَّةَ تَزْوِيجِ أُمِّ سُلَيْمٍ بِأَبِي طَلْحَةَ بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِمَ، وَقَالَ فِيهِ: فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا صَبِيحًا، فَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَعَاشَ حَتَّى تَحَرَّكَ فَمَرِضَ، فَحَزِنَ أَبُو طَلْحَةَ عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا حَتَّى تَضَعْضَعَ، وَأَبُو طَلْحَةَ يَغْدُو وَيَرُوحُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَرَاحَ رَوْحَةً فَمَاتَ الصَّبِيُّ. فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَسْمِيَةَ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ. أَيْ خَارِجُ الْبَيْتِ عِنْدَ النَّبِيِّ فِي أَوَاخِرِ النَّهَارِ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: كَانَ لِأَبِي طَلْحَةَ وَلَدٌ فَتُوُفِّيَ، فَأَرْسَلَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ أَنَسًا يَدْعُو أَبَا طَلْحَةَ، وَأَمَرَتْهُ أَنْ لَا يُخْبِرَهُ بِوَفَاةِ ابْنِهِ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ صَائِمًا.

قَوْلُهُ: (هَيَّأَتْ شَيْئًا) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَيْ أَعَدَّتْ طَعَامًا لِأَبِي طَلْحَةَ وَأَصْلَحَتْهُ، وَقِيلَ: هَيَّأَتْ حَالَهَا وَتَزَيَّنَتْ. قُلْتُ: بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا هَيَّأَتْ أَمْرَ الصَّبِيِّ بِأَنْ غَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ كَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ صَرِيحًا، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ مَشَايِخِهِ عَنْ ثَابِتٍ: فَهَيَّأَتِ الصَّبِيَّ، وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: فَتُوُفِّيَ الْغُلَامُ فَهَيَّأَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ أَمْرَهُ. وَفِي رِوَايَةِ عُمَارَةَ بْنِ زَاذَانَ، عَنْ ثَابِتٍ: فَهَلَكَ الصَّبِيُّ، فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ فَغَسَّلَتْهُ وَكَفَّنَتْهُ وَحَنَّطَتْهُ وَسَجَّتْ عَلَيْهِ ثَوْبًا.

قَوْلُهُ: (وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ) أَيْ جَعَلَتْهُ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ، وَفِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ فَجَعَلَتْهُ فِي مَخْدَعِهَا.

قَوْلُهُ: (هَدَأَتْ) بِالْهَمْزِ؛ أَيْ سَكَنَتْ وَ (نَفْسُهُ) بِسُكُونِ الْفَاءِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ النَّفْسَ كَانَتْ قَلِقَةً مُنْزَعِجَةً بِعَارِضِ الْمَرَضِ، فَسَكَنَتْ بِالْمَوْتِ، وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّ مُرَادَهَا أَنَّهَا سَكَنَتْ بِالنَّوْمِ لِوُجُودِ الْعَافِيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: هَدَأَ نَفَسُهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ؛ أَيْ سَكَنَ، لِأَنَّ الْمَرِيضَ يَكُونُ نَفَسُهُ عَالِيًا، فَإِذَا زَالَ مَرَضُهُ سَكَنَ، وَكَذَا إِذَا مَاتَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ. وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ ثَابِتٍ: أَمْسَى هَادِئًا. وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ: بِخَيْرِ مَا كَانَ. وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ.

قَوْلُهُ: (وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) لَمْ تَجْزِمْ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْأَدَبِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَلِمَتْ أَنَّ الطِّفْلَ لَا عَذَابَ عَلَيْهِ، فَفَوَّضَتِ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مَعَ وُجُودِ رَجَائِهَا بِأَنَّهُ اسْتَرَاحَ مِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا.

قَوْلُهُ: (وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِهَا، وَإِلَّا فَهِيَ صَادِقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَرَادَتْ.

قَوْلُهُ: (فَبَاتَ) أَيْ مَعَهَا (فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ) فِيهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ، لِأَنَّ الْغُسْلَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ مِنْهُ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَفِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ: فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ثُمَّ تَعَرَّضَتْ لَهُ، فَأَصَابَ مِنْهَا. وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ: ثُمَّ تَطَيَّبَتْ. زَادَ جَعْفَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ حَتَّى وَقَعَ بِهَا. وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ) زَادَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةَ، عَنْ ثَابِتٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ. فَقَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا أَهْلَ بَيْتٍ عَارِيَةً، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لَا. قَالَتْ: فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ. فَغَضِبَ وَقَالَ: تَرَكْتِنِي حَتَّى تَلَطَّخْتُ، ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي. وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ: فَقَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، أَرَأَيْتَ قَوْمًا أَعَارُوا مَتَاعًا ثُمَّ بَدَا لَهُمْ فِيهِ فَأَخَذُوهُ، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ. زَادَ حَمَّادٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ثَابِتٍ: فَأَبَوْا أَنْ يَرُدُّوهَا، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، إِنَّ الْعَارِيَةَ مُؤَدَّاةٌ إِلَى أَهْلِهَا. ثُمَّ اتَّفَقَا، فَقَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ أَعَارَنَا فُلَانًا ثُمَّ أَخَذَهُ مِنَّا.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٣٠١ - وبه قال: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ) بكسر الموحَّدة وسكون الشِّين المعجمة، و «الحَكَم» -بفتحتين- النَّيسابوريُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) قال: (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريُّ، ابن أخي أنسٍ: (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُول: اشْتَكَى) أي: مرض (ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ، وابنه هو أبو عميرٍ صاحب النُّغير، كما قاله ابن حِبَّان في روايته وغيره، وكان غلامًا صبيحًا، وكان أبو طلحة يحبُّه حبًّا شديدًا، فلمَّا مرض حزن عليه حزنًا شديدًا حتَّى تضعضع (قَالَ: فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ) أمُّ سُلَيمٍ، وهي أمُّ أنس بن مالكٍ (أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا) أعدَّت طعامًا وأصلحته، أو هيَّأت شيئًا من حالها، وتزيَّنت لزوجها تعريضًا للجماع، أو هيَّأت أمر الصَّبيِّ بأن غسَّلته وكفَّنته وحنَّطته، وسجَّت عليه ثوبًا -كما في بعض طرق الحديث- فهو أَولى (وَنَحَّتْهُ) بفتح النُّون والحاء المهملة المشدَّدة، أي: جعلته (فِي جَانِبِ البَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ) لها: (كَيْفَ الغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ) أي: سكنت (نَفْسُهُ) بسكون الفاء، واحد: النُّفوس (١)، تعني: أنَّ نفسه كانت قلقةً منزعجةً بعارض (٢) المرض (٣)، فسكنت

بالموت، وظنَّ أبو طلحة أنَّ مرادها: سكنت بالنَّوم لوجود العافية، ولأبي ذرٍّ: «هدأ» بإسقاط التَّاء «نَفَسُهُ» بفتح الفاء (١)، واحد: الأنفاس، أي: سكن؛ لأنَّ المريض يكون نَفَسُه عاليًا، فإذا زال مرضه سكَن، وكذا إذا مات، وفي رواية معمرٍ، عن ثابتٍ: أمسى هادئًا (وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) تعني أمُّ سُلَيمٍ: من نكد الدُّنيا وتعبها، ولم تجزِم بكونه استراح أدبًا، أو لم تكن عالمةً أنَّ الطِّفل لا عذاب عليه، ففوَّضت الأمر إلى الله تعالى مع وجود رجائها بأنَّه استراح من نكد الدُّنيا (٢)، قال أنسٌ: (وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ) بالنِّسبة إلى ما فهمه من كلامها، وإلَّا فهي صادقةٌ بالنِّسبة إلى ما أرادت ممَّا هو في نفس الأمر؛ ولذا ورد: «إنَّ في المعاريض لمندوحةً عن الكذب» والمعاريض: هي ما احتمل معنَيين، وهذا من أحسنها، فإنَّها أخبرت بكلامٍ لم تكذب فيه، لكنَّها ورَّت (٣) به عن المعنى الَّذي كان يحزنها، ألا ترى أنَّ نفسه قد هدأت -كما قالت- بالموت وانقطاع النَّفَس، وأوهمته أنَّه استراح من قلقه، وإنَّما هو من همِّ الدُّنيا، وفيه مشروعيَّة المعاريض الموهِمة إذا دعت الضَّرورة إليها، وشرط جوازها: ألَّا تبطل حقَّ مسلمٍ. (قَالَ) أنس: (فَبَاتَ) معها، أي: جامعها (فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ) وفي رواية أنس بن سيرين [خ¦٥٤٧٠]: فقرَّبت إليه العشاء، فتعشَّى، ثمَّ أصاب منها، وفي رواية حمَّاد بن ثابتٍ: ثمَّ تطيَّبت، وزاد جعفر عن ثابتٍ: فتعرَّضت له حتَّى وقع بها، وفي رواية سليمان عن ثابتٍ: ثمَّ تصنَّعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها (٤)، وليس ما صنعته من التنطُّع، وإنَّما فعلته إعانةً لزوجها على الرِّضا والتَّسليم، ولو أعلمته بالأمر في أوَّل الحال لتنكَّد (٥) عليه وقته (٦)، ولم يبلغ (٧) الغرض الَّذي أرادته منه (٨)، ولعلَّها عند موت الطِّفل

قضت حقَّه من البكاء اليسير (فَلَمَّا أَرَادَ) أبو طلحة (أَنْ يَخْرُجَ أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ) قال في «الفتح»: زاد سليمان بن المغيرة كما عند مسلمٍ فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أنَّ قومًا أعاروا أهل بيتٍ عاريةً، فطلبوا عاريتهم (١)، ألهُمْ أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب، وقال: تركتني حتَّى تلطَّختُ ثم أخبرتِني بابني، وفي رواية عبد الله فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت قومًا أعاروا متاعًا، ثمَّ بدا لهم فيه، فأخذوه، فكأنَّهم وجدوا في أنفسهم، زاد حمَّاد في روايته عن ثابتٍ: فأبوا أن يردُّوها، فقال أبو طلحة: ليس لهم ذلك، إنَّ العارية مؤدَّاةٌ إلى أهلها، ثمَّ اتَّفقا، فقالت: إنَّ الله أعارنا غلامًا (٢)، ثمَّ أخذه منَّا (٣)، زاد حمَّادٌ: فاسترجع (فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا) بالتَّثنية، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «منها» بضمير (٤) المؤنَّثة المفردة (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا) «لعلَّ» هنا بمعنى: عسى، بدليل دخول «أَنْ» على خبره، ولأبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: «لهما في ليلتهما» بضمير الغائب، وفي رواية أنس بن سيرين [خ¦٥٤٧٠]: «اللَّهم بارك لهما» وفيه تنبيهٌ على أنَّ المراد بقوله: «أن يبارِك» -وإن كان لفظه لفظ الخبر- الدُّعاءُ، وزاد في رواية أنسِ بن سيرين: فولدت غلامًا، وفي رواية عبد الله بن عبد الله: فجاءت بعبد الله بن أبي طلحة (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة بالإسناد المذكور: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ) هو عَبَاية بن رِفَاعة بن رافع بن خديج، كما عند البيهقيِّ وسعيد بن منصورٍ: (فَرَأَيْتُ (٥) تِسْعَةَ أَوْلَادٍ، كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ) كذا في رواية أبي ذرٍّ (٦) والأَصيلي وابن (٧) عساكر، ولغيرهم (٨) «فرأيت لهما» أي: من ولد ولدهما عبد الله الَّذي حملت به تلك اللَّيلة من أبي طلحة، كما في رواية عباية عند سعيد بن منصورٍ ومسدَّدٍ

والبيهقيِّ بلفظ: فولدت له غلامًا، قال عَبَاية: فلقد رأيت لذلك الغلام سبعة بنين، قال ابن حجرٍ: ففي رواية سفيان تجوُّز في قوله: «لهما» أي: على رواية ثبوتها؛ لأنَّ ظاهره: أنَّه من ولدهما بغير واسطةٍ، وإنَّما المراد (١) من أولاد ولدهما، وتعقَّبه العينيُّ بعد أن ذكر عبارته بلفظ: «لهما» فقال: لا نسلِّم التَّجوُّز في رواية سفيان؛ لأنَّه ما صرَّح في قوله: «قال رجلٌ من الأنصار: فرأيت تسعة أولادٍ كلُّهم قد قرأ القرآن»، ولم يقل: رأيت منهما أو لهما تسعةً. انتهى. فانظر وتعجَّب من هذا التَّعقُّب، ووقع في رواية سفيان هنا: تسعة أولادٍ، بتقديم الفوقيَّة على السِّين، وفي رواية عَبَاية المذكور (٢): سبعة بنين كلُّهم قد ختم القرآن، بتقديم السِّين على الموحَّدة، فقيل: إحداهما (٣) تصحيفٌ، أو أنَّ المراد بالسَّبعة: مَن ختم القرآن كلَّه، وبالتِّسعة: مَن قرأ معظمه، وذكر ابن المدينيِّ من أسماء أولاد عبد الله بن أبي طلحة -وكذا ابن سعدٍ وغيره من أهل العلم بالأنساب- مَن قرأ القرآن وحمل العلم: إسحاق، وإسماعيل، ويعقوب، وعميرٌ، وعمرٌو (٤)، ومحمَّدٌ، وعبد الله، وزيدٌ، والقاسم.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ.

(٤٢) (باب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى. وَقَالَ عُمَرُ) بن الخطَّاب () ممَّا وصله الحاكم في «مستدركه»: (نِعْمَ العِدْلَانِ) بكسر العين وسكون الدَّال المهملتين، و «نِعْم» بكسر النُّون وسكون العين، كلمة مدحٍ، وتاليها فاعلها (وَنِعْمَ العِلَاوَةُ) بكسر العين أيضًا عطفٌ على سابقه، و «العِدْل» أصله: نصف الحمل على أحد شِقَّي الدَّابَّة، والحمل العِدْلان، والعِلاوة:

ما يُجعَل بين العِدلين، فهو مثلٌ ضُرِبَ للجزاء في قوله: (﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾) ممَّا يصيب الإنسان من مكروهٍ (﴿قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ﴾) عبيدًا وملكًا (﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾) في الآخرة فلا يضيع عمل عامل، وليس الصَّبر المذكور أوَّل آية الاسترجاع باللِّسان بل وبالقلب بأن يتصوَّر ما خُلِق له، وأنَّه راجعٌ إلى ربِّه، ويتذكَّر نعمه عليه؛ ليرى أنَّ (١) ما أُبقِي عليه أضعاف ما استردَّ منه، ليهوِّن على نفسه ويستسلم له، والمبشَّر به محذوفٌ دلَّ عليه (٢) قوله: (﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾) مغفرةٌ أو ثناءٌ (﴿مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾) وهما العِدلان -كما قاله المهلَّب- ورواه الحاكم في روايته المذكورة (٣) موصولًا عن عمر بلفظ: «﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ نِعْم العدلان» (﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧]) نعم العِلاوة، وكذا أخرجه البيهقيُّ عن الحاكم، وأخرجه عبد بن حميدٍ في «تفسيره» من وجهٍ آخر، قال الزَّين بن المُنيِّر: ويؤيِّده وقوعها بعد «على» المشعِرة بالفوقيَّة، المشعِرة بالحمل، وهو عند أهل البيان من باب التَّرشيح للمجاز، وذلك: أنَّه لمَّا كانت الآية ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ … ﴾ كذا وكذا، ولفظة «على» تعطي الحمل عبَّر عمر بهذه العبارة، وقيل: «العِدْلان»: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾ والعِلاوة: الثَّواب عليهما وغير ذلك، والأُولى (٤) أَولى كما لا يخفى، واعلم أنَّ الصَّبر ذُكر في القرآن العظيم في خمسةٍ وتسعين موضعًا، ومن أجمعها هذه الآية ومن آنقها (٥) ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤] قَرَنَ هاء (٦) الصَّابر بنون العظمة، ومن أبهجها قوله: ﴿وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ الاية [الرعد: ٢٤] (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على «باب الصَّبر»، أي: وباب قوله: (﴿وَاسْتَعِينُواْ﴾) على حوائجكم (﴿بِالصَّبْرِ﴾) أي: بانتظار النُّجح والفرج توكُّلًا على الله تعالى، أو بالصَّوم الَّذي هو صبرٌ عن المفطِرات؛ لما فيه من كسر الشَّهوة وتصفية النَّفس (﴿وَالصَّلَاةِ﴾) بالالتجاء إليها، فإنَّها جامعةٌ لأنواع العبادات النَّفسانيَّة والبدنيَّة من الطَّهارة، وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتَّوجُّه إلى الكعبة، والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النيَّة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.2 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل