«دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، قَالَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٨٢

الحديث رقم ١٩٨٢ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من زار قوما فلم يفطر عندهم.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩٨٢ في صحيح البخاري

«دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، قَالَ: أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً، قَالَ: مَا هِيَ، قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ، فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا، وَوَلَدًا، وَبَارِكْ لَهُ، فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الْأَنْصَارِ مَالًا، وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ: أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ» حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ: سَمِعَ أَنَسًا ، عَنِ النَّبِيِّ .

بَابُ الصَّوْمِ آخِرَ الشَّهْرِ

إسناد حديث البخاري رقم ١٩٨٢

١٩٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩٨٢: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦١ - بَاب مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ

١٩٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ : دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ. قَالَ: أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ. ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا. فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ. فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ. فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الْأَنْصَارِ مَالًا. وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ.

قال ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ:، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَسًا ، عَنْ النَّبِيِّ .

[الحديث ١٩٨٢ - أطرافه في: ٦٣٣٤، ٦٣٤٤، ٦٣٧٨، ٦٣٨٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ) أَيْ: فِي التَّطَوُّعِ، هَذِهِ التَّرْجَمَةُ تُقَابِلُ التَّرْجَمَةَ الْمَاضِيَةَ، وَهِيَ مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لَيُفْطِرُ فِي التَّطَوُّعِ، وَمَوْقِعُهَا أَنْ لَا يَظُنَّ أَنَّ فِطْرَ الْمَرْءِ مِنْ صِيَامِ التَّطَوُّعِ لِتَطْيِيبِ خَاطِرِ أَخِيهِ حَتْمٌ عَلَيْهِ، بَلِ الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إِلَى مَنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ، فَمَتَى عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى صَوْمِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي خَالِدٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ) كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَبَيَانُ اسْمِ أَبِيهِ مِنَ الْمُصَنِّفِ، كَأَنَّ شَيْخَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ فَقَطْ فَأَرَادَ بِالْبَيَانِ رَفْعَ الْإِبْهَامِ لَاشْتَرَاكِ مَنْ يُسَمَّى خَالِدًا فِي الرِّوَايَةِ عَنْ حُمَيْدٍ مِمَّنْ يُمْكِنُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمَثْنَى أَنْ يُرْوَى عَنْهُ، وَلَمْ يَطَّرِدْ لِلْمُصَنِّفِ هَذَا، فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَقَعُ لَهُ وَلِمَشَايِخِهِ مِثْلُ هَذَا الْإِبْهَامِ، وَلَا يَعْتَنِي بِبَيَانِهِ. وَرِجَالُ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ) هِيَ وَالِدَةُ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ، وَوَقَعَ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ، لَكِنْ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا مَعًا كَانَتَا مُجْتَمَعَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ الضِّيَافَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ ذَائِبًا، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَكَأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْرُ الْقِصَّةِ الْمَاضِيَةِ فِي أَبْوَابِ الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا عَلَى الْحَصِيرِ، وَأَقَامَ أَنَسًا خَلْفَهُ وَأُمَّ سُلَيْمٍ مِنْ وَرَائِهِ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ - وَهُوَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ - نَحْوُهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَأَقَامَ أُمَّ حَرَامٍ، وَأُمَّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا، وَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَيَحْتَمِلُ التَّعَدُّدَ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ الْمَاضِيَةَ لَا ذِكْرَ فِيهَا لِأُمِّ حَرَامٍ، وَيَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ أَيْضًا أَنَّهُ هُنَا لَمْ يَأْكُلْ وَهُنَاكَ أَكَلَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ لِي خُوَيْصَةً) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَبِتَخْفِيفِهَا تَصْغِيرُ خَاصَّةٍ، وَهُوَ مِمَّا اغْتُفِرَ فِيهِ الْتِقَاءُ السَّاكِنَيْنِ.

وَقَوْلُهُ: خَادِمُكَ أَنَسٌ هُوَ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ بَدَلٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَطْلُبُ مِنْكَ الدُّعَاءَ لَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ إِنَّ لِي خُوَيْصَةً خُوَيْدِمُكَ أَنَسٌ ادْعُ اللَّهَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (خَيْرَ آخِرَةٍ) أَيْ: خَيْرًا مِنْ خَيْرَاتِ الْآخِرَةِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا دَعَا لِي بِهِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا) كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ حُمَيْدٍ: إِلَّا دَعَا لِي

بِهِ، وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ. . . إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (وَبَارِكْ لَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ وَقَوْلُهُ: فِيهِ بِالْإِفْرَادِ نَظَرًا إِلَى اللَّفْظِ، وَلِأَحْمَدَ فِيهِمْ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى، وَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ آخِرُ مَا دَعَا لِي أَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ. وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ التَّصْرِيحُ بِمَا دَعَا لَهُ مِنْ خَيْرِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ وَالْوَلَدَ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا، وَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ اخْتَصَرَهُ. وَوَقَعَ لِمُسْلِمِ فِي رِوَايَةِ الْجَعْدِ، عَنْ أَنَسٍ: فَدَعَا لِي بِثَلَاثِ دَعَوَاتٍ قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الْآخِرَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْهَا، وَهِيَ الْمَغْفِرَةُ كَمَا بَيَّنَهَا سِنَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بِزِيَادَةٍ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَطِلْ عُمُرَهُ وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الْأَنْصَارِ مَالًا) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ: وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً غَيْرَ خَاتَمِهِ يَعْنِي: أَنَّ مَالَهُ كَانَ مِنَ النَّقْدَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ أَحْمَدَ قَالَ أَنَسٌ: وَمَا أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَكْثَرَ مِنِّي مَالًا، قَالَ: يَا ثَابِتُ وَمَا أَمْلِكُ صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا خَاتَمِي وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَلَدَةَ: قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ لِأَنَسٍ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ فِيهِ رَيْحَانُ يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: وَإِنَّ أَرْضِي لَتُثْمِرُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَمَا فِي الْبَلَدِ شَيْءٌ يُثْمِرُ مَرَّتَيْنِ غَيْرُهَا.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ) بِالنُّونِ تَصْغِيرُ آمِنَةَ (أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي) أَيْ: مِنْ وَلَدِهِ دُونَ أَسْبَاطِهِ وَأَحْفَادِهِ.

قَوْلُهُ: (مَقْدَمَ الْحَجَّاجِ الْبَصْرَةَ) بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: مِنْ أَوَّلِ مَا مَاتَ لِي مِنَ الْأَوْلَادِ إِلَى أَنْ قَدِمَهَا الْحَجَّاجُ. وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظُهُ: وَذَكَرَ أَنَّ ابْنَتَهُ الْكُبْرَى أُمَيْنَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِهِ إِلَى مَقْدَمِ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ قُدُومُ الْحَجَّاجِ الْبَصْرَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَعُمُرُ أَنَسٍ حِينَئِذٍ نَيِّفٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَقَدْ عَاشَ أَنَسٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى سَنَةِ ثَلَاثٍ، وَيُقَالُ: اثْنَتَيْنِ، وَيُقَالُ: إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَقَدْ قَارَبَ الْمِائَةَ.

قَوْلُهُ: (بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ: نَيِّفٌ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَفِي رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ وَهُوَ عِنْدَ الْخَطِيبِ فِي رِوَايَةِ الْآبَاءِ، عَنِ الْأَبْنَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ وَفِي رِوَايَةِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ: وَلَقَدْ دَفَنْتُ مِنْ صُلْبِي سِوَى وَلَدِ وَلَدِي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَمِائَةً وَفِي الْحِلْيَةِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَفَنْتُ مِائَةً لَا سِقْطًا وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ وَلَعَلَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ سَبَبُ الْعُدُولِ إِلَى الْبِضْعِ وَالنَّيِّفِ، وَفِي ذِكْرِ هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى كَثْرَةِ مَا جَاءَهُ مِنَ الْوَلَدِ، فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ هُوَ الَّذِي مَاتَ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ بَقُوا فَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ: جَوَازُ التَّصْغِيرِ عَلَى مَعْنَى التَّلَطُّفِ لَا التَّحْقِيرِ، وَتُحْفَةُ الزَّائِرِ بِمَا حَضَرَ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ، وَجَوَازُ رَدِّ الْهَدِيَّةِ إِذَا لَمْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُهْدِي، وَأَنَّ أَخْذَ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَهُ لَيْسَ مِنَ الْعَوْدِ فِي الْهِبَةِ. وَفِيهِ حِفْظُ الطَّعَامِ وَتَرْكُ التَّفْرِيطِ فِيهِ، وَجَبْرُ خَاطِرِ الْمُزَوِّرِ إِذَا لَمْ يُؤْكَلْ عِنْدَهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ عَقِبَ الصَّلَاةِ، وَتَقْدِيمُ الصَّلَاةِ أَمَامَ طَلَبِ الْحَاجَةِ، وَالدُّعَاءُ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالدُّعَاءُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْخَيْرَ الْأُخْرَوِيَّ، وَإِنْ فَضْلَ التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ.

وَفِيهِ زِيَارَةُ الْإِمَامِ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ، وَدُخُولُ بَيْتِ الرَّجُلِ فِي غَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي طُرُقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: إِنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ حَاضِرًا. وَفِيهِ إِيثَارُ الْوَلَدِ عَلَى النَّفْسِ، وَحُسْنُ التَّلَطُّفِ فِي السُّؤَالِ، وَأَنَّ كَثْرَةَ الْمَوْتِ فِي الْأَوْلَادِ لَا يُنَافِي إِجَابَةَ الدُّعَاءِ بِطَلَبِ كَثْرَتِهِمْ وَلَا طَلَبِ الْبَرَكَةِ فِيهِمْ لِمَا يَحْصُلُ مِنَ الْمُصِيبَةِ بِمَوْتِهِمْ وَالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ. وَفِيهِ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

النَّسائيِّ، ولأبي الدَّرداء كما عند مسلمٍ، وقيل في تخصيص الثَّلاثة بالثَّلاثة: لكونهم فقراء لا مال لهم فوصَّاهم بما يليق بهم وهو الصَّوم والصَّلاة، وهما من أشرف العبادات البدنيَّة.

وفي هذا (١) الحديث: التَّحديثُ والعنعنة والقول، ورواته الثَّلاثة الأُوَل بصريُّون، وأبو عثمان كوفيٌّ نزل البصرة، وقد مضى في «باب صلاة الضُّحى في السَّفر» [خ¦١١٧٨].

(٦١) (بابُ مَنْ زَارَ قَوْمًا) وهو صائمٌ في التَّطوُّع (فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ).

١٩٨٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ البصريُّ الزَّمِن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقت: «حدَّثنا» (خَالِدٌ -هُوَ ابْنُ الحَارِثِ-) بيَّنه لرفع الإيهام (٢) لاشتراك من يُسمَّى خالدًا في الرِّواية عن حميدٍ الآتي، ممَّن يمكن أن يروي عنه: ابن المُثنَّى، وخالدٌ هذا هو الهجيميُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل البصريُّ (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه قال: (دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ) والدة أنسٍ المذكور، واسمها الغميصاء؛ بالغين المعجمة والصَّاد المهملة، أو الرُّميصاء؛ بالرَّاء بدل المعجمة، وقيل: اسمها سهلة، وعند أحمد من طريق حمَّادٍ عن ثابتٍ عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ دخل على أمِّ حرامٍ-وهي خالة أنسٍ- لكن في بقيَّة الحديث ما يدلُّ

