«لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ، رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٨٤

الحديث رقم ١٨٨٤ من كتاب «فضائل المدينة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المدينة تنفي الخبث.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لما خرج النبي ﷺ إلى أحد، رجع ناس من أصحابه…

«لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ إِلَى أُحُدٍ، رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَقْتُلُهُمْ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا نَقْتُلُهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ

⦗٢٣⦘

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ.»

سند حديث: ١٨٨٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ…

١٨٨٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ:

رواة الحديث

شرح حديث: «لما خرج النبي ﷺ إلى أحد، رجع ناس من أصحابه…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكير والطِّيب. انتهى. وهذا تشبيهٌ حسنٌ لأنَّ الكِير بشدَّة نفخه ينفي عن النَّار السُّخام والدُّخان والرَّماد حتَّى لا يبقى إلَّا خالصُ الجمر، وهذا إن أُريد بالكير المِنفخ الذي يُنفَخ به النَّار، وإن أُريد به الموضع فيكون المعنى: أنَّ ذلك الموضع لشدَّة حرارته ينزع خَبَثَ الحديد والفضَّة والذَّهب ويُخرِج خلاصة ذلك، والمدينة كذلك تنفي شِرَار النَّاس بالحمَّى والوَصَب وشدَّة العيش، وضِيق الحال التي تخلِّص النَّفسَ من الاسترسال في الشَّهوات، وتطهِّر خيارهم وتزكِّيهم، وليس الوصف عامًّا لها في جميع الأزمنة، بل هو خاصٌّ بزمن النَّبيِّ لأنَّه لم يكن يخرج (١) عنها رغبةً في عدم الإقامة معه إلَّا من لا خير فيه، وقد خرج منها بعده جماعةٌ من خيار الصَّحابة وقطنوا غيرها وماتوا خارجًا عنها؛ كابن مسعودٍ وأبي موسى وعليٍّ وأبي ذرٍّ وعمَّارٍ وحذيفة وعبادة بن الصَّامت وأبي عبيدة ومعاذٍ وأبي الدَّرداء وغيرهم، فدلَّ على أنَّ ذلك خاصٌّ بزمنه بالقيد المذكور (٢).

١٨٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ الصَّحابيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة الخطميِّ الأنصاريِّ الصَّحابيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» ( إِلَى) غزوة (أُحُدٍ) وكانت سنة ثلاثٍ من الهجرة (رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) من الطَّريق، وهم عبد الله بن أبيٍّ ومن تبعه (فَقَالَتْ فِرْقَةٌ) من المسلمين: (نَقْتُلُهُمْ) أي: نقتل الرَّاجعين (وَقَالَتْ فِرْقَةٌ) منهم: (لَا نَقْتُلُهُمْ) لأنَّهم مسلمون (فَنَزَلَتْ) لمَّا اختلفوا: (﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨])

أي: تفرَّقتم في أمرهم فرقتين، حالٌ عاملُها «لكم»، و «في المنافقين»: متعلِّقٌ بما دلَّ عليه «فئتين» أي: متفرِّقين فيهم (وَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّهَا) أي: المدينة (تَنْفِي الرِّجَالَ) جمع رجلٍ، والألف واللَّام للعهد عن (١) شرارهم وأخسَّائِهم؛ أي: تميِّز وتُظهِر شرارَ الرِّجال من خيارهم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «تنفي الدَّجَّال» بالدَّال وتشديد الجيم، قال في «الفتح»: وهو تصحيفٌ، وفي «غزوة أحدٍ» [خ¦٤٠٥٠] «تنفي الذُّنوب»، وفي «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٥٨٩]: «تنفي الخَبَث»، وأخرجه في هذه المواضع كلِّها من طريق شعبة، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ من رواية غندرٍ عن شعبة باللَّفظ الذي أخرجه في «التَّفسير» [خ¦٤٥٨٩] من طريق غندرٍ، وغُنْدرٌ أثبتُ النَّاس في شعبة، وروايته توافق رواية حديث جابرٍ الذي قبله [خ¦١٨٨٣] حيث قال فيه: «تنفي خَبَثَها»، وكذا أخرجه مسلمٌ من حديث أبي هريرة بلفظ: «تُخرِج الخَبَث»، ومضى في أوَّل «فضائل المدينة» [خ¦١٨٧١] من وجهٍ آخر عن أبي هريرة: «تنفي النَّاس» والرِّواية التي هنا: «تنفي الرِّجال» لا تنافي الرِّواية التي بلفظ: «الخبث»، بل هي مفسِّرةٌ للرِّواية المشهورة بخلاف: «تنفي الذُّنوب»، ويحتمل أن يكون فيه حذفٌ تقديره: أهل الذُّنوب، فتلتئم مع باقي الرِّوايات. انتهى. (كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ) وتُبقِي الطِّيب أزكى ما كان وأخلص، وكذلك المدينة.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٥٠] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٨٩]، ومسلمٌ في «المناسك» وفي «ذكر المنافقين»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

هذا (بابٌ) بالتَّنوين بلا ترجمةٍ، فهو بمعنى الفصل من الباب السَّابق، وفيه حديثان، فمناسبة الأوَّل لما سبق من جهة أنَّ تضعيف البركة وتكثيرها يلزم منه تقليل (٢) ما يضادُّها، فناسب نفي الخبث، ومناسبة الثَّاني من جهة أنَّ حبَّ الرَّسول للمدينة يناسب طيب ذاتها وأهلها، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

على إِرَادَته الْقَتْل وَعدم تسلطه عَلَيْهِ. ويروى (فَلَا يُسَلط عَلَيْهِ) أَي: لَا يقدر على قَتله بِأَن يَجْعَل الله بدنه كالنحاس لَا يجْرِي عَلَيْهِ السَّيْف، أَو بِأَمْر آخر نَحوه، وروى مُسلم فِي (صَحِيحه) عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يخرج الدَّجَّال فَيتَوَجَّه قبله رجل من الْمُؤمنِينَ فَتَلقاهُ المسايح مسايح الدَّجَّال فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْن تعمد؟ فَيَقُول: أعمد إِلَى هَذَا الَّذِي خرج، قَالَ: فَيَقُولُونَ لَهُ: أَو مَا تؤمن بربنا؟ فَيَقُول: مَا بربنا خَفَاء، فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ! فَيَقُول بَعضهم لبَعض: أَلَيْسَ قد نهاكم ربكُم أَن تقتلُوا أحدا دونه؟ قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّال، فَإِذا رَآهُ الْمُؤمن قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس هَذَا الدَّجَّال الَّذِي ذكر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: فيأمر الدَّجَّال بِهِ فيشج، فَيَقُول: خذوه فيوسع ظَهره وبطنه ضربا، قَالَ: فَيَقُول أَو مَا تؤمن بِي؟ قَالَ: فَيَقُول: أَنْت الْمَسِيح الْكذَّاب، قَالَ: فينشر بِالْمِنْشَارِ من مفرقه حَتَّى يفرق بَين رجلَيْهِ، قَالَ ثمَّ يمشي الدَّجَّال بَين القطعتين، ثمَّ يَقُول لَهُ: قُم، فيستوي قَائِما، ثمَّ يَقُول لَهُ أتؤمن بِي؟ فَيَقُول: مَا ازددت فِيك إلَاّ بَصِيرَة. قَالَ: ثمَّ يَقُول: يَا أَيهَا النَّاس إِنَّه لَا يفعل بعدِي بِأحد من النَّاس، قَالَ: فَيَأْخذهُ الدَّجَّال حَتَّى يذبحه، فَيجْعَل مَا بَين رقبته إِلَى ترقوته نُحَاسا فَلَا يَسْتَطِيع إِلَيْهِ سَبِيلا، قَالَ: فَيَأْخُذ يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ فيقذف بِهِ، فيحسب النَّاس أَنما قذفه إِلَى النَّار، وَإِنَّمَا ألقِي فِي الْجنَّة.، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَذَا أعظم النَّاس شَهَادَة عِنْد رب الْعَالمين) .

٠١ - (بابٌ المَدِينَةُ تَنْفي الخَبَثَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: الْمَدِينَة تَنْفِي الْخبث أَي: تطرده وتخرجه.

٣٨٨١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ أعْرَابِيٌ لِلنَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فبَايَعَهُ عَلَى الإسلامِ فَجاءَ مِنَ الْغَدِ مَحْمُوما فَقَالَ أقِلْنِي فَأبى ثَلاثَ مِرَارٍ فَقَالَ المَدِينَةُ كالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا ويَنْصَعُ طِيبُها..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كالكير تَنْفِي خبثها) ، وَعَمْرو بن عَبَّاس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَقد مر فِي فضل اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن الْمهْدي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن أبي نعيم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ.

قَوْله: (عَن جَابر) ، وَقع فِي الْأَحْكَام من وَجه آخر عَن ابْن الْمُنْكَدر، قَالَ: سَمِعت جَابِرا. قَوْله: (جَاءَ أَعْرَابِي) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) : إِنَّه قيس بن أبي حَازِم، قيل: هُوَ مُشكل لِأَنَّهُ تَابِعِيّ كَبِير مَشْهُور، صَرَّحُوا بِأَنَّهُ هَاجر فَوجدَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد مَاتَ، وَفِي (الذيل) لأبي مُوسَى: فِي الصَّحَابَة قيس بن أبي حَازِم الْمنْقري، فَيحْتَمل أَن يكون هُوَ هَذَا، قَوْله: (فَبَايعهُ على الْإِسْلَام) ، من الْمُبَايعَة، وَهِي عبارَة عَن المعاقدة على الْإِسْلَام والمعاهدة، كَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا بَاعَ مَا عِنْده مَا صَاحبه وَأَعْطَاهُ خُلَاصَة نَفسه وطاعته ودخيلة أمره. قَوْله: (محموما) ، نصب على الْحَال من: حم الرجل من الْحمى، وأحمه الله فَهُوَ مَحْمُوم، وَهُوَ من الشواذ. قَوْله: (أَقلنِي) من الْإِقَالَة أَي: أَقلنِي من الْمُبَايعَة على الْإِسْلَام. قَوْله: (فَأبى) ، أَي: امْتنع، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ثَلَاث مرار) يتَعَلَّق بِكُل وَاحِد من قَوْله: (فَقَالَ) ، وَقَوله: (فَأبى) وَهُوَ من تنَازع العاملين فِيهِ. قَوْله: (فَقَالَ: الْمَدِينَة) أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى آخِره. قَوْله: (ينصع) ، بِفَتْح يَاء المضارعة وَسُكُون النُّون وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة، وَفِي آخِره عين مُهْملَة من النصوع، وَهُوَ الخلوص، والناصع الْخَالِص. قَوْله: (طيبها) ، بِكَسْر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ مَرْفُوع على أَنه فَاعل. لقَوْله: (ينصع) ، لِأَن النصوع لَازم، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: ينصع، بِضَم الْيَاء وَفتح النُّون وَتَشْديد الصَّاد من التنصيع، وَقَوله: (طيبها) ، بتَشْديد الْيَاء مَفْعُوله بِالنّصب، هَكَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: من التنصيع، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه من الإنصاع من: بَاب الافعال، وَسَوَاء كَانَ من التنصيع أَو الإنصاع فَهُوَ مُتَعَدٍّ، فَلذَلِك نصب: طيبها. فَافْهَم. وَقَالَ الْقَزاز: قَوْله: (ينصع) لم أجد لَهُ فِي الطّيب وَجها، وَإِنَّمَا الْكَلَام: يتضوع طيبها أَي: يفوح، وَقَالَ: ويروى: (ينضخ) بضاد وخاء معجمتين، قَالَ: ويروى بحاء مُهْملَة، وَهُوَ أقل من النضخ، يَعْنِي بالضاد الْمُعْجَمَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (الْفَائِق) : يبضع، بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة: من أبضعة بضَاعَة إِذا دَفعهَا إِلَيْهِ، مَعْنَاهُ: أَن الْمَدِينَة تُعْطِي طيبها لمن سكنها. ورد عَلَيْهِ الصَّاغَانِي بِأَن

قَالَ: وَقد خَالف الزَّمَخْشَرِيّ بِهَذَا القَوْل جَمِيع الروَاة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْمَشْهُور بالنُّون وَالصَّاد الْمُهْملَة. فَإِن قلت: لما قَالَ الْأَعرَابِي أَقلنِي لِمَ لَمْ يُقِلْهُ؟ قلت: لِأَنَّهُ لَا يجوز لمن أسلم أَن يتْرك الْإِسْلَام، وَلَا لمن هَاجر إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن يتْرك الْهِجْرَة وَيذْهب إِلَى وَطنه، وَهَذَا الْأَعرَابِي كَانَ مِمَّن هَاجر وَبَايع النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الْمقَام عِنْده، قَالَ عِيَاض: وَيحْتَمل أَن بيعَته كَانَت بعد الْفَتْح وَسُقُوط الْهِجْرَة إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا بَايع على الْإِسْلَام وَطلب الْإِقَالَة فَلم يقلهُ، وَقَالَ ابْن بطال: وَالدَّلِيل على أَنه لم يرد الإرتداد عَن الْإِسْلَام أَنه لم يرد حل مَا عقده إلَاّ بموافقة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على ذَلِك، وَلَو كَانَ خُرُوجه عَن الْمَدِينَة خُرُوجًا عَن الْإِسْلَام لقَتله حِين ذَاك، وَلكنه خرج عَاصِيا. وَرَأى أَنه مَعْذُور لما نزل بِهِ من الْحمى، وَلَعَلَّه لم يعلم أَن الْهِجْرَة فرض عَلَيْهِ، وَكَانَ من الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم: {وأجدر ألَاّ يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله} (التَّوْبَة: ٧٩) . فَإِن قلت: إِن الْمُنَافِقين قد سكنوا الْمَدِينَة وماتوا فِيهَا وَلم تنفهم؟ قلت: كَانَت الْمَدِينَة دَارهم أصلا وَلم يسكنوها بِالْإِسْلَامِ وَلَا حباله، وَإِنَّمَا سكنوها لما فِيهَا من أصل معاشهم، وَلم يرد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِضَرْب الْمثل إلَاّ من عقد الْإِسْلَام رَاغِبًا فِيهِ ثمَّ خبث قلبه.

٤٥٦ - (حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عدي بن ثَابت عَن عبد الله بن يزِيد قَالَ سَمِعت زيد بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ يَقُول لما خرج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى أحد رَجَعَ نَاس من أَصْحَابه فَقَالَت فرقة نقتلهم وَقَالَت فرقة لَا نقتلهم فَنزلت {فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين} وَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَال كَمَا تَنْفِي النَّار خبث الْحَدِيد) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " كَمَا تَنْفِي النَّار خبث الْحَدِيد " وَهُوَ ظَاهر. وَرِجَاله قد تقدمُوا وَعبد الله بن يزِيد الخطمي الْأنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ وَفِيه رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ فِي نسق وَاحِد وَكِلَاهُمَا أنصاريان والْحَدِيث أخرجه فِي الْمَغَازِي عَن أبي الْوَلِيد وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار وَأخرجه فِي الْمَنَاسِك وَقد ذكر الْمُنَافِقين عَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَفِي ذكر الْمُنَافِقين عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن أبي بكر بن نَافِع عَن غنْدر الْكل عَن شُعْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر بِهِ قَوْله " إِلَى أحد " كَانَت غَزْوَة أحد يَوْم السبت فِي منتصف شَوَّال عَام ثَلَاث من الْهِجْرَة وَقَالَ البلاذري لتسْع خلون مِنْهُ وَالْأول أشهر وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة ومُوسَى بن عقبَة قَوْله " رَجَعَ نَاس من أَصْحَابه " أَي من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة خرج رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمون فسلكوا على الْبَدَائِع وهم ألف رجل وَالْمُشْرِكُونَ ثَلَاثَة آلَاف فَمضى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَتَّى نزل بِأحد وَرجع عَنهُ عبد الله ابْن أبي بن سلول فِي ثَلَاثمِائَة فَبَقيَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي سَبْعمِائة قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد أهل الْمَغَازِي أَنهم بقوا فِي سَبْعمِائة قَالَ وَالْمَشْهُور عَن الزُّهْرِيّ أَنهم بقوا فِي أَرْبَعمِائَة مقَاتل وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة وَكَانَ على خيل الْمُشْركين خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَانَ مَعَهم مائَة فرس وَكَانَ لواؤهم مَعَ عُثْمَان بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة قَالَ وَلم يكن مَعَ الْمُسلمين فرس وَاحِد وَقَالَ الْوَاقِدِيّ وعدة أَصْحَاب رَسُول الله سَبْعمِائة ذِرَاع وَلم يكن مَعَهم من الْخَيل سوى فرسين فرس لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفرس لأبي بردة قَوْله " قَالَت فرقة نقتلهم " أَي نقْتل الراجعين وَقَالَت فرقة لَا نقتلهم فَلَمَّا اخْتلفُوا أنزل الله تَعَالَى {فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين وَالله أركسهم بِمَا كسبوا أتريدون أَن تهدوا من أضلّ الله وَمن يضلل الله فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلا} وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي النِّسَاء وَاخْتلفُوا فِي سَبَب نُزُولهَا فَقيل فِي هَؤُلَاءِ الَّذين رجعُوا من غَزْوَة أحد بعد أَن خَرجُوا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقيل فِي قوم استئذنوا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْخُرُوج إِلَى البدو معتلين باجتواء الْمَدِينَة فَلَمَّا خَرجُوا لم يزَالُوا راحلين مرحلة حَتَّى لَحِقُوا بالمشركين فَاخْتلف الْمُسلمُونَ فيهم فَقَالَ بَعضهم هم كفار وَقَالَ بَعضهم هم مُسلمُونَ وَقيل كَانُوا قوما هَاجرُوا من مَكَّة ثمَّ بدا لَهُم فَرَجَعُوا وَكَتَبُوا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّا على دينك وَمَا أخرجنَا إِلَّا اجتواء الْمَدِينَة والاشتياق إِلَى بلدنا وَقيل هم العرنيون الَّذين أَغَارُوا على السَّرْح وَقتلُوا يسارا وَقيل هم قوم أظهرُوا الْإِسْلَام وقعدوا عَن الْهِجْرَة

وَقَالَ زيد بن أسلم عَن ابْن سعد بن معَاذ أَنَّهَا نزلت فِي تقاول الْأَوْس والخزرج فِي شَأْن عبد الله بن أبي حِين استعذر مِنْهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على الْمِنْبَر فِي قَضِيَّة الْإِفْك وَهَذَا غَرِيب قَوْله {فَمَا لكم} يَعْنِي مَا لكم اختلفتم فِي شَأْن قوم نافقوا نفَاقًا ظَاهرا وتفرقتم فِيهِ فرْقَتَيْن وَمَا لكم لم تثبتوا القَوْل فِي كفرهم وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فئتين نصب على الْحَال كَقَوْلِك مَا لَك قَائِما قَوْله {وَالله أركسهم} أَي ردهم فِي حكم الْمُشْركين كَمَا كَانُوا قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَي أوقفهم وأوقعهم فِي الْخَطَأ وَقَالَ قَتَادَة أهلكهم وَقَالَ السّديّ أضلهم قَوْله {بِمَا كسبوا} أَي بِسَبَب عصيانهم ومخالفتهم الرَّسُول واتباعهم الْبَاطِل {أتريدون أَن تهدوا من أضلّ الله} أَي من جعله من جملَة الضلال وقرىء ركسهم قَوْله (فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا) أَي لَا طَرِيق لَهُ إِلَى الْهدى وَلَا مخلص لَهُ إِلَيْهِ قَوْله " إِنَّهَا " أَي أَن الْمَدِينَة تَنْفِي الرِّجَال جمع رجل وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد عَن شرارهم وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني الدَّجَّال بِالدَّال وَالْجِيم الْمُشَدّدَة قيل هُوَ تَصْحِيف وَالْمَقْصُود من النَّفْي الْإِظْهَار والتمييز بِقَرِينَة الْمُشبه بِهِ وَفِيه من الْفِقْه أَن من عقد على نَفسه أَو على غَيره عهدا لله تَعَالَى فَلَا يَنْبَغِي لَهُ حلّه لِأَن فِي حلّه خُرُوجًا عَمَّا عقد وَفِيه أَن الارتداد عَن الْهِجْرَة من أكبر الْكَبَائِر وَلذَلِك دَعَا لَهُم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ " اللَّهُمَّ امْضِ لِأَصْحَابِي هجرتهم وَلَا تردهم على أَعْقَابهم " وَفِيه جَوَاز ضرب الْمثل وَفِيه أَن النَّفْي كَالْقَتْلِ -

٠١ - (بابٌ المَدِينَةُ تَنْفي الخَبَثَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: الْمَدِينَة تَنْفِي الْخبث أَي: تطرده وتخرجه.

٣٨٨١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ أعْرَابِيٌ لِلنَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فبَايَعَهُ عَلَى الإسلامِ فَجاءَ مِنَ الْغَدِ مَحْمُوما فَقَالَ أقِلْنِي فَأبى ثَلاثَ مِرَارٍ فَقَالَ المَدِينَةُ كالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا ويَنْصَعُ طِيبُها..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كالكير تَنْفِي خبثها) ، وَعَمْرو بن عَبَّاس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَقد مر فِي فضل اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن الْمهْدي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن أبي نعيم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ.

قَوْله: (عَن جَابر) ، وَقع فِي الْأَحْكَام من وَجه آخر عَن ابْن الْمُنْكَدر، قَالَ: سَمِعت جَابِرا. قَوْله: (جَاءَ أَعْرَابِي) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) : إِنَّه قيس بن أبي حَازِم، قيل: هُوَ مُشكل لِأَنَّهُ تَابِعِيّ كَبِير مَشْهُور، صَرَّحُوا بِأَنَّهُ هَاجر فَوجدَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد مَاتَ، وَفِي (الذيل) لأبي مُوسَى: فِي الصَّحَابَة قيس بن أبي حَازِم الْمنْقري، فَيحْتَمل أَن يكون هُوَ هَذَا، قَوْله: (فَبَايعهُ على الْإِسْلَام) ، من الْمُبَايعَة، وَهِي عبارَة عَن المعاقدة على الْإِسْلَام والمعاهدة، كَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا بَاعَ مَا عِنْده مَا صَاحبه وَأَعْطَاهُ خُلَاصَة نَفسه وطاعته ودخيلة أمره. قَوْله: (محموما) ، نصب على الْحَال من: حم الرجل من الْحمى، وأحمه الله فَهُوَ مَحْمُوم، وَهُوَ من الشواذ. قَوْله: (أَقلنِي) من الْإِقَالَة أَي: أَقلنِي من الْمُبَايعَة على الْإِسْلَام. قَوْله: (فَأبى) ، أَي: امْتنع، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ثَلَاث مرار) يتَعَلَّق بِكُل وَاحِد من قَوْله: (فَقَالَ) ، وَقَوله: (فَأبى) وَهُوَ من تنَازع العاملين فِيهِ. قَوْله: (فَقَالَ: الْمَدِينَة) أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى آخِره. قَوْله: (ينصع) ، بِفَتْح يَاء المضارعة وَسُكُون النُّون وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة، وَفِي آخِره عين مُهْملَة من النصوع، وَهُوَ الخلوص، والناصع الْخَالِص. قَوْله: (طيبها) ، بِكَسْر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ مَرْفُوع على أَنه فَاعل. لقَوْله: (ينصع) ، لِأَن النصوع لَازم، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: ينصع، بِضَم الْيَاء وَفتح النُّون وَتَشْديد الصَّاد من التنصيع، وَقَوله: (طيبها) ، بتَشْديد الْيَاء مَفْعُوله بِالنّصب، هَكَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: من التنصيع، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه من الإنصاع من: بَاب الافعال، وَسَوَاء كَانَ من التنصيع أَو الإنصاع فَهُوَ مُتَعَدٍّ، فَلذَلِك نصب: طيبها. فَافْهَم. وَقَالَ الْقَزاز: قَوْله: (ينصع) لم أجد لَهُ فِي الطّيب وَجها، وَإِنَّمَا الْكَلَام: يتضوع طيبها أَي: يفوح، وَقَالَ: ويروى: (ينضخ) بضاد وخاء معجمتين، قَالَ: ويروى بحاء مُهْملَة، وَهُوَ أقل من النضخ، يَعْنِي بالضاد الْمُعْجَمَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (الْفَائِق) : يبضع، بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة: من أبضعة بضَاعَة إِذا دَفعهَا إِلَيْهِ، مَعْنَاهُ: أَن الْمَدِينَة تُعْطِي طيبها لمن سكنها. ورد عَلَيْهِ الصَّاغَانِي بِأَن قَالَ: وَقد خَالف الزَّمَخْشَرِيّ بِهَذَا القَوْل جَمِيع الروَاة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْمَشْهُور بالنُّون وَالصَّاد الْمُهْملَة. فَإِن قلت: لما قَالَ الْأَعرَابِي أَقلنِي لِمَ لَمْ يُقِلْهُ؟ قلت: لِأَنَّهُ لَا يجوز لمن أسلم أَن يتْرك الْإِسْلَام، وَلَا لمن هَاجر إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن يتْرك الْهِجْرَة وَيذْهب إِلَى وَطنه، وَهَذَا الْأَعرَابِي كَانَ مِمَّن هَاجر وَبَايع النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الْمقَام عِنْده، قَالَ عِيَاض: وَيحْتَمل أَن بيعَته كَانَت بعد الْفَتْح وَسُقُوط الْهِجْرَة إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا بَايع على الْإِسْلَام وَطلب الْإِقَالَة فَلم يقلهُ، وَقَالَ ابْن بطال: وَالدَّلِيل على أَنه لم يرد الإرتداد عَن الْإِسْلَام أَنه لم يرد حل مَا عقده إلَاّ بموافقة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على ذَلِك، وَلَو كَانَ خُرُوجه عَن الْمَدِينَة خُرُوجًا عَن الْإِسْلَام لقَتله حِين ذَاك، وَلكنه خرج عَاصِيا. وَرَأى أَنه مَعْذُور لما نزل بِهِ من الْحمى، وَلَعَلَّه لم يعلم أَن الْهِجْرَة فرض عَلَيْهِ، وَكَانَ من الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم: {وأجدر ألَاّ يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله} (التَّوْبَة: ٧٩) . فَإِن قلت: إِن الْمُنَافِقين قد سكنوا الْمَدِينَة وماتوا فِيهَا وَلم تنفهم؟ قلت: كَانَت الْمَدِينَة دَارهم أصلا وَلم يسكنوها بِالْإِسْلَامِ وَلَا حباله، وَإِنَّمَا سكنوها لما فِيهَا من أصل معاشهم، وَلم يرد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِضَرْب الْمثل إلَاّ من عقد الْإِسْلَام رَاغِبًا فِيهِ ثمَّ خبث قلبه.

١٠ - (بابٌ)

أَي: هَذَا بَاب قد ذكرنَا أَن هَذَا بِمَعْنى فصل، وَقد ذكرنَا أَن الْكتاب يجمع الْأَبْوَاب، والأبواب تجمع الْفُصُول، وَهَكَذَا بَاب بِلَا تَرْجَمَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَسقط من رِوَايَة أبي ذَر. فَإِن قلت: إِذا ذكر بَاب، هَكَذَا مُجَردا بِمَعْنى الْفَصْل فَيَنْبَغِي أَن يكون للمذكور بعده نوع تعلق بِمَا قبله. قلت: الْمَذْكُور فِيهِ حديثان عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَتعلق الحَدِيث الأول من حَيْثُ أَن الدُّعَاء بِتَضْعِيف الْبركَة وتكثيرها يَقْتَضِي تقليل مَا يضادها، فَنَاسَبَ ذَلِك نفي الْخبث، وَتعلق الحَدِيث الثَّانِي من حَيْثُ أَن حب الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للمدينة يُنَاسب طيب ذَاتهَا وَأَهْلهَا.

٥٨٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حدَّثنا أبِي قَالَ سَمِعْتُ يُونُسَ عَن ابنِ شِهَابٍ عنْ أنسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ.

وَجه الْمُطَابقَة قد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَأَبُو وهب هُوَ جرير بن حَازِم، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْحَج عَن زُهَيْر بن حَرْب وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد كِلَاهُمَا عَن وهب.

قَوْله: (ضعْفي مَا جعلت) ، تَثْنِيَة ضعف بِالْكَسْرِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: ضعف الشَّيْء مثله، وضعفاه مثلاه، وَقَالَ الْفُقَهَاء: ضعفه مثلاه، وضعفاه ثَلَاثَة أَمْثَاله. قَوْله: (من الْبركَة) ، أَي: كَثْرَة الْخَيْر، وَالْمرَاد بركَة الدُّنْيَا بِدَلِيل قَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (أللهم بَارك لنا فِي صاعنا ومدنا) . فَإِن قلت: اللَّفْظ أَعم من ذَلِك، فَيَقْتَضِي أَن تكون الصَّلَاة بِالْمَدِينَةِ ضعْفي ثَوَاب الصَّلَاة بِمَكَّة؟ قلت: وَلَئِن سلمنَا عُمُوم اللَّفْظ لكنه مُجمل فبينه بقوله: (أللهم بَارك لنا فِي صاعنا ومدنا) . أَن المُرَاد الْبركَة الدُّنْيَوِيَّة، وَخص الصَّلَاة وَنَحْوهَا بِالدَّلِيلِ الْخَارِجِي. فَإِن قلت: الِاسْتِدْلَال بِهِ على تَفْضِيل الْمَدِينَة على مَكَّة ظَاهر؟ قلت: نعم ظَاهر من هَذِه الْجِهَة، وَلَكِن لَا يلْزم من حُصُول أَفضَلِيَّة الْمَفْضُول فِي شَيْء من الْأَشْيَاء ثُبُوت الْأَفْضَلِيَّة على الْإِطْلَاق، فَإِن قلت: فعلى هَذَا يلْزم أَن يكون الشَّام واليمن أفضل من مَكَّة لقَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (أللهم بَارك لنا فِي شامنا، وأعادها ثَلَاثًا) ؟ قلت: التَّأْكِيد لَا يسْتَلْزم التكثير الْمُصَرّح بِهِ فِي حَدِيث الْبَاب، وَقَالَ ابْن حزم: لَا حجَّة فِي حَدِيث الْبَاب لَهُم، لِأَن تَكْثِير الْبركَة بهَا لَا يسْتَلْزم الْفضل فِي أُمُور الْآخِرَة، ورده القَاضِي عِيَاض بِأَن الْبركَة أَعم من أَن تكون فِي أَمر الدّين أَو الدُّنْيَا لِأَنَّهَا بِمَعْنى النَّمَاء. وَالزِّيَادَة، فَأَما فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة فَلَمَّا يتَعَلَّق بهَا من حق الله تَعَالَى من الزكوات وَالْكَفَّارَات، وَلَا سِيمَا فِي وُقُوع

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

الكير والطِّيب. انتهى. وهذا تشبيهٌ حسنٌ لأنَّ الكِير بشدَّة نفخه ينفي عن النَّار السُّخام والدُّخان والرَّماد حتَّى لا يبقى إلَّا خالصُ الجمر، وهذا إن أُريد بالكير المِنفخ الذي يُنفَخ به النَّار، وإن أُريد به الموضع فيكون المعنى: أنَّ ذلك الموضع لشدَّة حرارته ينزع خَبَثَ الحديد والفضَّة والذَّهب ويُخرِج خلاصة ذلك، والمدينة كذلك تنفي شِرَار النَّاس بالحمَّى والوَصَب وشدَّة العيش، وضِيق الحال التي تخلِّص النَّفسَ من الاسترسال في الشَّهوات، وتطهِّر خيارهم وتزكِّيهم، وليس الوصف عامًّا لها في جميع الأزمنة، بل هو خاصٌّ بزمن النَّبيِّ لأنَّه لم يكن يخرج (١) عنها رغبةً في عدم الإقامة معه إلَّا من لا خير فيه، وقد خرج منها بعده جماعةٌ من خيار الصَّحابة وقطنوا غيرها وماتوا خارجًا عنها؛ كابن مسعودٍ وأبي موسى وعليٍّ وأبي ذرٍّ وعمَّارٍ وحذيفة وعبادة بن الصَّامت وأبي عبيدة ومعاذٍ وأبي الدَّرداء وغيرهم، فدلَّ على أنَّ ذلك خاصٌّ بزمنه بالقيد المذكور (٢).

١٨٨٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاريِّ الصَّحابيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) من الزِّيادة الخطميِّ الأنصاريِّ الصَّحابيِّ، أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ) ولأبي ذرٍّ: «رسول الله» ( إِلَى) غزوة (أُحُدٍ) وكانت سنة ثلاثٍ من الهجرة (رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) من الطَّريق، وهم عبد الله بن أبيٍّ ومن تبعه (فَقَالَتْ فِرْقَةٌ) من المسلمين: (نَقْتُلُهُمْ) أي: نقتل الرَّاجعين (وَقَالَتْ فِرْقَةٌ) منهم: (لَا نَقْتُلُهُمْ) لأنَّهم مسلمون (فَنَزَلَتْ) لمَّا اختلفوا: (﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨])

أي: تفرَّقتم في أمرهم فرقتين، حالٌ عاملُها «لكم»، و «في المنافقين»: متعلِّقٌ بما دلَّ عليه «فئتين» أي: متفرِّقين فيهم (وَقَالَ النَّبِيُّ : إِنَّهَا) أي: المدينة (تَنْفِي الرِّجَالَ) جمع رجلٍ، والألف واللَّام للعهد عن (١) شرارهم وأخسَّائِهم؛ أي: تميِّز وتُظهِر شرارَ الرِّجال من خيارهم، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «تنفي الدَّجَّال» بالدَّال وتشديد الجيم، قال في «الفتح»: وهو تصحيفٌ، وفي «غزوة أحدٍ» [خ¦٤٠٥٠] «تنفي الذُّنوب»، وفي «تفسير سورة النِّساء» [خ¦٤٥٨٩]: «تنفي الخَبَث»، وأخرجه في هذه المواضع كلِّها من طريق شعبة، وأخرجه مسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ من رواية غندرٍ عن شعبة باللَّفظ الذي أخرجه في «التَّفسير» [خ¦٤٥٨٩] من طريق غندرٍ، وغُنْدرٌ أثبتُ النَّاس في شعبة، وروايته توافق رواية حديث جابرٍ الذي قبله [خ¦١٨٨٣] حيث قال فيه: «تنفي خَبَثَها»، وكذا أخرجه مسلمٌ من حديث أبي هريرة بلفظ: «تُخرِج الخَبَث»، ومضى في أوَّل «فضائل المدينة» [خ¦١٨٧١] من وجهٍ آخر عن أبي هريرة: «تنفي النَّاس» والرِّواية التي هنا: «تنفي الرِّجال» لا تنافي الرِّواية التي بلفظ: «الخبث»، بل هي مفسِّرةٌ للرِّواية المشهورة بخلاف: «تنفي الذُّنوب»، ويحتمل أن يكون فيه حذفٌ تقديره: أهل الذُّنوب، فتلتئم مع باقي الرِّوايات. انتهى. (كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ) وتُبقِي الطِّيب أزكى ما كان وأخلص، وكذلك المدينة.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «المغازي» [خ¦٤٠٥٠] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٨٩]، ومسلمٌ في «المناسك» وفي «ذكر المنافقين»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

هذا (بابٌ) بالتَّنوين بلا ترجمةٍ، فهو بمعنى الفصل من الباب السَّابق، وفيه حديثان، فمناسبة الأوَّل لما سبق من جهة أنَّ تضعيف البركة وتكثيرها يلزم منه تقليل (٢) ما يضادُّها، فناسب نفي الخبث، ومناسبة الثَّاني من جهة أنَّ حبَّ الرَّسول للمدينة يناسب طيب ذاتها وأهلها، وسقط لفظ «باب» لأبي ذرٍّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

على إِرَادَته الْقَتْل وَعدم تسلطه عَلَيْهِ. ويروى (فَلَا يُسَلط عَلَيْهِ) أَي: لَا يقدر على قَتله بِأَن يَجْعَل الله بدنه كالنحاس لَا يجْرِي عَلَيْهِ السَّيْف، أَو بِأَمْر آخر نَحوه، وروى مُسلم فِي (صَحِيحه) عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يخرج الدَّجَّال فَيتَوَجَّه قبله رجل من الْمُؤمنِينَ فَتَلقاهُ المسايح مسايح الدَّجَّال فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْن تعمد؟ فَيَقُول: أعمد إِلَى هَذَا الَّذِي خرج، قَالَ: فَيَقُولُونَ لَهُ: أَو مَا تؤمن بربنا؟ فَيَقُول: مَا بربنا خَفَاء، فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ! فَيَقُول بَعضهم لبَعض: أَلَيْسَ قد نهاكم ربكُم أَن تقتلُوا أحدا دونه؟ قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّال، فَإِذا رَآهُ الْمُؤمن قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس هَذَا الدَّجَّال الَّذِي ذكر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: فيأمر الدَّجَّال بِهِ فيشج، فَيَقُول: خذوه فيوسع ظَهره وبطنه ضربا، قَالَ: فَيَقُول أَو مَا تؤمن بِي؟ قَالَ: فَيَقُول: أَنْت الْمَسِيح الْكذَّاب، قَالَ: فينشر بِالْمِنْشَارِ من مفرقه حَتَّى يفرق بَين رجلَيْهِ، قَالَ ثمَّ يمشي الدَّجَّال بَين القطعتين، ثمَّ يَقُول لَهُ: قُم، فيستوي قَائِما، ثمَّ يَقُول لَهُ أتؤمن بِي؟ فَيَقُول: مَا ازددت فِيك إلَاّ بَصِيرَة. قَالَ: ثمَّ يَقُول: يَا أَيهَا النَّاس إِنَّه لَا يفعل بعدِي بِأحد من النَّاس، قَالَ: فَيَأْخذهُ الدَّجَّال حَتَّى يذبحه، فَيجْعَل مَا بَين رقبته إِلَى ترقوته نُحَاسا فَلَا يَسْتَطِيع إِلَيْهِ سَبِيلا، قَالَ: فَيَأْخُذ يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ فيقذف بِهِ، فيحسب النَّاس أَنما قذفه إِلَى النَّار، وَإِنَّمَا ألقِي فِي الْجنَّة.، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هَذَا أعظم النَّاس شَهَادَة عِنْد رب الْعَالمين) .

٠١ - (بابٌ المَدِينَةُ تَنْفي الخَبَثَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: الْمَدِينَة تَنْفِي الْخبث أَي: تطرده وتخرجه.

٣٨٨١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ أعْرَابِيٌ لِلنَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فبَايَعَهُ عَلَى الإسلامِ فَجاءَ مِنَ الْغَدِ مَحْمُوما فَقَالَ أقِلْنِي فَأبى ثَلاثَ مِرَارٍ فَقَالَ المَدِينَةُ كالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا ويَنْصَعُ طِيبُها..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كالكير تَنْفِي خبثها) ، وَعَمْرو بن عَبَّاس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَقد مر فِي فضل اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن الْمهْدي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن أبي نعيم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ.

قَوْله: (عَن جَابر) ، وَقع فِي الْأَحْكَام من وَجه آخر عَن ابْن الْمُنْكَدر، قَالَ: سَمِعت جَابِرا. قَوْله: (جَاءَ أَعْرَابِي) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) : إِنَّه قيس بن أبي حَازِم، قيل: هُوَ مُشكل لِأَنَّهُ تَابِعِيّ كَبِير مَشْهُور، صَرَّحُوا بِأَنَّهُ هَاجر فَوجدَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد مَاتَ، وَفِي (الذيل) لأبي مُوسَى: فِي الصَّحَابَة قيس بن أبي حَازِم الْمنْقري، فَيحْتَمل أَن يكون هُوَ هَذَا، قَوْله: (فَبَايعهُ على الْإِسْلَام) ، من الْمُبَايعَة، وَهِي عبارَة عَن المعاقدة على الْإِسْلَام والمعاهدة، كَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا بَاعَ مَا عِنْده مَا صَاحبه وَأَعْطَاهُ خُلَاصَة نَفسه وطاعته ودخيلة أمره. قَوْله: (محموما) ، نصب على الْحَال من: حم الرجل من الْحمى، وأحمه الله فَهُوَ مَحْمُوم، وَهُوَ من الشواذ. قَوْله: (أَقلنِي) من الْإِقَالَة أَي: أَقلنِي من الْمُبَايعَة على الْإِسْلَام. قَوْله: (فَأبى) ، أَي: امْتنع، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ثَلَاث مرار) يتَعَلَّق بِكُل وَاحِد من قَوْله: (فَقَالَ) ، وَقَوله: (فَأبى) وَهُوَ من تنَازع العاملين فِيهِ. قَوْله: (فَقَالَ: الْمَدِينَة) أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى آخِره. قَوْله: (ينصع) ، بِفَتْح يَاء المضارعة وَسُكُون النُّون وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة، وَفِي آخِره عين مُهْملَة من النصوع، وَهُوَ الخلوص، والناصع الْخَالِص. قَوْله: (طيبها) ، بِكَسْر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ مَرْفُوع على أَنه فَاعل. لقَوْله: (ينصع) ، لِأَن النصوع لَازم، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: ينصع، بِضَم الْيَاء وَفتح النُّون وَتَشْديد الصَّاد من التنصيع، وَقَوله: (طيبها) ، بتَشْديد الْيَاء مَفْعُوله بِالنّصب، هَكَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: من التنصيع، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه من الإنصاع من: بَاب الافعال، وَسَوَاء كَانَ من التنصيع أَو الإنصاع فَهُوَ مُتَعَدٍّ، فَلذَلِك نصب: طيبها. فَافْهَم. وَقَالَ الْقَزاز: قَوْله: (ينصع) لم أجد لَهُ فِي الطّيب وَجها، وَإِنَّمَا الْكَلَام: يتضوع طيبها أَي: يفوح، وَقَالَ: ويروى: (ينضخ) بضاد وخاء معجمتين، قَالَ: ويروى بحاء مُهْملَة، وَهُوَ أقل من النضخ، يَعْنِي بالضاد الْمُعْجَمَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (الْفَائِق) : يبضع، بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة: من أبضعة بضَاعَة إِذا دَفعهَا إِلَيْهِ، مَعْنَاهُ: أَن الْمَدِينَة تُعْطِي طيبها لمن سكنها. ورد عَلَيْهِ الصَّاغَانِي بِأَن

قَالَ: وَقد خَالف الزَّمَخْشَرِيّ بِهَذَا القَوْل جَمِيع الروَاة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْمَشْهُور بالنُّون وَالصَّاد الْمُهْملَة. فَإِن قلت: لما قَالَ الْأَعرَابِي أَقلنِي لِمَ لَمْ يُقِلْهُ؟ قلت: لِأَنَّهُ لَا يجوز لمن أسلم أَن يتْرك الْإِسْلَام، وَلَا لمن هَاجر إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن يتْرك الْهِجْرَة وَيذْهب إِلَى وَطنه، وَهَذَا الْأَعرَابِي كَانَ مِمَّن هَاجر وَبَايع النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الْمقَام عِنْده، قَالَ عِيَاض: وَيحْتَمل أَن بيعَته كَانَت بعد الْفَتْح وَسُقُوط الْهِجْرَة إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا بَايع على الْإِسْلَام وَطلب الْإِقَالَة فَلم يقلهُ، وَقَالَ ابْن بطال: وَالدَّلِيل على أَنه لم يرد الإرتداد عَن الْإِسْلَام أَنه لم يرد حل مَا عقده إلَاّ بموافقة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على ذَلِك، وَلَو كَانَ خُرُوجه عَن الْمَدِينَة خُرُوجًا عَن الْإِسْلَام لقَتله حِين ذَاك، وَلكنه خرج عَاصِيا. وَرَأى أَنه مَعْذُور لما نزل بِهِ من الْحمى، وَلَعَلَّه لم يعلم أَن الْهِجْرَة فرض عَلَيْهِ، وَكَانَ من الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم: {وأجدر ألَاّ يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله} (التَّوْبَة: ٧٩) . فَإِن قلت: إِن الْمُنَافِقين قد سكنوا الْمَدِينَة وماتوا فِيهَا وَلم تنفهم؟ قلت: كَانَت الْمَدِينَة دَارهم أصلا وَلم يسكنوها بِالْإِسْلَامِ وَلَا حباله، وَإِنَّمَا سكنوها لما فِيهَا من أصل معاشهم، وَلم يرد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِضَرْب الْمثل إلَاّ من عقد الْإِسْلَام رَاغِبًا فِيهِ ثمَّ خبث قلبه.

٤٥٦ - (حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن عدي بن ثَابت عَن عبد الله بن يزِيد قَالَ سَمِعت زيد بن ثَابت رَضِي الله عَنهُ يَقُول لما خرج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِلَى أحد رَجَعَ نَاس من أَصْحَابه فَقَالَت فرقة نقتلهم وَقَالَت فرقة لَا نقتلهم فَنزلت {فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين} وَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَال كَمَا تَنْفِي النَّار خبث الْحَدِيد) . مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " كَمَا تَنْفِي النَّار خبث الْحَدِيد " وَهُوَ ظَاهر. وَرِجَاله قد تقدمُوا وَعبد الله بن يزِيد الخطمي الْأنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ وَفِيه رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ فِي نسق وَاحِد وَكِلَاهُمَا أنصاريان والْحَدِيث أخرجه فِي الْمَغَازِي عَن أبي الْوَلِيد وَفِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار وَأخرجه فِي الْمَنَاسِك وَقد ذكر الْمُنَافِقين عَن عبد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَفِي ذكر الْمُنَافِقين عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن أبي بكر بن نَافِع عَن غنْدر الْكل عَن شُعْبَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ جَمِيعًا فِي التَّفْسِير عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر بِهِ قَوْله " إِلَى أحد " كَانَت غَزْوَة أحد يَوْم السبت فِي منتصف شَوَّال عَام ثَلَاث من الْهِجْرَة وَقَالَ البلاذري لتسْع خلون مِنْهُ وَالْأول أشهر وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة ومُوسَى بن عقبَة قَوْله " رَجَعَ نَاس من أَصْحَابه " أَي من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة خرج رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمون فسلكوا على الْبَدَائِع وهم ألف رجل وَالْمُشْرِكُونَ ثَلَاثَة آلَاف فَمضى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حَتَّى نزل بِأحد وَرجع عَنهُ عبد الله ابْن أبي بن سلول فِي ثَلَاثمِائَة فَبَقيَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي سَبْعمِائة قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُور عِنْد أهل الْمَغَازِي أَنهم بقوا فِي سَبْعمِائة قَالَ وَالْمَشْهُور عَن الزُّهْرِيّ أَنهم بقوا فِي أَرْبَعمِائَة مقَاتل وَقَالَ مُوسَى بن عقبَة وَكَانَ على خيل الْمُشْركين خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَانَ مَعَهم مائَة فرس وَكَانَ لواؤهم مَعَ عُثْمَان بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة قَالَ وَلم يكن مَعَ الْمُسلمين فرس وَاحِد وَقَالَ الْوَاقِدِيّ وعدة أَصْحَاب رَسُول الله سَبْعمِائة ذِرَاع وَلم يكن مَعَهم من الْخَيل سوى فرسين فرس لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَفرس لأبي بردة قَوْله " قَالَت فرقة نقتلهم " أَي نقْتل الراجعين وَقَالَت فرقة لَا نقتلهم فَلَمَّا اخْتلفُوا أنزل الله تَعَالَى {فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين وَالله أركسهم بِمَا كسبوا أتريدون أَن تهدوا من أضلّ الله وَمن يضلل الله فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلا} وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي النِّسَاء وَاخْتلفُوا فِي سَبَب نُزُولهَا فَقيل فِي هَؤُلَاءِ الَّذين رجعُوا من غَزْوَة أحد بعد أَن خَرجُوا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقيل فِي قوم استئذنوا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الْخُرُوج إِلَى البدو معتلين باجتواء الْمَدِينَة فَلَمَّا خَرجُوا لم يزَالُوا راحلين مرحلة حَتَّى لَحِقُوا بالمشركين فَاخْتلف الْمُسلمُونَ فيهم فَقَالَ بَعضهم هم كفار وَقَالَ بَعضهم هم مُسلمُونَ وَقيل كَانُوا قوما هَاجرُوا من مَكَّة ثمَّ بدا لَهُم فَرَجَعُوا وَكَتَبُوا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِنَّا على دينك وَمَا أخرجنَا إِلَّا اجتواء الْمَدِينَة والاشتياق إِلَى بلدنا وَقيل هم العرنيون الَّذين أَغَارُوا على السَّرْح وَقتلُوا يسارا وَقيل هم قوم أظهرُوا الْإِسْلَام وقعدوا عَن الْهِجْرَة

وَقَالَ زيد بن أسلم عَن ابْن سعد بن معَاذ أَنَّهَا نزلت فِي تقاول الْأَوْس والخزرج فِي شَأْن عبد الله بن أبي حِين استعذر مِنْهُ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على الْمِنْبَر فِي قَضِيَّة الْإِفْك وَهَذَا غَرِيب قَوْله {فَمَا لكم} يَعْنِي مَا لكم اختلفتم فِي شَأْن قوم نافقوا نفَاقًا ظَاهرا وتفرقتم فِيهِ فرْقَتَيْن وَمَا لكم لم تثبتوا القَوْل فِي كفرهم وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فئتين نصب على الْحَال كَقَوْلِك مَا لَك قَائِما قَوْله {وَالله أركسهم} أَي ردهم فِي حكم الْمُشْركين كَمَا كَانُوا قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَي أوقفهم وأوقعهم فِي الْخَطَأ وَقَالَ قَتَادَة أهلكهم وَقَالَ السّديّ أضلهم قَوْله {بِمَا كسبوا} أَي بِسَبَب عصيانهم ومخالفتهم الرَّسُول واتباعهم الْبَاطِل {أتريدون أَن تهدوا من أضلّ الله} أَي من جعله من جملَة الضلال وقرىء ركسهم قَوْله (فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا) أَي لَا طَرِيق لَهُ إِلَى الْهدى وَلَا مخلص لَهُ إِلَيْهِ قَوْله " إِنَّهَا " أَي أَن الْمَدِينَة تَنْفِي الرِّجَال جمع رجل وَالْألف وَاللَّام فِيهِ للْعهد عَن شرارهم وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني الدَّجَّال بِالدَّال وَالْجِيم الْمُشَدّدَة قيل هُوَ تَصْحِيف وَالْمَقْصُود من النَّفْي الْإِظْهَار والتمييز بِقَرِينَة الْمُشبه بِهِ وَفِيه من الْفِقْه أَن من عقد على نَفسه أَو على غَيره عهدا لله تَعَالَى فَلَا يَنْبَغِي لَهُ حلّه لِأَن فِي حلّه خُرُوجًا عَمَّا عقد وَفِيه أَن الارتداد عَن الْهِجْرَة من أكبر الْكَبَائِر وَلذَلِك دَعَا لَهُم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَ " اللَّهُمَّ امْضِ لِأَصْحَابِي هجرتهم وَلَا تردهم على أَعْقَابهم " وَفِيه جَوَاز ضرب الْمثل وَفِيه أَن النَّفْي كَالْقَتْلِ -

٠١ - (بابٌ المَدِينَةُ تَنْفي الخَبَثَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: الْمَدِينَة تَنْفِي الْخبث أَي: تطرده وتخرجه.

٣٨٨١ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمانِ قَالَ حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ مُحَمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عنْ جابِرٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ أعْرَابِيٌ لِلنَّبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فبَايَعَهُ عَلَى الإسلامِ فَجاءَ مِنَ الْغَدِ مَحْمُوما فَقَالَ أقِلْنِي فَأبى ثَلاثَ مِرَارٍ فَقَالَ المَدِينَةُ كالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا ويَنْصَعُ طِيبُها..

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (كالكير تَنْفِي خبثها) ، وَعَمْرو بن عَبَّاس بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَقد مر فِي فضل اسْتِقْبَال الْقبْلَة، وَعبد الرَّحْمَن هُوَ ابْن الْمهْدي، وسُفْيَان هُوَ الثَّوْريّ.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْأَحْكَام عَن أبي نعيم، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن بشار عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ.

قَوْله: (عَن جَابر) ، وَقع فِي الْأَحْكَام من وَجه آخر عَن ابْن الْمُنْكَدر، قَالَ: سَمِعت جَابِرا. قَوْله: (جَاءَ أَعْرَابِي) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (ربيع الْأَبْرَار) : إِنَّه قيس بن أبي حَازِم، قيل: هُوَ مُشكل لِأَنَّهُ تَابِعِيّ كَبِير مَشْهُور، صَرَّحُوا بِأَنَّهُ هَاجر فَوجدَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد مَاتَ، وَفِي (الذيل) لأبي مُوسَى: فِي الصَّحَابَة قيس بن أبي حَازِم الْمنْقري، فَيحْتَمل أَن يكون هُوَ هَذَا، قَوْله: (فَبَايعهُ على الْإِسْلَام) ، من الْمُبَايعَة، وَهِي عبارَة عَن المعاقدة على الْإِسْلَام والمعاهدة، كَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا بَاعَ مَا عِنْده مَا صَاحبه وَأَعْطَاهُ خُلَاصَة نَفسه وطاعته ودخيلة أمره. قَوْله: (محموما) ، نصب على الْحَال من: حم الرجل من الْحمى، وأحمه الله فَهُوَ مَحْمُوم، وَهُوَ من الشواذ. قَوْله: (أَقلنِي) من الْإِقَالَة أَي: أَقلنِي من الْمُبَايعَة على الْإِسْلَام. قَوْله: (فَأبى) ، أَي: امْتنع، وَالضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (ثَلَاث مرار) يتَعَلَّق بِكُل وَاحِد من قَوْله: (فَقَالَ) ، وَقَوله: (فَأبى) وَهُوَ من تنَازع العاملين فِيهِ. قَوْله: (فَقَالَ: الْمَدِينَة) أَي: فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى آخِره. قَوْله: (ينصع) ، بِفَتْح يَاء المضارعة وَسُكُون النُّون وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة، وَفِي آخِره عين مُهْملَة من النصوع، وَهُوَ الخلوص، والناصع الْخَالِص. قَوْله: (طيبها) ، بِكَسْر الطَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ مَرْفُوع على أَنه فَاعل. لقَوْله: (ينصع) ، لِأَن النصوع لَازم، وَهُوَ رِوَايَة الْكشميهني، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَرين: ينصع، بِضَم الْيَاء وَفتح النُّون وَتَشْديد الصَّاد من التنصيع، وَقَوله: (طيبها) ، بتَشْديد الْيَاء مَفْعُوله بِالنّصب، هَكَذَا قَالَ الْكرْمَانِي: من التنصيع، وَلَكِن الظَّاهِر أَنه من الإنصاع من: بَاب الافعال، وَسَوَاء كَانَ من التنصيع أَو الإنصاع فَهُوَ مُتَعَدٍّ، فَلذَلِك نصب: طيبها. فَافْهَم. وَقَالَ الْقَزاز: قَوْله: (ينصع) لم أجد لَهُ فِي الطّيب وَجها، وَإِنَّمَا الْكَلَام: يتضوع طيبها أَي: يفوح، وَقَالَ: ويروى: (ينضخ) بضاد وخاء معجمتين، قَالَ: ويروى بحاء مُهْملَة، وَهُوَ أقل من النضخ، يَعْنِي بالضاد الْمُعْجَمَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي (الْفَائِق) : يبضع، بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة وَكسر الضَّاد الْمُعْجَمَة: من أبضعة بضَاعَة إِذا دَفعهَا إِلَيْهِ، مَعْنَاهُ: أَن الْمَدِينَة تُعْطِي طيبها لمن سكنها. ورد عَلَيْهِ الصَّاغَانِي بِأَن قَالَ: وَقد خَالف الزَّمَخْشَرِيّ بِهَذَا القَوْل جَمِيع الروَاة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْمَشْهُور بالنُّون وَالصَّاد الْمُهْملَة. فَإِن قلت: لما قَالَ الْأَعرَابِي أَقلنِي لِمَ لَمْ يُقِلْهُ؟ قلت: لِأَنَّهُ لَا يجوز لمن أسلم أَن يتْرك الْإِسْلَام، وَلَا لمن هَاجر إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن يتْرك الْهِجْرَة وَيذْهب إِلَى وَطنه، وَهَذَا الْأَعرَابِي كَانَ مِمَّن هَاجر وَبَايع النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، على الْمقَام عِنْده، قَالَ عِيَاض: وَيحْتَمل أَن بيعَته كَانَت بعد الْفَتْح وَسُقُوط الْهِجْرَة إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا بَايع على الْإِسْلَام وَطلب الْإِقَالَة فَلم يقلهُ، وَقَالَ ابْن بطال: وَالدَّلِيل على أَنه لم يرد الإرتداد عَن الْإِسْلَام أَنه لم يرد حل مَا عقده إلَاّ بموافقة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على ذَلِك، وَلَو كَانَ خُرُوجه عَن الْمَدِينَة خُرُوجًا عَن الْإِسْلَام لقَتله حِين ذَاك، وَلكنه خرج عَاصِيا. وَرَأى أَنه مَعْذُور لما نزل بِهِ من الْحمى، وَلَعَلَّه لم يعلم أَن الْهِجْرَة فرض عَلَيْهِ، وَكَانَ من الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم: {وأجدر ألَاّ يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله} (التَّوْبَة: ٧٩) . فَإِن قلت: إِن الْمُنَافِقين قد سكنوا الْمَدِينَة وماتوا فِيهَا وَلم تنفهم؟ قلت: كَانَت الْمَدِينَة دَارهم أصلا وَلم يسكنوها بِالْإِسْلَامِ وَلَا حباله، وَإِنَّمَا سكنوها لما فِيهَا من أصل معاشهم، وَلم يرد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِضَرْب الْمثل إلَاّ من عقد الْإِسْلَام رَاغِبًا فِيهِ ثمَّ خبث قلبه.

١٠ - (بابٌ)

أَي: هَذَا بَاب قد ذكرنَا أَن هَذَا بِمَعْنى فصل، وَقد ذكرنَا أَن الْكتاب يجمع الْأَبْوَاب، والأبواب تجمع الْفُصُول، وَهَكَذَا بَاب بِلَا تَرْجَمَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَسقط من رِوَايَة أبي ذَر. فَإِن قلت: إِذا ذكر بَاب، هَكَذَا مُجَردا بِمَعْنى الْفَصْل فَيَنْبَغِي أَن يكون للمذكور بعده نوع تعلق بِمَا قبله. قلت: الْمَذْكُور فِيهِ حديثان عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَتعلق الحَدِيث الأول من حَيْثُ أَن الدُّعَاء بِتَضْعِيف الْبركَة وتكثيرها يَقْتَضِي تقليل مَا يضادها، فَنَاسَبَ ذَلِك نفي الْخبث، وَتعلق الحَدِيث الثَّانِي من حَيْثُ أَن حب الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للمدينة يُنَاسب طيب ذَاتهَا وَأَهْلهَا.

٥٨٨١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدَّثنا وهْبُ بنُ جَرِيرٍ قَالَ حدَّثنا أبِي قَالَ سَمِعْتُ يُونُسَ عَن ابنِ شِهَابٍ عنْ أنسٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ.

وَجه الْمُطَابقَة قد ذَكرْنَاهُ الْآن، وَأَبُو وهب هُوَ جرير بن حَازِم، وَيُونُس هُوَ ابْن يزِيد الْأَيْلِي، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْحَج عَن زُهَيْر بن حَرْب وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد كِلَاهُمَا عَن وهب.

قَوْله: (ضعْفي مَا جعلت) ، تَثْنِيَة ضعف بِالْكَسْرِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: ضعف الشَّيْء مثله، وضعفاه مثلاه، وَقَالَ الْفُقَهَاء: ضعفه مثلاه، وضعفاه ثَلَاثَة أَمْثَاله. قَوْله: (من الْبركَة) ، أَي: كَثْرَة الْخَيْر، وَالْمرَاد بركَة الدُّنْيَا بِدَلِيل قَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (أللهم بَارك لنا فِي صاعنا ومدنا) . فَإِن قلت: اللَّفْظ أَعم من ذَلِك، فَيَقْتَضِي أَن تكون الصَّلَاة بِالْمَدِينَةِ ضعْفي ثَوَاب الصَّلَاة بِمَكَّة؟ قلت: وَلَئِن سلمنَا عُمُوم اللَّفْظ لكنه مُجمل فبينه بقوله: (أللهم بَارك لنا فِي صاعنا ومدنا) . أَن المُرَاد الْبركَة الدُّنْيَوِيَّة، وَخص الصَّلَاة وَنَحْوهَا بِالدَّلِيلِ الْخَارِجِي. فَإِن قلت: الِاسْتِدْلَال بِهِ على تَفْضِيل الْمَدِينَة على مَكَّة ظَاهر؟ قلت: نعم ظَاهر من هَذِه الْجِهَة، وَلَكِن لَا يلْزم من حُصُول أَفضَلِيَّة الْمَفْضُول فِي شَيْء من الْأَشْيَاء ثُبُوت الْأَفْضَلِيَّة على الْإِطْلَاق، فَإِن قلت: فعلى هَذَا يلْزم أَن يكون الشَّام واليمن أفضل من مَكَّة لقَوْله فِي الحَدِيث الآخر: (أللهم بَارك لنا فِي شامنا، وأعادها ثَلَاثًا) ؟ قلت: التَّأْكِيد لَا يسْتَلْزم التكثير الْمُصَرّح بِهِ فِي حَدِيث الْبَاب، وَقَالَ ابْن حزم: لَا حجَّة فِي حَدِيث الْبَاب لَهُم، لِأَن تَكْثِير الْبركَة بهَا لَا يسْتَلْزم الْفضل فِي أُمُور الْآخِرَة، ورده القَاضِي عِيَاض بِأَن الْبركَة أَعم من أَن تكون فِي أَمر الدّين أَو الدُّنْيَا لِأَنَّهَا بِمَعْنى النَّمَاء. وَالزِّيَادَة، فَأَما فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة فَلَمَّا يتَعَلَّق بهَا من حق الله تَعَالَى من الزكوات وَالْكَفَّارَات، وَلَا سِيمَا فِي وُقُوع

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.6 / 29.5
الإضاءة 66%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله