«كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٦٩

الحديث رقم ١٩٦٩ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صوم شعبان.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩٦٩ في صحيح البخاري

«كَانَ رَسُولُ اللهِ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ.»

إسناد حديث رقم ١٩٦٩ من صحيح البخاري

١٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩٦٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنَ الْأَعْذَارِ الَّتِي تُبِيحُ الْإِفْطَارَ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ لِضَيْفٍ نَزَلَ بِهِ وَلَا لِمَنْ حَلَفَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ هُوَ بِاللَّهِ لَيُفْطِرَنَّ كَفَّرَ وَلَا يُفْطِرُ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا زَارَ أُمَّ سُلَيْمٍ لَمْ يُفْطِرْ وَكَانَ صَائِمًا تَطَوُّعًا، وَقَدْ أَنْصَفَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ فَقَالَ: لَيْسَ فِي تَحْرِيمِ الْأَكْلِ فِي صُورَةِ النَّفْلِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ إِلَّا الْأَدِلَّةُ الْعَامَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ إِلَّا أَنَّ الْخَاصَّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ كَحَدِيثِ سَلْمَانَ، وَقَوْلُ الْمُهَلَّبِ: إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا وَمُجْتَهِدًا فَيَكُونُ مَعْذُورًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. لَا يَنْطَبِقُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَلَوْ أَفْطَرَ أَحَدٌ بِمِثْلِ عُذْرِ أَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.

ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَوَّبَ فِعْلَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَتَرْقَى عَنْ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ إِلَى نَصِّ الرَّسُولِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمَنِ احْتَجَّ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فَهُوَ جَاهِلٌ بِأَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ الرِّيَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ بِالرِّيَاءِ بَلْ أَخْلِصُوهَا لِلَّهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ بِارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ. وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ إِبْطَالِ مَا لَمْ يَفْرِضْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ بِنَذْرٍ وَغَيْرِهِ لَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الْإِفْطَارُ إِلَّا بِمَا يُبِيحُ الْفِطْرَ مِنَ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): هَذِهِ التَّرْجَمَةُ الَّتِي فَرَغْنَا مِنْهَا الْآنَ أَوَّلُ أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ، بَدَأَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا بِحُكْمِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ هَلْ يَلْزَمُ تَمَامُهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ أَمْ لَا؟ ثُمَّ أَوْرَدَ بَقِيَّةَ أَبْوَابِهِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنَ التَّرْتِيبِ.

٥٢ - بَاب صَوْمِ شَعْبَانَ

١٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، ومَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ.

[الحديث ١٩٦٩ - طرفاه في: ١٩٧٠، ٦٤٦٥]

١٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، وكَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ وَكَانَ يَقُولُ: خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّتْ. وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ صَوْمِ شَعْبَانَ) أَيِ: اسْتِحْبَابُهُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ لِمَا فِي عُمُومِهِ مِنَ التَّخْصِيصِ وَفِي مُطْلَقِهِ مِنَ التَّقْيِيدِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَسُمِّيَ شَعْبَانَ لِتَشَعُّبِهِمْ فِي طَلَبِ الْمِيَاهِ أَوْ فِي الْغَارَاتِ بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ شَهْرُ رَجَبٍ الْحَرَامِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) هُوَ سَالِمٌ الْمَدَنِيُّ زَادَ مُسْلِمٌ: مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ، وَهُوَ فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَاتَّفَقَ أَبُو النَّضْرِ، وَيَحْيَى وَوَافَقَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَزَيْدُ بْنُ أَبِي عَتَّابٍ عِنْدَ

النَّسَائِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ عَلَى رِوَايَتِهِمْ إِيَّاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَخَالَفَهُمْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَسَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ فَرَوَيَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ عَقِبَ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو سَلَمَةَ رَوَاهُ عَنْ كُلٍّ مِنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ.

قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ تَارَةً وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ تَارَةً أُخْرَى أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ.

قَوْلُهُ: (أَكْثَرَ صِيَامًا) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِالنَّصْبِ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ، أَنَّهُ رُوِيَ بِالْخَفْضِ، وَهُوَ وَهَمٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ كَتَبَ صِيَامًا بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقِفُ عَلَى الْمَنْصُوبِ بِغَيْرِ أَلْفٍ فَتُوُهِّمَ مَخْفُوضًا، أَوْ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ظَنَّ أَنَّهُ مُضَافٌ لِأَنَّ صِيغَةَ أَفْعَلَ تُضَافُ كَثِيرًا فَتَوَهَّمَهَا مُضَافَةً، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ هُنَا قَطْعًا. وَقَوْلُهُ: أَكْثَرَ بِالنَّصْبِ وَهُوَ ثَانِي مَفْعُولَيْ رَأَيْتُ، وَقَوْلُهُ: فِي شَعْبَانَ يَتَعَلَّقُ بِـ صِيَامًا وَالْمَعْنَى: كَانَ يَصُومُ فِي شَعْبَانَ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ صِيَامُهُ فِي شَعْبَانَ تَطَوُّعًا أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ فِيمَا سِوَاهُ.

قَوْلُهُ: (مِنْ شَعْبَانَ) زَادَ في حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ زَادَ ابْنُ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: بَلْ كَانَ يَصُومُ. . . إِلَخْ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إِلَّا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ أَيْ: كَانَ يَصُومُ مُعْظَمَهُ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا صَامَ أَكْثَرَ الشَّهْرِ أَنْ يَقُولَ: صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَيُقَالُ: قَامَ فُلَانٌ لَيْلَتَهُ أَجْمَعَ، وَلَعَلَّهُ قَدْ تَعَشَّى وَاشْتَغَلَ بِبَعْضِ أَمْرِهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كَأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِذَلِكَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى مُفَسِّرَةٌ لِلثَّانِيَةِ مُخَصِّصَةٌ لَهَا، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُلِّ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ مَجَازٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ، وَاسْتَبْعَدَهُ الطِّيبِيُّ قَالَ: لِأَنَّ الْكُلَّ تَأْكِيدٌ لِإِرَادَةِ الشُّمُولِ وَدَفْعِ التَّجَوُّزِ، فَتَفْسِيرُهُ بِالْبَعْضِ مُنَافٍ لَهُ، قَالَ: فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ تَارَةً، وَيَصُومُ مُعْظَمَهُ أُخْرَى؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ وَاجِبٌ كُلُّهُ كَرَمَضَانَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا كُلَّهُ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ مِنْ أَوَّلِهِ تَارَةً، وَمِنْ آخِرِهِ أُخْرَى، وَمِنْ أَثْنَائِهِ طُورًا، فَلَا يُخَلِّي شَيْئًا مِنْهُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا يَخُصُّ بَعْضَهُ بِصِيَامٍ دُونَ بَعْضٍ.

وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ عَائِشَةَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالْمُرَادُ الْأَكْثَرُ، وَإِمَّا أَنْ يُجْمَعَ بِأَنَّ قَوْلَهَا الثَّانِي مُتَأَخِّرٌ عَنْ قَوْلِهَا الْأَوَّلِ، فَأَخْبَرَتْ عَنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَكْثَرَ شَعْبَانَ، وَأَخْبَرَتْ ثَانِيًا عَنْ آخِرِ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ اهـ.

وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَسَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْهَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَلَفْظُهُ: وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ غَيْرَ رَمَضَانَ وَهُوَ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا. وَاخْتُلِفَ فِي الْحِكْمَةِ فِي إِكْثَارِهِ مِنْ صَوْمِ شَعْبَانَ فَقِيلَ: كَانَ يَشْتَغِلُ عَنْ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ أَيَّامِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ لِسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَتَجْتَمِعُ فَيَقْضِيهَا فِي شَعْبَانَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَفِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَخِيهِ عِيسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَرُبَّمَا أَخَّرَ ذَلِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ صَوْمُ السَّنَةِ فَيَصُومَ شَعْبَانَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ضَعِيفٌ، وَحَدِيثُ الْبَابِ وَالَّذِي بَعْدَهُ دَالٌّ عَلَى ضَعْفِ مَا رَوَاهُ، وَقِيلَ: كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ لِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ، وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَدَقَةَ بْنِ مُوسَى، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ : أَيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟ قَالَ: شَعْبَانُ لِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَصَدَقَةُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ.

قُلْتُ: وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: أَفْضَلُ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ. وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي إِكْثَارِهِ مِنَ الصِّيَامِ فِي شَعْبَانَ دُونَ غَيْرِهِ أَنَّ نِسَاءَهُ كُنَّ يَقْضِينَ مَا عَلَيْهِنَّ مِنْ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ وَهَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما ذكرته، ممَّا يطول استقصاؤه ولا يخفى على متأمِّلٍ، وأخرجه المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦١٣٩]، وكذا التِّرمذيُّ.

(٥٢) (بابُ) فضل (صَوْمِ شَعْبَانَ).

١٩٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون المعجمة سالم بن أبي أميَّة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: (١) لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ) أي: ينتهي صومه إلى غايةٍ نقول: إنَّه لا يفطر، ويفطر فينتهي إفطاره إلى غايةٍ حتَّى نقول: إنَّه لا يصوم (فَمَا) بالفاء، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «وما» (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «النَّبيَّ» ( اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ) وإنَّما لم يستكمل شهرًا غير رمضان لئلَّا يُظَنَّ وجوبه (وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ) بنصب «صيامًا»، قال البرماويُّ -كالزَّركشيِّ-: ورُوِي بالخفض، قال السُّهيليُّ: وهو وهمٌ، كأنَّه بناه على كتابتها هنا بغير ألفٍ على لغة من يقف على المنصوب المُنوَّن بلا ألفٍ، فتوهَّمه مخفوضًا، لاسيَّما وصيغة «أفعل» تُضَاف كثيرًا، فتوهَّمها مضافةً، ولكنَّ الإضافة هنا ممتنعةٌ قطعًا، ووجه تخصيص «شعبان» بكثرة الصَّوم لكون أعمال العباد تُرفَع (٢) فيه، ففي «النَّسائيِّ» من حديث أسامة: قلت: يا رسول الله لم أَرَكَ تصوم من شهرٍ من الشُّهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك (٣) شهرٌ يغفل النَّاس عنه بين رجبٍ ورمضان، وهو شهرٌ تُرفَع فيه الأعمال إلى

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مِنَ الْأَعْذَارِ الَّتِي تُبِيحُ الْإِفْطَارَ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ لِضَيْفٍ نَزَلَ بِهِ وَلَا لِمَنْ حَلَفَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ هُوَ بِاللَّهِ لَيُفْطِرَنَّ كَفَّرَ وَلَا يُفْطِرُ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ لَمَّا زَارَ أُمَّ سُلَيْمٍ لَمْ يُفْطِرْ وَكَانَ صَائِمًا تَطَوُّعًا، وَقَدْ أَنْصَفَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ فَقَالَ: لَيْسَ فِي تَحْرِيمِ الْأَكْلِ فِي صُورَةِ النَّفْلِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ إِلَّا الْأَدِلَّةُ الْعَامَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ إِلَّا أَنَّ الْخَاصَّ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَامِّ كَحَدِيثِ سَلْمَانَ، وَقَوْلُ الْمُهَلَّبِ: إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَفْطَرَ مُتَأَوِّلًا وَمُجْتَهِدًا فَيَكُونُ مَعْذُورًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. لَا يَنْطَبِقُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَلَوْ أَفْطَرَ أَحَدٌ بِمِثْلِ عُذْرِ أَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.

ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَوَّبَ فِعْلَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَتَرْقَى عَنْ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ إِلَى نَصِّ الرَّسُولِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَمَنِ احْتَجَّ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ فَهُوَ جَاهِلٌ بِأَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ الرِّيَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ بِالرِّيَاءِ بَلْ أَخْلِصُوهَا لِلَّهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ بِارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ. وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ إِبْطَالِ مَا لَمْ يَفْرِضْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ بِنَذْرٍ وَغَيْرِهِ لَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الْإِفْطَارُ إِلَّا بِمَا يُبِيحُ الْفِطْرَ مِنَ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): هَذِهِ التَّرْجَمَةُ الَّتِي فَرَغْنَا مِنْهَا الْآنَ أَوَّلُ أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ، بَدَأَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا بِحُكْمِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ هَلْ يَلْزَمُ تَمَامُهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ أَمْ لَا؟ ثُمَّ أَوْرَدَ بَقِيَّةَ أَبْوَابِهِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنَ التَّرْتِيبِ.

٥٢ - بَاب صَوْمِ شَعْبَانَ

١٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، ومَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ.

[الحديث ١٩٦٩ - طرفاه في: ١٩٧٠، ٦٤٦٥]

١٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، وكَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ وَكَانَ يَقُولُ: خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّتْ. وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا.

قَوْلُهُ: (بَابُ صَوْمِ شَعْبَانَ) أَيِ: اسْتِحْبَابُهُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ لِمَا فِي عُمُومِهِ مِنَ التَّخْصِيصِ وَفِي مُطْلَقِهِ مِنَ التَّقْيِيدِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَسُمِّيَ شَعْبَانَ لِتَشَعُّبِهِمْ فِي طَلَبِ الْمِيَاهِ أَوْ فِي الْغَارَاتِ بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ شَهْرُ رَجَبٍ الْحَرَامِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) هُوَ سَالِمٌ الْمَدَنِيُّ زَادَ مُسْلِمٌ: مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَائِشَةَ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ، وَهُوَ فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ. وَقَوْلُهُ فِيهِ: عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَاتَّفَقَ أَبُو النَّضْرِ، وَيَحْيَى وَوَافَقَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَزَيْدُ بْنُ أَبِي عَتَّابٍ عِنْدَ

النَّسَائِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ عَلَى رِوَايَتِهِمْ إِيَّاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَخَالَفَهُمْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَسَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ فَرَوَيَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ عَقِبَ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو سَلَمَةَ رَوَاهُ عَنْ كُلٍّ مِنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ.

قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ تَارَةً وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ تَارَةً أُخْرَى أَخْرَجَهُمَا النَّسَائِيُّ.

قَوْلُهُ: (أَكْثَرَ صِيَامًا) كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِالنَّصْبِ، وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ، أَنَّهُ رُوِيَ بِالْخَفْضِ، وَهُوَ وَهَمٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ كَتَبَ صِيَامًا بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقِفُ عَلَى الْمَنْصُوبِ بِغَيْرِ أَلْفٍ فَتُوُهِّمَ مَخْفُوضًا، أَوْ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ظَنَّ أَنَّهُ مُضَافٌ لِأَنَّ صِيغَةَ أَفْعَلَ تُضَافُ كَثِيرًا فَتَوَهَّمَهَا مُضَافَةً، وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ هُنَا قَطْعًا. وَقَوْلُهُ: أَكْثَرَ بِالنَّصْبِ وَهُوَ ثَانِي مَفْعُولَيْ رَأَيْتُ، وَقَوْلُهُ: فِي شَعْبَانَ يَتَعَلَّقُ بِـ صِيَامًا وَالْمَعْنَى: كَانَ يَصُومُ فِي شَعْبَانَ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ صِيَامُهُ فِي شَعْبَانَ تَطَوُّعًا أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ فِيمَا سِوَاهُ.

قَوْلُهُ: (مِنْ شَعْبَانَ) زَادَ في حَدِيثُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ زَادَ ابْنُ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: بَلْ كَانَ يَصُومُ. . . إِلَخْ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تَامًّا إِلَّا شَعْبَانَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ أَيْ: كَانَ يَصُومُ مُعْظَمَهُ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ: جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا صَامَ أَكْثَرَ الشَّهْرِ أَنْ يَقُولَ: صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَيُقَالُ: قَامَ فُلَانٌ لَيْلَتَهُ أَجْمَعَ، وَلَعَلَّهُ قَدْ تَعَشَّى وَاشْتَغَلَ بِبَعْضِ أَمْرِهِ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كَأَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِذَلِكَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى مُفَسِّرَةٌ لِلثَّانِيَةِ مُخَصِّصَةٌ لَهَا، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُلِّ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ مَجَازٌ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ، وَاسْتَبْعَدَهُ الطِّيبِيُّ قَالَ: لِأَنَّ الْكُلَّ تَأْكِيدٌ لِإِرَادَةِ الشُّمُولِ وَدَفْعِ التَّجَوُّزِ، فَتَفْسِيرُهُ بِالْبَعْضِ مُنَافٍ لَهُ، قَالَ: فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ تَارَةً، وَيَصُومُ مُعْظَمَهُ أُخْرَى؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ وَاجِبٌ كُلُّهُ كَرَمَضَانَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا كُلَّهُ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ مِنْ أَوَّلِهِ تَارَةً، وَمِنْ آخِرِهِ أُخْرَى، وَمِنْ أَثْنَائِهِ طُورًا، فَلَا يُخَلِّي شَيْئًا مِنْهُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا يَخُصُّ بَعْضَهُ بِصِيَامٍ دُونَ بَعْضٍ.

وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ عَائِشَةَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالْمُرَادُ الْأَكْثَرُ، وَإِمَّا أَنْ يُجْمَعَ بِأَنَّ قَوْلَهَا الثَّانِي مُتَأَخِّرٌ عَنْ قَوْلِهَا الْأَوَّلِ، فَأَخْبَرَتْ عَنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ أَكْثَرَ شَعْبَانَ، وَأَخْبَرَتْ ثَانِيًا عَنْ آخِرِ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ اهـ.

وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَسَعْدِ بْنِ هِشَامٍ عَنْهَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَلَفْظُهُ: وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ غَيْرَ رَمَضَانَ وَهُوَ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا. وَاخْتُلِفَ فِي الْحِكْمَةِ فِي إِكْثَارِهِ مِنْ صَوْمِ شَعْبَانَ فَقِيلَ: كَانَ يَشْتَغِلُ عَنْ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ أَيَّامِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ لِسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَتَجْتَمِعُ فَيَقْضِيهَا فِي شَعْبَانَ، أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ، وَفِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَخِيهِ عِيسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، فَرُبَّمَا أَخَّرَ ذَلِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ صَوْمُ السَّنَةِ فَيَصُومَ شَعْبَانَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى ضَعِيفٌ، وَحَدِيثُ الْبَابِ وَالَّذِي بَعْدَهُ دَالٌّ عَلَى ضَعْفِ مَا رَوَاهُ، وَقِيلَ: كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ لِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ، وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَدَقَةَ بْنِ مُوسَى، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ : أَيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ بَعْدَ رَمَضَانَ؟ قَالَ: شَعْبَانُ لِتَعْظِيمِ رَمَضَانَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَصَدَقَةُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ.

قُلْتُ: وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: أَفْضَلُ الصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ صَوْمُ الْمُحَرَّمِ. وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي إِكْثَارِهِ مِنَ الصِّيَامِ فِي شَعْبَانَ دُونَ غَيْرِهِ أَنَّ نِسَاءَهُ كُنَّ يَقْضِينَ مَا عَلَيْهِنَّ مِنْ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ وَهَذَا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما ذكرته، ممَّا يطول استقصاؤه ولا يخفى على متأمِّلٍ، وأخرجه المؤلِّف في «الأدب» [خ¦٦١٣٩]، وكذا التِّرمذيُّ.

(٥٢) (بابُ) فضل (صَوْمِ شَعْبَانَ).

١٩٦٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون المعجمة سالم بن أبي أميَّة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (عَنْ عَائِشَةَ ) أنَّها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: (١) لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ) أي: ينتهي صومه إلى غايةٍ نقول: إنَّه لا يفطر، ويفطر فينتهي إفطاره إلى غايةٍ حتَّى نقول: إنَّه لا يصوم (فَمَا) بالفاء، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «وما» (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ) ولأبوي ذرٍّ والوقت: «النَّبيَّ» ( اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ) وإنَّما لم يستكمل شهرًا غير رمضان لئلَّا يُظَنَّ وجوبه (وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ) بنصب «صيامًا»، قال البرماويُّ -كالزَّركشيِّ-: ورُوِي بالخفض، قال السُّهيليُّ: وهو وهمٌ، كأنَّه بناه على كتابتها هنا بغير ألفٍ على لغة من يقف على المنصوب المُنوَّن بلا ألفٍ، فتوهَّمه مخفوضًا، لاسيَّما وصيغة «أفعل» تُضَاف كثيرًا، فتوهَّمها مضافةً، ولكنَّ الإضافة هنا ممتنعةٌ قطعًا، ووجه تخصيص «شعبان» بكثرة الصَّوم لكون أعمال العباد تُرفَع (٢) فيه، ففي «النَّسائيِّ» من حديث أسامة: قلت: يا رسول الله لم أَرَكَ تصوم من شهرٍ من الشُّهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك (٣) شهرٌ يغفل النَّاس عنه بين رجبٍ ورمضان، وهو شهرٌ تُرفَع فيه الأعمال إلى

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 3.1 / 29.5
الإضاءة 11%
البدر بعد 12 يوم
اللهم صل على محمد