على أنَّهما معًا كانتا مجتمعتين (فَأَتَتْهُ) أمُّ سُلَيمٍ (بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ) على سبيل الضِّيافة (قَالَ) : (أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ) بكسر السِّين: ظرف الماء من الجلد، وربَّما جُعِل فيه السَّمن والعسل (وَ) أعيدوا (تَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ؛ فَإِنِّي صَائِمٌ، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى غَيْرَ المَكْتُوبَةِ) وفي رواية أحمد عن ابن أبي عديٍّ عن حُمَيدٍ: فصلَّى ركعتين وصلَّينا معه (فَدَعَا لأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وتشديد الصَّاد المهملة، تصغير: خاصَّةٍ، وهو مما اغتُفِر فيه التقاء السَّاكنين، أي: الذي يختصُّ بخدمتك (قَالَ) : (مَا هِيَ) الخُوَيْصَّة؟ (قَالَتْ): هو (خَادِمُكَ أَنَسٌ) فادعُ له دعوةً خاصَّةً، وصغَّرته لصغر سنِّه، وقولها: «أنسٌ»: رفعُ عطفِ بيانٍ، أو بدلٍ، ولأحمد من رواية ثابتٍ المذكورة: إنَّ لي خويصَّةً، خويدمك أنسٌ، ادع الله له، قال أنسٌ: (فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا) خيرَ (دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ) قال في «الكشَّاف» في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] فإن قلت: فلِمَ نكَّر أوَّلًا وعرَّف ثانيًا؟ قلت: إنَّما نكَّر من أجل تنكير المضاف لا من أجل تنكيره في نفسه كقول العجَّاج:

يوم ترى النُّفوسُ ما أعدَّتِ (١)

في سعي دنيا طالما قد مدَّتِ

وفي حديث عمر : «لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة»، أراد تنكير الأمر، كأنَّه قيل: إنَّما صنعوا كيدُ سحريٍّ، وفي سعيٍ دنيويٍّ وأمرٍ دنيويٍّ وأخرويٍّ. انتهى. فتنكير الآخرة هنا القصد به (١) تنكير «خير» المضاف إليها (٢)، أي: ما ترك خيرًا من خيور الآخرة ولا خيرًا من خيور الدُّنيا (٣) إلَّا دعا لي به، لكن تعقَّب أبو حيَّان في «البحر» الزَّمخشريَّ: بأنَّ قول العجَّاج: «في سعي دنيا» محمولٌ على الضَّرورة؛ إذ «دنيا» تأنيث الأدنى، ولا يُستعمَل تأنيثه إلَّا بالألف واللَّام أو بالإضافة، قال: وأمَّا قول عمر فيحتمل أن يكون من تحريف الرُّواة. انتهى.

وعند أحمد من رواية عبيدة بن حميد عن حميد: فكان من قوله -أي: النبي : (اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ) وزاد أبو ذرٍّ وابن عساكر -ونسبها الحافظ ابن حجرٍ للكُشْمِيْهَنِيِّ-: «فيه» بالتَّوحيد باعتبار المذكور، ولأحمد: «فيهم» بالجمع اعتبارًا بالمعنى (فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الأَنْصَارِ مَالًا) نُصِب على التَّمييز، وفاء «فإنِّي» لتفسير معنى البركة في ماله، واللَّام في قوله (٤): «لمَن» للتَّأكيد، ولم يذكر الرَّاوي ما دعا له به من خير الآخرة اختصارًا، ويدلُّ له ما رواه (٥) ابن سعدٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن الجعد عن أنسٍ قال: «اللَّهمَّ أَكْثِرْ ماله وولده، وأَطِلْ عمره، واغفر ذنبه»، أو أنَّ لفظ «بارك» إشارةٌ إلى خير الآخرة، أو المال والولد الصَّالحان من جملة خير الآخرة لأنَّهما يستلزمانها، قاله البرماويُّ، كالكِرمانيِّ.

قال أنسٌ: (وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ) بضمِّ الهمزة وفتح الميم وسكون المُثنَّاة (٦) التَّحتيَّة وفتح النُّون ثمَّ هاء تأنيثٍ، تصغير: آمنة (أَنَّهُ دُفِنَ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول من ولدي (لِصُلْبِي) أي: غير أسباطه وأحفاده (مَقْدَمَ) مصدرٌ ميميٌّ بالنَّصب على نزع الخافض، أي: أنَّ الذي مات من أوَّل أولاده إلى مَقْدَم (حَجَّاجٍ) ولأبي ذرٍّ: «مقدم الحجَّاج» أي: ابن يوسف الثَّقفيِّ (البَصْرَةَ) سنة

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

٦١ - بَاب مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ

١٩٨٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ : دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ. قَالَ: أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ. ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا. فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ. فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ. فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الْأَنْصَارِ مَالًا. وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ.

قال ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ:، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَسًا ، عَنْ النَّبِيِّ .

[الحديث ١٩٨٢ - أطرافه في: ٦٣٣٤، ٦٣٤٤، ٦٣٧٨، ٦٣٨٠]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ) أَيْ: فِي التَّطَوُّعِ، هَذِهِ التَّرْجَمَةُ تُقَابِلُ التَّرْجَمَةَ الْمَاضِيَةَ، وَهِيَ مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لَيُفْطِرُ فِي التَّطَوُّعِ، وَمَوْقِعُهَا أَنْ لَا يَظُنَّ أَنَّ فِطْرَ الْمَرْءِ مِنْ صِيَامِ التَّطَوُّعِ لِتَطْيِيبِ خَاطِرِ أَخِيهِ حَتْمٌ عَلَيْهِ، بَلِ الْمَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إِلَى مَنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ، فَمَتَى عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى صَوْمِهِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي خَالِدٌ هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ) كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَبَيَانُ اسْمِ أَبِيهِ مِنَ الْمُصَنِّفِ، كَأَنَّ شَيْخَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ فَقَطْ فَأَرَادَ بِالْبَيَانِ رَفْعَ الْإِبْهَامِ لَاشْتَرَاكِ مَنْ يُسَمَّى خَالِدًا فِي الرِّوَايَةِ عَنْ حُمَيْدٍ مِمَّنْ يُمْكِنُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمَثْنَى أَنْ يُرْوَى عَنْهُ، وَلَمْ يَطَّرِدْ لِلْمُصَنِّفِ هَذَا، فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَقَعُ لَهُ وَلِمَشَايِخِهِ مِثْلُ هَذَا الْإِبْهَامِ، وَلَا يَعْتَنِي بِبَيَانِهِ. وَرِجَالُ إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ بَصْرِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ) هِيَ وَالِدَةُ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ، وَوَقَعَ لِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ وَهِيَ خَالَةُ أَنَسٍ، لَكِنْ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا مَعًا كَانَتَا مُجْتَمَعَتَيْنِ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ) أَيْ: عَلَى سَبِيلِ الضِّيَافَةِ، وَفِي قَوْلِهِ: أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ ذَائِبًا، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَكَأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْرُ الْقِصَّةِ الْمَاضِيَةِ فِي أَبْوَابِ الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا عَلَى الْحَصِيرِ، وَأَقَامَ أَنَسًا خَلْفَهُ وَأُمَّ سُلَيْمٍ مِنْ وَرَائِهِ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ - وَهُوَ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ - نَحْوُهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَأَقَامَ أُمَّ حَرَامٍ، وَأُمَّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا، وَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَيَحْتَمِلُ التَّعَدُّدَ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ الْمَاضِيَةَ لَا ذِكْرَ فِيهَا لِأُمِّ حَرَامٍ، وَيَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ أَيْضًا أَنَّهُ هُنَا لَمْ يَأْكُلْ وَهُنَاكَ أَكَلَ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ لِي خُوَيْصَةً) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَبِتَخْفِيفِهَا تَصْغِيرُ خَاصَّةٍ، وَهُوَ مِمَّا اغْتُفِرَ فِيهِ الْتِقَاءُ السَّاكِنَيْنِ.

وَقَوْلُهُ: خَادِمُكَ أَنَسٌ هُوَ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ بَدَلٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أَطْلُبُ مِنْكَ الدُّعَاءَ لَهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ أَحْمَدَ إِنَّ لِي خُوَيْصَةً خُوَيْدِمُكَ أَنَسٌ ادْعُ اللَّهَ لَهُ.

قَوْلُهُ: (خَيْرَ آخِرَةٍ) أَيْ: خَيْرًا مِنْ خَيْرَاتِ الْآخِرَةِ.

قَوْلُهُ: (إِلَّا دَعَا لِي بِهِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا) كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ حُمَيْدٍ: إِلَّا دَعَا لِي

بِهِ، وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ. . . إِلَخْ.

قَوْلُهُ: (وَبَارِكْ لَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ وَقَوْلُهُ: فِيهِ بِالْإِفْرَادِ نَظَرًا إِلَى اللَّفْظِ، وَلِأَحْمَدَ فِيهِمْ نَظَرًا إِلَى الْمَعْنَى، وَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ آخِرُ مَا دَعَا لِي أَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ. وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ التَّصْرِيحُ بِمَا دَعَا لَهُ مِنْ خَيْرِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ وَالْوَلَدَ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا، وَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ اخْتَصَرَهُ. وَوَقَعَ لِمُسْلِمِ فِي رِوَايَةِ الْجَعْدِ، عَنْ أَنَسٍ: فَدَعَا لِي بِثَلَاثِ دَعَوَاتٍ قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الْآخِرَةِ وَلَمْ يُبَيِّنْهَا، وَهِيَ الْمَغْفِرَةُ كَمَا بَيَّنَهَا سِنَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بِزِيَادَةٍ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَطِلْ عُمُرَهُ وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ.

قَوْلُهُ: (فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الْأَنْصَارِ مَالًا) زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ: وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً غَيْرَ خَاتَمِهِ يَعْنِي: أَنَّ مَالَهُ كَانَ مِنَ النَّقْدَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ عِنْدَ أَحْمَدَ قَالَ أَنَسٌ: وَمَا أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَكْثَرَ مِنِّي مَالًا، قَالَ: يَا ثَابِتُ وَمَا أَمْلِكُ صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا خَاتَمِي وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَلَدَةَ: قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ لِأَنَسٍ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ فِيهِ رَيْحَانُ يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: وَإِنَّ أَرْضِي لَتُثْمِرُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَمَا فِي الْبَلَدِ شَيْءٌ يُثْمِرُ مَرَّتَيْنِ غَيْرُهَا.

قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ) بِالنُّونِ تَصْغِيرُ آمِنَةَ (أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي) أَيْ: مِنْ وَلَدِهِ دُونَ أَسْبَاطِهِ وَأَحْفَادِهِ.

قَوْلُهُ: (مَقْدَمَ الْحَجَّاجِ الْبَصْرَةَ) بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ: مِنْ أَوَّلِ مَا مَاتَ لِي مِنَ الْأَوْلَادِ إِلَى أَنْ قَدِمَهَا الْحَجَّاجُ. وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظُهُ: وَذَكَرَ أَنَّ ابْنَتَهُ الْكُبْرَى أُمَيْنَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِهِ إِلَى مَقْدَمِ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ قُدُومُ الْحَجَّاجِ الْبَصْرَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَعُمُرُ أَنَسٍ حِينَئِذٍ نَيِّفٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَقَدْ عَاشَ أَنَسٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى سَنَةِ ثَلَاثٍ، وَيُقَالُ: اثْنَتَيْنِ، وَيُقَالُ: إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَقَدْ قَارَبَ الْمِائَةَ.

قَوْلُهُ: (بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ: نَيِّفٌ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَفِي رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ وَهُوَ عِنْدَ الْخَطِيبِ فِي رِوَايَةِ الْآبَاءِ، عَنِ الْأَبْنَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ وَفِي رِوَايَةِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ: وَلَقَدْ دَفَنْتُ مِنْ صُلْبِي سِوَى وَلَدِ وَلَدِي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَمِائَةً وَفِي الْحِلْيَةِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَفَنْتُ مِائَةً لَا سِقْطًا وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ وَلَعَلَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ سَبَبُ الْعُدُولِ إِلَى الْبِضْعِ وَالنَّيِّفِ، وَفِي ذِكْرِ هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى كَثْرَةِ مَا جَاءَهُ مِنَ الْوَلَدِ، فَإِنَّ هَذَا الْقَدْرَ هُوَ الَّذِي مَاتَ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ بَقُوا فَفِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ: جَوَازُ التَّصْغِيرِ عَلَى مَعْنَى التَّلَطُّفِ لَا التَّحْقِيرِ، وَتُحْفَةُ الزَّائِرِ بِمَا حَضَرَ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ، وَجَوَازُ رَدِّ الْهَدِيَّةِ إِذَا لَمْ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُهْدِي، وَأَنَّ أَخْذَ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَهُ لَيْسَ مِنَ الْعَوْدِ فِي الْهِبَةِ. وَفِيهِ حِفْظُ الطَّعَامِ وَتَرْكُ التَّفْرِيطِ فِيهِ، وَجَبْرُ خَاطِرِ الْمُزَوِّرِ إِذَا لَمْ يُؤْكَلْ عِنْدَهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الدُّعَاءِ عَقِبَ الصَّلَاةِ، وَتَقْدِيمُ الصَّلَاةِ أَمَامَ طَلَبِ الْحَاجَةِ، وَالدُّعَاءُ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالدُّعَاءُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الْخَيْرَ الْأُخْرَوِيَّ، وَإِنْ فَضْلَ التَّقَلُّلِ مِنَ الدُّنْيَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ.

وَفِيهِ زِيَارَةُ الْإِمَامِ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ، وَدُخُولُ بَيْتِ الرَّجُلِ فِي غَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي طُرُقِ هَذِهِ الْقِصَّةِ: إِنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ حَاضِرًا. وَفِيهِ إِيثَارُ الْوَلَدِ عَلَى النَّفْسِ، وَحُسْنُ التَّلَطُّفِ فِي السُّؤَالِ، وَأَنَّ كَثْرَةَ الْمَوْتِ فِي الْأَوْلَادِ لَا يُنَافِي إِجَابَةَ الدُّعَاءِ بِطَلَبِ كَثْرَتِهِمْ وَلَا طَلَبِ الْبَرَكَةِ فِيهِمْ لِمَا يَحْصُلُ مِنَ الْمُصِيبَةِ بِمَوْتِهِمْ وَالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ. وَفِيهِ التَّحَدُّثُ بِنِعَمِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

النَّسائيِّ، ولأبي الدَّرداء كما عند مسلمٍ، وقيل في تخصيص الثَّلاثة بالثَّلاثة: لكونهم فقراء لا مال لهم فوصَّاهم بما يليق بهم وهو الصَّوم والصَّلاة، وهما من أشرف العبادات البدنيَّة.

وفي هذا (١) الحديث: التَّحديثُ والعنعنة والقول، ورواته الثَّلاثة الأُوَل بصريُّون، وأبو عثمان كوفيٌّ نزل البصرة، وقد مضى في «باب صلاة الضُّحى في السَّفر» [خ¦١١٧٨].

(٦١) (بابُ مَنْ زَارَ قَوْمًا) وهو صائمٌ في التَّطوُّع (فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ).

١٩٨٢ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) العَنَزِيُّ البصريُّ الزَّمِن (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، ولأبي الوقت: «حدَّثنا» (خَالِدٌ -هُوَ ابْنُ الحَارِثِ-) بيَّنه لرفع الإيهام (٢) لاشتراك من يُسمَّى خالدًا في الرِّواية عن حميدٍ الآتي، ممَّن يمكن أن يروي عنه: ابن المُثنَّى، وخالدٌ هذا هو الهجيميُّ قال: (حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ) الطَّويل البصريُّ (عَنْ أَنَسٍ ) أنَّه قال: (دَخَلَ النَّبِيُّ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ) والدة أنسٍ المذكور، واسمها الغميصاء؛ بالغين المعجمة والصَّاد المهملة، أو الرُّميصاء؛ بالرَّاء بدل المعجمة، وقيل: اسمها سهلة، وعند أحمد من طريق حمَّادٍ عن ثابتٍ عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ دخل على أمِّ حرامٍ-وهي خالة أنسٍ- لكن في بقيَّة الحديث ما يدلُّ

على أنَّهما معًا كانتا مجتمعتين (فَأَتَتْهُ) أمُّ سُلَيمٍ (بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ) على سبيل الضِّيافة (قَالَ) : (أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ) بكسر السِّين: ظرف الماء من الجلد، وربَّما جُعِل فيه السَّمن والعسل (وَ) أعيدوا (تَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ؛ فَإِنِّي صَائِمٌ، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى غَيْرَ المَكْتُوبَةِ) وفي رواية أحمد عن ابن أبي عديٍّ عن حُمَيدٍ: فصلَّى ركعتين وصلَّينا معه (فَدَعَا لأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وتشديد الصَّاد المهملة، تصغير: خاصَّةٍ، وهو مما اغتُفِر فيه التقاء السَّاكنين، أي: الذي يختصُّ بخدمتك (قَالَ) : (مَا هِيَ) الخُوَيْصَّة؟ (قَالَتْ): هو (خَادِمُكَ أَنَسٌ) فادعُ له دعوةً خاصَّةً، وصغَّرته لصغر سنِّه، وقولها: «أنسٌ»: رفعُ عطفِ بيانٍ، أو بدلٍ، ولأحمد من رواية ثابتٍ المذكورة: إنَّ لي خويصَّةً، خويدمك أنسٌ، ادع الله له، قال أنسٌ: (فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا) خيرَ (دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ) قال في «الكشَّاف» في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] فإن قلت: فلِمَ نكَّر أوَّلًا وعرَّف ثانيًا؟ قلت: إنَّما نكَّر من أجل تنكير المضاف لا من أجل تنكيره في نفسه كقول العجَّاج:

يوم ترى النُّفوسُ ما أعدَّتِ (١)

في سعي دنيا طالما قد مدَّتِ

وفي حديث عمر : «لا في أمر دنيا ولا في أمر آخرة»، أراد تنكير الأمر، كأنَّه قيل: إنَّما صنعوا كيدُ سحريٍّ، وفي سعيٍ دنيويٍّ وأمرٍ دنيويٍّ وأخرويٍّ. انتهى. فتنكير الآخرة هنا القصد به (١) تنكير «خير» المضاف إليها (٢)، أي: ما ترك خيرًا من خيور الآخرة ولا خيرًا من خيور الدُّنيا (٣) إلَّا دعا لي به، لكن تعقَّب أبو حيَّان في «البحر» الزَّمخشريَّ: بأنَّ قول العجَّاج: «في سعي دنيا» محمولٌ على الضَّرورة؛ إذ «دنيا» تأنيث الأدنى، ولا يُستعمَل تأنيثه إلَّا بالألف واللَّام أو بالإضافة، قال: وأمَّا قول عمر فيحتمل أن يكون من تحريف الرُّواة. انتهى.

وعند أحمد من رواية عبيدة بن حميد عن حميد: فكان من قوله -أي: النبي : (اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ) وزاد أبو ذرٍّ وابن عساكر -ونسبها الحافظ ابن حجرٍ للكُشْمِيْهَنِيِّ-: «فيه» بالتَّوحيد باعتبار المذكور، ولأحمد: «فيهم» بالجمع اعتبارًا بالمعنى (فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الأَنْصَارِ مَالًا) نُصِب على التَّمييز، وفاء «فإنِّي» لتفسير معنى البركة في ماله، واللَّام في قوله (٤): «لمَن» للتَّأكيد، ولم يذكر الرَّاوي ما دعا له به من خير الآخرة اختصارًا، ويدلُّ له ما رواه (٥) ابن سعدٍ بإسنادٍ صحيحٍ عن الجعد عن أنسٍ قال: «اللَّهمَّ أَكْثِرْ ماله وولده، وأَطِلْ عمره، واغفر ذنبه»، أو أنَّ لفظ «بارك» إشارةٌ إلى خير الآخرة، أو المال والولد الصَّالحان من جملة خير الآخرة لأنَّهما يستلزمانها، قاله البرماويُّ، كالكِرمانيِّ.

قال أنسٌ: (وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ) بضمِّ الهمزة وفتح الميم وسكون المُثنَّاة (٦) التَّحتيَّة وفتح النُّون ثمَّ هاء تأنيثٍ، تصغير: آمنة (أَنَّهُ دُفِنَ) بضمِّ الدَّال مبنيًّا للمفعول من ولدي (لِصُلْبِي) أي: غير أسباطه وأحفاده (مَقْدَمَ) مصدرٌ ميميٌّ بالنَّصب على نزع الخافض، أي: أنَّ الذي مات من أوَّل أولاده إلى مَقْدَم (حَجَّاجٍ) ولأبي ذرٍّ: «مقدم الحجَّاج» أي: ابن يوسف الثَّقفيِّ (البَصْرَةَ) سنة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله