«أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٨١

الحديث رقم ١٩٨١ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب صيام أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩٨١ في صحيح البخاري

«أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ.»

بَابُ مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَمْ يُفْطِرْ عِنْدَهُمْ

إسناد حديث البخاري رقم ١٩٨١

١٩٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ : حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩٨١: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى الْتِزَامِ الْعِبَادَةِ، وَفَائِدَتُهُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْيَمِينِ عَلَى النَّشَاطِ لَهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِصِحَّةِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهَا، وَأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى ذَلِكَ لَا يَلْحَقُهَا بِالنَّذْرِ الَّذِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ، وَأَنَّ النَّفْلَ الْمُطْلَقَ لَا يَنْبَغِي تَحْدِيدُهُ، بَلْ يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ.

وَفِيهِ جَوَازُ التَّفْدِيَةِ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ، وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِالْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، وَفِيهِ أَنَّ طَاعَةَ الْوَالِدِ لَا تَجِبُ فِي تَرْكِ الْعِبَادَةِ، وَلِهَذَا احْتَاجَ عَمْرٌو إِلَى شَكْوَى وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ تَرْكَ طَاعَتِهِ لِأَبِيهِ. وَفِيهِ زِيَارَةُ الْفَاضِلِ لِلْمَفْضُولِ فِي بَيْتِهِ، وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ بِإِلْقَاءِ الْفُرُشِ وَنَحْوِهَا تَحْتَهُ، وَتَوَاضُعُ الزَّائِرِ بِجُلُوسِهِ دُونَ مَا يُفْرَشُ لَهُ، وَأَنْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالْإِكْرَامِ لِلْمَزُورِ.

٦٠ - بَاب صِيَامِ الْبِيضِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ

١٩٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صِيَامِ الْبِيضِ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ: صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيضِ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ. . . إِلَخْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْبِيضِ اللَّيَالِي وَهِيَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْقَمَرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ، حَتَّى قَالَ الْجَوَالِيقِيُّ: مَنْ قَالَ: الْأَيَّامَ الْبِيضَ فَجَعَلَ الْبِيضَ صِفَةَ الْأَيَّامِ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ اليوم الْكَامِلَ هُوَ النَّهَارُ بِلَيْلَتِهِ، وَلَيْسَ فِي الشَّهْرِ يَوْمٌ أَبْيَضُ كُلُّهُ إِلَّا هَذِهِ الْأَيَّامُ؛ لِأَنَّ لَيْلَهَا أَبْيَضُ وَنَهَارَهَا أَبْيَضُ، فَصَحَّ قَوْلُ: الْأَيَّامِ الْبِيضِ عَلَى الْوَصْفِ.

وَحَكَى ابْنُ بَزِيزَةَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِيضًا أَقْوَالًا أُخَرَ مُسْتَنِدَةً إِلَى أَقْوَالٍ وَاهِيَةٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُمَا: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُطْلَقٌ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالْبِيضُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا ذُكِرَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِيمَاءِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ بِأَرْنَبٍ قَدْ شَوَاهَا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا وَأَمْسَكَ الْأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ. قَالَ: إِنْ كُنْتَ صَائِمًا فَصُمِ الْغُرَّ، أَيِ: الْبِيضَ وَهَذَا الْحَدِيثُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا بَيَّنَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: إِنْ كُنْتَ صَائِمًا فَصُمِ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ وَجَاءَ تَقْيِيدُهَا أَيْضًا فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ مِلْحَانَ - وَيُقَالُ ابْنُ مِنْهَالٍ - عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ بِلَفْظِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَالَ: هِيَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ.

وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهْرِ: أَيَّامُ الْبِيضِ صَبِيحَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ الْحَدِيثَ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ وَصِيَّةَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ لَا تَخْتَصُّ بِهِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غُرَّةَ كُلِّ شَهْرٍ وَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ: كَانَ رَسُولُ الله يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ وَالِاثْنَيْنِ مِنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَمَا قَبْلَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصُومُ

مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ صَامَ قَالَ: فَكُلُّ مَنْ رَآهُ فَعَلَ نَوْعًا ذَكَرَهُ، وَعَائِشَةُ رَأَتْ جَمِيعَ ذَلِكَ وَغَيْرَهُ فَأَطْلَقَتْ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ وَحَثَّ عَلَيْهِ وَوَصَّى بِهِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا هُوَ فَلَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَتَتَرَجَّحُ الْبِيضُ بِكَوْنِهَا وَسَطَ الشَّهْرِ وَوَسَطُ الشَّيْءِ أَعْدَلُهُ، وَلِأَنَّ الْكُسُوفَ غَالِبًا يَقَعُ فِيهَا، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِمَزِيدِ الْعِبَادَةِ إِذَا وَقَعَ، فَإِذَا اتَّفَقَ الْكُسُوفُ صَادَفَ الَّذِي يَعْتَادُ صِيَامَ الْبِيضِ صَائِمًا فَيَتَهَيَّأُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ مِنَ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَصُمْهَا فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى لَهُ اسْتِدْرَاكُ صِيَامِهَا، وَلَا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ صِيَامَ التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا إِنْ صَادَفَ الْكُسُوفَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ صِيَامَ الثَّلَاثَةِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنَ الْمَوَانِعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصُومُ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَهُ وَجْهٌ فِي النَّظَرِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَهُوَ يُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: صُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالِاثْنَيْنِ، وَمِنَ الْآخَرِ الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا وَهُوَ أَشْبَهُ، وَكَأَنَّ الْغَرَضَ بِهِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ غَالِبَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ بِالصِّيَامِ، وَاخْتَارَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنْ يَصُومَهَا آخِرَ الشَّهْرِ لِيَكُونَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى، وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى

حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الْأَمْرِ بِصِيَامِ سِرَارِ الشَّهْرِ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مُسْتَحَبٌّ، فَإِنِ اتَّفَقَتْ أَيَّامُ الْبِيضِ كَانَ أَحَبَّ. وَفِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا أَنَّ اسْتِحْبَابَ صِيَامِ الْبِيضِ غَيْرُ اسْتِحْبَابِ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ، وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ كُلٌّ مِنْهُمْ أَبُو عُثْمَانَ، لَكِنْ لَمْ يَقَعْ فِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثٌ مَوْصُولٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ النَّهْدِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا وَآخَرَ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ فِيهِ حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَتَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ هُنَاكَ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ، وَمِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهَا مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي قَالَ فِي أَفْرَادِهِ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْقَدْرَ الْمُوصَى بِهِ هُوَ اللَّائِقُ بِحَالِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: خَلِيلِي إِشَارَةٌ إِلَى مُوَافَقَتِهِ لَهُ فِي إِيثَارِ الِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَةِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالدُّنْيَا لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ صَبَرَ عَلَى الْجُوعِ فِي مُلَازَمَتِهِ لِلنَّبِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِهِ حَيْثُ قَالَ: أَمَّا إِخْوَانِي فَكَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ فَشَابَهُ حَالَ النَّبِيِّ فِي إِيثَارِهِ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى وَالْعُبُودِيَّةَ عَلَى الْمُلْكِ، قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الِافْتِخَارُ بِصُحْبَةِ الْأَكَابِرِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وَالشُّكْرِ لِلَّهِ، لَا عَلَى وَجْهِ الْمُبَاهَاةِ، وَاللَّهُ

أَعْلَمُ.

وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: حَاصِلُ الْخِلَافِ فِي تَعْيِينِ الْبِيضِ تِسْعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لَا تَتَعَيَّنُ بَلْ يُكْرَهُ تَعْيِينُهَا، وَهَذَا عَنْ مَالِكٍ. الثَّانِي: أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ مِنَ الشَّهْرِ، قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، الثَّالِثُ أَوَّلُهَا الثَّانِي عَشَرَ. الرَّابِعُ: أَوَّلُهَا الثَّالِثَ عَشَرَ. الْخَامِسُ: أَوَّلُهَا أَوَّلُ سَبْتٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، ثُمَّ مِنْ أَوَّلِ الثُّلَاثَاءِ مِنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَلِيهِ وَهَكَذَا، وَهُوَ عَنْ عَائِشَةَ. السَّادِسُ: أَوَّلُ خَمِيسٍ ثُمَّ اثْنَيْنِ ثُمَّ خَمِيسٍ. السَّابِعُ: أَوَّلُ اثْنَيْنِ ثُمَّ خَمِيسٍ ثُمَّ اثْنَيْنِ. الثَّامِنُ: أَوَّلُ يَوْمٍ، وَالْعَاشِرُ وَالْعِشْرُونَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. التَّاسِعُ: أَوَّلُ كُلِّ عَشْرٍ عَنِ ابْنِ شَعْبَانَ الْمَالِكِيِّ. قُلْتُ: بَقِيَ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ آخَرُ ثَلَاثَةٍ مِنَ الشَّهْرِ عَنِ النَّخَعِيِّ فَتَمَّتْ عَشْرَةً.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قوله: إنَّ (١) اليوم الكامل هو النَّهار بليلته غير صحيحٍ لأنَّ اليوم الكامل في اللُّغة: من طلوع الشَّمس إلى غروبها، وفي الشَّرع: من طلوع الفجر الصَّادق، وليس للَّيلة دخلٌ في حدِّ النَّهار، وأمَّا قوله: «ونهارها أبيض» فيقتضي (٢) أنَّ بياض نهار أيَّام البيض من بياض اللَّيلة، وليس كذلك لأنَّ بياض الأيَّام كلِّها بالذَّات، وأيَّام الشَّهر كلُّها بيضٌ، فسقط قوله: «وليس في الشَّهر يومٌ أبيض كلُّه إلَّا هذه الأيَّام». انتهى. وهذا الذي قاله في «الفتح» سبقه إليه ابن المُنيِّر فقال: وأنكر بعض اللُّغويِّين أن يُقال: الأيَّام البيض، وقال: إنَّما هي اللَّيالي البيض، وإلَّا فالأيَّام كلُّها بيضٌ، وهذا وهمٌ منه، والحديث يردُّ عليه، أي: ما ذكره ابن بطَّالٍ عن شعبة عن أنس بن سيرين عن عبد الملك بن المنهال عن أبيه قال: أمرني النَّبيُّ بالأيَّام البيض، وقال: «هو صوم الدَّهر»، قال: واليوم؛ اسمٌ يدخل فيه اللَّيل والنَّهار، وما كلُّ يومٍ أبيض بجملته إلَّا هذه الأيَّام، فإنَّ نهارها أبيض وليلها أبيض، فصارت كلُّها بيضًا، وأظنَّه سبق إلى وهمه أنَّ اليوم هو النَّهار خاصَّةً. انتهى. قال في «المصابيح»: الظَّاهر أنَّ مثل هذا ليس بوهمٍ؛ فإنَّ اليوم وإن كان عبارةً عن اللَّيل والنَّهار جميعًا لكنَّه بالنِّسبة إلى الصَّوم إنَّما هو النَّهار خاصَّةً، وعليه: فكلُّ يومٍ يُصام هو أبيض لعموم الضَّوء فيه من طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس. انتهى. وقال في «الإنصاف»: سُمِّيت بيضًا لابيضاضها ليلًا (٣) بالقمر ونهارًا (٤) بالشَّمس، وقيل: لأنَّ الله تعالى تاب فيها على آدم وبيَّض صحيفته.

١٩٨١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، عبد الله بن

عمرٍو المنقريُّ المُقعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سهلٍ التَّميميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة آخره حاءٌ مهملةٌ، يزيد بن حُمَيدٍ الضُّبعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو عُثْمَانَ) هو عبد الرَّحمن النَّهديُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي) رسول الله ( بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) بجرِّ «صيام» بدلٌ من «ثلاثٍ»، ولم يعيِّن الأيَّام بل أطلقها، واستُشكِلت المطابقة بين التَّرجمة والحديث، وأُجيب بأنَّ المؤلِّف جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث عند النَّسائيِّ، وصحَّحه ابن حبَّان من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ بأرنبٍ قد شواها، فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الأعرابيُّ، فقال: «ما منعك أن تأكل؟» قال: إنِّي أصوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، قال: «إن كنت صائمًا فصم الغرَّ» أي: البيض، وهذا الحديث اختُلِف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا، بيَّنه الدَّارقُطنيُّ، وفي بعض طرقه عند النَّسائيِّ: «إن كنت صائمًا فصم البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة»، وعنده أيضًا من حديث جرير بن عبد الله عن النَّبيِّ قال: «صيام ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ صيام الدَّهر، وأيَّام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» وإسناده صحيحٌ، وفي روايةٍ: «أيَّام البيض» بغير (١) واوٍ، ففيه: استحباب صوم الثَّلاثة التي أوَّلها الثَّالث عشر، والمعنى فيه: أنَّ الحسنة بعشر أمثالها، فصومها كصوم الشَّهر، ومن ثمَّ سُنَّ صوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، ولو غير أيَّام البيض كما في «البحر» وغيره؛ لإطلاق حديث الباب وغيره، قال السُّبكيُّ: والحاصل: أنَّه يُسَنُّ صوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ (٢)، وأن تكون أيَّام البيض، فإن صامها أتى بالسُّنَّتين، وتترجَّح البيض بكونها وسط الشَّهر، ووسط الشَّيء أعدله، ولأنَّ الكسوف غالبًا يقع فيها، وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع، وسُئِل الحسن البصريُّ: لِمَ صام النَّاس الأيَّام البيض؟ -وأعرابيٌّ

يسمع- فقال الأعرابيُّ: لأنَّه لا يكون الكسوف إلَّا فيهنَّ، ويحبُّ الله ألَّا تكون (١) في السَّماء آية إلَّا كان في الأرض عبادة، والاحتياط: صوم الثَّاني عشر مع أيَّام البيض لأنَّ في «التِّرمذيِّ»: أنَّها الثَّاني عشر والثَّالث عشر والرَّابع عشر، ورجَّح بعضهم: صيام الثَّلاثة في أوَّل كلِّ شهرٍ لأنَّ المرء لا يدري ما يعرض له (٢) من الموانع، وفي حديث ابن مسعودٍ عند أصحاب «السُّنن» وصحَّحه ابن خزيمة: أنَّ النَّبيَّ كان يصوم ثلاثة أيَّامٍ من (٣) كلِّ شهرٍ، وقال بعضهم: يصوم من أوَّل كلِّ عشرة أيَّامٍ يومًا، وفي حديث عبد الله بن عمرٍو عند النَّسائيِّ: «صم من كلِّ عشرة أيَّامٍ يومًا»، وروى أبو داود والنَّسائيُّ من حديث حفصة: كان النَّبيُّ يصوم من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّامٍ: الإثنين والخميس والإثنين من الجمعة الأخرى، وروى التِّرمذيُّ عن عائشة: كان النَّبيُّ يصوم من الشَّهر السَّبت والأحد والاثنين، ومن الشَّهر الآخر الثُّلاثاء والأربعاء والخميس، وقد جمع البيهقيُّ بين ذلك وبين ما قبله بما في «مسلمٍ»: عن عائشة قالت: كان رسول الله يصوم من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّامٍ، ما يبالي من أيِّ الشَّهر (٤) صام، قال: فكلُّ من رآه فعل نوعًا ذَكَرَه، وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فأطلقت، وروى أبو داود عن أمِّ سلمة قالت: كان رسول الله يأمرني أن أصوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، أوَّلها: الاثنين والخميس، والمعروف من قول مالكٍ كراهة تعيين أيَّام النَّفل، أو يجعل لنفسه شهرًا أو يومًا يلتزم صومه، ورُوِي عنه: كراهة تعمُّد صيام الأيَّام البيض، وقال: ما كان ببلدنا، ورُوِي عنه: أنَّه كان يصومها، وأنَّه كتب إلى الرَّشيد يحضُّه على صومها، قال ابن رشدٍ: وإنَّما كرهها لسرعة أخذ النَّاس بمذهبه، فيظنُّ الجاهل وجوبها، والمشهور من مذهبه:

استحباب ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ وكراهة كونها البيض لأنَّه كان يفرُّ من التَّحديد، وقال الماورديُّ: ويُسَنُّ صوم أيَّام السُّود: الثَّامن والعشرين وتالييه، وينبغي أيضًا (١) أن يُصام (٢) معها السَّابع والعشرين (٣)؛ احتياطًا، وخُصَّت أيَّام البيض وأيَّام السُّود بذلك؛ لتعميم ليالي الأولى بالنُّور، وليالي الثَّانية بالسَّواد، فناسب صوم الأولى شكرًا، والثَّانية لطلب كشف السَّواد، ولأنَّ الشَّهر ضيفٌ قد أشرف على الرَّحيل فناسب تزويده بذلك، والحاصل ممَّا سبق أقوالٌ: أحدها: استحباب ثلاثة أيَّامٍ من الشَّهر غير مُعَّينةٍ، الثَّاني: استحباب الثَّالث عشر وتالييه، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأصحابه وابن حبيبٍ من المالكيَّة وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد، الثَّالث: استحباب الثَّاني عشر وتالييه، وهو في «التِّرمذيِّ»، الرَّابع: استحباب ثلاثة أيَّامٍ (٤) من أوَّل الشَّهر، الخامس: السَّبت والأحد والاثنين من أوَّل شهرٍ (٥)، ثمَّ الثُّلاثاء والأربعاء والخميس من أوَّل الشَّهر الذي يليه، السَّادس: استحبابها في (٦) آخر الشَّهر، السَّابع: أوَّلها الخميس والاثنين والخميس، الثَّامن: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى (٧)، التَّاسع: أن يصوم من أوَّل كلِّ عشرة أيَّامٍ يومًا.

(وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى) عطفٌ على السَّابق، أي: قال أبو هريرة: «وأوصاني خليلي بصلاة ركعتي الضُّحى»، وزاد أحمد: «في كلِّ يومٍ» (وَأَنْ أُوتِرَ) أي: وبالوتر (قَبْلَ أَنْ أَنَامَ) وليست الوصيَّة بذلك خاصَّةً بأبي هريرة، فقد وردت وصيَّته بالثَّلاث أيضًا لأبي ذرٍّ كما عند

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَلَى الْتِزَامِ الْعِبَادَةِ، وَفَائِدَتُهُ الِاسْتِعَانَةُ بِالْيَمِينِ عَلَى النَّشَاطِ لَهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخِلُّ بِصِحَّةِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهَا، وَأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى ذَلِكَ لَا يَلْحَقُهَا بِالنَّذْرِ الَّذِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ، وَأَنَّ النَّفْلَ الْمُطْلَقَ لَا يَنْبَغِي تَحْدِيدُهُ، بَلْ يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ.

وَفِيهِ جَوَازُ التَّفْدِيَةِ بِالْأَبِ وَالْأُمِّ، وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِالْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، وَفِيهِ أَنَّ طَاعَةَ الْوَالِدِ لَا تَجِبُ فِي تَرْكِ الْعِبَادَةِ، وَلِهَذَا احْتَاجَ عَمْرٌو إِلَى شَكْوَى وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ تَرْكَ طَاعَتِهِ لِأَبِيهِ. وَفِيهِ زِيَارَةُ الْفَاضِلِ لِلْمَفْضُولِ فِي بَيْتِهِ، وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ بِإِلْقَاءِ الْفُرُشِ وَنَحْوِهَا تَحْتَهُ، وَتَوَاضُعُ الزَّائِرِ بِجُلُوسِهِ دُونَ مَا يُفْرَشُ لَهُ، وَأَنْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَاضُعِ وَالْإِكْرَامِ لِلْمَزُورِ.

٦٠ - بَاب صِيَامِ الْبِيضِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ

١٩٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صِيَامِ الْبِيضِ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ: صِيَامُ أَيَّامِ الْبِيضِ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ. . . إِلَخْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْبِيضِ اللَّيَالِي وَهِيَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْقَمَرُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ، حَتَّى قَالَ الْجَوَالِيقِيُّ: مَنْ قَالَ: الْأَيَّامَ الْبِيضَ فَجَعَلَ الْبِيضَ صِفَةَ الْأَيَّامِ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ اليوم الْكَامِلَ هُوَ النَّهَارُ بِلَيْلَتِهِ، وَلَيْسَ فِي الشَّهْرِ يَوْمٌ أَبْيَضُ كُلُّهُ إِلَّا هَذِهِ الْأَيَّامُ؛ لِأَنَّ لَيْلَهَا أَبْيَضُ وَنَهَارَهَا أَبْيَضُ، فَصَحَّ قَوْلُ: الْأَيَّامِ الْبِيضِ عَلَى الْوَصْفِ.

وَحَكَى ابْنُ بَزِيزَةَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِيضًا أَقْوَالًا أُخَرَ مُسْتَنِدَةً إِلَى أَقْوَالٍ وَاهِيَةٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُمَا: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ مَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُطْلَقٌ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَالْبِيضُ مُقَيَّدَةٌ بِمَا ذُكِرَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِيمَاءِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ بِأَرْنَبٍ قَدْ شَوَاهَا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا وَأَمْسَكَ الْأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْكُلَ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ. قَالَ: إِنْ كُنْتَ صَائِمًا فَصُمِ الْغُرَّ، أَيِ: الْبِيضَ وَهَذَا الْحَدِيثُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا بَيَّنَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: إِنْ كُنْتَ صَائِمًا فَصُمِ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ وَجَاءَ تَقْيِيدُهَا أَيْضًا فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ مِلْحَانَ - وَيُقَالُ ابْنُ مِنْهَالٍ - عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ بِلَفْظِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَالَ: هِيَ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ.

وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ مَرْفُوعًا: صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهْرِ: أَيَّامُ الْبِيضِ صَبِيحَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ الْحَدِيثَ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ وَصِيَّةَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ لَا تَخْتَصُّ بِهِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غُرَّةَ كُلِّ شَهْرٍ وَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ: كَانَ رَسُولُ الله يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ وَالِاثْنَيْنِ مِنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَمَا قَبْلَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَصُومُ

مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ صَامَ قَالَ: فَكُلُّ مَنْ رَآهُ فَعَلَ نَوْعًا ذَكَرَهُ، وَعَائِشَةُ رَأَتْ جَمِيعَ ذَلِكَ وَغَيْرَهُ فَأَطْلَقَتْ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ وَحَثَّ عَلَيْهِ وَوَصَّى بِهِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا هُوَ فَلَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ مَا يَشْغَلُهُ عَنْ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَتَتَرَجَّحُ الْبِيضُ بِكَوْنِهَا وَسَطَ الشَّهْرِ وَوَسَطُ الشَّيْءِ أَعْدَلُهُ، وَلِأَنَّ الْكُسُوفَ غَالِبًا يَقَعُ فِيهَا، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِمَزِيدِ الْعِبَادَةِ إِذَا وَقَعَ، فَإِذَا اتَّفَقَ الْكُسُوفُ صَادَفَ الَّذِي يَعْتَادُ صِيَامَ الْبِيضِ صَائِمًا فَيَتَهَيَّأُ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ مِنَ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَصُمْهَا فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى لَهُ اسْتِدْرَاكُ صِيَامِهَا، وَلَا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ صِيَامَ التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا إِنْ صَادَفَ الْكُسُوفَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ صِيَامَ الثَّلَاثَةِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنَ الْمَوَانِعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصُومُ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، وَلَهُ وَجْهٌ فِي النَّظَرِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَهُوَ يُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: صُمْ مِنْ كُلِّ عَشْرَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَالِاثْنَيْنِ، وَمِنَ الْآخَرِ الثُّلَاثَاءَ وَالْأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ وَرُوِيَ مَوْقُوفًا وَهُوَ أَشْبَهُ، وَكَأَنَّ الْغَرَضَ بِهِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ غَالِبَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ بِالصِّيَامِ، وَاخْتَارَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَنْ يَصُومَهَا آخِرَ الشَّهْرِ لِيَكُونَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى، وَسَيَأْتِي مَا يُؤَيِّدُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى

حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الْأَمْرِ بِصِيَامِ سِرَارِ الشَّهْرِ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ مُسْتَحَبٌّ، فَإِنِ اتَّفَقَتْ أَيَّامُ الْبِيضِ كَانَ أَحَبَّ. وَفِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا أَنَّ اسْتِحْبَابَ صِيَامِ الْبِيضِ غَيْرُ اسْتِحْبَابِ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ، وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ كُلٌّ مِنْهُمْ أَبُو عُثْمَانَ، لَكِنْ لَمْ يَقَعْ فِي الْبُخَارِيِّ حَدِيثٌ مَوْصُولٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ النَّهْدِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا وَآخَرَ فِي الْأَطْعِمَةِ، وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ فِيهِ حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَتَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ هُنَاكَ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ، وَمِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهَا مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ فِي قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي قَالَ فِي أَفْرَادِهِ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْقَدْرَ الْمُوصَى بِهِ هُوَ اللَّائِقُ بِحَالِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: خَلِيلِي إِشَارَةٌ إِلَى مُوَافَقَتِهِ لَهُ فِي إِيثَارِ الِاشْتِغَالِ بِالْعِبَادَةِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالدُّنْيَا لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ صَبَرَ عَلَى الْجُوعِ فِي مُلَازَمَتِهِ لِلنَّبِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ مِنْ حَدِيثِهِ حَيْثُ قَالَ: أَمَّا إِخْوَانِي فَكَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ فَشَابَهُ حَالَ النَّبِيِّ فِي إِيثَارِهِ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى وَالْعُبُودِيَّةَ عَلَى الْمُلْكِ، قَالَ: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الِافْتِخَارُ بِصُحْبَةِ الْأَكَابِرِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وَالشُّكْرِ لِلَّهِ، لَا عَلَى وَجْهِ الْمُبَاهَاةِ، وَاللَّهُ

أَعْلَمُ.

وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: حَاصِلُ الْخِلَافِ فِي تَعْيِينِ الْبِيضِ تِسْعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لَا تَتَعَيَّنُ بَلْ يُكْرَهُ تَعْيِينُهَا، وَهَذَا عَنْ مَالِكٍ. الثَّانِي: أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ مِنَ الشَّهْرِ، قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، الثَّالِثُ أَوَّلُهَا الثَّانِي عَشَرَ. الرَّابِعُ: أَوَّلُهَا الثَّالِثَ عَشَرَ. الْخَامِسُ: أَوَّلُهَا أَوَّلُ سَبْتٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، ثُمَّ مِنْ أَوَّلِ الثُّلَاثَاءِ مِنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَلِيهِ وَهَكَذَا، وَهُوَ عَنْ عَائِشَةَ. السَّادِسُ: أَوَّلُ خَمِيسٍ ثُمَّ اثْنَيْنِ ثُمَّ خَمِيسٍ. السَّابِعُ: أَوَّلُ اثْنَيْنِ ثُمَّ خَمِيسٍ ثُمَّ اثْنَيْنِ. الثَّامِنُ: أَوَّلُ يَوْمٍ، وَالْعَاشِرُ وَالْعِشْرُونَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. التَّاسِعُ: أَوَّلُ كُلِّ عَشْرٍ عَنِ ابْنِ شَعْبَانَ الْمَالِكِيِّ. قُلْتُ: بَقِيَ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ آخَرُ ثَلَاثَةٍ مِنَ الشَّهْرِ عَنِ النَّخَعِيِّ فَتَمَّتْ عَشْرَةً.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

قوله: إنَّ (١) اليوم الكامل هو النَّهار بليلته غير صحيحٍ لأنَّ اليوم الكامل في اللُّغة: من طلوع الشَّمس إلى غروبها، وفي الشَّرع: من طلوع الفجر الصَّادق، وليس للَّيلة دخلٌ في حدِّ النَّهار، وأمَّا قوله: «ونهارها أبيض» فيقتضي (٢) أنَّ بياض نهار أيَّام البيض من بياض اللَّيلة، وليس كذلك لأنَّ بياض الأيَّام كلِّها بالذَّات، وأيَّام الشَّهر كلُّها بيضٌ، فسقط قوله: «وليس في الشَّهر يومٌ أبيض كلُّه إلَّا هذه الأيَّام». انتهى. وهذا الذي قاله في «الفتح» سبقه إليه ابن المُنيِّر فقال: وأنكر بعض اللُّغويِّين أن يُقال: الأيَّام البيض، وقال: إنَّما هي اللَّيالي البيض، وإلَّا فالأيَّام كلُّها بيضٌ، وهذا وهمٌ منه، والحديث يردُّ عليه، أي: ما ذكره ابن بطَّالٍ عن شعبة عن أنس بن سيرين عن عبد الملك بن المنهال عن أبيه قال: أمرني النَّبيُّ بالأيَّام البيض، وقال: «هو صوم الدَّهر»، قال: واليوم؛ اسمٌ يدخل فيه اللَّيل والنَّهار، وما كلُّ يومٍ أبيض بجملته إلَّا هذه الأيَّام، فإنَّ نهارها أبيض وليلها أبيض، فصارت كلُّها بيضًا، وأظنَّه سبق إلى وهمه أنَّ اليوم هو النَّهار خاصَّةً. انتهى. قال في «المصابيح»: الظَّاهر أنَّ مثل هذا ليس بوهمٍ؛ فإنَّ اليوم وإن كان عبارةً عن اللَّيل والنَّهار جميعًا لكنَّه بالنِّسبة إلى الصَّوم إنَّما هو النَّهار خاصَّةً، وعليه: فكلُّ يومٍ يُصام هو أبيض لعموم الضَّوء فيه من طلوع الفجر إلى غروب الشَّمس. انتهى. وقال في «الإنصاف»: سُمِّيت بيضًا لابيضاضها ليلًا (٣) بالقمر ونهارًا (٤) بالشَّمس، وقيل: لأنَّ الله تعالى تاب فيها على آدم وبيَّض صحيفته.

١٩٨١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، عبد الله بن

عمرٍو المنقريُّ المُقعَد قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سهلٍ التَّميميُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة آخره حاءٌ مهملةٌ، يزيد بن حُمَيدٍ الضُّبعيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو عُثْمَانَ) هو عبد الرَّحمن النَّهديُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي) رسول الله ( بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) بجرِّ «صيام» بدلٌ من «ثلاثٍ»، ولم يعيِّن الأيَّام بل أطلقها، واستُشكِلت المطابقة بين التَّرجمة والحديث، وأُجيب بأنَّ المؤلِّف جرى على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث عند النَّسائيِّ، وصحَّحه ابن حبَّان من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ بأرنبٍ قد شواها، فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الأعرابيُّ، فقال: «ما منعك أن تأكل؟» قال: إنِّي أصوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، قال: «إن كنت صائمًا فصم الغرَّ» أي: البيض، وهذا الحديث اختُلِف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا، بيَّنه الدَّارقُطنيُّ، وفي بعض طرقه عند النَّسائيِّ: «إن كنت صائمًا فصم البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة»، وعنده أيضًا من حديث جرير بن عبد الله عن النَّبيِّ قال: «صيام ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ صيام الدَّهر، وأيَّام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» وإسناده صحيحٌ، وفي روايةٍ: «أيَّام البيض» بغير (١) واوٍ، ففيه: استحباب صوم الثَّلاثة التي أوَّلها الثَّالث عشر، والمعنى فيه: أنَّ الحسنة بعشر أمثالها، فصومها كصوم الشَّهر، ومن ثمَّ سُنَّ صوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، ولو غير أيَّام البيض كما في «البحر» وغيره؛ لإطلاق حديث الباب وغيره، قال السُّبكيُّ: والحاصل: أنَّه يُسَنُّ صوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ (٢)، وأن تكون أيَّام البيض، فإن صامها أتى بالسُّنَّتين، وتترجَّح البيض بكونها وسط الشَّهر، ووسط الشَّيء أعدله، ولأنَّ الكسوف غالبًا يقع فيها، وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع، وسُئِل الحسن البصريُّ: لِمَ صام النَّاس الأيَّام البيض؟ -وأعرابيٌّ

يسمع- فقال الأعرابيُّ: لأنَّه لا يكون الكسوف إلَّا فيهنَّ، ويحبُّ الله ألَّا تكون (١) في السَّماء آية إلَّا كان في الأرض عبادة، والاحتياط: صوم الثَّاني عشر مع أيَّام البيض لأنَّ في «التِّرمذيِّ»: أنَّها الثَّاني عشر والثَّالث عشر والرَّابع عشر، ورجَّح بعضهم: صيام الثَّلاثة في أوَّل كلِّ شهرٍ لأنَّ المرء لا يدري ما يعرض له (٢) من الموانع، وفي حديث ابن مسعودٍ عند أصحاب «السُّنن» وصحَّحه ابن خزيمة: أنَّ النَّبيَّ كان يصوم ثلاثة أيَّامٍ من (٣) كلِّ شهرٍ، وقال بعضهم: يصوم من أوَّل كلِّ عشرة أيَّامٍ يومًا، وفي حديث عبد الله بن عمرٍو عند النَّسائيِّ: «صم من كلِّ عشرة أيَّامٍ يومًا»، وروى أبو داود والنَّسائيُّ من حديث حفصة: كان النَّبيُّ يصوم من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّامٍ: الإثنين والخميس والإثنين من الجمعة الأخرى، وروى التِّرمذيُّ عن عائشة: كان النَّبيُّ يصوم من الشَّهر السَّبت والأحد والاثنين، ومن الشَّهر الآخر الثُّلاثاء والأربعاء والخميس، وقد جمع البيهقيُّ بين ذلك وبين ما قبله بما في «مسلمٍ»: عن عائشة قالت: كان رسول الله يصوم من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّامٍ، ما يبالي من أيِّ الشَّهر (٤) صام، قال: فكلُّ من رآه فعل نوعًا ذَكَرَه، وعائشة رأت جميع ذلك وغيره فأطلقت، وروى أبو داود عن أمِّ سلمة قالت: كان رسول الله يأمرني أن أصوم ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ، أوَّلها: الاثنين والخميس، والمعروف من قول مالكٍ كراهة تعيين أيَّام النَّفل، أو يجعل لنفسه شهرًا أو يومًا يلتزم صومه، ورُوِي عنه: كراهة تعمُّد صيام الأيَّام البيض، وقال: ما كان ببلدنا، ورُوِي عنه: أنَّه كان يصومها، وأنَّه كتب إلى الرَّشيد يحضُّه على صومها، قال ابن رشدٍ: وإنَّما كرهها لسرعة أخذ النَّاس بمذهبه، فيظنُّ الجاهل وجوبها، والمشهور من مذهبه:

استحباب ثلاثة أيَّامٍ من كلِّ شهرٍ وكراهة كونها البيض لأنَّه كان يفرُّ من التَّحديد، وقال الماورديُّ: ويُسَنُّ صوم أيَّام السُّود: الثَّامن والعشرين وتالييه، وينبغي أيضًا (١) أن يُصام (٢) معها السَّابع والعشرين (٣)؛ احتياطًا، وخُصَّت أيَّام البيض وأيَّام السُّود بذلك؛ لتعميم ليالي الأولى بالنُّور، وليالي الثَّانية بالسَّواد، فناسب صوم الأولى شكرًا، والثَّانية لطلب كشف السَّواد، ولأنَّ الشَّهر ضيفٌ قد أشرف على الرَّحيل فناسب تزويده بذلك، والحاصل ممَّا سبق أقوالٌ: أحدها: استحباب ثلاثة أيَّامٍ من الشَّهر غير مُعَّينةٍ، الثَّاني: استحباب الثَّالث عشر وتالييه، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأصحابه وابن حبيبٍ من المالكيَّة وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد، الثَّالث: استحباب الثَّاني عشر وتالييه، وهو في «التِّرمذيِّ»، الرَّابع: استحباب ثلاثة أيَّامٍ (٤) من أوَّل الشَّهر، الخامس: السَّبت والأحد والاثنين من أوَّل شهرٍ (٥)، ثمَّ الثُّلاثاء والأربعاء والخميس من أوَّل الشَّهر الذي يليه، السَّادس: استحبابها في (٦) آخر الشَّهر، السَّابع: أوَّلها الخميس والاثنين والخميس، الثَّامن: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى (٧)، التَّاسع: أن يصوم من أوَّل كلِّ عشرة أيَّامٍ يومًا.

(وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى) عطفٌ على السَّابق، أي: قال أبو هريرة: «وأوصاني خليلي بصلاة ركعتي الضُّحى»، وزاد أحمد: «في كلِّ يومٍ» (وَأَنْ أُوتِرَ) أي: وبالوتر (قَبْلَ أَنْ أَنَامَ) وليست الوصيَّة بذلك خاصَّةً بأبي هريرة، فقد وردت وصيَّته بالثَّلاث أيضًا لأبي ذرٍّ كما عند

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله