«بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٣٦

الحديث رقم ١٩٣٦ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ، إذ جاءه رجل…

«بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكْتُ، قَالَ: مَا لَكَ، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا، قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: لَا، فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَكُثَ النَّبِيُّ ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ، قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ، فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي. فَضَحِكَ النَّبِيُّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ.»

سند حديث: ١٩٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ…

١٩٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ، إذ جاءه رجل…

أخبر أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، فعلت ما هو سبب لهلاكي وهلاك غيري، وهو زوجته التي وطئها، فسأله النبي عن الذي حصل له، فأخبره أنه وطء امرأته وهو صائم، فسأله عليه الصلاة والسلام هل يستطيع عتق رقبة ليكفر بها عن ذنبه، فأجابه أنه لا يستطيع، ثم سأله إن كان يقدر أن يصوم شهرين متتابعين، فأخبره أنه لا يقدر كذلك، فسأله عن استطاعته إطعام ستين مسكين، فأخبره أنه لا يستطيع، فأمره بالجلوس، فبينما هم جلوس أتي للنبي صلى الله عليه وسلم زنبيل كبير فيه تمر، ويسع خمسة عشر صاعًا، فسأل عن الرجل وأعطاه التمر ليتصدق به، فقال الرجل: هل أتصدق به على من هو أفقر مني؟ فوالله ما أحد بالمدينة أحق به من أهلي، وما أحد أحوج إليه مني، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظهرت أنيابه، تعجبًا من تباين حال الرجل في كونه جاء أولًا هالكًا محترقًا خائفًا على نفسه ساعيًا في فدائها مهما أمكنه، فلما وجد ما يكفر به رغب في أخذه لسد حاجته، فأذن له عليه الصلاة والسلام أن يتصدق بالتمر على من تلزمه نفقته أو زوجته أو مطلق أقاربه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • تحريم الجماع في نهار رمضان، وأنه من الكبائر.
  • معرفة كفارة من جامع في رمضان.
  • يسر الشريعة ومرونتها في التعامل مع كل المسائل والأحوال.
  • من ارتكب معصية لا حد فيها وجاء مستفتيًا فإنه لا يعاقب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية؛ لأن معاقبة المستفتي تكون سببًا لترك الاستفتاء من الناس عند وقوعهم في المعصية، وهذه مفسدة عظيمة يجب دفعها.
  • كفارة المجامع في رمضان مرتبة ككفارة الظهار.
  • الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب المذكور.
  • إعانة المعسر في الكفارة.
  • الهبة والصدقة لا يحتاج فيهما إلى القبول باللفظ بل القبض كاف.
  • الكفارة لا تجب إلا بعد نفقة من تجب عليه.
  • جواز المبالغة في الضحك عند التعجب لقوله: حتى بدت أنيابه.
  • جواز الحلف بالله وصفاته، لتأكيد الكلام، وإلم يُستحلف.
  • جواز الحلف على غلبة الظن، وإن لم يعلم ذلك بالدلائل القطعية، لحلف المذكور أنه ليس بالمدينة أحوج منهم مع جواز أن يكون بالمدينة أحوج منهم لكثرة الفقراء فيها، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
  • ضرورة السؤال المرء عن حكم أفعاله، وجواز التحدث بما يقتضيه ذلك لمصلحة معرفة الحكم.
  • استعمال الكناية فيما يستقبح ظهوره بصريح لفظه؛ لقوله: "وقعت".
  • حسن الرفق بالمتعلم، والتلطف في التعليم، والتألف على الدين.
  • أهمية الندم على المعصية، واستشعار الخوف.
  • جواز الضحك عند وجود سببه.
  • إخبار الرجل بما يقع منه مع أهله للحاجة.
  • قبول قول المكلف فيما لا يطلع عليه إلا من قبله؛ لقوله في جواب قوله: على أفقر منا؟ : أطعمه أهلك، ويحتمل أن يكون هناك قرينة لصدقه، فالقول قول الفقير أو المسكين وجواز عطائه مما يستحقه الفقراء لأنه صلى الله عليه وسلم، لم يكلفه البينة حين ادعى أنه ما بين لابتي المدينة أهل بيت أحوج منهم؟
  • مشروعية السعي في إخلاص المسلم.
  • المضطر إلى ما بيده لا يجب عليه أن يعطيه لمضطر آخر.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ، إذ جاءه رجل…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

صَحِيحِهِ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ، وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا ذِكْرُ صِيَامِ شَهْرَيْنِ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ.

(تَنْبِيهٌ): اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، فَالْمَشْهُورُ مَا تَقَدَّمَ، وَعَنْهُ يُكَفِّرُ فِي الْأَكْلِ بِالتَّخْيِيرِ وَفِي الْجِمَاعِ بِالْإِطْعَامِ فَقَطْ، وَعَنْهُ التَّخْيِيرُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُرَاعَى زَمَانُ الْخَصْبِ وَالْجَدْبِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ حَالَةُ الْمُكَفِّرِ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

٣٠ - بَاب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ

١٩٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ - قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا. قَالَ: خُذْ هَذا فَتَصَدَّقْ بِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ

[الحديث ١٩٣٦ - أطرافه في: ١٩٣٧، ٢٦٠٠، ٥٣٦٨، ٦٠٨٧، ٦١٦٤، ٦٧٠٩، ٦٧١٠، ٦٧١١، ٦٨٢١]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ) أَيْ: عَامِدًا عَالِمًا (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ) يُعْتِقُ أَوْ يُطْعِمُ وَلَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ (فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ) أَيْ: بِقَدْرِ مَا يَجْزِيهِ) (فَلْيُكَفِّرْ) أَيْ: بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَاجِدًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِعْسَارَ لَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ عَنِ الذِّمَّةِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ: ابْنُ عَوْفٍ، هَكَذَا تَوَارَدَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ جَمَعْتُ مِنْهُمْ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ لِطُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ نَفْسًا، مِنْهُمُ: ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَاللَّيْثُ، وَمَعْمَرٌ، وَمَنْصُورٌ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَشُعَيْبٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَمَالِكٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَالْجَوْزَقِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسَافِرٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَعُقَيْلٌ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ،

وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَيُونُسُ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَسَأَذْكُرُ مَا عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ زِيَادَةِ فَائِدَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَخَالَفَهُمْ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْبَزَّارُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو عَوَانَةَ: أَخْطَأَ فِيهِ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ. قُلْتُ: وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ وَالْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ كَالْجَمَاعَةِ. كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا، فَقَدْ جَمَعَهُمَا عَنْهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ حِكَايَةُ خِلَافٍ آخَرَ فِيهِ عَلَى مَنْصُورٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ حِكَايَةُ خِلَافٍ فِيهِ عَلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعُقَيْلٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ حُمَيْدٍ،

وَأَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ) أَصْلُهَا بَيْنَ وَقَدْ تَرِدُ بِغَيْرِ مَا فَتُشْبَعُ الْفَتْحَةُ، وَمِنْ خَاصَّةِ بَيْنَمَا أَنَّهَا تُتَلَقَّى بِـ إِذْ وَبِـ إِذَا حَيْثُ تَجِيءُ لِلْمُفَاجَأَةِ، بِخِلَافِ بَيْنَا فَلَا تُتَلَقَّى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ وَرَدَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عِنْدَ النَّبِيِّ فِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ فِي التَّعْبِيرِ لِمَا تُشْعِرُ الْعِنْدِيَّةُ بِالتَّعْظِيمِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ مَعَ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مَعَ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، إِلَّا أَنَّ عَبْدَ الْغَنِيِّ فِي الْمُبْهَمَاتِ - وَتَبِعَهُ ابْنُ بَشْكُوَالَ - جَزْمًا بِأَنَّهُ سُلَيْمَانُ أَوْ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ، وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أَنَّهُ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهُ وَطِئَهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : حَرِّرْ رَقَبَةً، قُلْتُ: مَا أَمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَهَا وَضَرَبَ صَفْحَةَ رَقَبَتِهِ. قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ. قَالَ: وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إِلَّا مِنَ الصِّيَامِ؟ قَالَ: فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكَيْنَا. قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا لَنَا طَعَامٌ. قَالَ: فَانْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ؛ فَإِنَّ فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ كَانَ صَائِمًا كَمَا سَيَأْتِي، وَفِي قِصَّةِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلًا فَافْتَرَقَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا - فِي كَوْنِهِمَا مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ وَفِي صِفَةِ الْكَفَّارَةِ وَكَوْنِهَا مُرَتَّبَةً وَفِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ خِصَالِهَا - اتِّحَادُ الْقِصَّتَيْنِ، وَسَنَذْكُرُ أَيْضًا مَا يُؤَيِّدُ الْمُغَايِرَةَ بَيْنَهُمَا.

وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَرْجَمَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ مِنَ التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ صَخْرٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَظُنُّ هَذَا وَهْمًا؛ لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ أَنَّهُ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ وَوَقَعَ عَلَيْهَا فِي اللَّيْلِ لَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ بِالنَّهَارِ اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمضَانَ أَيْ: لَيْلًا بَعْدَ أَنْ ظَاهَرَ، فَلَا يَكُونُ وَهْمًا وَلَا يَلْزَمُ الِاتِّحَادُ، وَوَقَعَ فِي مَبَاحِثِ الْعَامِّ مِنْ شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَا يُوهِمُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ يَسَارٍ وَهُوَ وَهَمٌ يَظْهَرُ مِنْ تَأَمُّلِ بَقِيَّةِ كَلَامِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) زَادَ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: جَاءَ رَجُلٌ وَهُوَ يَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَدُقُّ صَدْرَهُ وَيَقُولُ: هَلَكَ الْأَبْعَدُ وَلِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ: يَلْطِمُ وَجْهَهُ وَلِحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ: يَدْعُو وَيْلَهُ وَفِي مُرْسَلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ: وَيُحْثِي عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ هَذَا الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ مَعْصِيَةٌ، وَيُفَرَّقُ بِذَلِكَ بَيْنَ مُصِيبَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَيَجُوزُ فِي مُصِيبَةِ الدِّينِ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ الْحَالُ مِنْ شِدَّةِ النَّدَمِ وَصِحَّةِ الْإِقْلَاعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ لَطْمِ الْخُدُودِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ هَلَكْتُ) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ هَلَكَ وَالْأَخِرُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ بِغَيْرِ مَدٍّ هُوَ الْأَبْعَدُ، وَقِيلَ: الْغَائِبُ، وَقِيلَ: الْأَرْذَلُ.

قَوْلُهُ: (هَلَكْتُ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ احْتَرَقْتُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ: مَا أَرَانِي إِلَّا قَدْ هَلَكْتُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ وَالِاحْتِرَاقَ مَجَازٌ عَنِ الْعِصْيَانِ الْمُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْمُتَوَقَّعَ كَالْوَاقِعِ، وَبَالَغَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ: الْمَاضِي، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى النَّاسِي وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ يَجِبُ عَلَى النَّاسِي، وَتَمَسَّكُوا بِتَرْكِ اسْتِفْسَارِهِ عَنْ جِمَاعِهِ هَلْ كَانَ عَنْ عَمْدٍ أَوْ نِسْيَانٍ، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي الْفِعْلِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْقَوْلِ كَمَا اشْتُهِرَ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ حَالُهُ بِقَوْلِهِ هَلَكْتُ وَاحْتَرَقْتُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ، وَأَيْضًا فَدُخُولُ النِّسْيَانِ فِي الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ تَرْجَمَ لِذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي الْحُدُودِ وَأَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَتَوَجيهُهُ أَنَّ مَجِيئَهُ مُسْتَفْتِيًا

يَقْتَضِي النَّدَمَ وَالتَّوْبَةَ، وَالتَّعْزِيرُ إِنَّمَا جُعِلَ لِلِاسْتِصْلَاحِ وَلَا اسْتِصْلَاحَ مِنَ الصَّلَاحِ، وَأَيْضًا فَلَوْ عُوقِبَ الْمُسْتَفْتِي لَكَانَ

سَبَبًا لِتَرْكِ الِاسْتِفْتَاءِ، وَهِيَ مَفْسَدَةٌ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يُعَاقَبَ، هَكَذَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لِلْبَغَوِيِّ أَنَّ مَنْ جَامَعَ مُتَعَمِّدًا فِي رَمَضَانَ فَسَدَ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَيُعَزَّرُ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ مَا وَقَعَ مِنْ صَاحِبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ النَّدَمِ وَالتَّوْبَةِ، وَبَنَاهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعْزِيرِ شَاهِدِ الزُّورِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ مَا لَكَ)؟ بِفَتْحِ اللَّامِ، اسْتِفْهَامٌ عَنْ حَالِهِ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: وَيْحَكَ، مَا شَأْنُكَ؟ وَلِابْنِ أَبِي حَفْصَةَ: وَمَا الَّذِي أَهْلَكَكَ؟ وَلِعَمْرٍو: مَا ذَاكَ؟ وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: وَيْحَكَ مَا صَنَعْتَ؟ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ وَتَرْجَمَ بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: وَيْلَكَ وَيْحَكَ ثُمَّ قَالَ عَقِبَهُ: تَابَعَهُ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ يَعْنِي: فِي قَوْلِهِ: وَيْحَكَ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَيْلَكَ. قُلْتُ: وَسَأَذْكُرُ مَنْ وَصَلَهُمَا هُنَاكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ تَابَعَ ابْنَ خَالِدٍ فِي قَوْلِهِ: وَيْلَكَ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَتَابَعَ الْأَوْزَاعِيَّ فِي قَوْلِهِ: وَيْحَكَ عُقَيْلٌ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ فَهُوَ أَرْجَحُ وَهُوَ اللَّائِقُ بِالْمَقَامِ، فَإِنَّ وَيْحَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ، وَوَيْلَ كَلِمَةُ عَذَابٍ، وَالْمَقَامُ يَقْتَضِي الْأَوَّلَ.

قَوْلُهُ: (وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: أَصَبْتُ أَهْلِي وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: وَطِئْتُ امْرَأَتِي وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيرِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ قَلِيلٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّخْيِيرِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ الْحَدِيثَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَفْسَدَ صِيَامَهُ مُطْلَقًا بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهِ، وَالْجُمْهُورُ حَمَلُوا قَوْلُهُ: أَفْطَرَ هُنَا عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي وَكَأَنَّهُ قَالَ: أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى الْقُرْطُبِيِّ وَغَيْرِهِ تَعَدُّدَ الْقِصَّةِ.

وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ مُطْلَقًا بِقِيَاسِ الْآكِلِ عَلَى الْمُجَامِعِ بِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ انْتَهَاكِ حُرْمَةِ الصَّوْمِ، وَبِأَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْأَكْلِ فَسَدَ صَوْمُهُ كَمَا يَفْسُدُ صَوْمُ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْجِمَاعِ بِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ التَّرْجِيحِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ نَظِيرُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمُعْظَمُ الرِّوَايَاتِ فِيهَا وَطِئْتُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ سَاقَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهَا وَسَاقَ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مَتْنَهَا أَنَّهُ قَالَ: أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانَ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ وَمَخْرَجُهَا مُتَّحِدٌ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ، وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: أَصَبْتُ امْرَأَتِي ظُهْرًا فِي رَمَضَانَ وَتَعْيِينُ رَمَضَانَ مَعْمُولٌ بِمَفْهُومِهِ، وَلِلْفَرْقِ فِي وُجُوبِ كَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ فِي الصَّوْمِ بَيْنَ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ كَالنَّذْرِ، وَفِي كَلَامِ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ إِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ وَقَعَ مِنْهُ فِي رَمَضَانَ نَهَارًا سَوَاءٌ كَانَ الصَّوْمُ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ.

قَوْلُهُ: (وَأَنَا صَائِمٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَعْتُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْمُشْتَقِّ بَقَاءُ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ حَقِيقَةً لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ صَائِمًا مُجَامِعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: وَطِئْتُ أَيْ: شَرَعْتُ فِي الْوَطْءِ، أَوْ أَرَادَ جَامَعْتُ بَعْدَ إِذْ أَنَا صَائِمٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي الْيَوْمَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: (هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ: أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً زَادَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: بِئْسَمَا صَنَعْتَ أَعْتِقْ رَقَبَةً.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُسَافِرٍ: فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ لَيْسَ عِنْدِي، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا مَلَكْتُ رَقَبَةً قَطُّ وَاسْتُدِلَّ بِإِطْلَاقِ الرَّقَبَةِ عَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ السَّبَبَ إِذَا اخْتَلَفَ

وَاتَّحَدَ الْحُكْمُ هَلْ يُقَيَّدُ الْمُطْلَقُ أَوْ لَا؟ وَهَلْ تَقْيِيدُهُ بِالْقِيَاسِ أَوْ لَا؟ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ بِالْقِيَاسِ، وَيُؤَيِّدُهُ التَّقْيِيدُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا)، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بن سَعْدٍ قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ قَالَ: لَا أَقْدِرُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وَهَلْ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ إِلَّا مِنَ الصِّيَامِ؟. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَا إِشْكَالَ فِي الِانْتِقَالِ عَنِ الصَّوْمِ إِلَى الْإِطْعَامِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذِهِ اقْتَضَتْ أَنَّ عَدَمَ اسْتِطَاعَتِهِ لِشِدَّةِ شَبَقِهِ وَعَدَمِ صَبْرِهِ عَنِ الْوَقَاعِ فَنَشَأَ لِلشَّافِعِيَّةِ نَظَرٌ: هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا - أَيْ: شِدَّةُ الشَّبَقِ - حَتَّى يُعَدَّ صَاحِبُهُ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لِلصَّوْمِ أَوْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَنْ يَجِدُ رَقَبَةً لَا غِنَى بِهِ عَنْهَا، فَإِنَّهُ يَسُوغُ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى الصَّوْمِ مَعَ وُجُودِهَا لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ غَيْرِ الْوَاجِدِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مُرْسَلًا، أَنَّهُ قَالَ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ إِنِّي لَأَدَعُ الطَّعَامَ سَاعَةً فَمَا أُطِيقُ ذَلِكَ فَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَلَعَلَّهُ اعْتَلَّ بِالْأَمْرَيْنِ.

قَوْلُهُ: (فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا) زَادَ ابْنُ مُسَافِرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ إِطْعَامَ؟، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ: فَتُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا أَجِدُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ: أَفَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا وَذَكَرَ الْحَاجَةَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُشْبِعُ أَهْلِي. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: أَضَافَ الْإِطْعَامَ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ أَطْعِمْ إِلَى سِتِّينَ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي حَقِّ مَنْ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا، وَمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنَ النَّصِّ مَعْنًى يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ الْإِجْزَاءُ حَتَّى لَوْ أَطْعَمَ الْجَمِيعُ مِسْكِينًا وَاحِدًا فِي سِتِّينَ يَوْمًا كَفَى، وَالْمُرَادُ بِالْإِطْعَامِ الْإِعْطَاءُ لَا اشْتِرَاطُ حَقِيقَةِ الْإِطْعَامِ مِنْ وَضْعِ الْمَطْعُومِ فِي الْفَمِ، بَلْ يَكْفِي الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي إِطْلَاقِ الْإِطْعَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِوُجُودِ الْإِطْعَامِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ مُنَاوَلَةٍ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْفَرْضِ، فَإِنَّ فِيهَا النَّصَّ عَلَى الْإِيتَاءِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، فَإِنَّ فِيهَا النَّصَّ عَلَى الْأَدَاءِ، وَفِي ذِكْرِ الْإِطْعَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ طَاعِمِينَ فَيَخْرُجُ الطِّفْلُ الَّذِي لَمْ يَطْعَمْ كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ، وَنَظَرَ الشَّافِعِيُّ إِلَى النَّوْعِ فَقَالَ: يُسَلَّمُ لِوَلِيِّهِ، وَذَكَرَ السِّتِّينَ لِيُفْهَمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَا زَادَ عَلَيْهَا، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ تَمَسَّكَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ.

وَذُكِرَ فِي حِكْمَةِ هَذِهِ الْخِصَالِ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الصَّوْمِ بِالْجِمَاعِ فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ بِالْمَعْصِيَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً فَيَفْدِيَ نَفْسَهُ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ. وَأَمَّا الصِّيَامُ فَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُقَاصَّةِ بِجِنْسِ الْجِنَايَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ شَهْرَيْنِ فَلِأَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِمُصَابَرَةِ النَّفْسِ فِي حِفْظِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى الْوَلَاءِ فَلَمَّا أَفْسَدَ مِنْهُ يَوْمًا كَانَ كَمَنْ أَفْسَدَ الشَّهْرَ كُلَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ بِالنَّوْعِ فَكُلِّفَ بِشَهْرَيْنِ مُضَاعَفَةً عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ لِنَقِيضِ قَصْدِهِ.

وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُقَابَلَةُ كُلِّ يَوْمٍ بِإِطْعَامِ مِسْكَيْنٍ. ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ جَامِعَةٌ؛ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَهُوَ الصَّوْمُ، وَحَقِّ الْأَحْرَارِ بِالْإِطْعَامِ، وَحَقِّ الْأَرِقَّاءِ بِالْإِعْتَاقِ، وَحَقِّ الْجَانِي بِثَوَابِ الِامْتِثَالِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ خِلَافًا لِمَنْ شَذَّ فَقَالَ: لَا تَجِبُ مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا سَقَطَ بِالْإِعْسَارِ، وَتُعُقِّبَ بِمَنْعِ الْإِسْقَاطِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ بَابِ الصَّائِمُ يُصْبِحُ جُنُبًا نَقْلُ الْخِلَافِ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِالْقُبْلَةِ وَالنَّظَرِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْإِنْعَاظِ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يُلْحَقُ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ كُلُّ وَطْءٍ فِي أَيِّ فَرْجٍ كَانَ؟ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَرَيَانِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكَفَّارَةِ. وَوَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَعْرِفُ مَالِكٌ غَيْرَ الْإِطْعَامِ وَلَا يَأْخُذُ بِعِتْقٍ وَلَا صِيَامٍ.

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهِيَ مُعْضِلَةٌ لَا يَهْتَدِي إِلَى تَوْجِيهِهَا مَعَ مُصَادَمَةِ

الْحَدِيثِ الثَّابِتِ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَمَلَ هَذَا اللَّفْظَ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فِي تَقْدِيمِ الطَّعَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْخِصَالِ، وَوَجَّهُوا تَرْجِيحَ الطَّعَامِ عَلَى غَيْرِهِ بِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَهُ فِي الْقُرْآنِ رُخْصَةً لِلْقَادِرِ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا الْحُكْمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَسْخُ الْفَضِيلَةِ فَيَتَرَجَّحُ الْإِطْعَامُ أَيْضًا لِاخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُ فِي حَقِّ الْمُفْطِرِ بِالْعُذْرِ، وَكَذَا أَخْبَرَ بِأَنَّهُ فِي حَقِّ مَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ، وَلِمُنَاسَبَةِ إِيجَابِ الْإِطْعَامِ لِجَبْرِ فَوَاتِ الصِّيَامِ الَّذِي هُوَ إِمْسَاكٌ عَنِ الطَّعَامِ، وَلِشُمُولِ نَفْعِهِ لِلْمَسَاكِينِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا تُقَاوِمُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ تَقْدِيمِ الْعِتْقِ عَلَى الصِّيَامِ ثُمَّ الْإِطْعَامِ سَوَاءٌ قُلْنَا: الْكَفَّارَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ أَوِ التَّخْيِيرِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْبُدَاءَةَ إِنْ لَمْ تَقْتَضِ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَقْتَضِيَ اسْتِحْبَابَهُ.

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ سِوَى الْإِطْعَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ قَبْلُ، وَأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ذِكْرُ الْعِتْقِ أَيْضًا. وَمِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَنْ وَافَقَ عَلَى هَذَا الِاسْتِحْبَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْكَفَّارَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ: فَفِي وَقْتِ الشِّدَّةِ يَكُونُ بِالْإِطْعَامِ، وَفِي غَيْرِهَا يَكُونُ بِالْعِتْقِ أَوِ الصَّوْمِ، وَنَقَلُوهُ عَنْ مُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْإِفْطَارُ بِالْجِمَاعِ يُكَفَّرُ بِالْخِصَالِ الثَّلَاثِ، وَبِغَيْرِهِ لَا يُكَفَّرُ إِلَّا بِالْإِطْعَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُصْعَبٍ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالصَّوْمِ وَلَا يُطْعِمُ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمَا، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِغَيْرِ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ فِي الْكَفَّارَةِ.

وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ إِهْدَاءُ الْبَدَنَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّقَبَةِ، وَرُبَّمَا أَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِإِلْحَاقِ إِفْسَادِ الصِّيَامِ بِإِفْسَادِ الْحَجِّ، وَوَرَدَ ذِكْرُ الْبَدَنَةِ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ مَعَ إِرْسَالِهِ قَدْ رَدَّهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَكَذَبَ مَنْ نَقَلَهُ عَنْهُ كَمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مَا حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْكَ فِي الَّذِي وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ يُعْتِقُ رَقَبَةً أَوْ يُهْدِي بَدَنَةً؟ فَقَالَ: كَذَبَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ، وَتَابَعَهُ هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ عَطَاءً لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ، فَقَدْ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْصُولًا، ثُمَّ سَاقَهُ بِإِسْنَادِهِ لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَلَيْثٌ ضَعِيفٌ وَقَدِ اضْطَرَبَ فِي رِوَايَتِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ الْكَفَّارَةَ بِالْخِصَالِ الثَّلَاثِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لِأَنَّ النَّبِيَّ نَقَلَهُ مِنْ أَمْرٍ بَعْدَ عَدَمِهِ لِأَمْرٍ آخَرَ، وَلَيْسَ هَذَا شَأْنَ التَّخْيِيرِ، وَنَازَعَ عِيَاضٌ فِي ظُهُورِ دَلَالَةِ التَّرْتِيبِ فِي السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ مِثْلَ هَذَا السُّؤَالِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَقَرَّرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ بِأَنَّ شَخْصًا لَوْ حَنِثَ فَاسْتَفْتَى فَقَالَ لَهُ الْمُفْتِي: أَعْتِقْ رَقَبَةً. فَقَالَ: لَا أَجِدُ. فَقَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَخْ، لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِحَقِيقَةِ التَّخْيِيرِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ إِرْشَادَهُ إِلَى الْعِتْقِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ لِتَنْجِيزِ الْكَفَّارَةِ.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: تَرْتِيبُ الثَّانِي بِالْفَاءِ عَلَى فَقْدِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ الثَّالِثِ بِالْفَاءِ عَلَى فَقْدِ الثَّانِي يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّخْيِيرِ مَعَ كَوْنِهَا فِي مَعْرِضِ الْبَيَانِ وَجَوَابِ السُّؤَالِ، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ لِلْحُكْمِ، وَسَلَكَ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ مَسْلَكَ التَّرْجِيحِ بِأَنَّ الَّذِينَ رَوَوُا التَّرْتِيبَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَكْثَرُ مِمَّنْ رَوَى التَّخْيِيرَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الَّذِينَ رَوَوُا التَّرْتِيبَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالَّذِينَ رَوَوُا التَّخْيِيرَ مَالِكٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَفُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، فَالَّذِينَ رَوَوُا التَّرْتِيبَ فِي الْبُخَارِيِّ الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ أَيْضًا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَمَنْصُورٌ، وَرِوَايَةُ هَذَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ الَّذِي نَشْرَحُهُ وَفِي الَّذِي يَلِيهِ، فَكَيْفَ غَفَلَ ابْنُ التِّينِ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَنْظُرُ فِيهِ؟ بَلْ رَوَى التَّرْتِيبَ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ تَمَامُ ثَلَاثِينَ نَفْسًا أَوْ أَزْيَدَ، وَرُجِّحَ التَّرْتِيبُ أَيْضًا بِأَنْ رَاوِيَهُ حَكَى لَفْظَ الْقِصَّةِ

عَلَى وَجْهِهَا فَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ مِنْ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ، وَرَاوِي التَّخْيِيرِ حَكَى لَفْظَ رَاوِي الْحَدِيثِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ بَعْضِ الرُّوَاةِ إِمَّا لِقَصْدِ الِاخْتِصَارِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ.

وَيَتَرَجَّحُ التَّرْتِيبُ أَيْضًا بِأَنَّهُ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِهِ مُجْزِئٌ سَوَاءٌ قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ أَوْ لَا بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ كَالْمُهَلَّبِ، وَالْقُرْطُبِيِّ بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّدِ وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَالْمَخْرَجُ مُتَّحِدٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَ التَّرْتِيبَ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ وَالتَّخْيِيرَ عَلَى الْجَوَازِ، وَعَكَسَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: أَوْ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّفْسِيرِ وَالتَّقْدِيرِ، أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْعِتْقِ أَوْ يُطْعِمَ إِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ سَبَبَ إِتْيَانِ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِالتَّخْيِيرِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: فَصَارَتِ الْكَفَّارَةُ إِلَى عِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ أَوِ الْإِطْعَامِ. قَالَ: فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُخْتَصَرًا مُقْتَصَرًا عَلَى مَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ آلَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ، قَالَ: وَقَدْ قَصَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْقِصَّةَ عَلَى وَجْهِهَا ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِهِ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ إِلَى قَوْلِهِ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ قَالَ: فَصَارَتِ الْكَفَّارَةُ إِلَى عِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَصَارَتْ سُنَّةً: عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ، أَوْ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.

قَوْلُهُ: (فَمَكَثَ عِنْدَ النَّبِيِّ كَذَا هُنَا بِالْمِيمِ وَالْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ - وَيَجُوزُ ضَمُّهَا - وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ فَسَكَتَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْمُثَنَّاةِ، وَكَذَا ابْنُ مُسَافِرٍ، وَابْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : اجْلِسْ. فَجَلَسَ.

قَوْلُهُ: (فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ كَذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ أَمْرِهِ لَهُ بِالْجُلُوسِ انْتِظَارَ مَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي حَقِّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيُؤْتَى بِشَيْءٍ يُعِينُهُ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَسْقَطَ عَنْهُ الْكَفَّارَةَ بِالْعَجْزِ. وَهَذَا الثَّالِثُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ مَا عَادَتْ عَلَيْهِ حَيْثُ أَمَرَهُ بِهَا بَعْدَ إِعْطَائِهِ إِيَّاهُ الْمِكْتَلَ.

قَوْلُهُ: (أُتِيَ النَّبِيُّ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَهُوَ جَوَابُ بَيْنَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا، فَقَالَ فِيهَا: إِذْ أُتِيَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ، وَالْآتِي الْمَذْكُورُ لَمْ يُسَمَّ لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَفَّارَاتِ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَلِيفًا لِلْأَنْصَارِ أَوْ إِطْلَاقِ الْأَنْصَارِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، وَإِلَّا فَرِوَايَةُ الصَّحِيحِ أَصَحُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَجَاءَ رَجُلٌ بِصَدَقَتِهِ يَحْمِلُهَا وَفِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِتَمْرٍ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ.

قَوْلُهُ: (بِعَرَقٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ - يَعْنِي: الْقَابِسِيَّ - بِإِسْكَانِ الرَّاءِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: أَنْكَرَ بَعْضُهُمُ الْإِسْكَانَ؛ لِأَنَّ الَّذِي بِالْإِسْكَانِ هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي عَلَيْهِ اللَّحْمُ. قُلْتُ: إِنْ كَانَ الْإِنْكَارُ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ مَعَ الْعَظْمِ فَلْيُنْكَرِ الْفَتْحُ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِكُ مَعَ الْمَاءِ الَّذِي يَتَحَلَّبُ مِنَ الْجَسَدِ، نَعَمِ الرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ الْفَتْحُ، وَمِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّ الْإِسْكَانَ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ، بَلْ أَثْبَتَهُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ كَالْقَزَّازِ.

قَوْلُهُ: (وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا لَامٌ، زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ: الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ. قَالَ الْأَخْفَشُ: سُمِّيَ الْمِكْتَلُ عَرَقًا؛ لِأَنَّهُ يُضَفَّرُ عِرْقَةً عِرْقَةً جَمْعٌ فَالْعَرَقُ جَمْعُ عِرْقَةٍ كَعَلَقٍ وَعِلْقَةٍ، وَالْعِرْقَةُ الضَّفِيرَةُ مِنَ الْخُوصِ.

وَقَوْلُهُ: وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ، وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ الصَّحَابِيُّ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ الزُّهْرِيُّ، وَفِي

رِوَايَةِ مَنْصُورٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ وَهُوَ الزَّبِيلُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ فَأُتِيَ بِزَبِيلٍ وَهُوَ الْمِكْتَلُ وَالزَّبِيلُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ لَامٌ بِوَزْنِ رَغِيفٍ هُوَ الْمِكْتَلُ، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: يُسَمَّى زَبِيلًا لِحَمْلِ الزِّبْلِ فِيهِ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى زِنْبِيلٌ، بِكَسْرِ الزَّايِ أَوَّلَهُ وَزِيَادَةِ نُونٍ سَاكِنَةٍ، وَقَدْ تُدْغَمُ النُّونُ فَتُشَدَّدُ الْبَاءُ مَعَ بَقَاءِ وَزْنِهِ، وَجَمْعُهُ عَلَى اللُّغَاتِ الثَّلَاثِ زَنَابِيلُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَجَاءَهُ عَرَقَانِ وَالْمَشْهُورُ فِي غَيْرِهَا عَرَقٌ وَرَجَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَجَمَعَ غَيْرُهُ بَيْنَهُمَا بِتَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ، وَهُوَ جَمْعٌ لَا نَرْضَاهُ لِاتِّحَادِ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّمْرَ كَانَ قَدْرَ عَرَقٍ، لَكِنَّهُ كَانَ فِي عَرَقَيْنِ فِي حَالِ التَّحْمِيلِ عَلَى الدَّابَّةِ لِيَكُونَ أَسْهَلَ فِي الْحَمْلِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْآتِيَ بِهِ لَمَّا وَصَلَ أَفْرَغَ أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ، فَمَنْ قَالَ: عَرَقَانِ أَرَادَ ابْتِدَاءَ الْحَالِ، وَمَنْ قَالَ: عَرَقٌ، أَرَادَ مَا آلَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (أَيْنَ السَّائِلُ؟) زَادَ ابْنُ مُسَافِرٍ: آنِفًا أَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ مُتَضَمَّنٌ لِلسُّؤَالِ، فَإِنَّ مُرَادَهُ: هَلَكْتُ فَمَا يُنْجِينِي وَمَا يُخَلِّصُنِي مَثَلًا، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفًا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ، وَلَمْ يُعَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِقْدَارَ مَا فِي الْمِكْتَلِ مِنَ التَّمْرِ بَلْ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَفِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ، عَنْ سُفْيَانَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةِ مِهْرَانَ بْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ عِشْرُونَ وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَفِي مُرْسَلِهِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ الْجَزْمُ بِعِشْرِينَ صَاعًا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَوْلُهُ: عِشْرُونَ صَاعًا بَلَاغٌ بَلَغَ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ يَعْنِي: بَعْضَ رُوَاتِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فَحُدِّثْتُ بَعْدُ أَنَّهُ كَانَ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.

قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرِهِ عِنْدَ مُسَدَّدٍ فَأَمَرَ لَهُ بِبَعْضِهِ وَهَذَا يَجْمَعُ الرِّوَايَاتِ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ عِشْرِينَ أَرَادَ أَصْلَ مَا كَانَ فِيهِ، وَمَنْ قَالَ: خَمْسَةَ عَشَرَ أَرَادَ قَدْرَ مَا تَقَعُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ: تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ وَفِيهِ: فَأُتِيَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا فَقَالَ: أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْكُوفِيِّينَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ وَاجِبَهُ مِنَ الْقَمْحِ ثَلَاثُونَ صَاعًا، وَمِنْ غَيْرِهِ سِتُّونَ صَاعًا، وَلِقَوْلِ عَطَاءٍ: إِنْ أَفْطَرَ بِالْأَكْلِ أَطْعَمَ عِشْرِينَ صَاعًا، وَعَلَى أَشْهَبَ فِي قَوْلِهِ: لَوْ غَدَّاهُمْ أَوْ عَشَّاهُمْ كُفِيَ تَصَدُّقَ الْإِطْعَامِ، وَلِقَوْلِ الْحَسَنِ: يُطْعِمُ أَرْبَعِينَ مِسْكِينًا عِشْرِينَ صَاعًا، أَوْ بِالْجِمَاعِ أَطْعَمَ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْجَوْهَرِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْمِكْتَلُ يُشْبِهُ الزَّبِيلَ يَسْعَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَا حَصْرَ فِي ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ عِشْرِينَ، وَلَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْخَاصَّةِ فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ مِهْرَانَ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حَصْرَ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ أَنَّهُ: أُتِيَ بِمِكْتَلِ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: تَصَدَّقْ بِعِشْرِينَ صَاعًا أَوْ بِتِسْعَ عَشْرَةَ، أَوْ بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّكِّ، وَلِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ، وَفِي الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَجَاءَهُ عَرَقَانِ فِيهِمَا طَعَامٌ وَوَجْهُهُ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ، وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنْ نَفْسِكَ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مَنْصُورٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ: أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ وَنَحْوُهُ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ ابنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْهُ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ،

وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَحْنُ نَتَصَدَّقُ بِهِ عَنْكَ وَاسْتُدِلَّ بِإِفْرَادِهِ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ دُونَ الْمَوْطُوءَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُرَاجَعَةِ: هَلْ تَسْتَطِيعُ وَهَلْ تَجِدُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَيْضًا عَلَى اخْتِلَافٍ وَتَفَاصِيلَ لَهُمْ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَالْمُطَاوِعَةِ وَالْمُكْرَهَةِ، وَهَلْ هِيَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الرَّجُلِ عَنْهَا، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّةُ بِسُكُوتِهِ عَنْ إِعْلَامِ الْمَرْأَةِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَعَ الْحَاجَةِ، وَأُجِيبُ بِمَنْعِ وُجُودِ الْحَاجَةِ إِذْ ذَاكَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِفْ وَلَمْ تَسْأَلْ، وَاعْتِرَافُ الزَّوْجِ عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ عَلَيْهَا حُكْمًا مَا لَمْ تَعْتَرِفْ، وَبِأَنَّهَا قَضِيَّةُ حَالٍ، فَالسُّكُوتُ عَنْهَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ لَمْ تَكُنْ صَائِمَةً لِعُذْرٍ مِنَ الْأَعْذَارِ. ثُمَّ إِنَّ بَيَانَ الْحُكْمِ لِلرَّجُلِ بَيَانٌ فِي حَقِّهَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي تَحْرِيمِ الْفِطْرِ وَانْتَهَاكِ حُرْمَةِ الصَّوْمِ كَمَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْغُسْلِ.

وَالتَّنْصِيصُ عَلَى الْحُكْمِ فِي حَقِّ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ كَافٍ عَنْ ذِكْرِهِ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ السُّكُوتِ عَنْ حُكْمِ الْمَرْأَةِ مَا عَرَفَهُ مِنْ كَلَامِ زَوْجِهَا بِأَنَّهَا لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى شَيْءٍ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ هَلْ هِيَ عَلَى الرَّجُلِ وَحْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطْ، أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا، أَوْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ عَنْهُ وَعَنْهَا، أَوْ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَلَيْهَا عَنْهَا، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَاكِتٌ عَنِ الْمَرْأَةِ فَيُؤْخَذُ حُكْمُهَا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ السُّكُوتِ أَنَّهَا كَانَتْ غَيْرَ صَائِمَةٍ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ: هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ وَهِيَ زِيَادَةٌ فِيهَا مَقَالٌ، فَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي قَوْلِهِ: وَأَهْلَكْتُ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ أَكْرَهَهَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُهْلِكًا لَهَا.

قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ، بَلْ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَأَهْلَكْتُ إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: هَلَكْتُ أَثِمْتُ وَأَهْلَكْتُ، أَيْ: كُنْتُ سَبَبًا فِي تَأْثِيمِ مَنْ طَاوَعَتْنِي فَوَاقَعَهَا إِذْ لَا رَيْبَ فِي حُصُولِ الْإِثْمِ عَلَى الْمُطَاوِعَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِثْبَاتُ الْكَفَّارَةِ وَلَا نَفْيُهَا، أَوِ الْمَعْنَى: هَلَكْتُ، أَيْ: حَيْثُ وَقَعْتُ فِي شَيْءٍ لَا أَقْدِرُ عَلَى كَفَّارَتِهِ، وَأَهْلَكْتُ أَيْ: نَفْسِي بِفِعْلِي الَّذِي جَرَّ عَلَيَّ الْإِثْمَ، وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ لِلْحَاكِمِ فِي بُطْلَانِهَا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، وَمُحَصَّلُ الْقَوْلِ فِيهَا أَنَّهَا وَرَدَتْ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، أَمَّا الْأَوْزَاعِيُّ فَتَفَرَّدَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رَوَاهُ جَمِيعُ أَصْحَابِ الْأَوْزَاعِيِّ بِدُونِهَا، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الرُّوَاةِ عَنِ الْوَلِيدِ، وَعُقْبَةَ، وَعُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ كَانَ حَافِظًا مُكْثِرًا، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ عَمِيَ، فَلَعَلَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ عَنْهُ بِدُونِهَا، وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهَا مَا رَوَاهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ، قَالَ: عَلَيْهِمَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا الصِّيَامَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنِ اسْتَكْرَهَهَا؟ قَالَ: عَلَيْهِ الصِّيَامُ وَحْدَهُ.

وَأَمَّا ابْنُ عُيَيْنَةَ فَتَفَرَّدَ بِهَا أَبُو ثَوْرٍ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ عَنْهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُعَلَّى لَيْسَ بِذَاكَ الْحَافِظِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَحَدًا طَعَنَ فِي الْمُعَلَّى، وَغَفَلَ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: إِنَّهُ كَانَ يُخْطِئُ كُلَّ يَوْمٍ فِي حَدِيثَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَلَعَلَّهُ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ بِهَذَا فَوَهَمَ. وَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ: وَقَفْتُ عَلَى كِتَابِ الصِّيَامِ لِلْمُعَلَّى بِخَطٍّ مَوْثُوقٍ بِهِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِيهِ، وَزَعَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الدَّارَقطْنِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ أَيْضًا، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ فَإِنَّ الدَّارَقطْنِيَّ لَمْ يُخْرِجْ طَرِيقَ عُقَيْلٍ فِي السُّنَنِ، وَقَدْ سَاقَهُ فِي الْعِلَلِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِدُونِهَا.

(تَنْبِيهٌ): الْقَائِلُ بِوُجُوبِ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الزَّوْجِ عَنْهُ وَعَنْ مَوْطُوءَتِهِ يَقُولُ: يُعْتَبَرُ حَالُهُمَا، فَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ أَجْزَأَتْ رَقَبَةٌ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْإِطْعَامِ أَطْعَمَ مَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ صَامَا

جَمِيعًا، فَإِنِ اخْتَلَفَ حَالُهُمَا فَفِيهِ تَفْرِيعٌ مَحَلُّهُ كُتُبُ الْفُرُوعِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ الرَّجُلُ عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي) أَيْ: أَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى شَخْصٍ أَفْقَرَ مِنِّي؟ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ فَهِمَ الْإِذْنَ لَهُ فِي التَّصَدُّقِ عَلَى مَنْ يَتَّصِفُ بِالْفَقْرِ، وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ ذَلِكَ فَزَادَ فِيهِ إِلَى مَنْ أَدْفَعُهُ؟ قَالَ: إِلَى أَفْقَرَ مَنْ تَعْلَمُ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِي؟ وَلِابْنِ مُسَافِرٍ: أَعَلَى أَهْلِ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنِّي؟ وَلِلْأَوْزَاعِيِّ أَعَلَى غَيْرِ أَهْلِي؟ وَلِمَنْصُورٍ أَعَلَى أَحْوَجَ مِنَّا وَلِابْنِ إِسْحَاقَ: وَهَلِ الصَّدَقَةُ إِلَّا لِي وَعَلَيَّ؟

قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) تَثْنِيَةُ لَابَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ، وَالضَّمِيرُ لِلْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ: يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ رُوَاتِهِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرٍ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ: مَا بَيْنَ حَرَّتَيْهَا وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ الْآتِيَةِ فِي الْأَدَبِ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَيْنَ طُنُبَيِ الْمَدِينَةِ تَثْنِيَةُ طُنُبٍ - وَهُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ - وَالطُّنُبُ أَحَدُ أَطْنَابِ الْخَيْمَةِ، فَاسْتَعَارَهُ لِلطَّرَفِ.

قَوْلُهُ: (أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي) زَادَ يُونُسُ: مِنِّي وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: أَفْقَرَ مِنَّا وَأَفْقَرَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ مَا النَّافِيَةِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى لُغَةِ تَمِيمٍ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: مَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهِ مِنْ أَهْلِي، مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ إِلَيْهِ مِنِّي وَفِي أَحَقَّ وَأَحْوَجَ مَا فِي أَفْقَرَ. وَفِي مُرْسَلِ سَعِيدٍ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُدَ عَنْهُ: وَاللَّهِ مَا لِعِيَالِي مِنْ طَعَامٍ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: مَا لَنَا عَشَاءُ لَيْلَةٍ.

قَوْلُهُ: (فَضَحِكَ النَّبِيُّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَلِأَبِي قُرَّةَ فِي السُّنَنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ وَلَعَلَّهَا تَصْحِيفٌ مِنْ أَنْيَابِهِ؛ فَإِنَّ الثَّنَايَا تَبِينُ بِالتَّبَسُّمِ غَالِبًا، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ إِرَادَةُ الزِّيَادَةِ عَلَى التَّبَسُّمِ، وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ فِي صِفَتِهِ أَنَّ ضَحِكَهُ كَانَ تَبَسُّمًا عَلَى غَالِبِ أَحْوَالِهِ، وَقِيلَ: كَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا فِي أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا لَمْ يَزِدْ عَلَى التَّبَسُّمِ، قِيلَ: وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ تُعَكِّرُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ سَبَبَ ضَحِكِهِ كَانَ مِنْ تَبَايُنِ حَالِ الرَّجُلِ حَيْثُ جَاءَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ رَاغِبًا فِي فَدَائِهَا مَهْمَا أَمْكَنَهُ، فَلَمَّا وَجَدَ الرُّخْصَةَ طَمِعَ فِي أَنْ يَأْكُلَ مَا أُعْطِيَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ، وَقِيلَ: ضَحِكَ مِنْ حَالِ الرَّجُلِ فِي مَقَاطِعِ كَلَامِهِ وَحُسْنِ تَأَتِّيهِ وَتَلَطُّفِهِ فِي الْخِطَابِ وَحُسْنِ تَوَسُّلِهِ فِي تَوَصُّلِهِ إِلَى مَقْصُودِهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عُيَيْنَةَ فِي الْكَفَّارَاتِ: أَطْعِمْهُ عِيَالَكَ وَلِإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فَأَنْتُمْ إِذًا وَقَدَّمَ عَلَى ذَلِكَ ذِكْرَ الضَّحِكِ، وَلِأَبِي قُرَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ثُمَّ قَالَ: كُلْهُ وَنَحْوُهُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعِرَاكٍ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَلَفْظُهُ: خُذْهَا وَكُلْهَا وَأَنْفِقْهَا عَلَى عِيَالِكَ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَحَجَّاجٍ، وَهِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: عُدْ بِهِ عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِكَ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: تَبَايَنَتْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمَذَاهِبُ فَقِيلَ: إِنَّهُ دَلَّ عَلَى سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِالْإِعْسَارِ الْمُقَارِنِ لِوُجُوبِهَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تُصْرَفُ إِلَى النَّفْسِ وَلَا إِلَى الْعِيَالِ، وَلَمْ يُبَيِّنِ النَّبِيُّ اسْتِقْرَارَهَا فِي ذِمَّتِهِ إِلَى حِينِ يَسَارِهِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ، وَجَزَمَ بِهِ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا يَعُودُ.

وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ حَيْثُ تَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ الْمُقَارِنِ لِسَبَبِ وُجُوبِهَا وَهُوَ هِلَالُ الْفِطْرِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ لَهَا أَمَدٌ تَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَكَفَّارَةَ الْجِمَاعِ لَا أَمَدَ لَهَا فَتَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِهَا بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِهَا عَلَى الْعَاجِزِ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بِالْإِعْسَارِ، وَالَّذِي أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْكَفَّارَةِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: هُوَ خَاصٌّ بِهَذَا الرَّجُلِ، وَإِلَى هَذَا نَحَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْسُوخٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ قَائِلُهُ نَاسِخَهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ الَّذِينَ أُمِرَ بِصَرْفِهَا إِلَيْهِمْ

مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَضُعِّفَ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي فِيهَا عِيَالُكَ، وَبِالرِّوَايَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي الْأَكْلِ مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ عَاجِزًا عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ الْكَفَّارَةَ لَهُمْ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَهُوَ الَّذِي حَمَلَ أَصْحَابَ الْأَقْوَالِ الْمَاضِيَةِ عَلَى مَا قَالُوهُ بِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَأْكُلُ مِنْ كَفَّارَةِ نَفْسِهِ.

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُجْعَلَ الْإِعْطَاءُ لَا عَلَى جِهَةِ الْكَفَّارَةِ بَلْ عَلَى جِهَةِ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ لِمَا ظَهَرَ مِنْ حَاجَتِهِمْ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَمْ تَسْقُطْ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَيْسَ اسْتِقْرَارُهَا فِي ذِمَّتِهِ مَأْخُوذًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. وَأَمَّا مَا اعْتَلُّوا بِهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْوُجُوبِ قَدْ تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَرِدْ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِسْقَاطِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِعَجْزِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِإِخْرَاجِ الْعَرَقِ دَلَّ عَلَى أَنْ لَا سُقُوطَ عَنِ الْعَاجِزِ، وَلَعَلَّهُ أَخَّرَ الْبَيَانَ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ اهـ.

وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ أَوْ عَلَى إِجْزَائِهَا عَنْهُ بِإِنْفَاقِهِ إِيَّاهَا عَلَى عِيَالِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ: وَكُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُكَ فَقَدْ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْكَ وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ لَمْ يَقْبِضْهُ بَلِ اعْتَذَرَ بِأَنَّهُ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ فَأَذِنَ لَهُ حِينَئِذٍ فِي أَكْلِهِ، فَلَوْ كَانَ قَبَضَهُ لَمَلَكَهُ مِلْكًا مَشْرُوطًا بِصِفَةٍ وَهُوَ إِخْرَاجُهُ عَنْهُ فِي كَفَّارَتِهِ فَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِي التَّمْلِيكِ الْمُقَيَّدِ بِشَرْطٍ، لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقْبِضْهُ، لَمْ يَمْلِكْهُ، فَلَمَّا أَذِنَ لَهُ فِي إِطْعَامِهِ لِأَهْلِهِ وَأَكْلِهِ مِنْهُ كَانَ تَمْلِيكًا مُطْلَقًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى أَهْلِهِ، وَأَخْذُهُمْ إِيَّاهُ بِصِفَةِ الْفَقْرِ الْمَشْرُوحَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ، وَتَصَرُّفُ النَّبِيِّ فِيهِ تَصَرُّفُ الْإِمَامِ فِي إِخْرَاجِ مَالِ الصَّدَقَةِ، وَاحْتُمِلَ أَنَّهُ كَانَ تَمْلِيكًا بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ وَمِنْ ثَمَّ نَشَأَ الْإِشْكَالُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ إِسْقَاطٌ وَلَا أَكْلُ الْمَرْءِ مِنْ كَفَّارَةِ نَفْسِهِ وَلَا إِنْفَاقِهِ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ مِنْ كَفَّارَةِ نَفْسِهِ.

وَأَمَّا تَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ الْبَابَ الَّذِي يَلِيهِ بَابٌ: الْمُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِمَا تَضْمَنَّهُ حُكْمُ التَّرْجَمَةِ. وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِإِتْيَانِهِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِعْطَاءِ الصَّدَقَةِ جَمِيعِهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ هُوَ جَمِيعُ مَا يَجِبُ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَحْضَرَ التَّمْرَ، وَعَلَى سُقُوطِ قَضَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْسَدَهُ الْمُجَامِعُ اكْتِفَاءً بِالْكَفَّارَةِ، إِذْ لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِقَضَائِهِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ يَقْضِي إِنْ كَفَّرَ بِغَيْرِ الصَّوْمِ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِسْقَاطُ الْقَضَاءِ لَا يُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ إِذْ لَا كَلَامَ فِي الْقَضَاءِ لِكَوْنِهِ أَفْسَدَ الْعِبَادَةَ وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَإِنَّمَا هِيَ لِمَا اقْتَرَفَ مِنَ الْإِثْمِ، قَالَ: وَأَمَّا كَلَامُ الْأَوْزَاعِيِّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

قُلْتُ: وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ، وَعَبْدِ الْجَبَّارِ، وَهِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَحَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَفْسِهِ بِغَيْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَحَدِيثُ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِدُونِهَا، وَوَقَعَتِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الطُّرُقِ تَعْرِفُ أَنَّ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَصْلًا، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: صُمْ يَوْمًا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْفَوْرِيَّةِ لِلتَّنْكِيرِ فِي قَوْلِهِ: يَوْمًا.

وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ - غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ - السُّؤَالُ عَنْ حُكْمِ مَا يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ، وَالتَّحَدُّثُ بِذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ، وَاسْتِعْمَالُ الْكِنَايَةِ فِيمَا يُسْتَقْبَحُ ظُهُورُهُ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ لِقَوْلِهِ: وَاقَعْتُ أَوْ أَصَبْتُ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَطِئْتُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ. وَفِيهِ الرِّفْقُ بِالْمُتَعَلِّمِ وَالتَّلَطُّفُ فِي التَّعْلِيمِ وَالتَّأَلُّفُ عَلَى الدِّينِ، وَالنَّدَمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَاسْتِشْعَارُ الْخَوْفِ. وَفِيهِ الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

حفظها أبو هريرة وقصَّها على وجهها، وأوردها بعض الرُّواة مختصرةً عن عائشة، وقد رواها (١) عبد الرَّحمن بن الحارث بتمامها كما تقدَّم، ومن حفظ حجَّةٌ على من لم يحفظ.

وفي هذا الحديث (٢): التَّحديث والإخبار والسَّماع، وأربعةٌ من التَّابعين: يحيى وعبد الرَّحمن ومحمَّد بن جعفرٍ وعبَّادٌ، وأخرجه أيضًا في «المحاربين» [خ¦٦٨٢٢]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا جَامَعَ) الصَّائم (فِي) نهار شهر (رَمَضَانَ وَ) الحال أنَّه (لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ) يعتق به، ولا يستطيع الصَّوم، ولا شيءٌ يتصدَّق به (فَتُصُدِّقَ عَلَيهِ) بقدر ما يجزئه (فَلْيُكَفِّرْ) به لأنَّه صار واجدًا.

١٩٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو (٣) ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ) ولأبي الوقت -كما

في الفرع، ونسبها في «فتح الباري» للكُشْمِيْهَنِيِّ-: «مع» (النَّبِيِّ (١) ) وقوله: «بينما» بالميم، وتُضَاف إلى الجملة الاسميَّة والفعليَّة، وتحتاج إلى جوابٍ يتمُّ به المعنى، والأفصح في جوابها ألَّا يكون فيه «إذ» و «إذا»، ولكن كثر مجيئها كذلك، ومنه قوله هنا: (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ) سبق في الباب قبله [خ¦١٩٣٥] أنَّه قيل: إنَّه (٢) سلمة بن صخرٍ، أو سلمان بن صخرٍ، أو أعرابيٌّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَلَكْتُ) وفي بعض طرق هذا الحديث: هلكت وأهلكت، أي: فعلت ما هو سببٌ لهلاكي (٣) وهلاك غيري، وهو (٤) زوجته التي وطئها (قَالَ) له: (مَا لَكَ؟) بفتح اللَّام، و «ما»: استفهاميَّةٌ، محلُّها رفعٌ بالابتداء، أي: أيُّ شيءٍ كائنٌ لك أو حاصلٌ لك، ولابن أبي حفصة عند أحمد: «وما الذي أهلكك؟» وفي رواية عقيلٍ عند ابن خزيمة: «ويحك؛ ما شأنك؟» (٥) (قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي) وفي رواية ابن إسحاق عند البزَّار: أصبت أهلي، وفي حديث عائشة: وطئت امرأتي (وَأَنَا) أي: والحال أنِّي (صَائِمٌ) قال في «فتح الباري»: يُؤخَذ منه: أنَّه لا يُشتَرط في إطلاق اسم المشتقِّ بقاء المعنى المشتقِّ منه حقيقةً لاستحالة كونه صائمًا مجامعًا في حالةٍ واحدةٍ، فعلى هذا قوله: «وطئت» أي: شرعت في الوطء، أو أراد: جامعت بعد إذ أنا صائمٌ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟) أي: تقدر، فالمراد: الوجود الشَّرعيُّ ليدخل فيه القدرة بالشِّراء (٦) ونحوه، ويخرج عنه مالك الرَّقبة المحتاج إليها بطريقٍ مُعتَبرٍ شرعًا، وفي رواية ابن أبي حفصة عند أحمد: «أتستطيع أن تعتق رقبةً؟» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد رقبةً، وفي رواية ابن إسحاق: ليس عندي، وفي رواية (٧) ابن مسافرٍ عند الطَّحاويِّ: فقال: لا والله يا رسول الله، وفي حديث ابن عمر: فقال: والذي بعثك بالحقِّ ما ملكت رقبةً قطُّ (قَالَ) : (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟

قَالَ: لَا) وفي حديث سعدٍ (١): قال: لا أقدر، وفي رواية ابن إسحاق عند البزَّار: «وهل لقيت ما لقيت إلَّا من الصِّيام؟!» (فَقَالَ) ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال»: (فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا) والمسكين مأخوذٌ من السُّكون لأنَّ المُعدَم ساكن الحال عن أمور الدُّنيا، والمراد بالمسكين هنا: أعمُّ من الفقير لأنَّ كلًّا منهما حيث أُفرِد يشمل الآخر، وإنَّما يفترقان عند اجتماعهما نحو: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] والخلاف في معناهما حينئذٍ معروفٌ، قال ابن دقيق العيد: قوله: «إطعام ستِّين مسكينًا» يدلُّ على وجوب إطعام هذا العدد لأنَّه أضاف الإطعام الذي هو مصدرُ «أطعم» إلى «ستِّين»، فلا يكون ذلك موجودًا في حقِّ من أطعم عشرين مسكينًا ثلاثة أيَّامٍ مثلًا، ومن أجاز ذلك فكأنَّه استنبط من النَّصِّ معنًى يعود عليه بالإبطال، والمشهور عن الحنفيَّة الإجزاء حتَّى لو أطعم الجميع مسكينًا واحدًا في ستِّين يومًا كفى. انتهى. وفي رواية ابن أبي حفصة: أفتستطيع أن تطعم ستِّين مسكينًا؟ وفي حديث ابن عمر: قال: والذي بعثك بالحقِّ ما أُشْبِع أهلي، والحكمة في ترتيب هذه الكفَّارة على ما ذُكِر أنَّ (٢) من انتهك حرمة الصَّوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبةً فيفدي نفسه، وقد صحَّ [خ¦٦٧١٥] «من أعتق رقبةً أعتق الله بكلِّ عضوٍ منها عضوًا منه من النَّار»، وأمَّا الصِّيام فإنَّه كالمقاصَّة بجنس الجناية، وكونه شهرين لأنَّه لمَّا أُمِرَ بمُصابرة النَّفس في حفظ كلِّ يومٍ من شهرٍ على الولاء، فلمَّا أفسد منه يومًا كان كمن أفسد الشَّهر كلَّه؛ من حيث إنَّه عبادةٌ واحدةٌ بالنَّوع، وكُلِّف بشهرين مضاعفةً على سبيل المقابلة لنقيض قصده، وأمَّا الإطعام فمناسبته ظاهرةٌ لأنَّه مقابلةُ كلِّ يومٍ بإطعام (٣) مسكينٍ، وإذا ثبتت هذه الخصال الثَّلاث في هذه الكفَّارة فهل هي على التَّرتيب أو على التَّخيير؟ قال البيضاويُّ: رتَّب الثَّاني بالفاء على فقد الأوَّل، ثمَّ الثَّالث بالفاء على فقد الثَّاني، فدلَّ على عدم التَّخيير مع كونها في معرض البيان وجواب السُّؤال، فينزل منزلة الشَّرط للحكم، وقال مالكٌ بالتَّخيير.

(قَالَ) أي (١): أبو هريرة: (فَمَكَُثَ) بضمِّ الكاف وفتحها (٢) (النَّبِيُّ ) وفي رواية ابن عيينة: فقال له النَّبيُّ : «اجلس»، قيل: وإنَّما أمره بالجلوس لانتظار الوحي في حقِّه، أو كان عرف أنَّه سيُؤتَى بشيءٍ يعينه به (فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ) وجواب «بينا» قوله: (أُتِيَ النَّبِيُّ ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولم يُسَمَّ الآتي، لكن عند المؤلِّف في «الكفَّارات» [خ¦٦٧١٠]: «فجاء رجلٌ من الأنصار» (بِعَرَقٍ) بفتح العين والرَّاء (فِيه تَمْرٌ) ولأبي ذرٍّ: «فيها» بالتَّأنيث على معنى القُفَّة، قال القاضي عياضٌ: المِكْتَل والقفَّة والزِّنبيل سواءٌ، وزاد ابن أبي حفصة: فيه خمسة عشر صاعًا، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: فأتى بعرقٍ فيه عشرون صاعًا، وفي مُرسَل عطاءٍ عند مُسدَّدٍ: فأَمَرَ له ببعضه، وهو يجمع بين الرِّوايات؛ فمن قال: عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال: خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفَّارة، قال أبو هريرة أو الزُّهريُّ أو غيره: (-وَالعَرَقُ: المِكْتَلُ-) بكسر الميم وفتح الفوقيَّة: الزِّنبيل الكبير يسع خمسة عشر صاعًا (قَالَ) ، ولابن عساكر: «فقال»: (أَيْنَ السَّائِلُ؟) زاد ابن مسافرٍ: آنفًا، وسمَّاه سائلًا لأنَّ كلامه متضمِّنٌ للسُّؤال، فإنَّ مراده: هلكت فما ينجيني؟ أو ما يخلِّصني مثلًا؟ (فَقَالَ) الرَّجل: (أَنَا، قَالَ: خُذْهَا) أي: القفَّة (فَتَصَدَّقْ بِهِ) أي: بالتَّمر الذي فيها، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «خذ هذا، فتصدَّق به» (فَقَالَ الرَّجُلُ): أتصدَّق به (٣) (أَعَلَى) شخصٍ (أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟!) بالاستفهام التَّعجبيِّ، وحذف الفعل لدلالة: «تصدَّق به» عليه، وفي حديث ابن عمر عند البزَّار والطَّبرانيِّ: إلى من أدفعه؟ قال (٤):

إلى أفقر من تَعْلَم، وفي رواية إبراهيم بن سعدٍ: أعلى أفقر من أهلي؟ ولابن مسافرٍ (١) عند الطَّحاويِّ: أعلى أهل بيتٍ أفقر منِّي؟ وللأوزاعيِّ [خ¦٦١٦٤] على غير أهلي؟ ولمنصورٍ [خ¦١٩٣٧] أعلى أحوج منَّا؟ ولابن إسحاق: وهل الصَّدقة إلَّا لي وعليَّ؟ (فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) بغير همزةٍ (٢) تثنية لابةٍ، قال بعض رواته: (يُرِيدُ) باللَّابتين: (الحَرَّتَيْنِ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الرَّاء: أرضٌ ذات حجارةٍ سودٍ، والمدينة بين حرَّتين (أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي) برفع «أهلُ» اسم «ما»، ونصب «أفقر» خبرها إن جَعَلْتَ «ما» حجازيَّة، وبالرَّفع إن جعلتها تميميَّة، قاله الزَّركشيُّ وغيره، وقال البدر الدَّمامينيُّ: وكذا إن جعلناها حجازيَّةً ملغاةً من عمل النَّصب بناءً على أنَّ قوله: «ما بين لابتيها» خبرٌ مُقدَّمٌ، و «أهل بيتٍ»: (٣) مبتدأٌ (٤) مُؤخَّرٌ، و «أفقر» صفةٌ له، وفي رواية عُقَيلٍ: ما أحدٌ (٥) أحقُّ به (٦) من أهلي، ما أحدٌ أحوج إليه منِّي، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: ما لنا عَشَاءُ ليلةٍ (فَضَحِكَ النَّبِيُّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ) تعجُّبًا من حال الرَّجل في كونه جاء أوَّلًا هالكًا محترقًا خائفًا على نفسه راغبًا في فدائها مهما أمكنه، فلمَّا وجد الرُّخصة طمع أن يأكل ما أُعطِيه في الكفَّارة، والأنياب: جمع نابٍ؛ وهي الأسنان الملاصقة للرَّباعيَّات، وهي أربعةٌ، والضَّحك غير التَّبسُّم، وقد ورد أنَّ ضحكه كان تبسُّمًا، أي: في غالب أحواله.

(ثُمَّ قَالَ) له: (أَطْعِمْهُ) أي: ما في المكتل من التَّمر (أَهْلَكَ) من تلزمك نفقته، أو زوجتك، أو مطلق أقاربك، ولابن عُيَيْنَة في «الكفَّارات» [خ¦٦٧٠٩] «أَطْعِمْه عيالَك» وفي رواية أبي قرَّة عن ابن جريجٍ: قال (١): «كُلْه»، ولابن إسحاق: «خذها وكُلْها وأَنْفِقْها على عيالك» أي: لا عن الكفَّارة بل هو تمليكٌ مطلقٌ بالنِّسبة إليه وإلى عياله، وأخذهم إيَّاه بصفة الفقر (٢) وذلك لأنَّه لمَّا عجز عن العتق لإعساره، وعن الصِّيام لضعفه، فلمَّا حضر ما يتصدَّق به ذَكَرَ أنَّه (٣) وعياله محتاجون، فتصدَّق به عليه وكان من مال الصَّدقة، وصارت الكفَّارة في ذمَّته، وليس استقرارها في ذمَّته مأخوذًا من هذا الحديث، وأمَّا في (٤) حديث عليٍّ بلفظ: «فَكُلْهُ أنت وعيالك، فقد كفَّر الله عنك» فضعيفٌ لا يحتجُّ به، وقد ورد الأمر بالقضاء في رواية أبي أويسٍ وعبد الجبَّار وهشام بن سعدٍ، كلُّهم عن الزُّهريِّ، وأخرجه البيهقيُّ من طريق إبراهيم بن سعدٍ عن اللَّيث عن الزُّهريِّ، وحديث ابن سعدٍ في «الصَّحيح» [خ¦٥٣٦٨] عن الزُّهريِّ نفسه بغير هذه الزِّيادة، وحديث اللَّيث عن الزُّهريِّ في «الصَّحيحين» [خ¦٦٨٢١] بدونها، ووقعت الزِّيادة أيضًا في «مُرسَل سعيد بن المُسيَّب» ونافع بن جبيرٍ والحسن ومحمَّد بن كعبٍ، وبمجموع هذه الطُّرق يُعرَف أنَّ لهذه الزِّيادة أصلًا، ويُؤخَذ من قوله: «صم يومًا» عدم اشتراط الفوريَّة للتَّنكير في قوله: «يومًا» قال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث ألف مسألةٍ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام، هُوَ الَّذِي يمضغ مثل المصطكى. وَقَالَ الشَّافِعِي: يكره لِأَنَّهُ يجفف الْفَم ويعطش، ون وصل مِنْهُ شَيْء إِلَى الْجوف بَطل الصَّوْم، وَكَرِهَهُ أَيْضا إِبْرَاهِيم وَالشعْبِيّ، وَفِي رِوَايَة جَابر عَنهُ: لَا بَأْس بِهِ للصَّائِم مَا لم يبلع رِيقه، وروى ابْن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد عَن ابْن جريج عَن عَطاء إِنَّه سُئِلَ عَن مضغ العلك، فكرهه، وَقَالَ: هُوَ مؤداه، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: رخص مضغ العلك أَكثر الْعلمَاء إِن كَانَ لَا يتحلب مِنْهُ شَيْء، فَإِن تحلب فازدرده فالجمهور على أَنه يفْطر. قَوْله: (فان استنثر؟) أَصله من: نثر ينثر بِالْكَسْرِ، إِذا امتخط، واستنثر استفعل مِنْهُ، أَي: استنشق المَاء ثمَّ استخرج مَا فِي أنفقهُ فينثره، وَقيل: الاستنثار تَحْرِيك النثرة وَهِي طرف الْأنف. قَوْله: (لم يملك) أَي: لم يملك منع دُخُول المَاء فِي حلقه.

٩٢ - (بابٌ إذَا جامَعَ فِي رَمَضَانَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا جَامع الصَّائِم فِي نَهَار رَمَضَان عَامِدًا وَجَبت عَلَيْهِ الْكَفَّارَة، وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف كَمَا قدرناه.

ويُذْكَرُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ منْ أفْطرَ يَوْما مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ولَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيامُ الدهْرِ وإنْ صامَهُ

أَشَارَ بقوله: يذكر، على صِيغَة الْمَجْهُول الَّتِي هِيَ صِيغَة التمريض إِلَى أَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا لَيْسَ على شَرطه، ونبينه الْآن. قَوْله: (رَفعه) أَي: رفع أَبُو هُرَيْرَة حَدِيث: من أفطر يَوْمًا، وَمرَاده أَنه لَيْسَ بموقوف عَلَيْهِ، بل هُوَ مَرْفُوع إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَإِن قلت: كَيفَ يرجع الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي رَفعه إِلَى شَيْء مُتَأَخّر عَنهُ؟ قلت: رَفعه، جملَة حَالية مُتَأَخِّرَة رُتْبَة عَن مفعول مَا لم يسم فَاعله لقَوْله: يذكر، وَهُوَ قَوْله: من أفطر. قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَة: رَفعه، بِلَفْظ الإسم مَرْفُوعا بِأَنَّهُ مفعول: يذكر، وَحِينَئِذٍ يكون الحَدِيث يَعْنِي قَوْله: (من أفطر يَوْمًا) بَدَلا عَن الضَّمِير، يَعْنِي: الضَّمِير الَّذِي أضيف إِلَيْهِ لفظ الرّفْع كَمَا فِي قَوْله: (مَا متعت بِهِ سَمْعِي وبصري إلَاّ بِدُعَاء رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَإِن السّمع بدل عَن الضَّمِير جوز النُّحَاة مثله. قَوْله: (وَإِن صَامَهُ) أَي: وَإِن صَامَ الدَّهْر، وَهُوَ مَعْطُوف على مُقَدّر تَقْدِيره: إِن لم يصمه وَإِن صَامَهُ.

ثمَّ هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير، قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن عمَارَة بن عُمَيْر عَن ابْن مطوس عَن أَبِيه، قَالَ ابْن كثير: عَن أبي المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا فِي رَمَضَان فِي غير رخصَة رخصها الله لَهُ لم يقْض عَنهُ صِيَام الدَّهْر) . وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن سُفْيَان، قَالَ: حَدثنَا حبيب عَن عمَارَة عَن ابْن المطوس، قَالَ: فَلَقِيت ابْن المطوس فَحَدثني عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكر مثل حَدِيث ابْن كثير، وَسليمَان، قَالَ أَبُو دَاوُد: اخْتلف على سُفْيَان وَشعْبَة عَنْهُمَا ابْن المطوس، وَأَبُو المطوس، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا بنْدَار حَدثنَا يحيى بن سعيد وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي، قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان عَن حبيب بن أبي ثَابت حَدثنَا أَبُو المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير رخصَة وَلَا مرض لم يقْض عَنهُ صَوْم الدَّهْر كُله، وَإِن صَامَهُ) ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا عَمْرو بن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم. قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن أبي المطوس عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير مرض وَلَا رخصَة لم يقضه صِيَام الدَّهْر كُله، وَإِن صَامَهُ) . وَقَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن بشار، قَالَ: حَدثنَا يحيى وَعبد الرَّحْمَن، قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان ثمَّ ذكر كلمة مَعْنَاهَا عَن حبيب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير رخصَة وَلَا مرض لم يقْض عَنهُ صِيَام الدَّهْر وَإِن صَامَهُ) ، ثمَّ رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طرق كَثِيرَة. وَقَالَ ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد قَالَا: حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن ابْن المطوس عَن أَبِيه المطوس عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير رخصَة لم يجزه صِيَام الدَّهْر) .

ذكر بَيَان حَال هَذَا الحَدِيث قَالَ أَبُو دَاوُد: اخْتلف على سُفْيَان وَشعْبَة بن المطوس وَأَبُو المطوس، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. وَقَالَ شَيخنَا: يُرِيد الحَدِيث الْمَرْفُوع، وَمَعَ هَذَا فقد رُوِيَ مَرْفُوعا من غير طَرِيق أبي المطوس، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن أَحْمد بن سعيد الرهاوي حَدثنَا الْعَبَّاس بن عبيد الله حَدثنَا عمار بن مطر حَدثنَا قيس عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن عبد الله ابْن مَالك عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير مرض وَلَا رخصَة لم يقْض عَنهُ صِيَام وَإِن صَامَ الدَّهْر كُله) . قلت: عمار بن مطر هَالك، قَالَ أَبُو حَاتِم: كَانَ يكذب، وَقَالَ ابْن عدي: أَحَادِيثه بَوَاطِيلُ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف، وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا على أبي هُرَيْرَة من غير طَرِيق أبي المطوس، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن عَمْرو بن مُحَمَّد بن الْحسن عَن أَبِيه عَن شريك عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان لم يقضه يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا) ، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن هِلَال ابْن الْعَلَاء عَن أَبِيه عَن عبيد الله بن عَمْرو عَن زيد بن أبي أنيسَة عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن عَليّ بن حُسَيْن. (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رجلا أفطر فِي رَمَضَان، فَأتى أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ: لَا يقبل مِنْك صَوْم سنة) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي: البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: أَبُو المطوس اسْمه: يزِيد بن المطوس، لَا أعرف لَهُ غير هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ) : تفرد أَبُو المطوس بِهَذَا الحَدِيث وَلَا أَدْرِي سمع أَبوهُ من أبي هُرَيْرَة أم لَا؟ قلت: أَبُو المطوس، بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو الْمَفْتُوحَة وَآخره سين مُهْملَة: من أَفْرَاد الكنى، وَكَذَلِكَ أَبوهُ المطوس من أَفْرَاد الْأَسْمَاء. وَقد اخْتلف فِي اسْم أبي المطوس، فَقَالَ البُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَابْن حبَان: اسْمه يزِيد. وَقَالَ يحيى بن معِين: اسْمه عبد الله، وَأَبُو دَاوُد قَالَ: لَا يُسمى، وَقد اخْتلف فِيهِ، فَقَالَ ابْن معِين: ثِقَة وَقَالَ ابْن حبَان: يروي عَن أَبِيه مَا لَا يُتَابع عَلَيْهِ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بأفراده وَقَالَ صَاحب (الْمِيزَان) : ضَعِيف، قَالَ: وَلَا يعرف هُوَ وَلَا أَبوهُ. قلت: وَمَعَ هَذَا صحّح ابْن خُزَيْمَة هَذَا الحَدِيث وَرَوَاهُ من طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة، كِلَاهُمَا عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن عمَارَة بن عُمَيْر عَن أبي المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة. . الحَدِيث، وَقَالَ مهنا: سَأَلت أَحْمد عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: يَقُولُونَ: عَن ابْن المطوس وَعَن أبي المطوس، وَبَعْضهمْ يَقُول: عَن حبيب عَن عمَارَة بن عُمَيْر عَن أبي المطوس، قَالَ: لَا أعرف المطوس وَلَا ابْن المطوس. قلت: أتعرف الحَدِيث من غير هَذَا الْوَجْه؟ قَالَ: لَا، وَكَذَا قَالَه أَبُو عَليّ الطوسي، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: يحمل أَن يكون لَو صَحَّ على التَّغْلِيظ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ.

ذكر مَا رُوِيَ عَن غير أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْبَاب: فَروِيَ عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان مُتَعَمدا فِي غير سَبِيل خرج من الْحَسَنَات كَيَوْم وَلدته أمه) . وَأخرجه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَفِي سَنَده مُحَمَّد بن الْحَارِث، قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ هُوَ بِشَيْء، وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِثِقَة، وَعَن الفلاس: إِنَّه مَتْرُوك الحَدِيث، وَفِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الْبَيْلَمَانِي، قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. وَرُوِيَ عَن مصاد بن عقبَة عَن مقَاتل بن حبَان عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الْوَارِث الْأنْصَارِيّ، قَالَ: سَمِعت أنس بن مَالك، يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا من شهر رَمَضَان من غير رخصَة وَلَا عذر كَانَ عَلَيْهِ أَن يَصُوم ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَمن أفطر يَوْمَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ أَن يَصُوم سِتِّينَ يَوْمًا، وَمن أفطر ثَلَاثَة أَيَّام كَانَ عَلَيْهِ تسعين يَوْمًا) . أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: لَا يثبت هَذَا الْإِسْنَاد، وَلَا يَصح عَن عَمْرو بن مرّة، وَأعله ابْن الْقطَّان بِعَبْد الْوَارِث. وَعَن ابْن معِين إِنَّه مَجْهُول. وَرُوِيَ عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة الْحَارِث بن عُبَيْدَة الكلَاعِي عَن مقَاتل بن سُلَيْمَان عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي،، قَالَ: (من أفطر يَوْمًا من شهر رَمَضَان فِي الْحَضَر فليهد بَدَنَة، فَإِن لم يجد فليطعم ثَلَاثِينَ صَاعا) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الْحَارِث بن عُبَيْدَة وَمُقَاتِل ضعيفان.

قَوْله: (من غير عذر وَلَا مرض) من ذكر الْخَاص بعد الْعَام، لِأَن الْمَرَض دَاخل فِي الْعذر، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (من غير رخصَة وَلَا مرض) ، وَهُوَ أَيْضا من هَذَا الْقَبِيل، لِأَن الْمَرَض دَاخل فِي الرُّخْصَة، ثمَّ إِنَّه أطلق الْإِفْطَار، فَلَا يَخْلُو إِمَّا

أَن يكون بجماع أَو غَيره نَاسِيا أَو عَامِدًا، وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ الْإِفْطَار فِي الْأكل أَو الشّرْب عَامِدًا، وَإِمَّا نَاسِيا فقد ذكره فِيمَا مضى، وَأما بِالْجِمَاعِ فَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

وبِهِ قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ

أَي: وَبِمَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا عَلَيْهِ، وَقد وَصله الْبَيْهَقِيّ رَاوِيا من طَرِيقين: أَحدهمَا: من رِوَايَة الْمُغيرَة بن عبد الله الْيَشْكُرِي، قَالَ: حدثت أَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير عِلّة لم يجزه صِيَام الدَّهْر حَتَّى يلقى الله عز وَجل، فَإِن شَاءَ غفر لَهُ، وَإِن شَاءَ عذبه) ، والمغيرة هَذَا من ثِقَات التَّابِعين، أخرج لَهُ مُسلم وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات، وَلكنه مُنْقَطع فَإِنَّهُ قَالَ: حدثت عَنهُ. وَالطَّرِيق الثَّانِي: من رِوَايَة أبي أُسَامَة عَن عبد الْملك، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة الثَّقَفِيّ عَن عرْفجَة، قَالَ: قَالَ عبد الله بن مَسْعُود: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان مُتَعَمدا من غير عِلّة، ثمَّ قضى طول الدَّهْر لم يقبل مِنْهُ) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: عبد الْملك هَذَا أَظُنهُ ابْن حُسَيْن النَّخعِيّ، لَيْسَ بِالْقَوِيّ. فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ: وَبِه قَالَ ابْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة رَفعه، وَابْن مَسْعُود وَقفه، فَكيف يكون ابْن مَسْعُود قَائِلا بِمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة؟ قلت: لم يثبت رَفعه عِنْد البُخَارِيّ، فَلذَلِك ذكره بِصِيغَة التمريض، وروى عَن أبي هُرَيْرَة بطرق مَوْقُوفا، وَقيل: فِيهِ ثَلَاث علل الإضطراب لِأَنَّهُ اخْتلف على حبيب بن أبي ثَابت اخْتِلَافا كثير. والجهالة بِحَال أبي المطوس وَالشَّكّ فِي سَماع أَبِيه من أبي هُرَيْرَة، وَهَذِه الثَّالِثَة تخْتَص بطريقة البُخَارِيّ فِي اشْتِرَاط اللِّقَاء.

وَقَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ والشَّعْبِيُّ وابنُ جُبَيْرٍ وإبْرَاهِيمُ وقَتَادَةُ وحَمَّادٌ يَقْضِي يوْما مَكَانَهُ

أَي: قَالَ هَؤُلَاءِ فِيمَن أفطر فِي نَهَار رَمَضَان عَامِدًا أَن عَلَيْهِ الْقَضَاء فَقَط بِغَيْر كَفَّارَة، وَقَالَ ابْن بطال: نظرت أَقْوَال التَّابِعين الَّذين ذكرهم البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب فِي المصنفات فَلم أر قَوْلهم بِسُقُوط الْكَفَّارَة إلَاّ فِي الْفطر بِالْأَكْلِ لَا المجامعة، فَيحْتَمل أَن يكون عِنْدهم الْأكل وَالْجِمَاع سَوَاء فِي سُقُوط الْكَفَّارَة، إِذْ كل مَا أفسد الصّيام من أكل أَو شرب أَو جماع فاسم الْفطر يَقع عَلَيْهِ، وفاعله مفطر بذلك من صِيَامه، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يدع طَعَامه وَشَرَابه وشهوته من أَجلي) ، فَدخل أعظم الشَّهَوَات وَهِي شَهْوَة الْجِمَاع فِي ذَلِك. انْتهى. قلت: حُكيَ عَن الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالزهْرِيّ وَابْن سِيرِين أَنه: لَا كَفَّارَة على الواطىء فِي نَهَار رَمَضَان، واعتبروه بِقَضَائِهِ. قَالَ الزُّهْرِيّ: هُوَ خَاص بذلك الرجل، يَعْنِي فِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة: (جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: هَلَكت. .) الحَدِيث على مَا يَأْتِي، وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يحضر عَلَيْهِ برهَان. وَقَالَ قوم: هُوَ مَنْسُوخ وَلم يقم دَلِيل نسخه، وَعند الْجُمْهُور: يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة لحَدِيث أبي هُرَيْرَة على مَا نبينه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَالَّذين ذكرهم البُخَارِيّ سِتَّة من التَّابِعين، الأول: سعيد بن الْمسيب، فوصل أَثَره مُسَدّد وَغَيره فِي قصَّة المجامع قَالَ يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ ويستغفر الله تَعَالَى. الثَّانِي: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ، فوصل أَثَره ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا شريك عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ قَالَا: (يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ) . الثَّالِث: سعيد بن جُبَير، فوصل أَثَره ابْن أبي شيبَة أَيْضا: حَدثنَا عَبدة عَن سعيد عَن يعلى بن حَكِيم (عَن سعيد بن جُبَير فِي رجل أفطر يَوْمًا مُتَعَمدا، قَالَ: يسْتَغْفر الله من ذَلِك وَيَتُوب وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ) . الرَّابِع: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، فوصل أَثَره ابْن أبي شيبَة، وَقد مر الْآن مَعَ الشّعبِيّ. الْخَامِس: قَتَادَة فوصل أثر عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الْحسن، وَقَتَادَة فِي قصَّة المجامع فِي رَمَضَان. السَّادِس: حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، أحد من أَخذ عَنهُ الإِمَام أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فوصله عبد الرَّزَّاق عَن أبي حنيفَة عَنهُ.

٥٣٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ قَالَ سَمِعَ يَزيدَ بنَ هَرُونَ قَالَ حدَّثنا يحْيَى هُوَ ابنُ سَعِيدٍ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الْقَاسِمِ أخبرَهُ عنْ محَمَّدِ بنِ جَعْفَرَ بنِ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ بنِ خُوَيْلِدٍ عنْ عَبَّادِ ابنِ عَبْدِ الله بنِ الزُّبَيرِ قَالَ أخبرَهُ أنَّهُ سَمِعَ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ إنَّ رَجُلاً أتَى النبيَّ صلى الله

عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ إنَّهُ احْتَرَقَ قَالَ مالَكَ قَالَ أصبْتُ أهْلِي فِي رَمَضَانَ فأُتِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمِكْتَلٍ يُدْعَى الْعَرَقَ فَقَالَ أيْنَ الْمُحُتَرِقُ قَالَ أنَا قَالَ تَصَدَّقْ بِهَذَا. (الحَدِيث ٥٣٩١ طرفه فِي: ٢٢٨٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أصبت أَهلِي فِي رَمَضَان) ، أَرَادَ أَنه جَامع فِي نَهَار رَمَضَان.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: عبد الله بن مُنِير، بِضَم الْمِيم وَكسر النُّون: الزَّاهِد أَبُو عبد الرَّحْمَن. الثَّانِي: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن هَارُون أَبُو خَالِد. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: مُحَمَّد بن جَعْفَر. السَّادِس: عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْأَخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي وَأَنه من أَفْرَاده وَأَن يزِيد بن هَارُون واسطي والبقية مدنيون. وَفِيه: أَرْبَعَة من التَّابِعين فِي نسق وَاحِد. وَيحيى وَعبد الرَّحْمَن تابعيان صغيران من طبقَة وَاحِدَة وفوقهما قَلِيلا مُحَمَّد بن جَعْفَر. وَأما ابْن عَمه عباد فَمن أوساط التَّابِعين.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُحَاربين. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن رمح وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن أبي الطَّاهِر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد وَعَن مُحَمَّد بن عَوْف. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْحَارِث بن مِسْكين وَعَن عِيسَى بن حَمَّاد وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن يحيى بن حبيب.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (إِن رجلا) ، زعم ابْن بشكوال أَن هَذَا الرجل هُوَ سَلمَة صَخْر البياضي فِيمَا ذكره ابْن أبي شيبَة فِي (مُسْنده) ، وَعند ابْن الْجَارُود: سلمَان بن صَخْر، وَفِي (جَامع التِّرْمِذِيّ) : سَلمَة بن صَخْر، قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور حَدثنَا هَارُون بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن الْمُبَارك حَدثنَا يحيى بن أبي كثير (حَدثنَا أَبُو سَلمَة: أَن سَلمَة بن صَخْر البياضي جعل امْرَأَته عَلَيْهِ كَظهر أمه حَتَّى يمْضِي رَمَضَان، فَلَمَّا مضى نصف رَمَضَان وَقع عَلَيْهَا لَيْلًا، فَأتى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: أعتق رَقَبَة {قَالَ: لَا أَجدهَا. قَالَ: فَصم شَهْرَيْن مُتَتَابعين، قَالَ لَا أَسْتَطِيع. قَالَ: أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا، قَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لفروة بن عَمْرو: أعْطه ذَلِك الْعرق، وَهُوَ مكتل يَأْخُذ خَمْسَة عشر أَو سِتَّة عشر صَاعا) . وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) فَهَذَا غير مَا ذكره ابْن بشكوال فَينْظر، وَالله أعلم. قلت: لَا شكّ أَنه غير لِأَن ابْن بشكوال اسْتندَ إِلَى مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة وَغَيره من طَرِيق سلمَان بن يسَار عَن سَلمَة بن صَخْر أَنه ظَاهر من امْرَأَته فِي رَمَضَان، وَأَنه وَطأهَا، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: حرر رَقَبَة. قلت: لَا أملك رَقَبَة غَيرهَا، وَضرب صفحة رقبته، قَالَ: فَصم شَهْرَيْن مُتَتَابعين، قَالَ: وَهل أصبت الَّذِي أصبت إلَاّ من الصّيام؟ قَالَ: فأطعم سِتِّينَ مِسْكينا. قَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا لنا طَعَام} قَالَ: فَانْطَلق إِلَى صَاحب صَدَقَة بني زُرَيْق فليدفعها إِلَيْك. انْتهى. وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ، فَإِن فِي قصَّة المجامع فِي حَدِيث الْبَاب أَنه كَانَ صَائِما. وَفِي قصَّة سَلمَة بن صَخْر أَن ذَلِك كَانَ لَيْلًا، كَمَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ الْمَذْكُورَة آنِفا فَافْتَرقَا، واجتماعهما فِي كَونهمَا من بني بياضة، وَفِي صفة الْكَفَّارَة وَكَونهَا مرتبَة، وَفِي كَون كل مِنْهُمَا كَانَ لَا يقدر على شَيْء من خصالها لَا يسْتَلْزم اتِّحَاد الْقصَّتَيْنِ. وَالله أعلم. قَوْله: (إِنَّه احْتَرَقَ) ، وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَنه عبر بقوله: (هَلَكت) ، وَرِوَايَة الاحتراق تفسر رِوَايَة الْهَلَاك، وَكَأَنَّهُ لما اعْتقد أَن مرتكب الْإِثْم يعذب بالنَّار أطلق على نَفسه أَنه احْتَرَقَ لذَلِك، أَو مُرَاده أَنه يَحْتَرِق بالنَّار يَوْم الْقِيَامَة، فَجعل المتوقع كالواقع، وَاسْتعْمل بدله لفظ الْمَاضِي أَو شبه مَا وَقع فِيهِ من الْجِمَاع فِي الصَّوْم بالاحتراق، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: (جَاءَهُ رجل وَهُوَ ينتف شعره، ويدق صَدره، وَيَقُول: هلك الْأَبْعَد وأهلكت) وَفِي رِوَايَة (وَهُوَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ) ، وَفِي رِوَايَة: (يلطم وَجهه) ، وَفِي رِوَايَة الْحجَّاج بن أَرْطَأَة: (يَدْعُو ويله) ، وَفِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ: (ويحثي على رَأسه التُّرَاب) . قَوْله: (قَالَ: مَالك؟) أَي: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا شَأْنك وَمَا جرى عَلَيْك؟ قَوْله: (أصبت أَهلِي فِي رَمَضَان) كِنَايَة عَن وَطئهَا، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (وَقعت على امْرَأَتي فِي رَمَضَان) . قَوْله: (فَأتي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِضَم الْهمزَة وَكسر التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بمكتل) ، بِكَسْر الْمِيم: الزنبيل الْكَبِير، قيل: إِنَّه يسع خَمْسَة عشر صَاعا، كَانَ فِيهِ كتلاً من التَّمْر أَي: قطعا مجتمعة، وَيجمع على: مكاتل. وَقَالَ القَاضِي: المكتل

والقفة والزبيل سَوَاء، وَسمي الزبيل لحمل الزبل فِيهِ، قَالَه ابْن دُرَيْد، والزبيل، بِكَسْر الزَّاي وَيُقَال بِفَتْحِهَا، وَكِلَاهُمَا لُغَتَانِ وَفِي (الْمُحكم) الزبيل: الجراب، وَقيل: الْوِعَاء يحمل فِيهِ، والزبيل القفة، وَالْجمع: زبل وزبلان. وَفِي (الصِّحَاح) : الزبيل مَعْرُوف فَإِذا كَسرته شددته، فَقلت: زبيل، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب: فعليل، بِالْفَتْح وَجَاء فِيهِ لُغَة أُخْرَى وَهِي: زنبيل، بِكَسْر الزَّاي وَسُكُون النُّون، قَالَ بَعضهم: وَقد تُدْغَم النُّون فتشدد الْيَاء مَعَ بَقَاء وَزنه، وَجمعه على اللُّغَات الثَّلَاث: زنابيل. قلت: لَيْسَ جمعه على اللغتين الْأَوليين إلَاّ مَا نقلنا عَن (الْمُحكم) : وَأما: زنابيل، فَلَيْسَ إلَاّ جمع المشدد فَقَط. قَوْله: (يدعى الْعرق) ، ذكر أَبُو عمر أَنه بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ الصَّوَاب عِنْد أهل اللُّغَة، قَالَ: وَأَكْثَرهم يَرْوُونَهُ بِسُكُون الرَّاء، وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لِابْنِ حبيب: رَوَاهُ مطرف عَن مَالك بتحريك الرَّاء، وَقَالَ ابْن التِّين فِي رِوَايَة أبي الْحسن بِسُكُون الرَّاء، وَرِوَايَة أبي ذَر بِفَتْحِهَا، وَأنكر بعض الْعلمَاء إسكان الرَّاء، وَفِي كتاب (الْعين) : الْعرق مِثَال شجر، والعرقات كل مضفور أَو مصطف، والعرق أَيْضا السَّقِيفَة من الخوص قبل أَن يَجْعَل مِنْهَا زنبيلاً، وَسمي: الزنبيل: عرقا لذَلِك، وَيُقَال: العرقة أَيْضا، وَعَن أبي عمر: والعرق أكبر من المكتل، والمكتل أكبر من القفة، والعرقة زنبيل من قد بلغه كلب ذكره فِي (الموعب) ، وَفِي (الْمُحكم) : الْعرق واحدته: عرقة، قَالَ أَحْمد بن عمرَان: الْعرق المكتل الْعَظِيم. قَوْله: (أَيْن المحترق؟) يدل على أَنه كَانَ عَامِدًا، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اثْبتْ لَهُ حكم الْعمد، وَأثبت لَهُ هَذَا الْوَصْف إِشَارَة إِلَى أَنه لَو أصر غير ذَلِك لَاسْتَحَقَّ ذَلِك. قَوْله: (تصدق بِهَذَا) ، مُطلق، وَالْمرَاد تصدق على سِتِّينَ مِسْكينا، هَكَذَا رَوَاهُ مُخْتَصرا، وَرَوَاهُ مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن رمح بن المُهَاجر، قَالَ: أخبرنَا اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير عَن عباد بن عبد الله بن الزبير (عَن عَائِشَة، قَالَت: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: احترقت {قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لِمَ قَالَ: وطِئت امْرَأَتي فِي رَمَضَان نَهَارا. قَالَ: تصدق. قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْء، فَأمره أَن يجلس، فَجَاءَهُ عرقان فيهمَا طَعَام، فَأمره أَن يتَصَدَّق بهما) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (أَتَى رجل إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَسْجِد فِي رَمَضَان، فَقَالَ: يَا رَسُول الله} احترقت احترقت؟ فَسَأَلَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا شَأْنك؟ فَقَالَ: أصبت أَهلِي {فَقَالَ: تصدق، فَقَالَ: وَالله يَا نَبِي الله مَا لي شَيْء، وَمَا أقدر عَلَيْهِ. قَالَ: إجلس، فَجَلَسَ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك أقبل رجل يَسُوق حمارا عَلَيْهِ طَعَام، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَيْن المحترق آنِفا؟ فَقَامَ الرجل، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تصدق بِهَذَا، فَقَالَ: يَا رَسُول الله} أغيرنا؟ فوَاللَّه إِنَّا لجياع مَا لنا شَيْء. قَالَ: كلوه) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَمن الْحَدِيثين اللَّذين يأتيان بعده، وَغَيرهَا من الْأَحَادِيث الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب، وَهُوَ على أَنْوَاع: النَّوْع الأول: أَن قوما استدلوا بقوله: (تصدق بِهَذَا) على أَن الَّذِي يجب على من جَامع فِي نَهَار رَمَضَان عَامِدًا الصَّدَقَة لَا غير. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم هَكَذَا، وَلم يبين من هم. قلت: هم عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ، وَمَالك فِي رِوَايَة وَعبد الله بن رهم فَإِنَّهُم قَالُوا فِي هَذَا: تجب عَلَيْهِ الصَّدَقَة وَلَا تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِظَاهِر حَدِيث المحترق، وَأجِيب: بِأَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي يَأْتِي فِي الْكتاب زَاد فِيهِ: الْعتْق وَالصِّيَام، وَالْأَخْذ بِهِ أولى، لِأَن أَبَا هُرَيْرَة حفظ ذَلِك وَلم تحفظه عَائِشَة، وَيُقَال: إِنَّهَا لم تجب عَلَيْهِ فِي الْحَال لعَجزه عَن الْكل. وأخرت إِلَى زمن الميسرة. وَفِي (الْمَبْسُوط) : وَمَا أمره بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ تَطَوّعا لِأَنَّهَا لم تكن وَاجِبَة عَلَيْهِ فِي الْحَال لعَجزه، وَلِهَذَا أجَاز صرفهَا إِلَى نَفسه وَعِيَاله، وَعَن أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ: أَن قِيَاس قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَأبي ثَوْر: إِن الْكَفَّارَة دين عَلَيْهِ لَا تسْقط عَنهُ لعسرته، وَعَلِيهِ أَن يَأْتِي بهَا إِذا أيسر، كَسَائِر الْكَفَّارَات، وَعند الشَّافِعِيَّة: فِيهِ وَجْهَان، وَذهب بَعضهم إِلَى أَن إِبَاحَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لذَلِك الرجل أكل الْكَفَّارَة لعسرته رخصَة لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ ابْن شهَاب: وَلَو أَن رجلا فعل ذَلِك الْيَوْم لم يكن لَهُ بُد من التَّكْفِير، وَقيل: هُوَ مَنْسُوخ، وَقيل: هُوَ خَاص بذلك الرجل، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: خص هَذَا الرجل بِأَحْكَام ثَلَاثَة: بِجَوَاز الْإِطْعَام مَعَ الْقُدْرَة على الصّيام وَصَرفه على نَفسه، والاكتفاء بِخَمْسَة عشر صَاعا.

النَّوْع الثَّانِي: لَو أَنهم اخْتلفُوا فِي كمية هَذِه الصَّدَقَة، فَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك: إِن الْوَاجِب فِيهَا مد، وَهُوَ ربع صَاع لكل مِسْكين، وَهُوَ خَمْسَة عشر صَاعا، لما روى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة هِشَام بن سعد عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: (فَأتي بعرق

قدر خَمْسَة عشر صَاعا) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: (فَأتي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بمكتل فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا من تمر) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ثمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، قَالَ فِيهِ: (بمكتل فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا من تمر) ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة روح عَن مُحَمَّد ابْن أبي حَفْصَة عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد قَالَ وَفِيه: بزبيل وَهُوَ المكتل فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا أَحْسبهُ تَمرا. قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ هِقْل بن زِيَاد، والوليد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَظَاهره يدل على أَن قدر خَمْسَة عشر صَاعا يَكْفِي لِلْكَفَّارَةِ عَن شخص وَاحِد لكل مِسْكين مد، قَالَ: وَقد جعله الشَّافِعِي أصلا لمذهبه فِي أَكثر الْمَوَاضِع الَّتِي يجب فِيهَا الْإِطْعَام، وَعِنْدنَا: الْوَاجِب لكل مِسْكين نصف صَاع من بر أَو صَاع من تمر، كَمَا فِي كَفَّارَة الظِّهَار، لما روى الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن عَبَّاس: (يطعم كل يَوْم مِسْكينا نصف صَاع من بر) وَعَن عَائِشَة فِي هَذِه الْقِصَّة: (أُتِي بعرق فِيهِ عشرُون صَاعا) ذكره السفاقسي فِي (شرح البُخَارِيّ) ويروى: (مَا بَين خَمْسَة عشر صَاعا إِلَى عشْرين) ، وَفِي (صَحِيح مُسلم) : فَأمره أَن يجلس، فجَاء عرقان فيهمَا طَعَام فَأمره أَن يتَصَدَّق بِهِ، فَإِذا كَانَ الْعرق خَمْسَة عشر صَاعا، فالعرقان ثَلَاثُونَ صَاعا على سِتِّينَ مِسْكينا لكل مِسْكين نصف صَاع. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي بعض طرق عَائِشَة عِنْد مُسلم: فَجَاءَهُ عرقان، وَالْمَشْهُور فِي غَيرهَا: عرق، وَرجحه الْبَيْهَقِيّ، وَجمع غَيره بَينهمَا بِتَعَدُّد الْوَاقِعَة. وَقَالَ: الَّذِي يظْهر أَن التَّمْر كَانَ قدر عرق، لكنه كَانَ فِي عرقين فِي حَال التحميل على الدَّابَّة ليَكُون أسهل فِي الْحمل، فَيحْتَمل أَن الْآتِي بِهِ لما وصل أفرغ أَحدهمَا فِي الآخر، فَمن قَالَ: عرقان، أَرَادَ ابْتِدَاء الْحَال، وَمن قَالَ: عرق، أَرَادَ مَا آل إِلَيْهِ. قلت: كَون الْمَشْهُور فِي غير طرق عَائِشَة عرقا لَا يسْتَلْزم رد مَا رُوِيَ فِي بعض طرق عَائِشَة: أَنه عرقان، وَمن أَيْن تَرْجِيح رِوَايَة غير مُسلم على رِوَايَة مُسلم؟ فَهَذَا مُجَرّد دَعْوَى لتمشية مذْهبه. وَقَول من يَدعِي تعدد الْوَاقِعَة غير صَحِيح، لِأَن مخرج الحَدِيث وَاحِد، وَالْأَصْل عدم التَّعَدُّد. وَقَول هَذَا الْقَائِل: وَالَّذِي يظْهر ... إِلَى آخِره، سَاقِط جدا وَتَأْويل فَاسد، فَمن أَيْن هَذَا الظُّهُور الَّذِي يذكرهُ بِغَيْر أصل وَلَا دَلِيل من نفس الْكَلَام وَلَا قرينَة من الْخَارِج؟ وَإِنَّمَا هُوَ من آثَار أريحية التعصب نصْرَة لما ذهب إِلَيْهِ، وَالْحق أَحَق أَن يتبع، وَالله ولي الْعِصْمَة.

النَّوْع الثَّالِث: احْتج بِهِ الشَّافِعِي وَدَاوُد وَأهل الظَّاهِر على أَنه: لَا يلْزم فِي الْجِمَاع على الرجل وَالْمَرْأَة إلَاّ كَفَّارَة وَاحِدَة، إِذْ لم يذكر لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حكم الْمَرْأَة، وَهُوَ مَوضِع الْبَيَان، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأَبُو ثَوْر: تجب الْكَفَّارَة على الْمَرْأَة أَيْضا إِن طاوعته، وَقَالَ القَاضِي: وَسوى الْأَوْزَاعِيّ بَين المكرهة والطائعة على مذْهبه، وَقَالَ مَالك، فِي الْمَشْهُور من مذْهبه فِي المكرهة: يكفر عَنْهَا بِغَيْر الصَّوْم. وَقَالَ سَحْنُون: لَا شَيْء عَلَيْهَا، وَلَا عَلَيْهِ لَهَا، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر، وَلم يخْتَلف مَذْهَبنَا فِي قَضَاء المركهة والنائمة إلَاّ مَا ذكره ابْن الْقصار عَن القَاضِي إِسْمَاعِيل عَن مَالك أَنه لَا غسل على الْمَوْطُوءَة نَائِمَة وَلَا مُكْرَهَة إلَاّ أَن تلتذ قَالَ ابْن قصار: فَتبين من هَذَا أَنَّهَا غير مفطرة، وَقَالَ القَاضِي: وظاهرة أَنه لَا قَضَاء على المكرهة إِلَّا أَن تلتذ، وَلَا على النائمة لِأَنَّهَا كالمحتلمة، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر فِي النائمة والمكرهة.

وَاخْتلف فِي وجوب الْكَفَّارَة على الْمُكْره على الوطىء لغيره. على هَذَا، وَحكى ابْن الْقصار عَن أبي حنيفَة: لَا يلْزم الْمُكْره عَن نَفسه وَلَا على من أكرهه، وَقَالَ صَاحب (الْبَدَائِع) : وَأما على الْمَرْأَة فَتجب عَلَيْهَا أَيْضا الْكَفَّارَة إِذا كَانَت مطاوعة، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ: فِي قَول: لَا يجب عَلَيْهَا أصلا، وَفِي قَول: يجب عَلَيْهَا ويتحملها الزَّوْج. وَأما الْجَواب عَن قَوْلهم: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يذكر حكم الْمَرْأَة وَهُوَ مَوضِع الْبَيَان، أَن الْمَرْأَة لَعَلَّهَا كَانَت مُكْرَهَة أَو ناسية لصومها، أَو من يُبَاح لَهَا الْفطر ذَلِك الْيَوْم لعذر الْمَرَض أَو السّفر أَو الصغر أَو الْجُنُون أَو الْكفْر أَو الْحيض أَو طَهَارَتهَا من حَيْضهَا فِي أثْنَاء النَّهَار.

النَّوْع الرَّابِع: فِي أَن الْوَاجِب إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا خلافًا لما رُوِيَ عَن الْحسن أَنه رأى أَن يطعم أَرْبَعِينَ مِسْكينا عشْرين صَاعا، حَكَاهُ ابْن التِّين عَنهُ، وحكوا عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: يجْزِيه أَن يدْفع طَعَام سِتِّينَ مِسْكينا إِلَى مِسْكين وَاحِد. قَالُوا: والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ. قلت: الَّذِي حكى مَذْهَب أبي حنيفَة لم يعرف مذْهبه فِيهِ، وَحكي من غير معرفَة، ومذهبه أَنه إِذا دفع إِلَى مِسْكين وَاحِد فِي شَهْرَيْن يجوز، فَلَا يكون الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، لِأَن الْمَقْصُود سد خلة الْمُحْتَاج، وَالْحَاجة تتجدد بتجدد الْأَيَّام فَكَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي كمسكين آخر حَتَّى لَو أعْطى مِسْكينا وَاحِدًا كُله فِي يَوْم وَاحِد لَا يَصح إلَاّ عَن يَوْمه، ذَلِك، لِأَن الْوَاجِب

عَلَيْهِ التَّفْرِيق وَلم يُوجد، ثمَّ الشَّرْط فِي الْإِطْعَام غداآن إِن وعشاآن، أَو غداء وعشاء فِي يَوْم وَاحِد.

النَّوْع الْخَامِس: فِي أَن التَّرْتِيب فِي الْكَفَّارَة وَاجِب، فَتَحْرِير رَقَبَة أَولا فَإِن لم يُوجد فَصِيَام شَهْرَيْن وَإِن لم يسْتَطع الصَّوْم فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا، بِدَلِيل عطف بعض الْجمل على الْبَعْض بِالْفَاءِ الْمرتبَة المعقبة كَمَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَابْن حبيب من الْمَالِكِيَّة، وَذهب مَالك وَأَصْحَابه إِلَى التَّخْيِير لقَوْله فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (صم شَهْرَيْن أَو أطْعم) ، فخيره: بِأَو، الَّتِي موضوعها التَّخْيِير، وَعَن ابْن الْقَاسِم: لَا يعرف مَالك غير الْإِطْعَام، وَذكر مقلدوه حجَجًا لذَلِك كَثِيرَة لَا تقاوم مَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث من وجوب التَّرْتِيب واستحبابه، وَزعم بَعضهم أَن الْكَفَّارَة تخْتَلف باخْتلَاف الْأَوْقَات قَالَ ابْن التِّين: وَإِلَيْهِ ذهب الْمُتَأَخّرُونَ من أَصْحَابنَا، فوقت المجاعة الْإِطْعَام أولى، وَإِن كَانَ خصبا فالعتق أولى، وَأمر بعض الْمُفْتِينَ أهل الْغنى الْوَاسِع بِالصَّوْمِ لمشقته عَلَيْهِ، وَعَن أبي ليلى هُوَ مُخَيّر فِي الْعتْق وَالصِّيَام، فَإِن لم يقدر عَلَيْهِمَا أطْعم، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن جرير، قَالَا: وَلَا سَبِيل إِلَى الْإِطْعَام إلَاّ عِنْد الْعَجز عَن الْعتْق أَو الصّيام. وَقَالَ ابْن قدامَة: الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك أَحْمد أَن كَفَّارَة الْوَطْء فِي رَمَضَان ككفارة الظِّهَار فِي التَّرْتِيب: الْعتْق إِن أمكن، فَإِن عجز انْتقل إِلَى الصّيام، فَإِن عجز انْتقل إِلَى الْإِطْعَام، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء. وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى: أَنَّهَا على التَّخْيِير بَين الْعتْق وَالصِّيَام وَالْإِطْعَام، وبأيها كفر أَجزَأَهُ، وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك، فَإِن عجز عَن هَذِه الْأَشْيَاء سَقَطت الْكَفَّارَة عَنهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، لِأَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما رأى عجز الْأَعرَابِي عَنْهَا قَالَ: (أطْعمهُ أهلك) وَلم يَأْمُرهُ بكفارة أُخْرَى، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، وَعَن الزُّهْرِيّ: لَا بُد من التَّكْفِير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْأَنْوَاع.

النَّوْع السَّادِس فِي أَن إِطْلَاق الرَّقَبَة فِي الحَدِيث يدل على جَوَاز الْمسلمَة والكافرة، وَالذكر وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِير وَالْكَبِير، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَجعلُوا هَذَا كالظهار مستدلين بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن سَالم عَن مُجَاهِد (عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر الَّذِي أفطر فِي رَمَضَان يَوْمًا بكفارة الظِّهَار) ، وَإِطْلَاق الحَدِيث أَيْضا يَقْتَضِي جَوَاز الرَّقَبَة المعيبة، وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد وَمَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ شرطُوا الْإِيمَان فِي إِجْزَاء الرَّقَبَة، بِدَلِيل تقييدها فِي كَفَّارَة الْقَتْل، وَهِي مَسْأَلَة حمل الْمُطلق على الْمُقَيد، وَقَالَ عَطاء: إِن لم يجد رقبه أهْدى بَدَنَة، فَإِن لم يجد فبقرة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَنَحْوه عَن الْحسن.

النَّوْع السَّابِع: فِي أَن التَّتَابُع فِي صَوْم الشَّهْرَيْنِ شَرط بِالنَّصِّ بِشَرْط أَن لَا يكون فيهمَا رَمَضَان، وَأَيَّام منهية، وَهِي: يَوْم الْفطر وَيَوْم النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق، وَهُوَ قَول كَافَّة الْعلمَاء إلَاّ ابْن أبي ليلى، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجب التَّتَابُع فِي الصّيام، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ.

النَّوْع الثَّامِن: اخْتلف الْفُقَهَاء فِي قَضَاء ذَلِك الْيَوْم مَعَ الْكَفَّارَة، فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَأَبُو ثَوْر وَأحمد وَإِسْحَاق: عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِن كفر بِالْعِتْقِ وَالْإِطْعَام صَامَ يَوْمًا مَكَان ذَلِك الْيَوْم الَّذِي أفطر، وَإِن صَامَ شَهْرَيْن مُتَتَابعين دخل فيهمَا قَضَاء ذَلِك الْيَوْم، وَقَالَ قوم: لَيْسَ فِي الْكَفَّارَة صِيَام ذَلِك الْيَوْم، قَالَ أَبُو عمر: لِأَنَّهُ لم يرد فِي حَدِيث عَائِشَة وَلَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي نقل الْحفاظ للْأَخْبَار الَّتِي لَا عِلّة فِيهَا ذكر الْقَضَاء، وَإِنَّمَا فِيهَا الْكَفَّارَة. قلت: جَاءَ فِي خبر أبي هُرَيْرَة وَغَيره: الْقَضَاء، وروى ابْن مَاجَه عَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن عبد الله بن وهب عَن عبد الْجَبَّار بن عمر عَن يحيى بن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، أَي: بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ: هَلَكت، وَقد تقدم قبله، ثمَّ قَالَ: (ويصوم يَوْمًا مَا مَكَانَهُ) .

النَّوْع التَّاسِع: أَجمعُوا على أَن من وطىء فِي رَمَضَان فِي يَوْم آخر أَن عَلَيْهِ كَفَّارَة أُخْرَى، وَأَجْمعُوا أَنه لَيْسَ على من وطىء مرَارًا فِي يَوْم وَاحِد إلَاّ كَفَّارَة وَاحِدَة، فَإِن وطىء فِي يَوْم من رَمَضَان وَلم يكفر حَتَّى وطىء فِي يَوْم آخر، فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: أَن عَلَيْهِ لكل يَوْم كَفَّارَة، كفر أم لَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: عَلَيْهِ كَفَّارَة وَاحِدَة إِذا وطىء قبل أَن يكفر وَقَالَ الثَّوْريّ: أحب إِلَيّ أَن يكفر عَن كل يَوْم، وَأَرْجُو أَن يجْزِيه كَفَّارَة وَاحِدَة مَا لم يكفر.

النَّوْع الْعَاشِر: فِي حَدِيث الْبَاب دلَالَة على التَّمْلِيك الضمني من قَوْله: (تصدق بِهَذَا) ، قَالَ صَاحب الْمُفْهم: يلْزم مِنْهُ أَن يكون قد ملكه إِيَّاه ليتصدق بِهِ عَن كَفَّارَته، قَالَ: وَيكون هَذَا كَقَوْل الْقَائِل: أعتقت عَبدِي عَن فلَان، فَإِنَّهُ يتَضَمَّن سبقية الْملك عِنْد قوم، قَالَ: وأباه أَصْحَابنَا مَعَ الِاتِّفَاق على أَن الْوَلَاء للْمُعْتق فِيهِ، وَأَن الْكَفَّارَة تسْقط بذلك.

٠٣ - (بابٌ إِذا جامَعَ فِي رَمَضَانَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَيءٌ فتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فلْيُكَفِّرْ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا جَامع الصَّائِم فِي نَهَار رَمَضَان عَامِدًا، وَالْحَال أَنه لم يكن لَهُ شَيْء يعْتق بِهِ، وَلَا شَيْء يطعم بِهِ، وَلَا لَهُ قدرَة يَسْتَطِيع الصّيام بهَا، ثمَّ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِقدر مَا يجْزِيه، فليكفر بِهِ لِأَنَّهُ صَار واجدا بِهِ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْإِعْسَار لَا يسْقط الْكَفَّارَة عَن ذمَّته.

٦٣٩١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبً عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرنِي حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذْ جاءَهُ رجُلٌ فَقَالَ يَا رسولَ الله هَلَكْتُ قَالَ مالَكَ قَالَ وقَعْتُ علَى امْرَأتِي وَأَنا صَائِمٌ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَلْ تَجِدُ رَقبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لَا فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتتابِعَيْنِ قَالَ لَا فَقال فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينا قَالَ لَا قَالَ فمَكَثَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرً والْعَرَقُ المِكْتَلُ قَالَ أيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنا قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقَ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ الله فَوالله مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الحرَّتَيْنِ أهْلُ بَيْتٍ أفْقَرُ مِنْ أهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى بَدَتْ أنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أطْعِمْهُ أهْلَكَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن قَوْله: (وَقعت على امْرَأَتي وَأَنا صَائِم) عبارَة عَن الْجِمَاع.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَحميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ الْمدنِي.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن الرَّاوِي عَن الزُّهْرِيّ هُوَ شُعَيْب، وَالزهْرِيّ هُوَ الرَّاوِي عَن حميد، وروى مَا ينيف على أَرْبَعِينَ نفسا عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد عَن أبي هُرَيْرَة وهم: ابْن عُيَيْنَة وَاللَّيْث وَمعمر وَمَنْصُور عِنْد الشَّيْخَيْنِ، وَالْأَوْزَاعِيّ وَشُعَيْب وَإِبْرَاهِيم بن سعد عِنْد البُخَارِيّ، وَمَالك، وَابْن جريج عِنْد مُسلم، وَيحيى بن سعيد وعراك بن مَالك عِنْد النَّسَائِيّ، وَعبد الْجَبَّار بن عمر عِنْد أبي عوَانَة، والجوزقي وَعبد الرَّحْمَن بن مُسَافر عِنْد الطَّحَاوِيّ، وَعقيل عِنْد ابْن خُزَيْمَة، وَابْن أبي حَفْصَة عِنْد أَحْمد وَيُونُس وحجاج بن أَرْطَأَة وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، وَمُحَمّد بن إِسْحَاق عِنْد الْبَزَّار، والنعمان بن رَاشد عِنْد الطَّحَاوِيّ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب وَعبد الرَّحْمَن بن نمر وَأَبُو وأويس وَعبد الْجَبَّار بن عمر الْأَيْلِي وَعبيد الله بن عمر، وَإِسْمَاعِيل بن أُميَّة وَمُحَمّد بن أبي عَتيق ومُوسَى بن عقبَة وَعبد الله بن عِيسَى وَإِسْحَاق بن يحيى العوصي وَهَبَّار بن عقيل وثابت بن ثَوْبَان وقرة بن عبد الرَّحْمَن وَزَمعَة بن صَالح وفخر السقاء والوليد بن مُحَمَّد وَشُعَيْب بن خَالِد ونوح بن أبي مَرْيَم وَعبد الله بن أبي بكر وفليح بن سُلَيْمَان وَعَمْرو بن عُثْمَان المَخْزُومِي وَيزِيد بن عِيَاض وشبل بن عباد. وَقد رَوَاهُ هِشَام بن سعد عَن الزُّهْرِيّ فَخَالف الْجَمَاعَة فِي إِسْنَاده، فَرَوَاهُ: عَنهُ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَزَاد فِيهِ: (وصم يَوْمًا مَكَانَهُ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسكت عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عوَانَة الاسفرائني: غلط فِيهِ هِشَام بن سعد، وَقد رَوَاهُ أَيْضا عبد الْجَبَّار ابْن عمر الْأَيْلِي بِإِسْنَاد آخر رَوَاهُ عَن يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عبد الْجَبَّار بن عمر عَن يحيى بن سعيد وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ: عبد الْجَبَّار، لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقد ورد من حَدِيث مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة مُخْتَصرا، وَمن حَدِيث مُحَمَّد بن كَعْب عَن أبي هُرَيْرَة

رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ وَضعفهمَا. وَفِيه: أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: وَفِي رِوَايَة ابْن جريج عِنْد مُسلم، وَعقيل عِنْد ابْن خُزَيْمَة، وَأبي أويس عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ بَين حميد وَأبي هُرَيْرَة.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الإدب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل وَعَن القعْنبِي وَفِي النَّفَقَات عَن أَحْمد بن يُونُس وَفِي النذور عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي الصَّوْم أَيْضا عَن عُثْمَان وَفِي الْمُحَاربين عَن قُتَيْبَة وَفِي الْهِبَة وَالنُّذُور أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر ابْن حَرْب وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَعَن يحيى بن يحيى وقتيبة وَمُحَمّد بن رمح وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبد بن حميد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن إِسْحَاق وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد وَمُحَمّد وَعِيسَى وَعَن القعْنبِي بِهِ وَعَن الْحسن بن عَليّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن نصر بن عَليّ وَأبي عمار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن مُحَمَّد ابْن مَنْصُور وَعَن مُحَمَّد بن قدامَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن مُحَمَّد بن نصر وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعَن الرّبيع بن سُلَيْمَان عَن أبي الْأسود وَإِسْحَاق بن مُضر وَفِي الشُّرُوط عَن هَارُون بن عبد الله. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن سُفْيَان بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَيْنَمَا) ، قد مر غيرَة أَن أصل: بَيْنَمَا، بَين فأشبعت فَتْحة النُّون وَصَارَ: بَينا، ثمَّ زيدت فِيهِ: الْمِيم، فَصَارَ: بَيْنَمَا، ويضاف إِلَى جملَة إسمية وفعلية، وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، والأفصح فِي جوابها أَن لَا يكون فِيهِ إِذْ وَإِذا، وَلَكِن يَجِيء بِهَذَا كثيرا هُنَا كَذَلِك، وَهُوَ قَوْله: (إِذْ جَاءَهُ رجل) وَقَالَ بَعضهم: وَمن خَاصَّة: بَيْنَمَا، أَنَّهَا تتلقى بإذ، وبإذا حَيْثُ تَجِيء للمفاجأة، بِخِلَاف: بَينا، فَلَا تتلقى بِوَاحِدَة مِنْهُمَا، وَقد ورد فِي هَذَا الحَدِيث كَذَلِك. قلت: هَذَا تصرف فِي الْعَرَبيَّة من عِنْده، وَلَيْسَ مَا قَالَه بِصَحِيح، وَقد ذكرُوا أَن كلا مِنْهُمَا يتلَقَّى بِوَاحِدَة مِنْهُمَا، غير أَن الْأَفْصَح كَمَا ذكرنَا أَن لَا يتلقيا بهما، وَقد ورد فِي الحَدِيث: بإذ، فِي الأول وَفِي الثَّانِي بِدُونِ إِذْ، وَإِذا على الأَصْل الَّذِي هُوَ الْأَفْصَح، فَأَي شَيْء دَعْوَى الخصوصية فِي بَيْنَمَا بإذ وَإِذا ونفيها فِي بَينا؟ وَلم يقل بِهَذَا أحد؟ قَوْله: (عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حسن الْأَدَب فِي التَّعْبِير، كَمَا تشعر العندية بالتعظيم بِخِلَاف مَا لَو قَالَ: مَعَ. قلت: لَفْظَة: عِنْد، موضوعها الحضرة وَمن أَيْن الْإِشْعَار فِيهِ بالتعظيم؟ قَوْله: (إِذا جَاءَ رجل) ، قد مر الْكَلَام فِيهِ فِي حَدِيث عَائِشَة.، قَوْله: (هَلَكت) ، وَفِي حَدِيث عَائِشَة: (احترقت) كَمَا مر، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (مَا أُراني إلَاّ قد هَلَكت) ، وَقد رُوِيَ فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث: (هَلَكت وأهلكت) ، قَالَ الْخطابِيّ: وَهَذِه اللَّفْظَة غير مَوْجُودَة فِي شَيْء من رِوَايَة هَذَا الحَدِيث، قَالَ: وَأَصْحَاب سُفْيَان لم يرووها عَنهُ إِنَّمَا ذكرُوا قَوْله: (هَلَكت) ، حسب، قَالَ: غير أَن بعض أَصْحَابنَا حَدثنِي أَن الْمُعَلَّى بن مَنْصُور روى هَذَا الحَدِيث عَن سُفْيَان، فَذكر هَذَا الْحَرْف فِيهِ وَهُوَ غير مَحْفُوظ، والمعلى لَيْسَ بذلك فِي الْحِفْظ والإتقان. انْتهى. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِن هَذِه اللَّفْظَة لَا يرضاها أَصْحَاب الحَدِيث، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِن هَذِه اللَّفْظَة لَيست مَحْفُوظَة عِنْد الْحفاظ الْأَثْبَات.

وَقَالَ شَيخنَا زيد الدّين، رَحمَه الله: وَردت هَذِه اللَّفْظَة مُسندَة من طرق ثَلَاثَة: أَحدهَا: الَّذِي ذكره الْخطابِيّ، وَقد رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة أبي ثَوْر، قَالَ: حَدثنَا مُعلى بن مَنْصُور حَدثنَا سُفْيَان بن عينة، فَذكره الدَّارَقُطْنِيّ، تفرد بِهِ أَبُو ثَوْر عَن مُعلى بن مَنْصُور عَن ابْن عُيَيْنَة، بقوله: (وأهلكت) ، قَالَ: وهم ثِقَات. الطَّرِيق الثَّانِي: من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ، وَقد رَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ، ثمَّ نقل عَن الْحَاكِم أَنه ضعف هَذِه اللَّفْظَة، وَحملهَا على أَنَّهَا أدخلت على مُحَمَّد بن الْمسيب الأرغياني، ثمَّ اسْتدلَّ على ذَلِك. وَالطَّرِيق الثَّالِث: من رِوَايَة عقيل عَن الزُّهْرِيّ، رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي غير السّنَن، وَقَالَ: حَدثنَا النَّيْسَابُورِي حَدثنَا مُحَمَّد بن عَزِيز حَدثنِي سَلامَة بن روح عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ، فَذكره، وَقد تكلم فِي سَماع مُحَمَّد بن عَزِيز من سَلامَة، وَفِي سَماع سَلامَة من عقيل، وَتكلم فيهمَا: أما مُحَمَّد بن عَزِيز فضعفه النَّسَائِيّ مرّة، وَقَالَ مرّة: لَا بَأْس بِهِ، وَأما سَلامَة فَقَالَ أَبُو زرْعَة: ضَعِيف مُنكر، وأجود طرق هَذِه اللَّفْظَة طَرِيق الْمُعَلَّى بن مَنْصُور، على أَن الْمُعَلَّى وَإِن اتّفق الشَّيْخَانِ على إِخْرَاج حَدِيثه فقد تَركه أَحْمد، وَقَالَ: لم أكتب عَنهُ، كَانَ يحدث بِمَا وَافق الرَّأْي، وَكَانَ كل يَوْم يخطىء فِي حديثين أَو ثَلَاثَة. قلت: هُوَ من أَصْحَاب أبي حنيفَة

وَوَثَّقَهُ يحيى بن معِين، وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة: ثِقَة، فِيمَا تفرد بِهِ وشورك فِيهِ، متقن صَدُوق فَقِيه مَأْمُون. وَقَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة صَاحب سنة وَكَانَ نبيلاً، طلبوه للْقَضَاء غير مرّة فَأبى. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ صَدُوقًا صَاحب حَدِيث ورأي وَفقه، مَاتَ سنة أحد عشرَة وَمِائَتَيْنِ.

قَوْله: (قَالَ: مَالك؟) بِفَتْح اللَّام وَهُوَ اسْتِفْهَام عَن حَاله، وَفِي رِوَايَة عقيل: (وَيحك {مَا شَأْنك؟) وَلابْن أبي حَفْصَة: (وَمَا الَّذِي أهْلكك وَمَا ذَاك؟) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: (وَيحك} مَا صنعت؟) أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَدَب، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (وَمَا الَّذِي أهْلكك؟) وَكَذَا فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ. قَوْله: (وَقعت على امْرَأَتي) وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: (أصبت أَهلِي) ، وَفِي حَدِيث عَائِشَة: (وطِئت امْرَأَتي) . قَوْله: (وَأَنا صَائِم) جملَة وَقعت حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي وَقعت. فَإِن قلت: من أَيْن يعلم أَنه كَانَ صَائِما فِي رَمَضَان حَتَّى يَتَرَتَّب عَلَيْهِ وجوب الْكَفَّارَة؟ قلت: وَقع فِي أول هَذَا الحَدِيث فِي رِوَايَة مَالك وَابْن جريج (أَن رجلا أفطر فِي رَمَضَان) الحَدِيث، وَوَقع أَيْضا فِي رِوَايَة عبد الْجَبَّار بن عمر: (وَقعت على أَهلِي الْيَوْم، وَذَلِكَ فِي رَمَضَان) . وَفِي رِوَايَة سَاق مُسلم إسنادها وسَاق أَبُو عوَانَة فِي (مستخرجه) متنها أَنه قَالَ: (أفطرت فِي رَمَضَان) ، وَبِهَذَا يرد على الْقُرْطُبِيّ فِي دَعْوَاهُ تعدد الْقِصَّة، لِأَن مخرج الحَدِيث وَاحِد، والقصة وَاحِدَة، وَوَقع فِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب عَن سعيد بن مَنْصُور: (أصبت امْرَأَتي ظهرا فِي رَمَضَان) ، وبتعيين رَمَضَان، يفهم الْفرق فِي وجوب كَفَّارَة الْجِمَاع فِي الصَّوْم بَين رَمَضَان وَغَيره من الْوَاجِبَات كالنذر، وَبَعض الْمَالِكِيَّة أوجبوا الْكَفَّارَة على من أفسد صَوْمه مُطلقًا، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث، ورد عَلَيْهِم بِالَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (هَل تَجِد رَقَبَة تعتقها؟) وَفِي رِوَايَة مَنْصُور: (أتجد مَا تحرر رَقَبَة) . وَفِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (أتستطيع أَن تعْتق رَقَبَة؟) وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد وَالْأَوْزَاعِيّ: (فَقَالَ: أعتق رَقَبَة) . وَزَاد فِي رِوَايَة عَن أبي هُرَيْرَة: (فَقَالَ: بئس مَا صنعت {أعتق رَقَبَة) . وَفِي حَدِيث عبد الله بن عمر، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) : (جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنِّي أفطرت يَوْمًا من رَمَضَان، فَقَالَ: من غير عذر وَلَا سقم؟ قَالَ: نعم. قَالَ: بئس مَا صنعت. قَالَ: أجل، مَا تَأْمُرنِي؟ قَالَ: أعتق رَقَبَة) . قَوْله: (قَالَ: لَا) أَي: قَالَ الرجل: لَا أجد رَقَبَة، وَفِي رِوَايَة ابْن مُسَافر: (فَقَالَ: لَا وَالله يَا رَسُول الله) . وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: (لَيْسَ عِنْدِي) ، وَفِي حَدِيث ابْن عمر: (فَقَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا ملكت رَقَبَة قطّ) . قَوْله: (فَهَل تَسْتَطِيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن؟) قَالَ الْقُرْطُبِيّ أَي: تقوى وتقدر؟ وَفِي حَدِيث سعد: (قَالَ: لَا أقدر) وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: (وَهل لقِيت مَا لقِيت إلَاّ من الصّيام؟) وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق هَذِه تَقْتَضِي أَن عدم استطاعته شدَّة شبقه وَعدم صبره عَن الوقاع، فَهَل يكون ذَلِك عذرا فِي الِانْتِقَال عَن الصَّوْم إِلَى الْإِطْعَام حَتَّى يعد صَاحبه غير مستطيع للصَّوْم أم لَا؟ وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة اعْتِبَار ذَلِك، فيسوغ لَهُ الِانْتِقَال إِلَى الْإِطْعَام، ويلتحق بِهِ من يجد رَقَبَة، وَهُوَ غير مستغنٍ عَنْهَا، فَإِنَّهُ يسوغ لَهُ الِانْتِقَال إِلَى الصَّوْم مَعَ وجودهَا لكَونه فِي حكم غير الْوَاجِد. انْتهى. قلت: فِي هَذَا كُله نظر لِأَن الشَّارِع رتب هَذِه الْخِصَال بِالْفَاءِ الَّتِي هِيَ للتَّرْتِيب والتعقيب، فَكيف ينْقض هَذَا؟ قَوْله: (مُتَتَابعين) فِيهِ اشْتِرَاط التَّتَابُع، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (فَهَل تَجِد إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا) . وَزَاد فِي رِوَايَة ابْن مُسَافر: (يَا رَسُول الله. .) وَوَقع فِي رِوَايَة سُفْيَان: (هَل تَسْتَطِيع إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا؟) وَوَقع فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد وعراق بن مَالك: (فأطعم سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا أجد) ، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (أفتستطيع أَن تطعم سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا) . وَذكر الْحَاجة، وَفِي حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: (وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أشْبع أَهلِي} ) وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: أضَاف الْإِطْعَام الَّذِي هُوَ مصدر أطْعم إِلَى سِتِّينَ، فَلَا يكون ذَلِك مَوْجُودا فِي حق من أطْعم سِتَّة مَسَاكِين عشرَة أَيَّام مثلا، وَمن أجَاز ذَلِك فَكَأَنَّهُ استنبط من النَّص معنى يعود عَلَيْهِ بالإبطال، وَالْمَشْهُور عَن الْحَنَفِيَّة الْإِجْزَاء حَتَّى لَو أطْعم الْجَمِيع مِسْكينا وَاحِدًا فِي سِتِّينَ يَوْمًا كفى. قلت: هَؤُلَاءِ الَّذين يشتغلون بالحنفية يحفظون شَيْئا وتغيب عَنْهُم أَشْيَاء، أَفلا يعلمُونَ أَن المُرَاد هَهُنَا سد خلة الْفَقِير؟ فَإِذا وجد ذَلِك مَعَ مُرَاعَاة معنى السِّتين، فَلَا طعن فِيهِ، ثمَّ المُرَاد من الْإِطْعَام الْإِعْطَاء لَهُم بِحَيْثُ يتمكنون من الْأكل، وَلَيْسَ المُرَاد حَقِيقَة الْإِطْعَام من وضع المطعوم فِي فَم الْآكِل. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي هَذِه الْخِصَال الثَّلَاثَة وَمَا الْمُنَاسبَة بَينهمَا؟ قلت: الَّذِي انتهك حُرْمَة الصَّوْم بِالْجِمَاعِ عمدا فِي نَهَار رَمَضَان، فقد أهلك نَفسه بالمعصية، فَنَاسَبَ أَن يعْتق رَقَبَة فيفدي نَفسه، بهَا، وَثَبت فِي (الصَّحِيح) (أَن من أعتق رَقَبَة أعتق الله بِكُل عُضْو

مِنْهَا عضوا من النَّار) . وَأما الصّيام فمناسبته ظَاهِرَة لِأَنَّهُ كالمقاصة بِجِنْس الْجِنَايَة، وَأما كَونه شَهْرَيْن فَلِأَنَّهُ لما أَمر بمصابرة النَّفس فِي حفظ كل يَوْم من شهر رَمَضَان على الْوَلَاء، فَلَمَّا أفسد مِنْهُ يَوْمًا كَانَ كمن أفسد الشَّهْر كُله من حَيْثُ إِنَّه عبَادَة وَاحِدَة بالنوع، فكلف بشهرين مضاعفة على سَبِيل الْمُقَابلَة لنقيض قَصده. وَأما الْإِطْعَام فمناسبته ظَاهِرَة، لِأَن مُقَابلَة كل يَوْم بإطعام مِسْكين، ثمَّ إِن هَذِه الْخِصَال جَامِعَة لاشتمالها على حق الله تَعَالَى وَهُوَ الصَّوْم، وَحقّ الْأَحْرَار بِالْإِطْعَامِ وَحقّ الأرقاء بِالْإِعْتَاقِ وَحقّ الْجَانِي بِثَوَاب الِامْتِثَال. قَوْله: (فَمَكثَ) بِالْمِيم وَفتح الْكَاف وَضمّهَا وبالثاء الْمُثَلَّثَة. وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من وَجْهَيْن عَن أبي الْيَمَان: أَحدهمَا: (مكث) مثل مَا هُوَ هُنَا. وَالْآخر: (فَسكت) ، من السُّكُوت وَفِي رِوَايَة أبي عُيَيْنَة (فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إجلس فَجَلَسَ) . قَوْله: (فَبينا نَحن على ذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: (فَبَيْنَمَا هُوَ جَالس كَذَلِك) ، قيل: يحْتَمل أَن يكون سَبَب أمره بِالْجُلُوسِ لانتظار مَا يُوحى إِلَيْهِ فِي حَقه، وَيحْتَمل أَنه كَانَ عرف أَنه سيؤتى بِشَيْء يُعينهُ بِهِ. قَوْله: (أُتِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، كَذَا هُوَ على بِنَاء الْمَجْهُول عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: (إِذْ أُتِي) وَهُوَ جَوَاب قَوْله: بَينا، وَقد مر فِي قَوْله: (بَيْنَمَا نَحن جُلُوس) أَن بَعضهم قَالَ: إِن بَينا لَا يتلَقَّى بإذ وَلَا بإذا، وَهَهُنَا فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة جَاءَ بإذ، وَهُوَ يرد مَا قَالَه، فَكَأَنَّهُ ذهل عَن هَذَا، والآتي من هُوَ لم يدر، وَقَالَ بَعضهم: والآتي الْمَذْكُور لم يسم. قلت: فِي أَيْن ذكر الْآتِي حَتَّى قَالَ: لم يسم؟ لَكِن وَقع فِي الْكَفَّارَات على مَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَة معمر: (فجَاء رجل من الْأَنْصَار) ، وَهُوَ أَيْضا غير مَعْلُوم. فَإِن قلت: عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَن سعيد بن الْمسيب مُرْسلا، (فَأتى رجل من ثَقِيف) . قلت: رِوَايَة الصَّحِيح أصح، وَيُمكن أَن يحمل على أَنه كَانَ حليفا للْأَنْصَار، فَأطلق عَلَيْهِ الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ بَعضهم: أَو إِطْلَاق الْأنْصَارِيّ، بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ. قلت: لَا وَجه لذَلِك لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يُطلق على كل من كَانَ من أَي قَبيلَة كَانَ أَنْصَارِيًّا بِهَذَا الْمَعْنى، وَلم يقل بِهِ أحد. قَوْله: (بعرق) ، قد مر تَفْسِيره عَن قريب مُسْتَوفى. قَوْله: (والمكتل) تَفْسِير الْعرق وَقد مر تَفْسِير المكتل أَيْضا وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن خُزَيْمَة (المكتل الضخم) فَإِن قلت تَفْسِير الْعرق بالمكتل مِمَّن؟ قلت: الظَّاهِر أَنه من الصَّحَابِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون من الروَاة، قيل: فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة مَا يشْعر بِأَنَّهُ الزُّهْرِيّ، وَفِي رِوَايَة مَنْصُور فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا: وَهُوَ بَاب المجامع فِي رَمَضَان فَأتي بعرق فِيهِ تمر، وَهُوَ الزبيل، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (فَأتي بزبيل) ، وَقد مر تَفْسِير الزبيل أَيْضا مُسْتَوفى. قَوْله: (أَيْن السَّائِل؟) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لم يكن لذَلِك الرجل سُؤال، بل كَانَ لَهُ مُجَرّد إِخْبَار بِأَنَّهُ هلك، فَمَا وَجه إِطْلَاق لفظ السَّائِل عَلَيْهِ؟ قلت: كَلَامه مُتَضَمّن للسؤال أَي: هَلَكت، فَمَا مُقْتَضَاهُ وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ؟ فَإِن قلت: لم يبين فِي هَذَا الحَدِيث مِقْدَار مَا فِي المكتل من التَّمْر؟ قلت: وَقع فِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا) ، وَفِي رِوَايَة مُؤَمل عَن سُفْيَان: (فِيهِ خَمْسَة عشر أَو نَحْو ذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة مهْرَان بن أبي عمر عَن الثَّوْريّ عِنْد ابْن خُزَيْمَة: (فِيهِ خَمْسَة عشر أَو عشرُون) وَكَذَا هُوَ عِنْد مَالك، وَفِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ الْجَزْم بِعشْرين صَاعا، وَوَقع فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد ابْن خُزَيْمَة: (فَأتي بعرق فِيهِ عشرُون صَاعا) ، وَقَالَ بَعضهم: من قَالَ: عشرُون، أَرَادَ أصل مَا كَانَ فِيهِ، وَمن قَالَ: خَمْسَة عشر، أَرَادَ قدر مَا تقع بِهِ الْكَفَّارَة، وَيبين ذَلِك حَدِيث عَليّ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ: (يطعم سِتِّينَ مِسْكينا لكل مِسْكين مد) وَفِيه: (فَأتي بِخَمْسَة عشر صَاعا، فَقَالَ: أطْعمهُ سِتِّينَ مِسْكينا) . وَكَذَا فِي رِوَايَة حجاج عَن الزُّهْرِيّ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: وَفِيه رد على الْكُوفِيّين فِي قَوْلهم: إِن واجبه من الْقَمْح ثَلَاثُونَ صَاعا، وَمن غَيره سِتُّونَ صَاعا، وعَلى أَشهب فِي قَوْله: لَو غدَّاهم أَو عشَّاهم كفى لصدق الْإِطْعَام، وَلقَوْل الْحسن: يطعم أَرْبَعِينَ مِسْكينا عشْرين صَاعا، وَلقَوْل عَطاء: إِن أفطر بِالْأَكْلِ أطْعم عشْرين صَاعا، أَو بِالْجِمَاعِ أطْعم خَمْسَة عشر، وَفِيه رد على الْجَوْهَرِي حَيْثُ قَالَ فِي (الصِّحَاح) : المكتل تشبه الزبيل، يسع خَمْسَة عشر صَاعا لِأَنَّهُ لَا حصر فِي ذَلِك. انْتهى. قلت: لَيْت شعري كَيفَ فِيهِ رد على الْكُوفِيّين وهم قد احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسلم: (فَجَاءَهُ عرقان فيهمَا طَعَام) ، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن مَا فِي العرقين يكون ثَلَاثِينَ صَاعا، فَيعْطى لكل مِسْكين نصف صَاع، بل الرَّد على أئمتهم حَيْثُ احْتَجُّوا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بالروايات المضطربة، وَفِي بَعْضهَا الشَّك، فالعجب

مِنْهُ أَن يرد على الْكُوفِيّين مَعَ علمه أَن احتجاجهم قوي صَحِيح، وأعجب مِنْهُ أَنه قَالَ فِي رِوَايَة مُسلم هَذِه: وَوَجهه أَن كَانَ مَحْفُوظًا، وَقد ردينا عَلَيْهِ مَا قَالَه فِيمَا مضى عَن قريب، وَكَذَلِكَ قَوْله: وَفِيه رد على الْجَوْهَرِي، غير صَحِيح، لِأَنَّهُ لم يحصر مَا قَالَه فِي ذَلِك: غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه نقل أحد الْمعَانِي الَّتِي قَالُوا فِي المكتل وَسكت عَلَيْهِ. قَوْله: (فَتصدق بِهِ) وَزَاد ابْن إِسْحَاق: (فَتصدق عَن نَفسك) ، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مَنْصُور فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظ: (أطْعم هَذَا عَنْك) . قَوْله: (أعَلَى أفقر منى؟) أَي: أَتصدق بِهِ على شخص أفقر منى؟ وَفِي حَدِيث ابْن عمر، أخرجه الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) (إِلَى من أدفعه؟ قَالَ: إِلَى أفقر من تعلم) وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد: (أَعلَى أفقر من أَهلِي؟) وَلابْن مُسَافر: (أَعلَى أهل بَيت أفقر منى؟) وَالْأَوْزَاعِيّ: (أَعلَى غير أَهلِي؟) ولمنصور: (أَعلَى أحْوج منا؟) وَلابْن إِسْحَاق (وَهل الصَّدَقَة إلَاّ لي وَعلي؟) . قَوْله: (فوَاللَّه مَا بَين لابتيها) اللابتان، بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة ثمَّ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق: عبارَة عَن حرتين تكتنفان الْمَدِينَة، وَهِي تَثْنِيَة: لابة، والحرة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: الأَرْض ذَات حِجَارَة سود. قَوْله: (يُرِيد الحرتين) ، من كَلَام بعض رُوَاته، وَوَقع فِي حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور: (مَا بَين حرتيها) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ الْآتِي فِي الْأَدَب: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا بَين طنبي الْمَدِينَة) وَهُوَ تَثْنِيَة: طُنب، بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة وَالنُّون: أحد أطناب الْخَيْمَة، واستعاره للطرف. قَوْله: (أهل بَيت أفقر من أهل بيتى) لفظ: أهل، مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم: مَا، النافية. و: أفقر، مَنْصُوب لِأَنَّهُ خَبَرهَا، وَيجوز رَفعه على لُغَة تَمِيم، وَفِي رِوَايَة يُونُس: (أفقر مني وَمن أهل بَيْتِي؟) وَفِي رِوَايَة عقيل: (مَا أحد أَحَق بِهِ من أَهلِي، مَا أحد أحْوج إِلَيْهِ مني) وَفِي مُرْسل سعيد من رِوَايَة دَاوُد عَنهُ: (وَالله مَا لِعِيَالِي من طَعَام) . وَفِي حَدِيث عِنْد ابْن خُزَيْمَة: (مَا لنا عشَاء لَيْلَة) . قَوْله: (فَضَحِك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى بَدَت أنيابه) ، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: (حَتَّى بَدَت نواجده) ، وَلأبي قُرَّة فِي (السّنَن) عَن ابْن جريج: (حَتَّى بَدَت ثناياه) ، قيل: لَعَلَّهَا تَصْحِيف من أنيابه، فَإِن الثنايا تتبين بالتبسم غَالِبا، وَظَاهر السِّيَاق إِرَادَة الزِّيَادَة على التبسم، وَيحمل مَا ورد فِي صفته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن ضحكه كَانَ تبسما غَالب أَحْوَاله، وَقيل: كَانَ لَا يضْحك إلَاّ فِي أَمر يتَعَلَّق بِالآخِرَة، فَإِن كَانَ فِي أَمر الدُّنْيَا لم يزدْ على التبسم. وَقيل: إِن سَبَب ضحكه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ من تبَاين حَال الرجل، حَيْثُ جَاءَ خَائفًا على نَفسه رَاغِبًا فِي فداها مهما أمكنه، فَلَمَّا وجد الرُّخْصَة طمع أَن يَأْكُل مَا أعْطِيه فِي الْكَفَّارَة. وَقيل: ضحك من حَال الرجل فِي مقاطع كَلَامه وَحسن تَأتيه وتلطفه فِي الْخطاب وَحسن توسله فِي توصله إِلَى مَقْصُوده. قَوْله: (ثمَّ قَالَ: أطْعمهُ أهلك) وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عُيَيْنَة فِي الْكَفَّارَات: (أطْعمهُ عِيَالك) . وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد: (فَأنْتم إِذا) ، وَقدم ذَلِك على ذكر الضحك، وَفِي رِوَايَة أبي قُرَّة عَن ابْن جريج: (ثمَّ قَالَ: كُله) ، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: (خُذْهَا وَكلهَا وأنفقها على عِيَالك) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قد ذكرنَا فِي الْبَاب الَّذِي قبله مَا يتَعَلَّق بِهِ وَبِغَيْرِهِ من الْأَحْكَام، فلنذكر هُنَا مَا لم نذمر هُنَاكَ. فَفِيهِ: أَن من جَاءَ مستفتيا فِيمَا فِيهِ الِاجْتِهَاد دون الْحُدُود المحدودة أَنه لَا يلْزمه تَعْزِير وَلَا عُقُوبَة كَمَا لم يُعَاقب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْأَعرَابِي على هتك حُرْمَة الشَّهْر، قَالَه عِيَاض: قَالَ: لِأَن فِي مَجِيئه واستفتائه ظُهُور تَوْبَته وإقلاعه، قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَو عُوقِبَ كل من جَاءَ بجيئه لم يستفت أحد غَالِبا عَن نازلة مَخَافَة الْعقُوبَة، بِخِلَاف مَا فِيهِ حد مَحْدُود، وَقد بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي كتاب الْمُحَاربين: بَاب من أصَاب ذَنبا دون الْحَد، فَأخْبر الإِمَام فَلَا عُقُوبَة عَلَيْهِ، بعد أَن جَاءَ مستفتيا. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: مستعتبا، ثمَّ قَالَ البُخَارِيّ: وَقَالَ ابْن جريج: وَلم يُعَاقب الَّذِي جَامع فِي رَمَضَان. فَإِن قلت: وَقع فِي (شرح السّنة) لِلْبَغوِيِّ: أَن من جَامع مُتَعَمدا فِي رَمَضَان فسد صَوْمه. وَعَلِيهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة، وَيُعَزر على سوء صَنِيعه. قلت: هُوَ مَحْمُول على من لم يَقع مِنْهُ مَا وَقع من صَاحب هَذِه الْقِصَّة من النَّدَم وَالتَّوْبَة.

وَفِيه: أَن الْكَفَّارَة مرتبَة ككفارة الظِّهَار، وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء إلَاّ أَن مَالك بن أنس زعم أَنه مُخَيّر بَين عتق الرَّقَبَة وَصَوْم شَهْرَيْن وَالْإِطْعَام، وَحكي عَنهُ أَنه قَالَ: الْإِطْعَام أحب إِلَيّ من الْعتْق، وَوَقع فِي (الْمُدَوَّنَة) : وَلَا يعرف مَالك غير الْإِطْعَام وَلَا يَأْخُذ بِعِتْق وَلَا صِيَام. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَهِي معضلة لَا يَهْتَدِي إِلَى توجيهها مَعَ مصادمة الحَدِيث الثَّابِت، غير أَن بعض الْمُحَقِّقين من أَصْحَابه حل هَذَا اللَّفْظ وتأوله على الِاسْتِحْبَاب فِي تَقْدِيم الطَّعَام على غَيره من الْخِصَال، وَذكر أَصْحَابه فِي هَذَا

وُجُوهًا كَثِيرَة كلهَا لَا تقاوم مَا ورد فِي الحَدِيث من تَقْدِيم الْعتْق على الصّيام، ثمَّ الْإِطْعَام.

وَفِيه: أَن الْكَفَّارَة بالخصال الثَّلَاث على التَّرْتِيب الْمَذْكُور، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لِأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نَقله من أَمر بعد عَدمه إِلَى أَمر آخر، وَلَيْسَ هَذَا شَأْن التَّخْيِير. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: ترَتّب الثَّانِي بِالْفَاءِ على فقد الأول، ثمَّ الثَّالِث بِالْفَاءِ على فقد الثَّانِي، يدل على عدم التَّخْيِير، مَعَ كَونهَا فِي معرض الْبَيَان وَجَوَاب السُّؤَال، فَينزل منزلَة الشَّرْط الْمُحكم. وَقيل: سلك الْجُمْهُور فِي ذَلِك مَسْلَك التَّرْجِيح بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب عَن الزُّهْرِيّ أَكثر مِمَّن روى التَّخْيِير، وَاعْترض ابْن التِّين بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب ابْن عُيَيْنَة وَمعمر وَالْأَوْزَاعِيّ، وَالَّذين رووا التَّخْيِير مَالك وَابْن جريج وفليح بن سُلَيْمَان وَعمر بن عُثْمَان المَخْزُومِي، وَأجِيب: بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب عَن الزُّهْرِيّ ثَلَاثُونَ نفسا أَو أَكثر، وَرجح التَّرْتِيب أَيْضا بِأَن رَاوِيه حكى لفظ الْقِصَّة على وَجههَا فمعه زِيَادَة علم من صُورَة الْوَاقِعَة، وراوي التَّخْيِير حكى لفظ رَاوِي الحَدِيث، فَدلَّ على أَنه من تصرف بعض الروَاة إِمَّا لقصد الِاخْتِصَار أَو لغير ذَلِك، ويترجح التَّرْتِيب أَيْضا بِأَنَّهُ أحوط. وَحمل الْمُهلب والقرطبي الْأَمر على التَّعَدُّد، وَهُوَ بعيد، لِأَن الْقِصَّة وَاحِدَة وَالْأَصْل عدم التَّعَدُّد، وَحمل بَعضهم التَّرْتِيب على الْأَوْلَوِيَّة والتخيير على الْجَوَاز.

وَفِيه: إِعَانَة الْمُعسر فِي الْكَفَّارَة، وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ فِي النذور. وَفِيه: إِعْطَاء الْقَرِيب من الْكَفَّارَة، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي النذور. وَفِيه: إِعْطَاء الْقَرِيب من الْكَفَّارَة وَبَوَّبَ عَلَيْهِ البُخَارِيّ أَيْضا. وَفِيه: أَن الْهِبَة وَالصَّدَََقَة لَا يحْتَاج فيهمَا إِلَى الْقبُول بِاللَّفْظِ بل الْقَبْض كَاف، وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ أَيْضا. وَفِيه: أَن الْكَفَّارَة لَا تجب إلَاّ بعد نَفَقَة من تجب عَلَيْهِ، وَقد بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات. وَفِيه: جَوَاز الْمُبَالغَة فِي الضحك عِنْد التَّعَجُّب لقَوْله: (حَتَّى بَدَت أنيابه) . وَفِيه: جَوَاز قَول الرجل فِي الْجَواب: وَيحك، أَو: وَيلك. وَفِيه: جَوَاز الْحلف بِاللَّه وَصِفَاته، وَإِن لم يسْتَحْلف كَمَا فِي البُخَارِيّ. وَغَيره، (وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (وَالله مَا بَين لابتيها) إِلَى آخِره. وَفِيه: أَن القَوْل قَول الْفَقِير أَو الْمِسْكِين وَجَوَاز عطائه مِمَّا يسْتَحقّهُ الْفُقَرَاء لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يكلفه الْبَيِّنَة حِين ادّعى أَنه مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أهل بَيت أحْوج مِنْهُم؟ وَفِيه: جَوَاز الْحلف على غَلَبَة الظَّن، وَإِن لم يعلم ذَلِك بالدلائل القطعية، لحلف الْمَذْكُور أَنه لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ أحْوج مِنْهُم مَعَ جَوَاز أَن يكون بِالْمَدِينَةِ أحْوج مِنْهُم لِكَثْرَة الْفُقَرَاء فِيهَا، وَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: اسْتِعْمَال الْكِنَايَة فِيمَا يستقبح طهوره بِصَرِيح لَفظه، لقَوْله: (وَقعت أَو أصبت) فَإِن قلت: ورد فِي بعض طرقه: (وطِئت؟) قلت: هَذَا من تصرف الروَاة. وَفِيه: الرِّفْق بالمتعلم والتلطف فِي التَّعْلِيم والتأليف على الدّين، والندم على الْمعْصِيَة واستشعار الْخَوْف. وَفِيه: الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد لغير الصَّلَاة من الْمصَالح الدِّينِيَّة: كنشر الْعلم. وَفِيه: التعاون على الْعِبَادَة. وَفِيه: السَّعْي على خلاص الْمُسلم. وَفِيه: إِعْطَاء الْوَاحِد فَوق حَاجته الراهنة. وَفِيه: إِعْطَاء الْكَفَّارَة لأهل بَيت وَاحِد.

١٣ - (بابُ المُجامِعِ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أهْلَهُ مِنَ الكَفَّارَةِ إذَا كانُوا مَحَاوِيجَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّائِم المجامع فِي رَمَضَان: هَل يطعم أَهله الْكَفَّارَة إِذا كَانُوا محاويج أم لَا؟ وَلم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام اكْتِفَاء بِمَا ذكر من متن الحَدِيث، والمحاويج قَالَ المطرزي فِي (الْمغرب) : هم المحتاجون، عَامي قلت: يحْتَمل أَن يكون جمع: محواج، وَهُوَ كثير الْحَاجة، صِيغ على وزن اسْم الْآلَة للْمُبَالَغَة.

٧٣٩١ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَريرٌ عَن منْصُورٍ عنِ الزُّهْرِيَّ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إلَى النبيِّ فَقَالَ إنَّ الآخِرَ وقعَ عَلَى امْرَأتِهِ فِي رمَضَانَ فَقَالَ أتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رقَبةً قَالَ لَا قَالَ أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا قَالَ أفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينا قَالَ لَا قَالَ فأُتِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَرَقٍ

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

صَحِيحِهِ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ، وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا ذِكْرُ صِيَامِ شَهْرَيْنِ، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ.

(تَنْبِيهٌ): اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، فَالْمَشْهُورُ مَا تَقَدَّمَ، وَعَنْهُ يُكَفِّرُ فِي الْأَكْلِ بِالتَّخْيِيرِ وَفِي الْجِمَاعِ بِالْإِطْعَامِ فَقَطْ، وَعَنْهُ التَّخْيِيرُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُرَاعَى زَمَانُ الْخَصْبِ وَالْجَدْبِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ حَالَةُ الْمُكَفِّرِ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.

٣٠ - بَاب إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ

١٩٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ - قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا. قَالَ: خُذْ هَذا فَتَصَدَّقْ بِهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ

[الحديث ١٩٣٦ - أطرافه في: ١٩٣٧، ٢٦٠٠، ٥٣٦٨، ٦٠٨٧، ٦١٦٤، ٦٧٠٩، ٦٧١٠، ٦٧١١، ٦٨٢١]

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ) أَيْ: عَامِدًا عَالِمًا (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ) يُعْتِقُ أَوْ يُطْعِمُ وَلَا يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ (فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ) أَيْ: بِقَدْرِ مَا يَجْزِيهِ) (فَلْيُكَفِّرْ) أَيْ: بِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَاجِدًا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِعْسَارَ لَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ عَنِ الذِّمَّةِ.

قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أَيِ: ابْنُ عَوْفٍ، هَكَذَا تَوَارَدَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ، وَقَدْ جَمَعْتُ مِنْهُمْ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ لِطُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ نَفْسًا، مِنْهُمُ: ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَاللَّيْثُ، وَمَعْمَرٌ، وَمَنْصُورٌ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَشُعَيْبٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَمَالِكٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ، وَالْجَوْزَقِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسَافِرٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَعُقَيْلٌ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ،

وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَيُونُسُ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عِنْدَ الْبَزَّارِ، وَسَأَذْكُرُ مَا عِنْدَ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ زِيَادَةِ فَائِدَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَخَالَفَهُمْ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْبَزَّارُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَبُو عَوَانَةَ: أَخْطَأَ فِيهِ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ. قُلْتُ: وَقَدْ تَابَعَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ وَالْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ كَالْجَمَاعَةِ. كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا، فَقَدْ جَمَعَهُمَا عَنْهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِهِ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ حِكَايَةُ خِلَافٍ آخَرَ فِيهِ عَلَى مَنْصُورٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ حِكَايَةُ خِلَافٍ فِيهِ عَلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

قَوْلُهُ: (أنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَعُقَيْلٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ بَيْنَ حُمَيْدٍ،

وَأَبِي هُرَيْرَةَ.

قَوْلُهُ: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ) أَصْلُهَا بَيْنَ وَقَدْ تَرِدُ بِغَيْرِ مَا فَتُشْبَعُ الْفَتْحَةُ، وَمِنْ خَاصَّةِ بَيْنَمَا أَنَّهَا تُتَلَقَّى بِـ إِذْ وَبِـ إِذَا حَيْثُ تَجِيءُ لِلْمُفَاجَأَةِ، بِخِلَافِ بَيْنَا فَلَا تُتَلَقَّى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ وَرَدَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (عِنْدَ النَّبِيِّ فِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ فِي التَّعْبِيرِ لِمَا تُشْعِرُ الْعِنْدِيَّةُ بِالتَّعْظِيمِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ مَعَ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مَعَ النَّبِيِّ .

قَوْلُهُ: (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، إِلَّا أَنَّ عَبْدَ الْغَنِيِّ فِي الْمُبْهَمَاتِ - وَتَبِعَهُ ابْنُ بَشْكُوَالَ - جَزْمًا بِأَنَّهُ سُلَيْمَانُ أَوْ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الْبَيَاضِيُّ، وَاسْتَنَدَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أَنَّهُ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهُ وَطِئَهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : حَرِّرْ رَقَبَةً، قُلْتُ: مَا أَمْلِكُ رَقَبَةً غَيْرَهَا وَضَرَبَ صَفْحَةَ رَقَبَتِهِ. قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعِينَ. قَالَ: وَهَلْ أَصَبْتُ الَّذِي أَصَبْتُ إِلَّا مِنَ الصِّيَامِ؟ قَالَ: فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكَيْنَا. قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا لَنَا طَعَامٌ. قَالَ: فَانْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ؛ فَإِنَّ فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ كَانَ صَائِمًا كَمَا سَيَأْتِي، وَفِي قِصَّةِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلًا فَافْتَرَقَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا - فِي كَوْنِهِمَا مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ وَفِي صِفَةِ الْكَفَّارَةِ وَكَوْنِهَا مُرَتَّبَةً وَفِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ خِصَالِهَا - اتِّحَادُ الْقِصَّتَيْنِ، وَسَنَذْكُرُ أَيْضًا مَا يُؤَيِّدُ الْمُغَايِرَةَ بَيْنَهُمَا.

وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَرْجَمَةِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ مِنَ التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ صَخْرٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَظُنُّ هَذَا وَهْمًا؛ لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ أَنَّهُ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ وَوَقَعَ عَلَيْهَا فِي اللَّيْلِ لَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ بِالنَّهَارِ اهـ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمضَانَ أَيْ: لَيْلًا بَعْدَ أَنْ ظَاهَرَ، فَلَا يَكُونُ وَهْمًا وَلَا يَلْزَمُ الِاتِّحَادُ، وَوَقَعَ فِي مَبَاحِثِ الْعَامِّ مِنْ شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ مَا يُوهِمُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ يَسَارٍ وَهُوَ وَهَمٌ يَظْهَرُ مِنْ تَأَمُّلِ بَقِيَّةِ كَلَامِهِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ) زَادَ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: جَاءَ رَجُلٌ وَهُوَ يَنْتِفُ شَعْرَهُ وَيَدُقُّ صَدْرَهُ وَيَقُولُ: هَلَكَ الْأَبْعَدُ وَلِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ: يَلْطِمُ وَجْهَهُ وَلِحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ: يَدْعُو وَيْلَهُ وَفِي مُرْسَلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ: وَيُحْثِي عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ هَذَا الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ مَعْصِيَةٌ، وَيُفَرَّقُ بِذَلِكَ بَيْنَ مُصِيبَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَيَجُوزُ فِي مُصِيبَةِ الدِّينِ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ الْحَالُ مِنْ شِدَّةِ النَّدَمِ وَصِحَّةِ الْإِقْلَاعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ لَطْمِ الْخُدُودِ وَحَلْقِ الشَّعْرِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ هَلَكْتُ) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ هَلَكَ وَالْأَخِرُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ بِغَيْرِ مَدٍّ هُوَ الْأَبْعَدُ، وَقِيلَ: الْغَائِبُ، وَقِيلَ: الْأَرْذَلُ.

قَوْلُهُ: (هَلَكْتُ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ احْتَرَقْتُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ: مَا أَرَانِي إِلَّا قَدْ هَلَكْتُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ وَالِاحْتِرَاقَ مَجَازٌ عَنِ الْعِصْيَانِ الْمُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ جَعَلَ الْمُتَوَقَّعَ كَالْوَاقِعِ، وَبَالَغَ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ: الْمَاضِي، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى النَّاسِي وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ، وَعَنْ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ يَجِبُ عَلَى النَّاسِي، وَتَمَسَّكُوا بِتَرْكِ اسْتِفْسَارِهِ عَنْ جِمَاعِهِ هَلْ كَانَ عَنْ عَمْدٍ أَوْ نِسْيَانٍ، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي الْفِعْلِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْقَوْلِ كَمَا اشْتُهِرَ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ حَالُهُ بِقَوْلِهِ هَلَكْتُ وَاحْتَرَقْتُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ، وَأَيْضًا فَدُخُولُ النِّسْيَانِ فِي الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ تَرْجَمَ لِذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي الْحُدُودِ وَأَشَارَ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَتَوَجيهُهُ أَنَّ مَجِيئَهُ مُسْتَفْتِيًا

يَقْتَضِي النَّدَمَ وَالتَّوْبَةَ، وَالتَّعْزِيرُ إِنَّمَا جُعِلَ لِلِاسْتِصْلَاحِ وَلَا اسْتِصْلَاحَ مِنَ الصَّلَاحِ، وَأَيْضًا فَلَوْ عُوقِبَ الْمُسْتَفْتِي لَكَانَ

سَبَبًا لِتَرْكِ الِاسْتِفْتَاءِ، وَهِيَ مَفْسَدَةٌ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يُعَاقَبَ، هَكَذَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ لِلْبَغَوِيِّ أَنَّ مَنْ جَامَعَ مُتَعَمِّدًا فِي رَمَضَانَ فَسَدَ صَوْمُهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَيُعَزَّرُ عَلَى سُوءِ صَنِيعِهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ مَا وَقَعَ مِنْ صَاحِبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنَ النَّدَمِ وَالتَّوْبَةِ، وَبَنَاهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعْزِيرِ شَاهِدِ الزُّورِ.

قَوْلُهُ: (قَالَ مَا لَكَ)؟ بِفَتْحِ اللَّامِ، اسْتِفْهَامٌ عَنْ حَالِهِ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: وَيْحَكَ، مَا شَأْنُكَ؟ وَلِابْنِ أَبِي حَفْصَةَ: وَمَا الَّذِي أَهْلَكَكَ؟ وَلِعَمْرٍو: مَا ذَاكَ؟ وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ: وَيْحَكَ مَا صَنَعْتَ؟ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ وَتَرْجَمَ بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: وَيْلَكَ وَيْحَكَ ثُمَّ قَالَ عَقِبَهُ: تَابَعَهُ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ يَعْنِي: فِي قَوْلِهِ: وَيْحَكَ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَيْلَكَ. قُلْتُ: وَسَأَذْكُرُ مَنْ وَصَلَهُمَا هُنَاكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ تَابَعَ ابْنَ خَالِدٍ فِي قَوْلِهِ: وَيْلَكَ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَتَابَعَ الْأَوْزَاعِيَّ فِي قَوْلِهِ: وَيْحَكَ عُقَيْلٌ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ فَهُوَ أَرْجَحُ وَهُوَ اللَّائِقُ بِالْمَقَامِ، فَإِنَّ وَيْحَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ، وَوَيْلَ كَلِمَةُ عَذَابٍ، وَالْمَقَامُ يَقْتَضِي الْأَوَّلَ.

قَوْلُهُ: (وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: أَصَبْتُ أَهْلِي وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: وَطِئْتُ امْرَأَتِي وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيرِهِمَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ قَلِيلٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالتَّخْيِيرِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ: أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ الْحَدِيثَ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ أَفْسَدَ صِيَامَهُ مُطْلَقًا بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْخِلَافِ فِيهِ، وَالْجُمْهُورُ حَمَلُوا قَوْلُهُ: أَفْطَرَ هُنَا عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي وَكَأَنَّهُ قَالَ: أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى الْقُرْطُبِيِّ وَغَيْرِهِ تَعَدُّدَ الْقِصَّةِ.

وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ مُطْلَقًا بِقِيَاسِ الْآكِلِ عَلَى الْمُجَامِعِ بِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ انْتَهَاكِ حُرْمَةِ الصَّوْمِ، وَبِأَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْأَكْلِ فَسَدَ صَوْمُهُ كَمَا يَفْسُدُ صَوْمُ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْجِمَاعِ بِجَامِعِ مَا بَيْنَهُمَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ التَّرْجِيحِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ نَظِيرُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمُعْظَمُ الرِّوَايَاتِ فِيهَا وَطِئْتُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ سَاقَ مُسْلِمٌ إِسْنَادَهَا وَسَاقَ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مَتْنَهَا أَنَّهُ قَالَ: أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانَ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ وَمَخْرَجُهَا مُتَّحِدٌ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ، وَقَدْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ: أَصَبْتُ امْرَأَتِي ظُهْرًا فِي رَمَضَانَ وَتَعْيِينُ رَمَضَانَ مَعْمُولٌ بِمَفْهُومِهِ، وَلِلْفَرْقِ فِي وُجُوبِ كَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ فِي الصَّوْمِ بَيْنَ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ كَالنَّذْرِ، وَفِي كَلَامِ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ إِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ وَقَعَ مِنْهُ فِي رَمَضَانَ نَهَارًا سَوَاءٌ كَانَ الصَّوْمُ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ.

قَوْلُهُ: (وَأَنَا صَائِمٌ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَعْتُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْمُشْتَقِّ بَقَاءُ الْمَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ حَقِيقَةً لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِهِ صَائِمًا مُجَامِعًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ: وَطِئْتُ أَيْ: شَرَعْتُ فِي الْوَطْءِ، أَوْ أَرَادَ جَامَعْتُ بَعْدَ إِذْ أَنَا صَائِمٌ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ: وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي الْيَوْمَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: (هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ: أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ فَقَالَ: أَعْتِقْ رَقَبَةً زَادَ فِي رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: بِئْسَمَا صَنَعْتَ أَعْتِقْ رَقَبَةً.

قَوْلُهُ: (قَالَ: لَا) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مُسَافِرٍ: فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ لَيْسَ عِنْدِي، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا مَلَكْتُ رَقَبَةً قَطُّ وَاسْتُدِلَّ بِإِطْلَاقِ الرَّقَبَةِ عَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ السَّبَبَ إِذَا اخْتَلَفَ

وَاتَّحَدَ الْحُكْمُ هَلْ يُقَيَّدُ الْمُطْلَقُ أَوْ لَا؟ وَهَلْ تَقْيِيدُهُ بِالْقِيَاسِ أَوْ لَا؟ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ بِالْقِيَاسِ، وَيُؤَيِّدُهُ التَّقْيِيدُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.

قَوْلُهُ: (قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا)، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بن سَعْدٍ قَالَ: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ قَالَ: لَا أَقْدِرُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: وَهَلْ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ إِلَّا مِنَ الصِّيَامِ؟. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَا إِشْكَالَ فِي الِانْتِقَالِ عَنِ الصَّوْمِ إِلَى الْإِطْعَامِ، لَكِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ إِسْحَاقَ هَذِهِ اقْتَضَتْ أَنَّ عَدَمَ اسْتِطَاعَتِهِ لِشِدَّةِ شَبَقِهِ وَعَدَمِ صَبْرِهِ عَنِ الْوَقَاعِ فَنَشَأَ لِلشَّافِعِيَّةِ نَظَرٌ: هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا - أَيْ: شِدَّةُ الشَّبَقِ - حَتَّى يُعَدَّ صَاحِبُهُ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لِلصَّوْمِ أَوْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَنْ يَجِدُ رَقَبَةً لَا غِنَى بِهِ عَنْهَا، فَإِنَّهُ يَسُوغُ لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى الصَّوْمِ مَعَ وُجُودِهَا لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ غَيْرِ الْوَاجِدِ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ مُرْسَلًا، أَنَّهُ قَالَ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ إِنِّي لَأَدَعُ الطَّعَامَ سَاعَةً فَمَا أُطِيقُ ذَلِكَ فَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَلَعَلَّهُ اعْتَلَّ بِالْأَمْرَيْنِ.

قَوْلُهُ: (فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا) زَادَ ابْنُ مُسَافِرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ إِطْعَامَ؟، وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ: فَتُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا أَجِدُ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ: أَفَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا وَذَكَرَ الْحَاجَةَ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُشْبِعُ أَهْلِي. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: أَضَافَ الْإِطْعَامَ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ أَطْعِمْ إِلَى سِتِّينَ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي حَقِّ مَنْ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا، وَمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنَ النَّصِّ مَعْنًى يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ الْإِجْزَاءُ حَتَّى لَوْ أَطْعَمَ الْجَمِيعُ مِسْكِينًا وَاحِدًا فِي سِتِّينَ يَوْمًا كَفَى، وَالْمُرَادُ بِالْإِطْعَامِ الْإِعْطَاءُ لَا اشْتِرَاطُ حَقِيقَةِ الْإِطْعَامِ مِنْ وَضْعِ الْمَطْعُومِ فِي الْفَمِ، بَلْ يَكْفِي الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي إِطْلَاقِ الْإِطْعَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِوُجُودِ الْإِطْعَامِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ مُنَاوَلَةٍ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْفَرْضِ، فَإِنَّ فِيهَا النَّصَّ عَلَى الْإِيتَاءِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، فَإِنَّ فِيهَا النَّصَّ عَلَى الْأَدَاءِ، وَفِي ذِكْرِ الْإِطْعَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ طَاعِمِينَ فَيَخْرُجُ الطِّفْلُ الَّذِي لَمْ يَطْعَمْ كَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ، وَنَظَرَ الشَّافِعِيُّ إِلَى النَّوْعِ فَقَالَ: يُسَلَّمُ لِوَلِيِّهِ، وَذَكَرَ السِّتِّينَ لِيُفْهَمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَا زَادَ عَلَيْهَا، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ تَمَسَّكَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ.

وَذُكِرَ فِي حِكْمَةِ هَذِهِ الْخِصَالِ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الصَّوْمِ بِالْجِمَاعِ فَقَدْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ بِالْمَعْصِيَةِ فَنَاسَبَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً فَيَفْدِيَ نَفْسَهُ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ. وَأَمَّا الصِّيَامُ فَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُقَاصَّةِ بِجِنْسِ الْجِنَايَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ شَهْرَيْنِ فَلِأَنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِمُصَابَرَةِ النَّفْسِ فِي حِفْظِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى الْوَلَاءِ فَلَمَّا أَفْسَدَ مِنْهُ يَوْمًا كَانَ كَمَنْ أَفْسَدَ الشَّهْرَ كُلَّهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ بِالنَّوْعِ فَكُلِّفَ بِشَهْرَيْنِ مُضَاعَفَةً عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ لِنَقِيضِ قَصْدِهِ.

وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُقَابَلَةُ كُلِّ يَوْمٍ بِإِطْعَامِ مِسْكَيْنٍ. ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ جَامِعَةٌ؛ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى حَقِّ اللَّهِ وَهُوَ الصَّوْمُ، وَحَقِّ الْأَحْرَارِ بِالْإِطْعَامِ، وَحَقِّ الْأَرِقَّاءِ بِالْإِعْتَاقِ، وَحَقِّ الْجَانِي بِثَوَابِ الِامْتِثَالِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِالْجِمَاعِ خِلَافًا لِمَنْ شَذَّ فَقَالَ: لَا تَجِبُ مُسْتَنِدًا إِلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا سَقَطَ بِالْإِعْسَارِ، وَتُعُقِّبَ بِمَنْعِ الْإِسْقَاطِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ بَابِ الصَّائِمُ يُصْبِحُ جُنُبًا نَقْلُ الْخِلَافِ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ بِالْقُبْلَةِ وَالنَّظَرِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَالْإِنْعَاظِ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ يُلْحَقُ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ بِالْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ كُلُّ وَطْءٍ فِي أَيِّ فَرْجٍ كَانَ؟ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَرَيَانِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكَفَّارَةِ. وَوَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يَعْرِفُ مَالِكٌ غَيْرَ الْإِطْعَامِ وَلَا يَأْخُذُ بِعِتْقٍ وَلَا صِيَامٍ.

قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهِيَ مُعْضِلَةٌ لَا يَهْتَدِي إِلَى تَوْجِيهِهَا مَعَ مُصَادَمَةِ

الْحَدِيثِ الثَّابِتِ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَمَلَ هَذَا اللَّفْظَ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ فِي تَقْدِيمِ الطَّعَامِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْخِصَالِ، وَوَجَّهُوا تَرْجِيحَ الطَّعَامِ عَلَى غَيْرِهِ بِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَهُ فِي الْقُرْآنِ رُخْصَةً لِلْقَادِرِ ثُمَّ نُسِخَ هَذَا الْحُكْمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَسْخُ الْفَضِيلَةِ فَيَتَرَجَّحُ الْإِطْعَامُ أَيْضًا لِاخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُ فِي حَقِّ الْمُفْطِرِ بِالْعُذْرِ، وَكَذَا أَخْبَرَ بِأَنَّهُ فِي حَقِّ مَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ، وَلِمُنَاسَبَةِ إِيجَابِ الْإِطْعَامِ لِجَبْرِ فَوَاتِ الصِّيَامِ الَّذِي هُوَ إِمْسَاكٌ عَنِ الطَّعَامِ، وَلِشُمُولِ نَفْعِهِ لِلْمَسَاكِينِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا تُقَاوِمُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ تَقْدِيمِ الْعِتْقِ عَلَى الصِّيَامِ ثُمَّ الْإِطْعَامِ سَوَاءٌ قُلْنَا: الْكَفَّارَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ أَوِ التَّخْيِيرِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْبُدَاءَةَ إِنْ لَمْ تَقْتَضِ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تَقْتَضِيَ اسْتِحْبَابَهُ.

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ لَمْ يَقَعْ فِيهِ سِوَى الْإِطْعَامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ قَبْلُ، وَأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ذِكْرُ الْعِتْقِ أَيْضًا. وَمِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَنْ وَافَقَ عَلَى هَذَا الِاسْتِحْبَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْكَفَّارَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ: فَفِي وَقْتِ الشِّدَّةِ يَكُونُ بِالْإِطْعَامِ، وَفِي غَيْرِهَا يَكُونُ بِالْعِتْقِ أَوِ الصَّوْمِ، وَنَقَلُوهُ عَنْ مُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْإِفْطَارُ بِالْجِمَاعِ يُكَفَّرُ بِالْخِصَالِ الثَّلَاثِ، وَبِغَيْرِهِ لَا يُكَفَّرُ إِلَّا بِالْإِطْعَامِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُصْعَبٍ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالصَّوْمِ وَلَا يُطْعِمُ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمَا، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِغَيْرِ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ فِي الْكَفَّارَةِ.

وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ إِهْدَاءُ الْبَدَنَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّقَبَةِ، وَرُبَّمَا أَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِإِلْحَاقِ إِفْسَادِ الصِّيَامِ بِإِفْسَادِ الْحَجِّ، وَوَرَدَ ذِكْرُ الْبَدَنَةِ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْهُ، وَهُوَ مَعَ إِرْسَالِهِ قَدْ رَدَّهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَكَذَبَ مَنْ نَقَلَهُ عَنْهُ كَمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مَا حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْكَ فِي الَّذِي وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ يُعْتِقُ رَقَبَةً أَوْ يُهْدِي بَدَنَةً؟ فَقَالَ: كَذَبَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهَكَذَا رَوَاهُ اللَّيْثُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَاصِمٍ، وَتَابَعَهُ هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ عَطَاءً لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ، فَقَدْ وَرَدَ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْصُولًا، ثُمَّ سَاقَهُ بِإِسْنَادِهِ لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَلَيْثٌ ضَعِيفٌ وَقَدِ اضْطَرَبَ فِي رِوَايَتِهِ سَنَدًا وَمَتْنًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّ الْكَفَّارَةَ بِالْخِصَالِ الثَّلَاثِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لِأَنَّ النَّبِيَّ نَقَلَهُ مِنْ أَمْرٍ بَعْدَ عَدَمِهِ لِأَمْرٍ آخَرَ، وَلَيْسَ هَذَا شَأْنَ التَّخْيِيرِ، وَنَازَعَ عِيَاضٌ فِي ظُهُورِ دَلَالَةِ التَّرْتِيبِ فِي السُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ مِثْلَ هَذَا السُّؤَالِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَقَرَّرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ بِأَنَّ شَخْصًا لَوْ حَنِثَ فَاسْتَفْتَى فَقَالَ لَهُ الْمُفْتِي: أَعْتِقْ رَقَبَةً. فَقَالَ: لَا أَجِدُ. فَقَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَخْ، لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِحَقِيقَةِ التَّخْيِيرِ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ إِرْشَادَهُ إِلَى الْعِتْقِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ لِتَنْجِيزِ الْكَفَّارَةِ.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: تَرْتِيبُ الثَّانِي بِالْفَاءِ عَلَى فَقْدِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ الثَّالِثِ بِالْفَاءِ عَلَى فَقْدِ الثَّانِي يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّخْيِيرِ مَعَ كَوْنِهَا فِي مَعْرِضِ الْبَيَانِ وَجَوَابِ السُّؤَالِ، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الشَّرْطِ لِلْحُكْمِ، وَسَلَكَ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ مَسْلَكَ التَّرْجِيحِ بِأَنَّ الَّذِينَ رَوَوُا التَّرْتِيبَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَكْثَرُ مِمَّنْ رَوَى التَّخْيِيرَ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الَّذِينَ رَوَوُا التَّرْتِيبَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالَّذِينَ رَوَوُا التَّخْيِيرَ مَالِكٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَفُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ كَمَا قَالَ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ، فَالَّذِينَ رَوَوُا التَّرْتِيبَ فِي الْبُخَارِيِّ الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ أَيْضًا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَمَنْصُورٌ، وَرِوَايَةُ هَذَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ الَّذِي نَشْرَحُهُ وَفِي الَّذِي يَلِيهِ، فَكَيْفَ غَفَلَ ابْنُ التِّينِ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَنْظُرُ فِيهِ؟ بَلْ رَوَى التَّرْتِيبَ عَنِ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ تَمَامُ ثَلَاثِينَ نَفْسًا أَوْ أَزْيَدَ، وَرُجِّحَ التَّرْتِيبُ أَيْضًا بِأَنْ رَاوِيَهُ حَكَى لَفْظَ الْقِصَّةِ

عَلَى وَجْهِهَا فَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ مِنْ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ، وَرَاوِي التَّخْيِيرِ حَكَى لَفْظَ رَاوِي الْحَدِيثِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ بَعْضِ الرُّوَاةِ إِمَّا لِقَصْدِ الِاخْتِصَارِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ.

وَيَتَرَجَّحُ التَّرْتِيبُ أَيْضًا بِأَنَّهُ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِهِ مُجْزِئٌ سَوَاءٌ قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ أَوْ لَا بِخِلَافِ الْعَكْسِ، وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ كَالْمُهَلَّبِ، وَالْقُرْطُبِيِّ بِالْحَمْلِ عَلَى التَّعَدُّدِ وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَالْمَخْرَجُ مُتَّحِدٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَ التَّرْتِيبَ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ وَالتَّخْيِيرَ عَلَى الْجَوَازِ، وَعَكَسَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: أَوْ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّفْسِيرِ وَالتَّقْدِيرِ، أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ إِنْ عَجَزَ عَنِ الْعِتْقِ أَوْ يُطْعِمَ إِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا. وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ سَبَبَ إِتْيَانِ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِالتَّخْيِيرِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: فَصَارَتِ الْكَفَّارَةُ إِلَى عِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ أَوِ الْإِطْعَامِ. قَالَ: فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُخْتَصَرًا مُقْتَصَرًا عَلَى مَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ آلَ إِلَيْهِ الْأَمْرُ، قَالَ: وَقَدْ قَصَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ الْقِصَّةَ عَلَى وَجْهِهَا ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِهِ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ إِلَى قَوْلِهِ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ قَالَ: فَصَارَتِ الْكَفَّارَةُ إِلَى عِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَصَارَتْ سُنَّةً: عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ، أَوْ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.

قَوْلُهُ: (فَمَكَثَ عِنْدَ النَّبِيِّ كَذَا هُنَا بِالْمِيمِ وَالْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ - وَيَجُوزُ ضَمُّهَا - وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنْ أَبِي الْيَمَانِ فَسَكَتَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْمُثَنَّاةِ، وَكَذَا ابْنُ مُسَافِرٍ، وَابْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : اجْلِسْ. فَجَلَسَ.

قَوْلُهُ: (فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ كَذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ أَمْرِهِ لَهُ بِالْجُلُوسِ انْتِظَارَ مَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي حَقِّهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيُؤْتَى بِشَيْءٍ يُعِينُهُ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَسْقَطَ عَنْهُ الْكَفَّارَةَ بِالْعَجْزِ. وَهَذَا الثَّالِثُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ مَا عَادَتْ عَلَيْهِ حَيْثُ أَمَرَهُ بِهَا بَعْدَ إِعْطَائِهِ إِيَّاهُ الْمِكْتَلَ.

قَوْلُهُ: (أُتِيَ النَّبِيُّ كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَهُوَ جَوَابُ بَيْنَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا، فَقَالَ فِيهَا: إِذْ أُتِيَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهَا فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ، وَالْآتِي الْمَذْكُورُ لَمْ يُسَمَّ لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَفَّارَاتِ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا فَأَتَى رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَلِيفًا لِلْأَنْصَارِ أَوْ إِطْلَاقِ الْأَنْصَارِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، وَإِلَّا فَرِوَايَةُ الصَّحِيحِ أَصَحُّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فَجَاءَ رَجُلٌ بِصَدَقَتِهِ يَحْمِلُهَا وَفِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ بِتَمْرٍ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ.

قَوْلُهُ: (بِعَرَقٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ - يَعْنِي: الْقَابِسِيَّ - بِإِسْكَانِ الرَّاءِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَالصَّوَابُ الْفَتْحُ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: أَنْكَرَ بَعْضُهُمُ الْإِسْكَانَ؛ لِأَنَّ الَّذِي بِالْإِسْكَانِ هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي عَلَيْهِ اللَّحْمُ. قُلْتُ: إِنْ كَانَ الْإِنْكَارُ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ مَعَ الْعَظْمِ فَلْيُنْكَرِ الْفَتْحُ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِكُ مَعَ الْمَاءِ الَّذِي يَتَحَلَّبُ مِنَ الْجَسَدِ، نَعَمِ الرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ الْفَتْحُ، وَمِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّ الْإِسْكَانَ لَيْسَ بِمُنْكَرٍ، بَلْ أَثْبَتَهُ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ كَالْقَزَّازِ.

قَوْلُهُ: (وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا لَامٌ، زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ: الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ. قَالَ الْأَخْفَشُ: سُمِّيَ الْمِكْتَلُ عَرَقًا؛ لِأَنَّهُ يُضَفَّرُ عِرْقَةً عِرْقَةً جَمْعٌ فَالْعَرَقُ جَمْعُ عِرْقَةٍ كَعَلَقٍ وَعِلْقَةٍ، وَالْعِرْقَةُ الضَّفِيرَةُ مِنَ الْخُوصِ.

وَقَوْلُهُ: وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ رُوَاتِهِ، وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ الصَّحَابِيُّ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ الزُّهْرِيُّ، وَفِي

رِوَايَةِ مَنْصُورٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ وَهُوَ الزَّبِيلُ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ فَأُتِيَ بِزَبِيلٍ وَهُوَ الْمِكْتَلُ وَالزَّبِيلُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ لَامٌ بِوَزْنِ رَغِيفٍ هُوَ الْمِكْتَلُ، قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: يُسَمَّى زَبِيلًا لِحَمْلِ الزِّبْلِ فِيهِ، وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى زِنْبِيلٌ، بِكَسْرِ الزَّايِ أَوَّلَهُ وَزِيَادَةِ نُونٍ سَاكِنَةٍ، وَقَدْ تُدْغَمُ النُّونُ فَتُشَدَّدُ الْبَاءُ مَعَ بَقَاءِ وَزْنِهِ، وَجَمْعُهُ عَلَى اللُّغَاتِ الثَّلَاثِ زَنَابِيلُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَجَاءَهُ عَرَقَانِ وَالْمَشْهُورُ فِي غَيْرِهَا عَرَقٌ وَرَجَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَجَمَعَ غَيْرُهُ بَيْنَهُمَا بِتَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ، وَهُوَ جَمْعٌ لَا نَرْضَاهُ لِاتِّحَادِ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّمْرَ كَانَ قَدْرَ عَرَقٍ، لَكِنَّهُ كَانَ فِي عَرَقَيْنِ فِي حَالِ التَّحْمِيلِ عَلَى الدَّابَّةِ لِيَكُونَ أَسْهَلَ فِي الْحَمْلِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْآتِيَ بِهِ لَمَّا وَصَلَ أَفْرَغَ أَحَدَهُمَا فِي الْآخَرِ، فَمَنْ قَالَ: عَرَقَانِ أَرَادَ ابْتِدَاءَ الْحَالِ، وَمَنْ قَالَ: عَرَقٌ، أَرَادَ مَا آلَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (أَيْنَ السَّائِلُ؟) زَادَ ابْنُ مُسَافِرٍ: آنِفًا أَطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ مُتَضَمَّنٌ لِلسُّؤَالِ، فَإِنَّ مُرَادَهُ: هَلَكْتُ فَمَا يُنْجِينِي وَمَا يُخَلِّصُنِي مَثَلًا، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ آنِفًا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ، وَلَمْ يُعَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِقْدَارَ مَا فِي الْمِكْتَلِ مِنَ التَّمْرِ بَلْ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَفْصَةَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَفِي رِوَايَةِ مُؤَمَّلٍ، عَنْ سُفْيَانَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةِ مِهْرَانَ بْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ عِشْرُونَ وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَفِي مُرْسَلِهِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ الْجَزْمُ بِعِشْرِينَ صَاعًا، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فَأُتِيَ بِعَرَقٍ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: قَوْلُهُ: عِشْرُونَ صَاعًا بَلَاغٌ بَلَغَ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ يَعْنِي: بَعْضَ رُوَاتِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فَحُدِّثْتُ بَعْدُ أَنَّهُ كَانَ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.

قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرِهِ عِنْدَ مُسَدَّدٍ فَأَمَرَ لَهُ بِبَعْضِهِ وَهَذَا يَجْمَعُ الرِّوَايَاتِ، فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ عِشْرِينَ أَرَادَ أَصْلَ مَا كَانَ فِيهِ، وَمَنْ قَالَ: خَمْسَةَ عَشَرَ أَرَادَ قَدْرَ مَا تَقَعُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ: تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ وَفِيهِ: فَأُتِيَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا فَقَالَ: أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَجَّاجٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْكُوفِيِّينَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ وَاجِبَهُ مِنَ الْقَمْحِ ثَلَاثُونَ صَاعًا، وَمِنْ غَيْرِهِ سِتُّونَ صَاعًا، وَلِقَوْلِ عَطَاءٍ: إِنْ أَفْطَرَ بِالْأَكْلِ أَطْعَمَ عِشْرِينَ صَاعًا، وَعَلَى أَشْهَبَ فِي قَوْلِهِ: لَوْ غَدَّاهُمْ أَوْ عَشَّاهُمْ كُفِيَ تَصَدُّقَ الْإِطْعَامِ، وَلِقَوْلِ الْحَسَنِ: يُطْعِمُ أَرْبَعِينَ مِسْكِينًا عِشْرِينَ صَاعًا، أَوْ بِالْجِمَاعِ أَطْعَمَ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْجَوْهَرِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْمِكْتَلُ يُشْبِهُ الزَّبِيلَ يَسْعَ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا؛ لِأَنَّهُ لَا حَصْرَ فِي ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ عِشْرِينَ، وَلَعَلَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْخَاصَّةِ فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ مِهْرَانَ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حَصْرَ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ أَنَّهُ: أُتِيَ بِمِكْتَلِ فِيهِ عِشْرُونَ صَاعًا فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذَا وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: تَصَدَّقْ بِعِشْرِينَ صَاعًا أَوْ بِتِسْعَ عَشْرَةَ، أَوْ بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الشَّكِّ، وَلِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ، وَفِي الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَجَاءَهُ عَرَقَانِ فِيهِمَا طَعَامٌ وَوَجْهُهُ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ، وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَتَصَدَّقْ بِهِ عَنْ نَفْسِكَ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مَنْصُورٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظِ: أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ وَنَحْوُهُ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ ابنِ الْمُسَيَّبِ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْهُ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ،

وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَحْنُ نَتَصَدَّقُ بِهِ عَنْكَ وَاسْتُدِلَّ بِإِفْرَادِهِ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ دُونَ الْمَوْطُوءَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُرَاجَعَةِ: هَلْ تَسْتَطِيعُ وَهَلْ تَجِدُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَيْضًا عَلَى اخْتِلَافٍ وَتَفَاصِيلَ لَهُمْ فِي الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَالْمُطَاوِعَةِ وَالْمُكْرَهَةِ، وَهَلْ هِيَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى الرَّجُلِ عَنْهَا، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّةُ بِسُكُوتِهِ عَنْ إِعْلَامِ الْمَرْأَةِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَعَ الْحَاجَةِ، وَأُجِيبُ بِمَنْعِ وُجُودِ الْحَاجَةِ إِذْ ذَاكَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِفْ وَلَمْ تَسْأَلْ، وَاعْتِرَافُ الزَّوْجِ عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ عَلَيْهَا حُكْمًا مَا لَمْ تَعْتَرِفْ، وَبِأَنَّهَا قَضِيَّةُ حَالٍ، فَالسُّكُوتُ عَنْهَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ لَمْ تَكُنْ صَائِمَةً لِعُذْرٍ مِنَ الْأَعْذَارِ. ثُمَّ إِنَّ بَيَانَ الْحُكْمِ لِلرَّجُلِ بَيَانٌ فِي حَقِّهَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي تَحْرِيمِ الْفِطْرِ وَانْتَهَاكِ حُرْمَةِ الصَّوْمِ كَمَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْغُسْلِ.

وَالتَّنْصِيصُ عَلَى الْحُكْمِ فِي حَقِّ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ كَافٍ عَنْ ذِكْرِهِ فِي حَقِّ الْبَاقِينَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ السُّكُوتِ عَنْ حُكْمِ الْمَرْأَةِ مَا عَرَفَهُ مِنْ كَلَامِ زَوْجِهَا بِأَنَّهَا لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى شَيْءٍ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ هَلْ هِيَ عَلَى الرَّجُلِ وَحْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطْ، أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا، أَوْ عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ عَنْهُ وَعَنْهَا، أَوْ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَلَيْهَا عَنْهَا، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَاكِتٌ عَنِ الْمَرْأَةِ فَيُؤْخَذُ حُكْمُهَا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ السُّكُوتِ أَنَّهَا كَانَتْ غَيْرَ صَائِمَةٍ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ: هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ وَهِيَ زِيَادَةٌ فِيهَا مَقَالٌ، فَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي قَوْلِهِ: وَأَهْلَكْتُ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ أَكْرَهَهَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُهْلِكًا لَهَا.

قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَعَدُّدُ الْكَفَّارَةِ، بَلْ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَأَهْلَكْتُ إِيجَابُ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهَا، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: هَلَكْتُ أَثِمْتُ وَأَهْلَكْتُ، أَيْ: كُنْتُ سَبَبًا فِي تَأْثِيمِ مَنْ طَاوَعَتْنِي فَوَاقَعَهَا إِذْ لَا رَيْبَ فِي حُصُولِ الْإِثْمِ عَلَى الْمُطَاوِعَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إِثْبَاتُ الْكَفَّارَةِ وَلَا نَفْيُهَا، أَوِ الْمَعْنَى: هَلَكْتُ، أَيْ: حَيْثُ وَقَعْتُ فِي شَيْءٍ لَا أَقْدِرُ عَلَى كَفَّارَتِهِ، وَأَهْلَكْتُ أَيْ: نَفْسِي بِفِعْلِي الَّذِي جَرَّ عَلَيَّ الْإِثْمَ، وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ الزِّيَادَةِ الْمَذْكُورَةِ.

وَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ لِلْحَاكِمِ فِي بُطْلَانِهَا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، وَمُحَصَّلُ الْقَوْلِ فِيهَا أَنَّهَا وَرَدَتْ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، أَمَّا الْأَوْزَاعِيُّ فَتَفَرَّدَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رَوَاهُ جَمِيعُ أَصْحَابِ الْأَوْزَاعِيِّ بِدُونِهَا، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الرُّوَاةِ عَنِ الْوَلِيدِ، وَعُقْبَةَ، وَعُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ كَانَ حَافِظًا مُكْثِرًا، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِ أَمْرِهِ عَمِيَ، فَلَعَلَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ عَنْهُ بِدُونِهَا، وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهَا مَا رَوَاهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي رَمَضَانَ، قَالَ: عَلَيْهِمَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إِلَّا الصِّيَامَ، قِيلَ لَهُ: فَإِنِ اسْتَكْرَهَهَا؟ قَالَ: عَلَيْهِ الصِّيَامُ وَحْدَهُ.

وَأَمَّا ابْنُ عُيَيْنَةَ فَتَفَرَّدَ بِهَا أَبُو ثَوْرٍ، عَنْ مُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ عَنْهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُعَلَّى لَيْسَ بِذَاكَ الْحَافِظِ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَحَدًا طَعَنَ فِي الْمُعَلَّى، وَغَفَلَ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: إِنَّهُ كَانَ يُخْطِئُ كُلَّ يَوْمٍ فِي حَدِيثَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَلَعَلَّهُ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ بِهَذَا فَوَهَمَ. وَقَدْ قَالَ الْحَاكِمُ: وَقَفْتُ عَلَى كِتَابِ الصِّيَامِ لِلْمُعَلَّى بِخَطٍّ مَوْثُوقٍ بِهِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِيهِ، وَزَعَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الدَّارَقطْنِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ أَيْضًا، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ فَإِنَّ الدَّارَقطْنِيَّ لَمْ يُخْرِجْ طَرِيقَ عُقَيْلٍ فِي السُّنَنِ، وَقَدْ سَاقَهُ فِي الْعِلَلِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِدُونِهَا.

(تَنْبِيهٌ): الْقَائِلُ بِوُجُوبِ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الزَّوْجِ عَنْهُ وَعَنْ مَوْطُوءَتِهِ يَقُولُ: يُعْتَبَرُ حَالُهُمَا، فَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ أَجْزَأَتْ رَقَبَةٌ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْإِطْعَامِ أَطْعَمَ مَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ صَامَا

جَمِيعًا، فَإِنِ اخْتَلَفَ حَالُهُمَا فَفِيهِ تَفْرِيعٌ مَحَلُّهُ كُتُبُ الْفُرُوعِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ الرَّجُلُ عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي) أَيْ: أَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى شَخْصٍ أَفْقَرَ مِنِّي؟ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ فَهِمَ الْإِذْنَ لَهُ فِي التَّصَدُّقِ عَلَى مَنْ يَتَّصِفُ بِالْفَقْرِ، وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ ذَلِكَ فَزَادَ فِيهِ إِلَى مَنْ أَدْفَعُهُ؟ قَالَ: إِلَى أَفْقَرَ مَنْ تَعْلَمُ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ أَعَلَى أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِي؟ وَلِابْنِ مُسَافِرٍ: أَعَلَى أَهْلِ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنِّي؟ وَلِلْأَوْزَاعِيِّ أَعَلَى غَيْرِ أَهْلِي؟ وَلِمَنْصُورٍ أَعَلَى أَحْوَجَ مِنَّا وَلِابْنِ إِسْحَاقَ: وَهَلِ الصَّدَقَةُ إِلَّا لِي وَعَلَيَّ؟

قَوْلُهُ: (فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) تَثْنِيَةُ لَابَةٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهَا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْحَجِّ، وَالضَّمِيرُ لِلْمَدِينَةِ، وَقَوْلُهُ: يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ رُوَاتِهِ، زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَمَعْمَرٍ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ: مَا بَيْنَ حَرَّتَيْهَا وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ الْآتِيَةِ فِي الْأَدَبِ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا بَيْنَ طُنُبَيِ الْمَدِينَةِ تَثْنِيَةُ طُنُبٍ - وَهُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا نُونٌ - وَالطُّنُبُ أَحَدُ أَطْنَابِ الْخَيْمَةِ، فَاسْتَعَارَهُ لِلطَّرَفِ.

قَوْلُهُ: (أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي) زَادَ يُونُسُ: مِنِّي وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: أَفْقَرَ مِنَّا وَأَفْقَرَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ مَا النَّافِيَةِ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى لُغَةِ تَمِيمٍ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: مَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهِ مِنْ أَهْلِي، مَا أَحَدٌ أَحْوَجَ إِلَيْهِ مِنِّي وَفِي أَحَقَّ وَأَحْوَجَ مَا فِي أَفْقَرَ. وَفِي مُرْسَلِ سَعِيدٍ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُدَ عَنْهُ: وَاللَّهِ مَا لِعِيَالِي مِنْ طَعَامٍ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: مَا لَنَا عَشَاءُ لَيْلَةٍ.

قَوْلُهُ: (فَضَحِكَ النَّبِيُّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَلِأَبِي قُرَّةَ فِي السُّنَنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ وَلَعَلَّهَا تَصْحِيفٌ مِنْ أَنْيَابِهِ؛ فَإِنَّ الثَّنَايَا تَبِينُ بِالتَّبَسُّمِ غَالِبًا، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ إِرَادَةُ الزِّيَادَةِ عَلَى التَّبَسُّمِ، وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ فِي صِفَتِهِ أَنَّ ضَحِكَهُ كَانَ تَبَسُّمًا عَلَى غَالِبِ أَحْوَالِهِ، وَقِيلَ: كَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا فِي أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا لَمْ يَزِدْ عَلَى التَّبَسُّمِ، قِيلَ: وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ تُعَكِّرُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ سَبَبَ ضَحِكِهِ كَانَ مِنْ تَبَايُنِ حَالِ الرَّجُلِ حَيْثُ جَاءَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ رَاغِبًا فِي فَدَائِهَا مَهْمَا أَمْكَنَهُ، فَلَمَّا وَجَدَ الرُّخْصَةَ طَمِعَ فِي أَنْ يَأْكُلَ مَا أُعْطِيَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ، وَقِيلَ: ضَحِكَ مِنْ حَالِ الرَّجُلِ فِي مَقَاطِعِ كَلَامِهِ وَحُسْنِ تَأَتِّيهِ وَتَلَطُّفِهِ فِي الْخِطَابِ وَحُسْنِ تَوَسُّلِهِ فِي تَوَصُّلِهِ إِلَى مَقْصُودِهِ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عُيَيْنَةَ فِي الْكَفَّارَاتِ: أَطْعِمْهُ عِيَالَكَ وَلِإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فَأَنْتُمْ إِذًا وَقَدَّمَ عَلَى ذَلِكَ ذِكْرَ الضَّحِكِ، وَلِأَبِي قُرَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ثُمَّ قَالَ: كُلْهُ وَنَحْوُهُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعِرَاكٍ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَلَفْظُهُ: خُذْهَا وَكُلْهَا وَأَنْفِقْهَا عَلَى عِيَالِكَ وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَحَجَّاجٍ، وَهِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: عُدْ بِهِ عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِكَ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: تَبَايَنَتْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمَذَاهِبُ فَقِيلَ: إِنَّهُ دَلَّ عَلَى سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِالْإِعْسَارِ الْمُقَارِنِ لِوُجُوبِهَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تُصْرَفُ إِلَى النَّفْسِ وَلَا إِلَى الْعِيَالِ، وَلَمْ يُبَيِّنِ النَّبِيُّ اسْتِقْرَارَهَا فِي ذِمَّتِهِ إِلَى حِينِ يَسَارِهِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ، وَجَزَمَ بِهِ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا يَعُودُ.

وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ حَيْثُ تَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ الْمُقَارِنِ لِسَبَبِ وُجُوبِهَا وَهُوَ هِلَالُ الْفِطْرِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ لَهَا أَمَدٌ تَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَكَفَّارَةَ الْجِمَاعِ لَا أَمَدَ لَهَا فَتَسْتَقِرُّ فِي الذِّمَّةِ، وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِهَا بَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِهَا عَلَى الْعَاجِزِ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بِالْإِعْسَارِ، وَالَّذِي أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْكَفَّارَةِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: هُوَ خَاصٌّ بِهَذَا الرَّجُلِ، وَإِلَى هَذَا نَحَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَنْسُوخٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ قَائِلُهُ نَاسِخَهُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَهْلِ الَّذِينَ أُمِرَ بِصَرْفِهَا إِلَيْهِمْ

مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَضُعِّفَ بِالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي فِيهَا عِيَالُكَ، وَبِالرِّوَايَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي الْأَكْلِ مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لَمَّا كَانَ عَاجِزًا عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ الْكَفَّارَةَ لَهُمْ، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَهُوَ الَّذِي حَمَلَ أَصْحَابَ الْأَقْوَالِ الْمَاضِيَةِ عَلَى مَا قَالُوهُ بِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَأْكُلُ مِنْ كَفَّارَةِ نَفْسِهِ.

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُجْعَلَ الْإِعْطَاءُ لَا عَلَى جِهَةِ الْكَفَّارَةِ بَلْ عَلَى جِهَةِ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ لِمَا ظَهَرَ مِنْ حَاجَتِهِمْ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَمْ تَسْقُطْ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَيْسَ اسْتِقْرَارُهَا فِي ذِمَّتِهِ مَأْخُوذًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. وَأَمَّا مَا اعْتَلُّوا بِهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْوُجُوبِ قَدْ تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَرِدْ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِسْقَاطِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِعَجْزِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِإِخْرَاجِ الْعَرَقِ دَلَّ عَلَى أَنْ لَا سُقُوطَ عَنِ الْعَاجِزِ، وَلَعَلَّهُ أَخَّرَ الْبَيَانَ إِلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ اهـ.

وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى إِسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ أَوْ عَلَى إِجْزَائِهَا عَنْهُ بِإِنْفَاقِهِ إِيَّاهَا عَلَى عِيَالِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ: وَكُلْهُ أَنْتَ وَعِيَالُكَ فَقَدْ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْكَ وَلَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ لَمْ يَقْبِضْهُ بَلِ اعْتَذَرَ بِأَنَّهُ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ فَأَذِنَ لَهُ حِينَئِذٍ فِي أَكْلِهِ، فَلَوْ كَانَ قَبَضَهُ لَمَلَكَهُ مِلْكًا مَشْرُوطًا بِصِفَةٍ وَهُوَ إِخْرَاجُهُ عَنْهُ فِي كَفَّارَتِهِ فَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ فِي التَّمْلِيكِ الْمُقَيَّدِ بِشَرْطٍ، لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَقْبِضْهُ، لَمْ يَمْلِكْهُ، فَلَمَّا أَذِنَ لَهُ فِي إِطْعَامِهِ لِأَهْلِهِ وَأَكْلِهِ مِنْهُ كَانَ تَمْلِيكًا مُطْلَقًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَإِلَى أَهْلِهِ، وَأَخْذُهُمْ إِيَّاهُ بِصِفَةِ الْفَقْرِ الْمَشْرُوحَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ، وَتَصَرُّفُ النَّبِيِّ فِيهِ تَصَرُّفُ الْإِمَامِ فِي إِخْرَاجِ مَالِ الصَّدَقَةِ، وَاحْتُمِلَ أَنَّهُ كَانَ تَمْلِيكًا بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ وَمِنْ ثَمَّ نَشَأَ الْإِشْكَالُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ إِسْقَاطٌ وَلَا أَكْلُ الْمَرْءِ مِنْ كَفَّارَةِ نَفْسِهِ وَلَا إِنْفَاقِهِ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ مِنْ كَفَّارَةِ نَفْسِهِ.

وَأَمَّا تَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ الْبَابَ الَّذِي يَلِيهِ بَابٌ: الْمُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِمَا تَضْمَنَّهُ حُكْمُ التَّرْجَمَةِ. وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِإِتْيَانِهِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ إِعْطَاءِ الصَّدَقَةِ جَمِيعِهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ هُوَ جَمِيعُ مَا يَجِبُ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَحْضَرَ التَّمْرَ، وَعَلَى سُقُوطِ قَضَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْسَدَهُ الْمُجَامِعُ اكْتِفَاءً بِالْكَفَّارَةِ، إِذْ لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِقَضَائِهِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ يَقْضِي إِنْ كَفَّرَ بِغَيْرِ الصَّوْمِ وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِسْقَاطُ الْقَضَاءِ لَا يُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ إِذْ لَا كَلَامَ فِي الْقَضَاءِ لِكَوْنِهِ أَفْسَدَ الْعِبَادَةَ وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَإِنَّمَا هِيَ لِمَا اقْتَرَفَ مِنَ الْإِثْمِ، قَالَ: وَأَمَّا كَلَامُ الْأَوْزَاعِيِّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

قُلْتُ: وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُوَيْسٍ، وَعَبْدِ الْجَبَّارِ، وَهِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَحَدِيثُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فِي الصَّحِيحِ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَفْسِهِ بِغَيْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَحَدِيثُ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِدُونِهَا، وَوَقَعَتِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الطُّرُقِ تَعْرِفُ أَنَّ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَصْلًا، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: صُمْ يَوْمًا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْفَوْرِيَّةِ لِلتَّنْكِيرِ فِي قَوْلِهِ: يَوْمًا.

وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ - غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ - السُّؤَالُ عَنْ حُكْمِ مَا يَفْعَلُهُ الْمَرْءُ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ، وَالتَّحَدُّثُ بِذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ، وَاسْتِعْمَالُ الْكِنَايَةِ فِيمَا يُسْتَقْبَحُ ظُهُورُهُ بِصَرِيحِ لَفْظِهِ لِقَوْلِهِ: وَاقَعْتُ أَوْ أَصَبْتُ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَطِئْتُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ. وَفِيهِ الرِّفْقُ بِالْمُتَعَلِّمِ وَالتَّلَطُّفُ فِي التَّعْلِيمِ وَالتَّأَلُّفُ عَلَى الدِّينِ، وَالنَّدَمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَاسْتِشْعَارُ الْخَوْفِ. وَفِيهِ الْجُلُوسُ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

حفظها أبو هريرة وقصَّها على وجهها، وأوردها بعض الرُّواة مختصرةً عن عائشة، وقد رواها (١) عبد الرَّحمن بن الحارث بتمامها كما تقدَّم، ومن حفظ حجَّةٌ على من لم يحفظ.

وفي هذا الحديث (٢): التَّحديث والإخبار والسَّماع، وأربعةٌ من التَّابعين: يحيى وعبد الرَّحمن ومحمَّد بن جعفرٍ وعبَّادٌ، وأخرجه أيضًا في «المحاربين» [خ¦٦٨٢٢]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

(٣٠) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا جَامَعَ) الصَّائم (فِي) نهار شهر (رَمَضَانَ وَ) الحال أنَّه (لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ) يعتق به، ولا يستطيع الصَّوم، ولا شيءٌ يتصدَّق به (فَتُصُدِّقَ عَلَيهِ) بقدر ما يجزئه (فَلْيُكَفِّرْ) به لأنَّه صار واجدًا.

١٩٣٦ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو (٣) ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ) ولأبي الوقت -كما

في الفرع، ونسبها في «فتح الباري» للكُشْمِيْهَنِيِّ-: «مع» (النَّبِيِّ (١) ) وقوله: «بينما» بالميم، وتُضَاف إلى الجملة الاسميَّة والفعليَّة، وتحتاج إلى جوابٍ يتمُّ به المعنى، والأفصح في جوابها ألَّا يكون فيه «إذ» و «إذا»، ولكن كثر مجيئها كذلك، ومنه قوله هنا: (إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ) سبق في الباب قبله [خ¦١٩٣٥] أنَّه قيل: إنَّه (٢) سلمة بن صخرٍ، أو سلمان بن صخرٍ، أو أعرابيٌّ (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَلَكْتُ) وفي بعض طرق هذا الحديث: هلكت وأهلكت، أي: فعلت ما هو سببٌ لهلاكي (٣) وهلاك غيري، وهو (٤) زوجته التي وطئها (قَالَ) له: (مَا لَكَ؟) بفتح اللَّام، و «ما»: استفهاميَّةٌ، محلُّها رفعٌ بالابتداء، أي: أيُّ شيءٍ كائنٌ لك أو حاصلٌ لك، ولابن أبي حفصة عند أحمد: «وما الذي أهلكك؟» وفي رواية عقيلٍ عند ابن خزيمة: «ويحك؛ ما شأنك؟» (٥) (قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي) وفي رواية ابن إسحاق عند البزَّار: أصبت أهلي، وفي حديث عائشة: وطئت امرأتي (وَأَنَا) أي: والحال أنِّي (صَائِمٌ) قال في «فتح الباري»: يُؤخَذ منه: أنَّه لا يُشتَرط في إطلاق اسم المشتقِّ بقاء المعنى المشتقِّ منه حقيقةً لاستحالة كونه صائمًا مجامعًا في حالةٍ واحدةٍ، فعلى هذا قوله: «وطئت» أي: شرعت في الوطء، أو أراد: جامعت بعد إذ أنا صائمٌ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟) أي: تقدر، فالمراد: الوجود الشَّرعيُّ ليدخل فيه القدرة بالشِّراء (٦) ونحوه، ويخرج عنه مالك الرَّقبة المحتاج إليها بطريقٍ مُعتَبرٍ شرعًا، وفي رواية ابن أبي حفصة عند أحمد: «أتستطيع أن تعتق رقبةً؟» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد رقبةً، وفي رواية ابن إسحاق: ليس عندي، وفي رواية (٧) ابن مسافرٍ عند الطَّحاويِّ: فقال: لا والله يا رسول الله، وفي حديث ابن عمر: فقال: والذي بعثك بالحقِّ ما ملكت رقبةً قطُّ (قَالَ) : (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟

قَالَ: لَا) وفي حديث سعدٍ (١): قال: لا أقدر، وفي رواية ابن إسحاق عند البزَّار: «وهل لقيت ما لقيت إلَّا من الصِّيام؟!» (فَقَالَ) ، ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «قال»: (فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا) والمسكين مأخوذٌ من السُّكون لأنَّ المُعدَم ساكن الحال عن أمور الدُّنيا، والمراد بالمسكين هنا: أعمُّ من الفقير لأنَّ كلًّا منهما حيث أُفرِد يشمل الآخر، وإنَّما يفترقان عند اجتماعهما نحو: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] والخلاف في معناهما حينئذٍ معروفٌ، قال ابن دقيق العيد: قوله: «إطعام ستِّين مسكينًا» يدلُّ على وجوب إطعام هذا العدد لأنَّه أضاف الإطعام الذي هو مصدرُ «أطعم» إلى «ستِّين»، فلا يكون ذلك موجودًا في حقِّ من أطعم عشرين مسكينًا ثلاثة أيَّامٍ مثلًا، ومن أجاز ذلك فكأنَّه استنبط من النَّصِّ معنًى يعود عليه بالإبطال، والمشهور عن الحنفيَّة الإجزاء حتَّى لو أطعم الجميع مسكينًا واحدًا في ستِّين يومًا كفى. انتهى. وفي رواية ابن أبي حفصة: أفتستطيع أن تطعم ستِّين مسكينًا؟ وفي حديث ابن عمر: قال: والذي بعثك بالحقِّ ما أُشْبِع أهلي، والحكمة في ترتيب هذه الكفَّارة على ما ذُكِر أنَّ (٢) من انتهك حرمة الصَّوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتق رقبةً فيفدي نفسه، وقد صحَّ [خ¦٦٧١٥] «من أعتق رقبةً أعتق الله بكلِّ عضوٍ منها عضوًا منه من النَّار»، وأمَّا الصِّيام فإنَّه كالمقاصَّة بجنس الجناية، وكونه شهرين لأنَّه لمَّا أُمِرَ بمُصابرة النَّفس في حفظ كلِّ يومٍ من شهرٍ على الولاء، فلمَّا أفسد منه يومًا كان كمن أفسد الشَّهر كلَّه؛ من حيث إنَّه عبادةٌ واحدةٌ بالنَّوع، وكُلِّف بشهرين مضاعفةً على سبيل المقابلة لنقيض قصده، وأمَّا الإطعام فمناسبته ظاهرةٌ لأنَّه مقابلةُ كلِّ يومٍ بإطعام (٣) مسكينٍ، وإذا ثبتت هذه الخصال الثَّلاث في هذه الكفَّارة فهل هي على التَّرتيب أو على التَّخيير؟ قال البيضاويُّ: رتَّب الثَّاني بالفاء على فقد الأوَّل، ثمَّ الثَّالث بالفاء على فقد الثَّاني، فدلَّ على عدم التَّخيير مع كونها في معرض البيان وجواب السُّؤال، فينزل منزلة الشَّرط للحكم، وقال مالكٌ بالتَّخيير.

(قَالَ) أي (١): أبو هريرة: (فَمَكَُثَ) بضمِّ الكاف وفتحها (٢) (النَّبِيُّ ) وفي رواية ابن عيينة: فقال له النَّبيُّ : «اجلس»، قيل: وإنَّما أمره بالجلوس لانتظار الوحي في حقِّه، أو كان عرف أنَّه سيُؤتَى بشيءٍ يعينه به (فَبَيْنَا) بغير ميمٍ (نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ) وجواب «بينا» قوله: (أُتِيَ النَّبِيُّ ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، ولم يُسَمَّ الآتي، لكن عند المؤلِّف في «الكفَّارات» [خ¦٦٧١٠]: «فجاء رجلٌ من الأنصار» (بِعَرَقٍ) بفتح العين والرَّاء (فِيه تَمْرٌ) ولأبي ذرٍّ: «فيها» بالتَّأنيث على معنى القُفَّة، قال القاضي عياضٌ: المِكْتَل والقفَّة والزِّنبيل سواءٌ، وزاد ابن أبي حفصة: فيه خمسة عشر صاعًا، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: فأتى بعرقٍ فيه عشرون صاعًا، وفي مُرسَل عطاءٍ عند مُسدَّدٍ: فأَمَرَ له ببعضه، وهو يجمع بين الرِّوايات؛ فمن قال: عشرين أراد أصل ما كان فيه، ومن قال: خمسة عشر أراد قدر ما تقع به الكفَّارة، قال أبو هريرة أو الزُّهريُّ أو غيره: (-وَالعَرَقُ: المِكْتَلُ-) بكسر الميم وفتح الفوقيَّة: الزِّنبيل الكبير يسع خمسة عشر صاعًا (قَالَ) ، ولابن عساكر: «فقال»: (أَيْنَ السَّائِلُ؟) زاد ابن مسافرٍ: آنفًا، وسمَّاه سائلًا لأنَّ كلامه متضمِّنٌ للسُّؤال، فإنَّ مراده: هلكت فما ينجيني؟ أو ما يخلِّصني مثلًا؟ (فَقَالَ) الرَّجل: (أَنَا، قَالَ: خُذْهَا) أي: القفَّة (فَتَصَدَّقْ بِهِ) أي: بالتَّمر الذي فيها، ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «خذ هذا، فتصدَّق به» (فَقَالَ الرَّجُلُ): أتصدَّق به (٣) (أَعَلَى) شخصٍ (أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟!) بالاستفهام التَّعجبيِّ، وحذف الفعل لدلالة: «تصدَّق به» عليه، وفي حديث ابن عمر عند البزَّار والطَّبرانيِّ: إلى من أدفعه؟ قال (٤):

إلى أفقر من تَعْلَم، وفي رواية إبراهيم بن سعدٍ: أعلى أفقر من أهلي؟ ولابن مسافرٍ (١) عند الطَّحاويِّ: أعلى أهل بيتٍ أفقر منِّي؟ وللأوزاعيِّ [خ¦٦١٦٤] على غير أهلي؟ ولمنصورٍ [خ¦١٩٣٧] أعلى أحوج منَّا؟ ولابن إسحاق: وهل الصَّدقة إلَّا لي وعليَّ؟ (فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) بغير همزةٍ (٢) تثنية لابةٍ، قال بعض رواته: (يُرِيدُ) باللَّابتين: (الحَرَّتَيْنِ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الرَّاء: أرضٌ ذات حجارةٍ سودٍ، والمدينة بين حرَّتين (أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي) برفع «أهلُ» اسم «ما»، ونصب «أفقر» خبرها إن جَعَلْتَ «ما» حجازيَّة، وبالرَّفع إن جعلتها تميميَّة، قاله الزَّركشيُّ وغيره، وقال البدر الدَّمامينيُّ: وكذا إن جعلناها حجازيَّةً ملغاةً من عمل النَّصب بناءً على أنَّ قوله: «ما بين لابتيها» خبرٌ مُقدَّمٌ، و «أهل بيتٍ»: (٣) مبتدأٌ (٤) مُؤخَّرٌ، و «أفقر» صفةٌ له، وفي رواية عُقَيلٍ: ما أحدٌ (٥) أحقُّ به (٦) من أهلي، ما أحدٌ أحوج إليه منِّي، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: ما لنا عَشَاءُ ليلةٍ (فَضَحِكَ النَّبِيُّ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ) تعجُّبًا من حال الرَّجل في كونه جاء أوَّلًا هالكًا محترقًا خائفًا على نفسه راغبًا في فدائها مهما أمكنه، فلمَّا وجد الرُّخصة طمع أن يأكل ما أُعطِيه في الكفَّارة، والأنياب: جمع نابٍ؛ وهي الأسنان الملاصقة للرَّباعيَّات، وهي أربعةٌ، والضَّحك غير التَّبسُّم، وقد ورد أنَّ ضحكه كان تبسُّمًا، أي: في غالب أحواله.

(ثُمَّ قَالَ) له: (أَطْعِمْهُ) أي: ما في المكتل من التَّمر (أَهْلَكَ) من تلزمك نفقته، أو زوجتك، أو مطلق أقاربك، ولابن عُيَيْنَة في «الكفَّارات» [خ¦٦٧٠٩] «أَطْعِمْه عيالَك» وفي رواية أبي قرَّة عن ابن جريجٍ: قال (١): «كُلْه»، ولابن إسحاق: «خذها وكُلْها وأَنْفِقْها على عيالك» أي: لا عن الكفَّارة بل هو تمليكٌ مطلقٌ بالنِّسبة إليه وإلى عياله، وأخذهم إيَّاه بصفة الفقر (٢) وذلك لأنَّه لمَّا عجز عن العتق لإعساره، وعن الصِّيام لضعفه، فلمَّا حضر ما يتصدَّق به ذَكَرَ أنَّه (٣) وعياله محتاجون، فتصدَّق به عليه وكان من مال الصَّدقة، وصارت الكفَّارة في ذمَّته، وليس استقرارها في ذمَّته مأخوذًا من هذا الحديث، وأمَّا في (٤) حديث عليٍّ بلفظ: «فَكُلْهُ أنت وعيالك، فقد كفَّر الله عنك» فضعيفٌ لا يحتجُّ به، وقد ورد الأمر بالقضاء في رواية أبي أويسٍ وعبد الجبَّار وهشام بن سعدٍ، كلُّهم عن الزُّهريِّ، وأخرجه البيهقيُّ من طريق إبراهيم بن سعدٍ عن اللَّيث عن الزُّهريِّ، وحديث ابن سعدٍ في «الصَّحيح» [خ¦٥٣٦٨] عن الزُّهريِّ نفسه بغير هذه الزِّيادة، وحديث اللَّيث عن الزُّهريِّ في «الصَّحيحين» [خ¦٦٨٢١] بدونها، ووقعت الزِّيادة أيضًا في «مُرسَل سعيد بن المُسيَّب» ونافع بن جبيرٍ والحسن ومحمَّد بن كعبٍ، وبمجموع هذه الطُّرق يُعرَف أنَّ لهذه الزِّيادة أصلًا، ويُؤخَذ من قوله: «صم يومًا» عدم اشتراط الفوريَّة للتَّنكير في قوله: «يومًا» قال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث ألف مسألةٍ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون اللَّام، هُوَ الَّذِي يمضغ مثل المصطكى. وَقَالَ الشَّافِعِي: يكره لِأَنَّهُ يجفف الْفَم ويعطش، ون وصل مِنْهُ شَيْء إِلَى الْجوف بَطل الصَّوْم، وَكَرِهَهُ أَيْضا إِبْرَاهِيم وَالشعْبِيّ، وَفِي رِوَايَة جَابر عَنهُ: لَا بَأْس بِهِ للصَّائِم مَا لم يبلع رِيقه، وروى ابْن أبي شيبَة عَن أبي خَالِد عَن ابْن جريج عَن عَطاء إِنَّه سُئِلَ عَن مضغ العلك، فكرهه، وَقَالَ: هُوَ مؤداه، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: رخص مضغ العلك أَكثر الْعلمَاء إِن كَانَ لَا يتحلب مِنْهُ شَيْء، فَإِن تحلب فازدرده فالجمهور على أَنه يفْطر. قَوْله: (فان استنثر؟) أَصله من: نثر ينثر بِالْكَسْرِ، إِذا امتخط، واستنثر استفعل مِنْهُ، أَي: استنشق المَاء ثمَّ استخرج مَا فِي أنفقهُ فينثره، وَقيل: الاستنثار تَحْرِيك النثرة وَهِي طرف الْأنف. قَوْله: (لم يملك) أَي: لم يملك منع دُخُول المَاء فِي حلقه.

٩٢ - (بابٌ إذَا جامَعَ فِي رَمَضَانَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا جَامع الصَّائِم فِي نَهَار رَمَضَان عَامِدًا وَجَبت عَلَيْهِ الْكَفَّارَة، وَجَوَاب إِذا مَحْذُوف كَمَا قدرناه.

ويُذْكَرُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ منْ أفْطرَ يَوْما مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ولَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِهِ صِيامُ الدهْرِ وإنْ صامَهُ

أَشَارَ بقوله: يذكر، على صِيغَة الْمَجْهُول الَّتِي هِيَ صِيغَة التمريض إِلَى أَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة هَذَا لَيْسَ على شَرطه، ونبينه الْآن. قَوْله: (رَفعه) أَي: رفع أَبُو هُرَيْرَة حَدِيث: من أفطر يَوْمًا، وَمرَاده أَنه لَيْسَ بموقوف عَلَيْهِ، بل هُوَ مَرْفُوع إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. فَإِن قلت: كَيفَ يرجع الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي رَفعه إِلَى شَيْء مُتَأَخّر عَنهُ؟ قلت: رَفعه، جملَة حَالية مُتَأَخِّرَة رُتْبَة عَن مفعول مَا لم يسم فَاعله لقَوْله: يذكر، وَهُوَ قَوْله: من أفطر. قَالَ الْكرْمَانِي: وَفِي بعض الرِّوَايَة: رَفعه، بِلَفْظ الإسم مَرْفُوعا بِأَنَّهُ مفعول: يذكر، وَحِينَئِذٍ يكون الحَدِيث يَعْنِي قَوْله: (من أفطر يَوْمًا) بَدَلا عَن الضَّمِير، يَعْنِي: الضَّمِير الَّذِي أضيف إِلَيْهِ لفظ الرّفْع كَمَا فِي قَوْله: (مَا متعت بِهِ سَمْعِي وبصري إلَاّ بِدُعَاء رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) فَإِن السّمع بدل عَن الضَّمِير جوز النُّحَاة مثله. قَوْله: (وَإِن صَامَهُ) أَي: وَإِن صَامَ الدَّهْر، وَهُوَ مَعْطُوف على مُقَدّر تَقْدِيره: إِن لم يصمه وَإِن صَامَهُ.

ثمَّ هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، فَقَالَ أَبُو دَاوُد: حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير، قَالَ: أخبرنَا شُعْبَة عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن عمَارَة بن عُمَيْر عَن ابْن مطوس عَن أَبِيه، قَالَ ابْن كثير: عَن أبي المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا فِي رَمَضَان فِي غير رخصَة رخصها الله لَهُ لم يقْض عَنهُ صِيَام الدَّهْر) . وَقَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن سعيد عَن سُفْيَان، قَالَ: حَدثنَا حبيب عَن عمَارَة عَن ابْن المطوس، قَالَ: فَلَقِيت ابْن المطوس فَحَدثني عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَذكر مثل حَدِيث ابْن كثير، وَسليمَان، قَالَ أَبُو دَاوُد: اخْتلف على سُفْيَان وَشعْبَة عَنْهُمَا ابْن المطوس، وَأَبُو المطوس، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا بنْدَار حَدثنَا يحيى بن سعيد وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي، قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان عَن حبيب بن أبي ثَابت حَدثنَا أَبُو المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير رخصَة وَلَا مرض لم يقْض عَنهُ صَوْم الدَّهْر كُله، وَإِن صَامَهُ) ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: أخبرنَا عَمْرو بن مَنْصُور، قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم. قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن أبي المطوس عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير مرض وَلَا رخصَة لم يقضه صِيَام الدَّهْر كُله، وَإِن صَامَهُ) . وَقَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن بشار، قَالَ: حَدثنَا يحيى وَعبد الرَّحْمَن، قَالَا: حَدثنَا سُفْيَان ثمَّ ذكر كلمة مَعْنَاهَا عَن حبيب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير رخصَة وَلَا مرض لم يقْض عَنهُ صِيَام الدَّهْر وَإِن صَامَهُ) ، ثمَّ رَوَاهُ النَّسَائِيّ من طرق كَثِيرَة. وَقَالَ ابْن مَاجَه: حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي شيبَة وَعلي بن مُحَمَّد قَالَا: حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن ابْن المطوس عَن أَبِيه المطوس عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير رخصَة لم يجزه صِيَام الدَّهْر) .

ذكر بَيَان حَال هَذَا الحَدِيث قَالَ أَبُو دَاوُد: اخْتلف على سُفْيَان وَشعْبَة بن المطوس وَأَبُو المطوس، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه. وَقَالَ شَيخنَا: يُرِيد الحَدِيث الْمَرْفُوع، وَمَعَ هَذَا فقد رُوِيَ مَرْفُوعا من غير طَرِيق أبي المطوس، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. قَالَ: حَدثنَا الْحسن بن أَحْمد بن سعيد الرهاوي حَدثنَا الْعَبَّاس بن عبيد الله حَدثنَا عمار بن مطر حَدثنَا قيس عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن عبد الله ابْن مَالك عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير مرض وَلَا رخصَة لم يقْض عَنهُ صِيَام وَإِن صَامَ الدَّهْر كُله) . قلت: عمار بن مطر هَالك، قَالَ أَبُو حَاتِم: كَانَ يكذب، وَقَالَ ابْن عدي: أَحَادِيثه بَوَاطِيلُ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف، وَقد رُوِيَ مَوْقُوفا على أبي هُرَيْرَة من غير طَرِيق أبي المطوس، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن زَكَرِيَّا بن يحيى عَن عَمْرو بن مُحَمَّد بن الْحسن عَن أَبِيه عَن شريك عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان لم يقضه يَوْم من أَيَّام الدُّنْيَا) ، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن هِلَال ابْن الْعَلَاء عَن أَبِيه عَن عبيد الله بن عَمْرو عَن زيد بن أبي أنيسَة عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن عَليّ بن حُسَيْن. (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رجلا أفطر فِي رَمَضَان، فَأتى أَبَا هُرَيْرَة فَقَالَ: لَا يقبل مِنْك صَوْم سنة) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي: البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: أَبُو المطوس اسْمه: يزِيد بن المطوس، لَا أعرف لَهُ غير هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ البُخَارِيّ فِي (التَّارِيخ) : تفرد أَبُو المطوس بِهَذَا الحَدِيث وَلَا أَدْرِي سمع أَبوهُ من أبي هُرَيْرَة أم لَا؟ قلت: أَبُو المطوس، بِضَم الْمِيم وَفتح الطَّاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الْوَاو الْمَفْتُوحَة وَآخره سين مُهْملَة: من أَفْرَاد الكنى، وَكَذَلِكَ أَبوهُ المطوس من أَفْرَاد الْأَسْمَاء. وَقد اخْتلف فِي اسْم أبي المطوس، فَقَالَ البُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَابْن حبَان: اسْمه يزِيد. وَقَالَ يحيى بن معِين: اسْمه عبد الله، وَأَبُو دَاوُد قَالَ: لَا يُسمى، وَقد اخْتلف فِيهِ، فَقَالَ ابْن معِين: ثِقَة وَقَالَ ابْن حبَان: يروي عَن أَبِيه مَا لَا يُتَابع عَلَيْهِ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بأفراده وَقَالَ صَاحب (الْمِيزَان) : ضَعِيف، قَالَ: وَلَا يعرف هُوَ وَلَا أَبوهُ. قلت: وَمَعَ هَذَا صحّح ابْن خُزَيْمَة هَذَا الحَدِيث وَرَوَاهُ من طَرِيق سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة، كِلَاهُمَا عَن حبيب بن أبي ثَابت عَن عمَارَة بن عُمَيْر عَن أبي المطوس عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة. . الحَدِيث، وَقَالَ مهنا: سَأَلت أَحْمد عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: يَقُولُونَ: عَن ابْن المطوس وَعَن أبي المطوس، وَبَعْضهمْ يَقُول: عَن حبيب عَن عمَارَة بن عُمَيْر عَن أبي المطوس، قَالَ: لَا أعرف المطوس وَلَا ابْن المطوس. قلت: أتعرف الحَدِيث من غير هَذَا الْوَجْه؟ قَالَ: لَا، وَكَذَا قَالَه أَبُو عَليّ الطوسي، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: يحمل أَن يكون لَو صَحَّ على التَّغْلِيظ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف لَا يحْتَج بِهِ.

ذكر مَا رُوِيَ عَن غير أبي هُرَيْرَة فِي هَذَا الْبَاب: فَروِيَ عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان مُتَعَمدا فِي غير سَبِيل خرج من الْحَسَنَات كَيَوْم وَلدته أمه) . وَأخرجه ابْن عدي فِي (الْكَامِل) وَفِي سَنَده مُحَمَّد بن الْحَارِث، قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ هُوَ بِشَيْء، وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِثِقَة، وَعَن الفلاس: إِنَّه مَتْرُوك الحَدِيث، وَفِيه مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن الْبَيْلَمَانِي، قَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. وَرُوِيَ عَن مصاد بن عقبَة عَن مقَاتل بن حبَان عَن عَمْرو بن مرّة عَن عبد الْوَارِث الْأنْصَارِيّ، قَالَ: سَمِعت أنس بن مَالك، يَقُول: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من أفطر يَوْمًا من شهر رَمَضَان من غير رخصَة وَلَا عذر كَانَ عَلَيْهِ أَن يَصُوم ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَمن أفطر يَوْمَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ أَن يَصُوم سِتِّينَ يَوْمًا، وَمن أفطر ثَلَاثَة أَيَّام كَانَ عَلَيْهِ تسعين يَوْمًا) . أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: لَا يثبت هَذَا الْإِسْنَاد، وَلَا يَصح عَن عَمْرو بن مرّة، وَأعله ابْن الْقطَّان بِعَبْد الْوَارِث. وَعَن ابْن معِين إِنَّه مَجْهُول. وَرُوِيَ عَن جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة الْحَارِث بن عُبَيْدَة الكلَاعِي عَن مقَاتل بن سُلَيْمَان عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن جَابر بن عبد الله عَن النَّبِي،، قَالَ: (من أفطر يَوْمًا من شهر رَمَضَان فِي الْحَضَر فليهد بَدَنَة، فَإِن لم يجد فليطعم ثَلَاثِينَ صَاعا) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الْحَارِث بن عُبَيْدَة وَمُقَاتِل ضعيفان.

قَوْله: (من غير عذر وَلَا مرض) من ذكر الْخَاص بعد الْعَام، لِأَن الْمَرَض دَاخل فِي الْعذر، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (من غير رخصَة وَلَا مرض) ، وَهُوَ أَيْضا من هَذَا الْقَبِيل، لِأَن الْمَرَض دَاخل فِي الرُّخْصَة، ثمَّ إِنَّه أطلق الْإِفْطَار، فَلَا يَخْلُو إِمَّا

أَن يكون بجماع أَو غَيره نَاسِيا أَو عَامِدًا، وَلَكِن المُرَاد مِنْهُ الْإِفْطَار فِي الْأكل أَو الشّرْب عَامِدًا، وَإِمَّا نَاسِيا فقد ذكره فِيمَا مضى، وَأما بِالْجِمَاعِ فَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِك، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

وبِهِ قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ

أَي: وَبِمَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ ابْن مَسْعُود مَوْقُوفا عَلَيْهِ، وَقد وَصله الْبَيْهَقِيّ رَاوِيا من طَرِيقين: أَحدهمَا: من رِوَايَة الْمُغيرَة بن عبد الله الْيَشْكُرِي، قَالَ: حدثت أَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان من غير عِلّة لم يجزه صِيَام الدَّهْر حَتَّى يلقى الله عز وَجل، فَإِن شَاءَ غفر لَهُ، وَإِن شَاءَ عذبه) ، والمغيرة هَذَا من ثِقَات التَّابِعين، أخرج لَهُ مُسلم وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات، وَلكنه مُنْقَطع فَإِنَّهُ قَالَ: حدثت عَنهُ. وَالطَّرِيق الثَّانِي: من رِوَايَة أبي أُسَامَة عَن عبد الْملك، قَالَ: حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة الثَّقَفِيّ عَن عرْفجَة، قَالَ: قَالَ عبد الله بن مَسْعُود: (من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان مُتَعَمدا من غير عِلّة، ثمَّ قضى طول الدَّهْر لم يقبل مِنْهُ) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: عبد الْملك هَذَا أَظُنهُ ابْن حُسَيْن النَّخعِيّ، لَيْسَ بِالْقَوِيّ. فَإِن قلت: كَيفَ قَالَ: وَبِه قَالَ ابْن مَسْعُود وَأَبُو هُرَيْرَة رَفعه، وَابْن مَسْعُود وَقفه، فَكيف يكون ابْن مَسْعُود قَائِلا بِمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة؟ قلت: لم يثبت رَفعه عِنْد البُخَارِيّ، فَلذَلِك ذكره بِصِيغَة التمريض، وروى عَن أبي هُرَيْرَة بطرق مَوْقُوفا، وَقيل: فِيهِ ثَلَاث علل الإضطراب لِأَنَّهُ اخْتلف على حبيب بن أبي ثَابت اخْتِلَافا كثير. والجهالة بِحَال أبي المطوس وَالشَّكّ فِي سَماع أَبِيه من أبي هُرَيْرَة، وَهَذِه الثَّالِثَة تخْتَص بطريقة البُخَارِيّ فِي اشْتِرَاط اللِّقَاء.

وَقَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ والشَّعْبِيُّ وابنُ جُبَيْرٍ وإبْرَاهِيمُ وقَتَادَةُ وحَمَّادٌ يَقْضِي يوْما مَكَانَهُ

أَي: قَالَ هَؤُلَاءِ فِيمَن أفطر فِي نَهَار رَمَضَان عَامِدًا أَن عَلَيْهِ الْقَضَاء فَقَط بِغَيْر كَفَّارَة، وَقَالَ ابْن بطال: نظرت أَقْوَال التَّابِعين الَّذين ذكرهم البُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَاب فِي المصنفات فَلم أر قَوْلهم بِسُقُوط الْكَفَّارَة إلَاّ فِي الْفطر بِالْأَكْلِ لَا المجامعة، فَيحْتَمل أَن يكون عِنْدهم الْأكل وَالْجِمَاع سَوَاء فِي سُقُوط الْكَفَّارَة، إِذْ كل مَا أفسد الصّيام من أكل أَو شرب أَو جماع فاسم الْفطر يَقع عَلَيْهِ، وفاعله مفطر بذلك من صِيَامه، وَقد قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (يدع طَعَامه وَشَرَابه وشهوته من أَجلي) ، فَدخل أعظم الشَّهَوَات وَهِي شَهْوَة الْجِمَاع فِي ذَلِك. انْتهى. قلت: حُكيَ عَن الشّعبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالزهْرِيّ وَابْن سِيرِين أَنه: لَا كَفَّارَة على الواطىء فِي نَهَار رَمَضَان، واعتبروه بِقَضَائِهِ. قَالَ الزُّهْرِيّ: هُوَ خَاص بذلك الرجل، يَعْنِي فِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة: (جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: هَلَكت. .) الحَدِيث على مَا يَأْتِي، وَقَالَ الْخطابِيّ: لم يحضر عَلَيْهِ برهَان. وَقَالَ قوم: هُوَ مَنْسُوخ وَلم يقم دَلِيل نسخه، وَعند الْجُمْهُور: يجب عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة لحَدِيث أبي هُرَيْرَة على مَا نبينه، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَالَّذين ذكرهم البُخَارِيّ سِتَّة من التَّابِعين، الأول: سعيد بن الْمسيب، فوصل أَثَره مُسَدّد وَغَيره فِي قصَّة المجامع قَالَ يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ ويستغفر الله تَعَالَى. الثَّانِي: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ، فوصل أَثَره ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا شريك عَن مُغيرَة عَن إِبْرَاهِيم وَعَن أبي خَالِد عَن الشّعبِيّ قَالَا: (يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ) . الثَّالِث: سعيد بن جُبَير، فوصل أَثَره ابْن أبي شيبَة أَيْضا: حَدثنَا عَبدة عَن سعيد عَن يعلى بن حَكِيم (عَن سعيد بن جُبَير فِي رجل أفطر يَوْمًا مُتَعَمدا، قَالَ: يسْتَغْفر الله من ذَلِك وَيَتُوب وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ) . الرَّابِع: إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، فوصل أَثَره ابْن أبي شيبَة، وَقد مر الْآن مَعَ الشّعبِيّ. الْخَامِس: قَتَادَة فوصل أثر عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الْحسن، وَقَتَادَة فِي قصَّة المجامع فِي رَمَضَان. السَّادِس: حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان، أحد من أَخذ عَنهُ الإِمَام أَبُو حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فوصله عبد الرَّزَّاق عَن أبي حنيفَة عَنهُ.

٥٣٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُنِيرٍ قَالَ سَمِعَ يَزيدَ بنَ هَرُونَ قَالَ حدَّثنا يحْيَى هُوَ ابنُ سَعِيدٍ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ الْقَاسِمِ أخبرَهُ عنْ محَمَّدِ بنِ جَعْفَرَ بنِ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ بنِ خُوَيْلِدٍ عنْ عَبَّادِ ابنِ عَبْدِ الله بنِ الزُّبَيرِ قَالَ أخبرَهُ أنَّهُ سَمِعَ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تَقُولُ إنَّ رَجُلاً أتَى النبيَّ صلى الله

عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ إنَّهُ احْتَرَقَ قَالَ مالَكَ قَالَ أصبْتُ أهْلِي فِي رَمَضَانَ فأُتِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمِكْتَلٍ يُدْعَى الْعَرَقَ فَقَالَ أيْنَ الْمُحُتَرِقُ قَالَ أنَا قَالَ تَصَدَّقْ بِهَذَا. (الحَدِيث ٥٣٩١ طرفه فِي: ٢٢٨٦) .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أصبت أَهلِي فِي رَمَضَان) ، أَرَادَ أَنه جَامع فِي نَهَار رَمَضَان.

ذكر رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: عبد الله بن مُنِير، بِضَم الْمِيم وَكسر النُّون: الزَّاهِد أَبُو عبد الرَّحْمَن. الثَّانِي: يزِيد من الزِّيَادَة ابْن هَارُون أَبُو خَالِد. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. الرَّابِع: عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: مُحَمَّد بن جَعْفَر. السَّادِس: عباد، بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. السَّابِع: أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْأَخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه مروزي وَأَنه من أَفْرَاده وَأَن يزِيد بن هَارُون واسطي والبقية مدنيون. وَفِيه: أَرْبَعَة من التَّابِعين فِي نسق وَاحِد. وَيحيى وَعبد الرَّحْمَن تابعيان صغيران من طبقَة وَاحِدَة وفوقهما قَلِيلا مُحَمَّد بن جَعْفَر. وَأما ابْن عَمه عباد فَمن أوساط التَّابِعين.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْمُحَاربين. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن مُحَمَّد بن رمح وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى وَعَن أبي الطَّاهِر. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد وَعَن مُحَمَّد بن عَوْف. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن الْحَارِث بن مِسْكين وَعَن عِيسَى بن حَمَّاد وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن يحيى بن حبيب.

ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (إِن رجلا) ، زعم ابْن بشكوال أَن هَذَا الرجل هُوَ سَلمَة صَخْر البياضي فِيمَا ذكره ابْن أبي شيبَة فِي (مُسْنده) ، وَعند ابْن الْجَارُود: سلمَان بن صَخْر، وَفِي (جَامع التِّرْمِذِيّ) : سَلمَة بن صَخْر، قَالَ: حَدثنَا إِسْحَاق بن مَنْصُور حَدثنَا هَارُون بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا عَليّ بن الْمُبَارك حَدثنَا يحيى بن أبي كثير (حَدثنَا أَبُو سَلمَة: أَن سَلمَة بن صَخْر البياضي جعل امْرَأَته عَلَيْهِ كَظهر أمه حَتَّى يمْضِي رَمَضَان، فَلَمَّا مضى نصف رَمَضَان وَقع عَلَيْهَا لَيْلًا، فَأتى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: أعتق رَقَبَة {قَالَ: لَا أَجدهَا. قَالَ: فَصم شَهْرَيْن مُتَتَابعين، قَالَ لَا أَسْتَطِيع. قَالَ: أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا، قَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لفروة بن عَمْرو: أعْطه ذَلِك الْعرق، وَهُوَ مكتل يَأْخُذ خَمْسَة عشر أَو سِتَّة عشر صَاعا) . وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) فَهَذَا غير مَا ذكره ابْن بشكوال فَينْظر، وَالله أعلم. قلت: لَا شكّ أَنه غير لِأَن ابْن بشكوال اسْتندَ إِلَى مَا أخرجه ابْن أبي شيبَة وَغَيره من طَرِيق سلمَان بن يسَار عَن سَلمَة بن صَخْر أَنه ظَاهر من امْرَأَته فِي رَمَضَان، وَأَنه وَطأهَا، فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: حرر رَقَبَة. قلت: لَا أملك رَقَبَة غَيرهَا، وَضرب صفحة رقبته، قَالَ: فَصم شَهْرَيْن مُتَتَابعين، قَالَ: وَهل أصبت الَّذِي أصبت إلَاّ من الصّيام؟ قَالَ: فأطعم سِتِّينَ مِسْكينا. قَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا لنا طَعَام} قَالَ: فَانْطَلق إِلَى صَاحب صَدَقَة بني زُرَيْق فليدفعها إِلَيْك. انْتهى. وَالظَّاهِر أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ، فَإِن فِي قصَّة المجامع فِي حَدِيث الْبَاب أَنه كَانَ صَائِما. وَفِي قصَّة سَلمَة بن صَخْر أَن ذَلِك كَانَ لَيْلًا، كَمَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ الْمَذْكُورَة آنِفا فَافْتَرقَا، واجتماعهما فِي كَونهمَا من بني بياضة، وَفِي صفة الْكَفَّارَة وَكَونهَا مرتبَة، وَفِي كَون كل مِنْهُمَا كَانَ لَا يقدر على شَيْء من خصالها لَا يسْتَلْزم اتِّحَاد الْقصَّتَيْنِ. وَالله أعلم. قَوْله: (إِنَّه احْتَرَقَ) ، وَفِي رِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَنه عبر بقوله: (هَلَكت) ، وَرِوَايَة الاحتراق تفسر رِوَايَة الْهَلَاك، وَكَأَنَّهُ لما اعْتقد أَن مرتكب الْإِثْم يعذب بالنَّار أطلق على نَفسه أَنه احْتَرَقَ لذَلِك، أَو مُرَاده أَنه يَحْتَرِق بالنَّار يَوْم الْقِيَامَة، فَجعل المتوقع كالواقع، وَاسْتعْمل بدله لفظ الْمَاضِي أَو شبه مَا وَقع فِيهِ من الْجِمَاع فِي الصَّوْم بالاحتراق، وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: (جَاءَهُ رجل وَهُوَ ينتف شعره، ويدق صَدره، وَيَقُول: هلك الْأَبْعَد وأهلكت) وَفِي رِوَايَة (وَهُوَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ) ، وَفِي رِوَايَة: (يلطم وَجهه) ، وَفِي رِوَايَة الْحجَّاج بن أَرْطَأَة: (يَدْعُو ويله) ، وَفِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ: (ويحثي على رَأسه التُّرَاب) . قَوْله: (قَالَ: مَالك؟) أَي: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا شَأْنك وَمَا جرى عَلَيْك؟ قَوْله: (أصبت أَهلِي فِي رَمَضَان) كِنَايَة عَن وَطئهَا، وَفِي رِوَايَة الطَّحَاوِيّ: (وَقعت على امْرَأَتي فِي رَمَضَان) . قَوْله: (فَأتي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) بِضَم الْهمزَة وَكسر التَّاء على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (بمكتل) ، بِكَسْر الْمِيم: الزنبيل الْكَبِير، قيل: إِنَّه يسع خَمْسَة عشر صَاعا، كَانَ فِيهِ كتلاً من التَّمْر أَي: قطعا مجتمعة، وَيجمع على: مكاتل. وَقَالَ القَاضِي: المكتل

والقفة والزبيل سَوَاء، وَسمي الزبيل لحمل الزبل فِيهِ، قَالَه ابْن دُرَيْد، والزبيل، بِكَسْر الزَّاي وَيُقَال بِفَتْحِهَا، وَكِلَاهُمَا لُغَتَانِ وَفِي (الْمُحكم) الزبيل: الجراب، وَقيل: الْوِعَاء يحمل فِيهِ، والزبيل القفة، وَالْجمع: زبل وزبلان. وَفِي (الصِّحَاح) : الزبيل مَعْرُوف فَإِذا كَسرته شددته، فَقلت: زبيل، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب: فعليل، بِالْفَتْح وَجَاء فِيهِ لُغَة أُخْرَى وَهِي: زنبيل، بِكَسْر الزَّاي وَسُكُون النُّون، قَالَ بَعضهم: وَقد تُدْغَم النُّون فتشدد الْيَاء مَعَ بَقَاء وَزنه، وَجمعه على اللُّغَات الثَّلَاث: زنابيل. قلت: لَيْسَ جمعه على اللغتين الْأَوليين إلَاّ مَا نقلنا عَن (الْمُحكم) : وَأما: زنابيل، فَلَيْسَ إلَاّ جمع المشدد فَقَط. قَوْله: (يدعى الْعرق) ، ذكر أَبُو عمر أَنه بِفَتْح الرَّاء وَهُوَ الصَّوَاب عِنْد أهل اللُّغَة، قَالَ: وَأَكْثَرهم يَرْوُونَهُ بِسُكُون الرَّاء، وَفِي (شرح الْمُوَطَّأ) لِابْنِ حبيب: رَوَاهُ مطرف عَن مَالك بتحريك الرَّاء، وَقَالَ ابْن التِّين فِي رِوَايَة أبي الْحسن بِسُكُون الرَّاء، وَرِوَايَة أبي ذَر بِفَتْحِهَا، وَأنكر بعض الْعلمَاء إسكان الرَّاء، وَفِي كتاب (الْعين) : الْعرق مِثَال شجر، والعرقات كل مضفور أَو مصطف، والعرق أَيْضا السَّقِيفَة من الخوص قبل أَن يَجْعَل مِنْهَا زنبيلاً، وَسمي: الزنبيل: عرقا لذَلِك، وَيُقَال: العرقة أَيْضا، وَعَن أبي عمر: والعرق أكبر من المكتل، والمكتل أكبر من القفة، والعرقة زنبيل من قد بلغه كلب ذكره فِي (الموعب) ، وَفِي (الْمُحكم) : الْعرق واحدته: عرقة، قَالَ أَحْمد بن عمرَان: الْعرق المكتل الْعَظِيم. قَوْله: (أَيْن المحترق؟) يدل على أَنه كَانَ عَامِدًا، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اثْبتْ لَهُ حكم الْعمد، وَأثبت لَهُ هَذَا الْوَصْف إِشَارَة إِلَى أَنه لَو أصر غير ذَلِك لَاسْتَحَقَّ ذَلِك. قَوْله: (تصدق بِهَذَا) ، مُطلق، وَالْمرَاد تصدق على سِتِّينَ مِسْكينا، هَكَذَا رَوَاهُ مُخْتَصرا، وَرَوَاهُ مُسلم، وَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن رمح بن المُهَاجر، قَالَ: أخبرنَا اللَّيْث عَن يحيى بن سعيد عَن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الزبير عَن عباد بن عبد الله بن الزبير (عَن عَائِشَة، قَالَت: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: احترقت {قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لِمَ قَالَ: وطِئت امْرَأَتي فِي رَمَضَان نَهَارا. قَالَ: تصدق. قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْء، فَأمره أَن يجلس، فَجَاءَهُ عرقان فيهمَا طَعَام، فَأمره أَن يتَصَدَّق بهما) . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: (أَتَى رجل إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَسْجِد فِي رَمَضَان، فَقَالَ: يَا رَسُول الله} احترقت احترقت؟ فَسَأَلَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا شَأْنك؟ فَقَالَ: أصبت أَهلِي {فَقَالَ: تصدق، فَقَالَ: وَالله يَا نَبِي الله مَا لي شَيْء، وَمَا أقدر عَلَيْهِ. قَالَ: إجلس، فَجَلَسَ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك أقبل رجل يَسُوق حمارا عَلَيْهِ طَعَام، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أَيْن المحترق آنِفا؟ فَقَامَ الرجل، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تصدق بِهَذَا، فَقَالَ: يَا رَسُول الله} أغيرنا؟ فوَاللَّه إِنَّا لجياع مَا لنا شَيْء. قَالَ: كلوه) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَمن الْحَدِيثين اللَّذين يأتيان بعده، وَغَيرهَا من الْأَحَادِيث الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب، وَهُوَ على أَنْوَاع: النَّوْع الأول: أَن قوما استدلوا بقوله: (تصدق بِهَذَا) على أَن الَّذِي يجب على من جَامع فِي نَهَار رَمَضَان عَامِدًا الصَّدَقَة لَا غير. وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَذكر الطَّحَاوِيّ عَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم هَكَذَا، وَلم يبين من هم. قلت: هم عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ، وَمَالك فِي رِوَايَة وَعبد الله بن رهم فَإِنَّهُم قَالُوا فِي هَذَا: تجب عَلَيْهِ الصَّدَقَة وَلَا تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِظَاهِر حَدِيث المحترق، وَأجِيب: بِأَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي يَأْتِي فِي الْكتاب زَاد فِيهِ: الْعتْق وَالصِّيَام، وَالْأَخْذ بِهِ أولى، لِأَن أَبَا هُرَيْرَة حفظ ذَلِك وَلم تحفظه عَائِشَة، وَيُقَال: إِنَّهَا لم تجب عَلَيْهِ فِي الْحَال لعَجزه عَن الْكل. وأخرت إِلَى زمن الميسرة. وَفِي (الْمَبْسُوط) : وَمَا أمره بِهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ تَطَوّعا لِأَنَّهَا لم تكن وَاجِبَة عَلَيْهِ فِي الْحَال لعَجزه، وَلِهَذَا أجَاز صرفهَا إِلَى نَفسه وَعِيَاله، وَعَن أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ: أَن قِيَاس قَول أبي حنيفَة وَالثَّوْري وَأبي ثَوْر: إِن الْكَفَّارَة دين عَلَيْهِ لَا تسْقط عَنهُ لعسرته، وَعَلِيهِ أَن يَأْتِي بهَا إِذا أيسر، كَسَائِر الْكَفَّارَات، وَعند الشَّافِعِيَّة: فِيهِ وَجْهَان، وَذهب بَعضهم إِلَى أَن إِبَاحَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لذَلِك الرجل أكل الْكَفَّارَة لعسرته رخصَة لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ ابْن شهَاب: وَلَو أَن رجلا فعل ذَلِك الْيَوْم لم يكن لَهُ بُد من التَّكْفِير، وَقيل: هُوَ مَنْسُوخ، وَقيل: هُوَ خَاص بذلك الرجل، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: خص هَذَا الرجل بِأَحْكَام ثَلَاثَة: بِجَوَاز الْإِطْعَام مَعَ الْقُدْرَة على الصّيام وَصَرفه على نَفسه، والاكتفاء بِخَمْسَة عشر صَاعا.

النَّوْع الثَّانِي: لَو أَنهم اخْتلفُوا فِي كمية هَذِه الصَّدَقَة، فَقَالَ الشَّافِعِي وَمَالك: إِن الْوَاجِب فِيهَا مد، وَهُوَ ربع صَاع لكل مِسْكين، وَهُوَ خَمْسَة عشر صَاعا، لما روى أَبُو دَاوُد من رِوَايَة هِشَام بن سعد عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: (فَأتي بعرق

قدر خَمْسَة عشر صَاعا) . وروى الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِيه: (فَأتي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بمكتل فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا من تمر) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا ثمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، قَالَ فِيهِ: (بمكتل فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا من تمر) ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا من رِوَايَة روح عَن مُحَمَّد ابْن أبي حَفْصَة عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد قَالَ وَفِيه: بزبيل وَهُوَ المكتل فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا أَحْسبهُ تَمرا. قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ هِقْل بن زِيَاد، والوليد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ. وَقَالَ الْخطابِيّ: وَظَاهره يدل على أَن قدر خَمْسَة عشر صَاعا يَكْفِي لِلْكَفَّارَةِ عَن شخص وَاحِد لكل مِسْكين مد، قَالَ: وَقد جعله الشَّافِعِي أصلا لمذهبه فِي أَكثر الْمَوَاضِع الَّتِي يجب فِيهَا الْإِطْعَام، وَعِنْدنَا: الْوَاجِب لكل مِسْكين نصف صَاع من بر أَو صَاع من تمر، كَمَا فِي كَفَّارَة الظِّهَار، لما روى الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن عَبَّاس: (يطعم كل يَوْم مِسْكينا نصف صَاع من بر) وَعَن عَائِشَة فِي هَذِه الْقِصَّة: (أُتِي بعرق فِيهِ عشرُون صَاعا) ذكره السفاقسي فِي (شرح البُخَارِيّ) ويروى: (مَا بَين خَمْسَة عشر صَاعا إِلَى عشْرين) ، وَفِي (صَحِيح مُسلم) : فَأمره أَن يجلس، فجَاء عرقان فيهمَا طَعَام فَأمره أَن يتَصَدَّق بِهِ، فَإِذا كَانَ الْعرق خَمْسَة عشر صَاعا، فالعرقان ثَلَاثُونَ صَاعا على سِتِّينَ مِسْكينا لكل مِسْكين نصف صَاع. وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي بعض طرق عَائِشَة عِنْد مُسلم: فَجَاءَهُ عرقان، وَالْمَشْهُور فِي غَيرهَا: عرق، وَرجحه الْبَيْهَقِيّ، وَجمع غَيره بَينهمَا بِتَعَدُّد الْوَاقِعَة. وَقَالَ: الَّذِي يظْهر أَن التَّمْر كَانَ قدر عرق، لكنه كَانَ فِي عرقين فِي حَال التحميل على الدَّابَّة ليَكُون أسهل فِي الْحمل، فَيحْتَمل أَن الْآتِي بِهِ لما وصل أفرغ أَحدهمَا فِي الآخر، فَمن قَالَ: عرقان، أَرَادَ ابْتِدَاء الْحَال، وَمن قَالَ: عرق، أَرَادَ مَا آل إِلَيْهِ. قلت: كَون الْمَشْهُور فِي غير طرق عَائِشَة عرقا لَا يسْتَلْزم رد مَا رُوِيَ فِي بعض طرق عَائِشَة: أَنه عرقان، وَمن أَيْن تَرْجِيح رِوَايَة غير مُسلم على رِوَايَة مُسلم؟ فَهَذَا مُجَرّد دَعْوَى لتمشية مذْهبه. وَقَول من يَدعِي تعدد الْوَاقِعَة غير صَحِيح، لِأَن مخرج الحَدِيث وَاحِد، وَالْأَصْل عدم التَّعَدُّد. وَقَول هَذَا الْقَائِل: وَالَّذِي يظْهر ... إِلَى آخِره، سَاقِط جدا وَتَأْويل فَاسد، فَمن أَيْن هَذَا الظُّهُور الَّذِي يذكرهُ بِغَيْر أصل وَلَا دَلِيل من نفس الْكَلَام وَلَا قرينَة من الْخَارِج؟ وَإِنَّمَا هُوَ من آثَار أريحية التعصب نصْرَة لما ذهب إِلَيْهِ، وَالْحق أَحَق أَن يتبع، وَالله ولي الْعِصْمَة.

النَّوْع الثَّالِث: احْتج بِهِ الشَّافِعِي وَدَاوُد وَأهل الظَّاهِر على أَنه: لَا يلْزم فِي الْجِمَاع على الرجل وَالْمَرْأَة إلَاّ كَفَّارَة وَاحِدَة، إِذْ لم يذكر لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حكم الْمَرْأَة، وَهُوَ مَوضِع الْبَيَان، وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَأَبُو ثَوْر: تجب الْكَفَّارَة على الْمَرْأَة أَيْضا إِن طاوعته، وَقَالَ القَاضِي: وَسوى الْأَوْزَاعِيّ بَين المكرهة والطائعة على مذْهبه، وَقَالَ مَالك، فِي الْمَشْهُور من مذْهبه فِي المكرهة: يكفر عَنْهَا بِغَيْر الصَّوْم. وَقَالَ سَحْنُون: لَا شَيْء عَلَيْهَا، وَلَا عَلَيْهِ لَهَا، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْر وَابْن الْمُنْذر، وَلم يخْتَلف مَذْهَبنَا فِي قَضَاء المركهة والنائمة إلَاّ مَا ذكره ابْن الْقصار عَن القَاضِي إِسْمَاعِيل عَن مَالك أَنه لَا غسل على الْمَوْطُوءَة نَائِمَة وَلَا مُكْرَهَة إلَاّ أَن تلتذ قَالَ ابْن قصار: فَتبين من هَذَا أَنَّهَا غير مفطرة، وَقَالَ القَاضِي: وظاهرة أَنه لَا قَضَاء على المكرهة إِلَّا أَن تلتذ، وَلَا على النائمة لِأَنَّهَا كالمحتلمة، وَهُوَ قَول أبي ثَوْر فِي النائمة والمكرهة.

وَاخْتلف فِي وجوب الْكَفَّارَة على الْمُكْره على الوطىء لغيره. على هَذَا، وَحكى ابْن الْقصار عَن أبي حنيفَة: لَا يلْزم الْمُكْره عَن نَفسه وَلَا على من أكرهه، وَقَالَ صَاحب (الْبَدَائِع) : وَأما على الْمَرْأَة فَتجب عَلَيْهَا أَيْضا الْكَفَّارَة إِذا كَانَت مطاوعة، وَللشَّافِعِيّ قَولَانِ: فِي قَول: لَا يجب عَلَيْهَا أصلا، وَفِي قَول: يجب عَلَيْهَا ويتحملها الزَّوْج. وَأما الْجَواب عَن قَوْلهم: إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يذكر حكم الْمَرْأَة وَهُوَ مَوضِع الْبَيَان، أَن الْمَرْأَة لَعَلَّهَا كَانَت مُكْرَهَة أَو ناسية لصومها، أَو من يُبَاح لَهَا الْفطر ذَلِك الْيَوْم لعذر الْمَرَض أَو السّفر أَو الصغر أَو الْجُنُون أَو الْكفْر أَو الْحيض أَو طَهَارَتهَا من حَيْضهَا فِي أثْنَاء النَّهَار.

النَّوْع الرَّابِع: فِي أَن الْوَاجِب إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا خلافًا لما رُوِيَ عَن الْحسن أَنه رأى أَن يطعم أَرْبَعِينَ مِسْكينا عشْرين صَاعا، حَكَاهُ ابْن التِّين عَنهُ، وحكوا عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ: يجْزِيه أَن يدْفع طَعَام سِتِّينَ مِسْكينا إِلَى مِسْكين وَاحِد. قَالُوا: والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ. قلت: الَّذِي حكى مَذْهَب أبي حنيفَة لم يعرف مذْهبه فِيهِ، وَحكي من غير معرفَة، ومذهبه أَنه إِذا دفع إِلَى مِسْكين وَاحِد فِي شَهْرَيْن يجوز، فَلَا يكون الحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، لِأَن الْمَقْصُود سد خلة الْمُحْتَاج، وَالْحَاجة تتجدد بتجدد الْأَيَّام فَكَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي كمسكين آخر حَتَّى لَو أعْطى مِسْكينا وَاحِدًا كُله فِي يَوْم وَاحِد لَا يَصح إلَاّ عَن يَوْمه، ذَلِك، لِأَن الْوَاجِب

عَلَيْهِ التَّفْرِيق وَلم يُوجد، ثمَّ الشَّرْط فِي الْإِطْعَام غداآن إِن وعشاآن، أَو غداء وعشاء فِي يَوْم وَاحِد.

النَّوْع الْخَامِس: فِي أَن التَّرْتِيب فِي الْكَفَّارَة وَاجِب، فَتَحْرِير رَقَبَة أَولا فَإِن لم يُوجد فَصِيَام شَهْرَيْن وَإِن لم يسْتَطع الصَّوْم فإطعام سِتِّينَ مِسْكينا، بِدَلِيل عطف بعض الْجمل على الْبَعْض بِالْفَاءِ الْمرتبَة المعقبة كَمَا سَيَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَابْن حبيب من الْمَالِكِيَّة، وَذهب مَالك وَأَصْحَابه إِلَى التَّخْيِير لقَوْله فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: (صم شَهْرَيْن أَو أطْعم) ، فخيره: بِأَو، الَّتِي موضوعها التَّخْيِير، وَعَن ابْن الْقَاسِم: لَا يعرف مَالك غير الْإِطْعَام، وَذكر مقلدوه حجَجًا لذَلِك كَثِيرَة لَا تقاوم مَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث من وجوب التَّرْتِيب واستحبابه، وَزعم بَعضهم أَن الْكَفَّارَة تخْتَلف باخْتلَاف الْأَوْقَات قَالَ ابْن التِّين: وَإِلَيْهِ ذهب الْمُتَأَخّرُونَ من أَصْحَابنَا، فوقت المجاعة الْإِطْعَام أولى، وَإِن كَانَ خصبا فالعتق أولى، وَأمر بعض الْمُفْتِينَ أهل الْغنى الْوَاسِع بِالصَّوْمِ لمشقته عَلَيْهِ، وَعَن أبي ليلى هُوَ مُخَيّر فِي الْعتْق وَالصِّيَام، فَإِن لم يقدر عَلَيْهِمَا أطْعم، وَإِلَيْهِ ذهب ابْن جرير، قَالَا: وَلَا سَبِيل إِلَى الْإِطْعَام إلَاّ عِنْد الْعَجز عَن الْعتْق أَو الصّيام. وَقَالَ ابْن قدامَة: الْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك أَحْمد أَن كَفَّارَة الْوَطْء فِي رَمَضَان ككفارة الظِّهَار فِي التَّرْتِيب: الْعتْق إِن أمكن، فَإِن عجز انْتقل إِلَى الصّيام، فَإِن عجز انْتقل إِلَى الْإِطْعَام، وَهُوَ قَول جُمْهُور الْعلمَاء. وَعَن أَحْمد رِوَايَة أُخْرَى: أَنَّهَا على التَّخْيِير بَين الْعتْق وَالصِّيَام وَالْإِطْعَام، وبأيها كفر أَجزَأَهُ، وَهُوَ رِوَايَة عَن مَالك، فَإِن عجز عَن هَذِه الْأَشْيَاء سَقَطت الْكَفَّارَة عَنهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد، لِأَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما رأى عجز الْأَعرَابِي عَنْهَا قَالَ: (أطْعمهُ أهلك) وَلم يَأْمُرهُ بكفارة أُخْرَى، وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ، وَعَن الزُّهْرِيّ: لَا بُد من التَّكْفِير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِي أول الْأَنْوَاع.

النَّوْع السَّادِس فِي أَن إِطْلَاق الرَّقَبَة فِي الحَدِيث يدل على جَوَاز الْمسلمَة والكافرة، وَالذكر وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِير وَالْكَبِير، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة وَأَصْحَابه، وَجعلُوا هَذَا كالظهار مستدلين بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن سَالم عَن مُجَاهِد (عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمر الَّذِي أفطر فِي رَمَضَان يَوْمًا بكفارة الظِّهَار) ، وَإِطْلَاق الحَدِيث أَيْضا يَقْتَضِي جَوَاز الرَّقَبَة المعيبة، وَهُوَ مَذْهَب دَاوُد وَمَالك وَأحمد وَالشَّافِعِيّ شرطُوا الْإِيمَان فِي إِجْزَاء الرَّقَبَة، بِدَلِيل تقييدها فِي كَفَّارَة الْقَتْل، وَهِي مَسْأَلَة حمل الْمُطلق على الْمُقَيد، وَقَالَ عَطاء: إِن لم يجد رقبه أهْدى بَدَنَة، فَإِن لم يجد فبقرة، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَنَحْوه عَن الْحسن.

النَّوْع السَّابِع: فِي أَن التَّتَابُع فِي صَوْم الشَّهْرَيْنِ شَرط بِالنَّصِّ بِشَرْط أَن لَا يكون فيهمَا رَمَضَان، وَأَيَّام منهية، وَهِي: يَوْم الْفطر وَيَوْم النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق، وَهُوَ قَول كَافَّة الْعلمَاء إلَاّ ابْن أبي ليلى، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجب التَّتَابُع فِي الصّيام، والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ.

النَّوْع الثَّامِن: اخْتلف الْفُقَهَاء فِي قَضَاء ذَلِك الْيَوْم مَعَ الْكَفَّارَة، فَقَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْري وَأَبُو ثَوْر وَأحمد وَإِسْحَاق: عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: إِن كفر بِالْعِتْقِ وَالْإِطْعَام صَامَ يَوْمًا مَكَان ذَلِك الْيَوْم الَّذِي أفطر، وَإِن صَامَ شَهْرَيْن مُتَتَابعين دخل فيهمَا قَضَاء ذَلِك الْيَوْم، وَقَالَ قوم: لَيْسَ فِي الْكَفَّارَة صِيَام ذَلِك الْيَوْم، قَالَ أَبُو عمر: لِأَنَّهُ لم يرد فِي حَدِيث عَائِشَة وَلَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي نقل الْحفاظ للْأَخْبَار الَّتِي لَا عِلّة فِيهَا ذكر الْقَضَاء، وَإِنَّمَا فِيهَا الْكَفَّارَة. قلت: جَاءَ فِي خبر أبي هُرَيْرَة وَغَيره: الْقَضَاء، وروى ابْن مَاجَه عَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن عبد الله بن وهب عَن عبد الْجَبَّار بن عمر عَن يحيى بن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك، أَي: بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ: هَلَكت، وَقد تقدم قبله، ثمَّ قَالَ: (ويصوم يَوْمًا مَا مَكَانَهُ) .

النَّوْع التَّاسِع: أَجمعُوا على أَن من وطىء فِي رَمَضَان فِي يَوْم آخر أَن عَلَيْهِ كَفَّارَة أُخْرَى، وَأَجْمعُوا أَنه لَيْسَ على من وطىء مرَارًا فِي يَوْم وَاحِد إلَاّ كَفَّارَة وَاحِدَة، فَإِن وطىء فِي يَوْم من رَمَضَان وَلم يكفر حَتَّى وطىء فِي يَوْم آخر، فَذهب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: أَن عَلَيْهِ لكل يَوْم كَفَّارَة، كفر أم لَا. وَقَالَ أَبُو حنيفَة: عَلَيْهِ كَفَّارَة وَاحِدَة إِذا وطىء قبل أَن يكفر وَقَالَ الثَّوْريّ: أحب إِلَيّ أَن يكفر عَن كل يَوْم، وَأَرْجُو أَن يجْزِيه كَفَّارَة وَاحِدَة مَا لم يكفر.

النَّوْع الْعَاشِر: فِي حَدِيث الْبَاب دلَالَة على التَّمْلِيك الضمني من قَوْله: (تصدق بِهَذَا) ، قَالَ صَاحب الْمُفْهم: يلْزم مِنْهُ أَن يكون قد ملكه إِيَّاه ليتصدق بِهِ عَن كَفَّارَته، قَالَ: وَيكون هَذَا كَقَوْل الْقَائِل: أعتقت عَبدِي عَن فلَان، فَإِنَّهُ يتَضَمَّن سبقية الْملك عِنْد قوم، قَالَ: وأباه أَصْحَابنَا مَعَ الِاتِّفَاق على أَن الْوَلَاء للْمُعْتق فِيهِ، وَأَن الْكَفَّارَة تسْقط بذلك.

٠٣ - (بابٌ إِذا جامَعَ فِي رَمَضَانَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَيءٌ فتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فلْيُكَفِّرْ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: إِذا جَامع الصَّائِم فِي نَهَار رَمَضَان عَامِدًا، وَالْحَال أَنه لم يكن لَهُ شَيْء يعْتق بِهِ، وَلَا شَيْء يطعم بِهِ، وَلَا لَهُ قدرَة يَسْتَطِيع الصّيام بهَا، ثمَّ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِقدر مَا يجْزِيه، فليكفر بِهِ لِأَنَّهُ صَار واجدا بِهِ، وَفِيه إِشَارَة إِلَى أَن الْإِعْسَار لَا يسْقط الْكَفَّارَة عَن ذمَّته.

٦٣٩١ - حدَّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبً عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أخبرنِي حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذْ جاءَهُ رجُلٌ فَقَالَ يَا رسولَ الله هَلَكْتُ قَالَ مالَكَ قَالَ وقَعْتُ علَى امْرَأتِي وَأَنا صَائِمٌ فَقَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَلْ تَجِدُ رَقبَةً تُعْتِقُهَا قَالَ لَا فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتتابِعَيْنِ قَالَ لَا فَقال فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينا قَالَ لَا قَالَ فمَكَثَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرً والْعَرَقُ المِكْتَلُ قَالَ أيْنَ السَّائِلُ فَقَالَ أَنا قَالَ خُذْهَا فَتَصَدَّقَ بِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَعَلَى أفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ الله فَوالله مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الحرَّتَيْنِ أهْلُ بَيْتٍ أفْقَرُ مِنْ أهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى بَدَتْ أنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ أطْعِمْهُ أهْلَكَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَن قَوْله: (وَقعت على امْرَأَتي وَأَنا صَائِم) عبارَة عَن الْجِمَاع.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا غير مرّة، وَأَبُو الْيَمَان الحكم بن نَافِع الْحِمصِي، وَشُعَيْب هُوَ ابْن أبي حَمْزَة الْحِمصِي، وَالزهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب، وَحميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ الْمدنِي.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن الرَّاوِي عَن الزُّهْرِيّ هُوَ شُعَيْب، وَالزهْرِيّ هُوَ الرَّاوِي عَن حميد، وروى مَا ينيف على أَرْبَعِينَ نفسا عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد عَن أبي هُرَيْرَة وهم: ابْن عُيَيْنَة وَاللَّيْث وَمعمر وَمَنْصُور عِنْد الشَّيْخَيْنِ، وَالْأَوْزَاعِيّ وَشُعَيْب وَإِبْرَاهِيم بن سعد عِنْد البُخَارِيّ، وَمَالك، وَابْن جريج عِنْد مُسلم، وَيحيى بن سعيد وعراك بن مَالك عِنْد النَّسَائِيّ، وَعبد الْجَبَّار بن عمر عِنْد أبي عوَانَة، والجوزقي وَعبد الرَّحْمَن بن مُسَافر عِنْد الطَّحَاوِيّ، وَعقيل عِنْد ابْن خُزَيْمَة، وَابْن أبي حَفْصَة عِنْد أَحْمد وَيُونُس وحجاج بن أَرْطَأَة وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، وَمُحَمّد بن إِسْحَاق عِنْد الْبَزَّار، والنعمان بن رَاشد عِنْد الطَّحَاوِيّ، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ذِئْب وَعبد الرَّحْمَن بن نمر وَأَبُو وأويس وَعبد الْجَبَّار بن عمر الْأَيْلِي وَعبيد الله بن عمر، وَإِسْمَاعِيل بن أُميَّة وَمُحَمّد بن أبي عَتيق ومُوسَى بن عقبَة وَعبد الله بن عِيسَى وَإِسْحَاق بن يحيى العوصي وَهَبَّار بن عقيل وثابت بن ثَوْبَان وقرة بن عبد الرَّحْمَن وَزَمعَة بن صَالح وفخر السقاء والوليد بن مُحَمَّد وَشُعَيْب بن خَالِد ونوح بن أبي مَرْيَم وَعبد الله بن أبي بكر وفليح بن سُلَيْمَان وَعَمْرو بن عُثْمَان المَخْزُومِي وَيزِيد بن عِيَاض وشبل بن عباد. وَقد رَوَاهُ هِشَام بن سعد عَن الزُّهْرِيّ فَخَالف الْجَمَاعَة فِي إِسْنَاده، فَرَوَاهُ: عَنهُ عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، وَزَاد فِيهِ: (وصم يَوْمًا مَكَانَهُ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَسكت عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عوَانَة الاسفرائني: غلط فِيهِ هِشَام بن سعد، وَقد رَوَاهُ أَيْضا عبد الْجَبَّار ابْن عمر الْأَيْلِي بِإِسْنَاد آخر رَوَاهُ عَن يحيى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة عبد الْجَبَّار بن عمر عَن يحيى بن سعيد وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة، وَقَالَ: عبد الْجَبَّار، لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقد ورد من حَدِيث مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة مُخْتَصرا، وَمن حَدِيث مُحَمَّد بن كَعْب عَن أبي هُرَيْرَة

رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ وَضعفهمَا. وَفِيه: أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: وَفِي رِوَايَة ابْن جريج عِنْد مُسلم، وَعقيل عِنْد ابْن خُزَيْمَة، وَأبي أويس عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ التَّصْرِيح بِالتَّحْدِيثِ بَين حميد وَأبي هُرَيْرَة.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الإدب عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَن مُحَمَّد بن مقَاتل وَعَن القعْنبِي وَفِي النَّفَقَات عَن أَحْمد بن يُونُس وَفِي النذور عَن عَليّ بن عبد الله وَفِي الصَّوْم أَيْضا عَن عُثْمَان وَفِي الْمُحَاربين عَن قُتَيْبَة وَفِي الْهِبَة وَالنُّذُور أَيْضا عَن مُحَمَّد بن مَحْبُوب. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر ابْن حَرْب وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير وَعَن يحيى بن يحيى وقتيبة وَمُحَمّد بن رمح وَعَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبد بن حميد وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن إِسْحَاق وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد وَمُحَمّد وَعِيسَى وَعَن القعْنبِي بِهِ وَعَن الْحسن بن عَليّ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن نصر بن عَليّ وَأبي عمار. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة بِهِ وَعَن مُحَمَّد ابْن مَنْصُور وَعَن مُحَمَّد بن قدامَة وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعَن مُحَمَّد بن نصر وَعَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَعَن الرّبيع بن سُلَيْمَان عَن أبي الْأسود وَإِسْحَاق بن مُضر وَفِي الشُّرُوط عَن هَارُون بن عبد الله. وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن سُفْيَان بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (بَيْنَمَا) ، قد مر غيرَة أَن أصل: بَيْنَمَا، بَين فأشبعت فَتْحة النُّون وَصَارَ: بَينا، ثمَّ زيدت فِيهِ: الْمِيم، فَصَارَ: بَيْنَمَا، ويضاف إِلَى جملَة إسمية وفعلية، وَيحْتَاج إِلَى جَوَاب يتم بِهِ الْمَعْنى، والأفصح فِي جوابها أَن لَا يكون فِيهِ إِذْ وَإِذا، وَلَكِن يَجِيء بِهَذَا كثيرا هُنَا كَذَلِك، وَهُوَ قَوْله: (إِذْ جَاءَهُ رجل) وَقَالَ بَعضهم: وَمن خَاصَّة: بَيْنَمَا، أَنَّهَا تتلقى بإذ، وبإذا حَيْثُ تَجِيء للمفاجأة، بِخِلَاف: بَينا، فَلَا تتلقى بِوَاحِدَة مِنْهُمَا، وَقد ورد فِي هَذَا الحَدِيث كَذَلِك. قلت: هَذَا تصرف فِي الْعَرَبيَّة من عِنْده، وَلَيْسَ مَا قَالَه بِصَحِيح، وَقد ذكرُوا أَن كلا مِنْهُمَا يتلَقَّى بِوَاحِدَة مِنْهُمَا، غير أَن الْأَفْصَح كَمَا ذكرنَا أَن لَا يتلقيا بهما، وَقد ورد فِي الحَدِيث: بإذ، فِي الأول وَفِي الثَّانِي بِدُونِ إِذْ، وَإِذا على الأَصْل الَّذِي هُوَ الْأَفْصَح، فَأَي شَيْء دَعْوَى الخصوصية فِي بَيْنَمَا بإذ وَإِذا ونفيها فِي بَينا؟ وَلم يقل بِهَذَا أحد؟ قَوْله: (عِنْد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَقَالَ بَعضهم: فِيهِ حسن الْأَدَب فِي التَّعْبِير، كَمَا تشعر العندية بالتعظيم بِخِلَاف مَا لَو قَالَ: مَعَ. قلت: لَفْظَة: عِنْد، موضوعها الحضرة وَمن أَيْن الْإِشْعَار فِيهِ بالتعظيم؟ قَوْله: (إِذا جَاءَ رجل) ، قد مر الْكَلَام فِيهِ فِي حَدِيث عَائِشَة.، قَوْله: (هَلَكت) ، وَفِي حَدِيث عَائِشَة: (احترقت) كَمَا مر، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (مَا أُراني إلَاّ قد هَلَكت) ، وَقد رُوِيَ فِي بعض طرق هَذَا الحَدِيث: (هَلَكت وأهلكت) ، قَالَ الْخطابِيّ: وَهَذِه اللَّفْظَة غير مَوْجُودَة فِي شَيْء من رِوَايَة هَذَا الحَدِيث، قَالَ: وَأَصْحَاب سُفْيَان لم يرووها عَنهُ إِنَّمَا ذكرُوا قَوْله: (هَلَكت) ، حسب، قَالَ: غير أَن بعض أَصْحَابنَا حَدثنِي أَن الْمُعَلَّى بن مَنْصُور روى هَذَا الحَدِيث عَن سُفْيَان، فَذكر هَذَا الْحَرْف فِيهِ وَهُوَ غير مَحْفُوظ، والمعلى لَيْسَ بذلك فِي الْحِفْظ والإتقان. انْتهى. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِن هَذِه اللَّفْظَة لَا يرضاها أَصْحَاب الحَدِيث، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: إِن هَذِه اللَّفْظَة لَيست مَحْفُوظَة عِنْد الْحفاظ الْأَثْبَات.

وَقَالَ شَيخنَا زيد الدّين، رَحمَه الله: وَردت هَذِه اللَّفْظَة مُسندَة من طرق ثَلَاثَة: أَحدهَا: الَّذِي ذكره الْخطابِيّ، وَقد رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة أبي ثَوْر، قَالَ: حَدثنَا مُعلى بن مَنْصُور حَدثنَا سُفْيَان بن عينة، فَذكره الدَّارَقُطْنِيّ، تفرد بِهِ أَبُو ثَوْر عَن مُعلى بن مَنْصُور عَن ابْن عُيَيْنَة، بقوله: (وأهلكت) ، قَالَ: وهم ثِقَات. الطَّرِيق الثَّانِي: من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ، وَقد رَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ، ثمَّ نقل عَن الْحَاكِم أَنه ضعف هَذِه اللَّفْظَة، وَحملهَا على أَنَّهَا أدخلت على مُحَمَّد بن الْمسيب الأرغياني، ثمَّ اسْتدلَّ على ذَلِك. وَالطَّرِيق الثَّالِث: من رِوَايَة عقيل عَن الزُّهْرِيّ، رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي غير السّنَن، وَقَالَ: حَدثنَا النَّيْسَابُورِي حَدثنَا مُحَمَّد بن عَزِيز حَدثنِي سَلامَة بن روح عَن عقيل عَن الزُّهْرِيّ، فَذكره، وَقد تكلم فِي سَماع مُحَمَّد بن عَزِيز من سَلامَة، وَفِي سَماع سَلامَة من عقيل، وَتكلم فيهمَا: أما مُحَمَّد بن عَزِيز فضعفه النَّسَائِيّ مرّة، وَقَالَ مرّة: لَا بَأْس بِهِ، وَأما سَلامَة فَقَالَ أَبُو زرْعَة: ضَعِيف مُنكر، وأجود طرق هَذِه اللَّفْظَة طَرِيق الْمُعَلَّى بن مَنْصُور، على أَن الْمُعَلَّى وَإِن اتّفق الشَّيْخَانِ على إِخْرَاج حَدِيثه فقد تَركه أَحْمد، وَقَالَ: لم أكتب عَنهُ، كَانَ يحدث بِمَا وَافق الرَّأْي، وَكَانَ كل يَوْم يخطىء فِي حديثين أَو ثَلَاثَة. قلت: هُوَ من أَصْحَاب أبي حنيفَة

وَوَثَّقَهُ يحيى بن معِين، وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة: ثِقَة، فِيمَا تفرد بِهِ وشورك فِيهِ، متقن صَدُوق فَقِيه مَأْمُون. وَقَالَ الْعجلِيّ: ثِقَة صَاحب سنة وَكَانَ نبيلاً، طلبوه للْقَضَاء غير مرّة فَأبى. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ صَدُوقًا صَاحب حَدِيث ورأي وَفقه، مَاتَ سنة أحد عشرَة وَمِائَتَيْنِ.

قَوْله: (قَالَ: مَالك؟) بِفَتْح اللَّام وَهُوَ اسْتِفْهَام عَن حَاله، وَفِي رِوَايَة عقيل: (وَيحك {مَا شَأْنك؟) وَلابْن أبي حَفْصَة: (وَمَا الَّذِي أهْلكك وَمَا ذَاك؟) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: (وَيحك} مَا صنعت؟) أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَدَب، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (وَمَا الَّذِي أهْلكك؟) وَكَذَا فِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ. قَوْله: (وَقعت على امْرَأَتي) وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: (أصبت أَهلِي) ، وَفِي حَدِيث عَائِشَة: (وطِئت امْرَأَتي) . قَوْله: (وَأَنا صَائِم) جملَة وَقعت حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي وَقعت. فَإِن قلت: من أَيْن يعلم أَنه كَانَ صَائِما فِي رَمَضَان حَتَّى يَتَرَتَّب عَلَيْهِ وجوب الْكَفَّارَة؟ قلت: وَقع فِي أول هَذَا الحَدِيث فِي رِوَايَة مَالك وَابْن جريج (أَن رجلا أفطر فِي رَمَضَان) الحَدِيث، وَوَقع أَيْضا فِي رِوَايَة عبد الْجَبَّار بن عمر: (وَقعت على أَهلِي الْيَوْم، وَذَلِكَ فِي رَمَضَان) . وَفِي رِوَايَة سَاق مُسلم إسنادها وسَاق أَبُو عوَانَة فِي (مستخرجه) متنها أَنه قَالَ: (أفطرت فِي رَمَضَان) ، وَبِهَذَا يرد على الْقُرْطُبِيّ فِي دَعْوَاهُ تعدد الْقِصَّة، لِأَن مخرج الحَدِيث وَاحِد، والقصة وَاحِدَة، وَوَقع فِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب عَن سعيد بن مَنْصُور: (أصبت امْرَأَتي ظهرا فِي رَمَضَان) ، وبتعيين رَمَضَان، يفهم الْفرق فِي وجوب كَفَّارَة الْجِمَاع فِي الصَّوْم بَين رَمَضَان وَغَيره من الْوَاجِبَات كالنذر، وَبَعض الْمَالِكِيَّة أوجبوا الْكَفَّارَة على من أفسد صَوْمه مُطلقًا، وَاحْتَجُّوا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث، ورد عَلَيْهِم بِالَّذِي ذَكرْنَاهُ الْآن. قَوْله: (هَل تَجِد رَقَبَة تعتقها؟) وَفِي رِوَايَة مَنْصُور: (أتجد مَا تحرر رَقَبَة) . وَفِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (أتستطيع أَن تعْتق رَقَبَة؟) وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد وَالْأَوْزَاعِيّ: (فَقَالَ: أعتق رَقَبَة) . وَزَاد فِي رِوَايَة عَن أبي هُرَيْرَة: (فَقَالَ: بئس مَا صنعت {أعتق رَقَبَة) . وَفِي حَدِيث عبد الله بن عمر، أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) : (جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: إِنِّي أفطرت يَوْمًا من رَمَضَان، فَقَالَ: من غير عذر وَلَا سقم؟ قَالَ: نعم. قَالَ: بئس مَا صنعت. قَالَ: أجل، مَا تَأْمُرنِي؟ قَالَ: أعتق رَقَبَة) . قَوْله: (قَالَ: لَا) أَي: قَالَ الرجل: لَا أجد رَقَبَة، وَفِي رِوَايَة ابْن مُسَافر: (فَقَالَ: لَا وَالله يَا رَسُول الله) . وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: (لَيْسَ عِنْدِي) ، وَفِي حَدِيث ابْن عمر: (فَقَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا ملكت رَقَبَة قطّ) . قَوْله: (فَهَل تَسْتَطِيع أَن تَصُوم شَهْرَيْن؟) قَالَ الْقُرْطُبِيّ أَي: تقوى وتقدر؟ وَفِي حَدِيث سعد: (قَالَ: لَا أقدر) وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: (وَهل لقِيت مَا لقِيت إلَاّ من الصّيام؟) وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق هَذِه تَقْتَضِي أَن عدم استطاعته شدَّة شبقه وَعدم صبره عَن الوقاع، فَهَل يكون ذَلِك عذرا فِي الِانْتِقَال عَن الصَّوْم إِلَى الْإِطْعَام حَتَّى يعد صَاحبه غير مستطيع للصَّوْم أم لَا؟ وَالصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيَّة اعْتِبَار ذَلِك، فيسوغ لَهُ الِانْتِقَال إِلَى الْإِطْعَام، ويلتحق بِهِ من يجد رَقَبَة، وَهُوَ غير مستغنٍ عَنْهَا، فَإِنَّهُ يسوغ لَهُ الِانْتِقَال إِلَى الصَّوْم مَعَ وجودهَا لكَونه فِي حكم غير الْوَاجِد. انْتهى. قلت: فِي هَذَا كُله نظر لِأَن الشَّارِع رتب هَذِه الْخِصَال بِالْفَاءِ الَّتِي هِيَ للتَّرْتِيب والتعقيب، فَكيف ينْقض هَذَا؟ قَوْله: (مُتَتَابعين) فِيهِ اشْتِرَاط التَّتَابُع، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ. قَوْله: (فَهَل تَجِد إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا) . وَزَاد فِي رِوَايَة ابْن مُسَافر: (يَا رَسُول الله. .) وَوَقع فِي رِوَايَة سُفْيَان: (هَل تَسْتَطِيع إطْعَام سِتِّينَ مِسْكينا؟) وَوَقع فِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد وعراق بن مَالك: (فأطعم سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا أجد) ، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (أفتستطيع أَن تطعم سِتِّينَ مِسْكينا؟ قَالَ: لَا) . وَذكر الْحَاجة، وَفِي حَدِيث ابْن عمر، قَالَ: (وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ مَا أشْبع أَهلِي} ) وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: أضَاف الْإِطْعَام الَّذِي هُوَ مصدر أطْعم إِلَى سِتِّينَ، فَلَا يكون ذَلِك مَوْجُودا فِي حق من أطْعم سِتَّة مَسَاكِين عشرَة أَيَّام مثلا، وَمن أجَاز ذَلِك فَكَأَنَّهُ استنبط من النَّص معنى يعود عَلَيْهِ بالإبطال، وَالْمَشْهُور عَن الْحَنَفِيَّة الْإِجْزَاء حَتَّى لَو أطْعم الْجَمِيع مِسْكينا وَاحِدًا فِي سِتِّينَ يَوْمًا كفى. قلت: هَؤُلَاءِ الَّذين يشتغلون بالحنفية يحفظون شَيْئا وتغيب عَنْهُم أَشْيَاء، أَفلا يعلمُونَ أَن المُرَاد هَهُنَا سد خلة الْفَقِير؟ فَإِذا وجد ذَلِك مَعَ مُرَاعَاة معنى السِّتين، فَلَا طعن فِيهِ، ثمَّ المُرَاد من الْإِطْعَام الْإِعْطَاء لَهُم بِحَيْثُ يتمكنون من الْأكل، وَلَيْسَ المُرَاد حَقِيقَة الْإِطْعَام من وضع المطعوم فِي فَم الْآكِل. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي هَذِه الْخِصَال الثَّلَاثَة وَمَا الْمُنَاسبَة بَينهمَا؟ قلت: الَّذِي انتهك حُرْمَة الصَّوْم بِالْجِمَاعِ عمدا فِي نَهَار رَمَضَان، فقد أهلك نَفسه بالمعصية، فَنَاسَبَ أَن يعْتق رَقَبَة فيفدي نَفسه، بهَا، وَثَبت فِي (الصَّحِيح) (أَن من أعتق رَقَبَة أعتق الله بِكُل عُضْو

مِنْهَا عضوا من النَّار) . وَأما الصّيام فمناسبته ظَاهِرَة لِأَنَّهُ كالمقاصة بِجِنْس الْجِنَايَة، وَأما كَونه شَهْرَيْن فَلِأَنَّهُ لما أَمر بمصابرة النَّفس فِي حفظ كل يَوْم من شهر رَمَضَان على الْوَلَاء، فَلَمَّا أفسد مِنْهُ يَوْمًا كَانَ كمن أفسد الشَّهْر كُله من حَيْثُ إِنَّه عبَادَة وَاحِدَة بالنوع، فكلف بشهرين مضاعفة على سَبِيل الْمُقَابلَة لنقيض قَصده. وَأما الْإِطْعَام فمناسبته ظَاهِرَة، لِأَن مُقَابلَة كل يَوْم بإطعام مِسْكين، ثمَّ إِن هَذِه الْخِصَال جَامِعَة لاشتمالها على حق الله تَعَالَى وَهُوَ الصَّوْم، وَحقّ الْأَحْرَار بِالْإِطْعَامِ وَحقّ الأرقاء بِالْإِعْتَاقِ وَحقّ الْجَانِي بِثَوَاب الِامْتِثَال. قَوْله: (فَمَكثَ) بِالْمِيم وَفتح الْكَاف وَضمّهَا وبالثاء الْمُثَلَّثَة. وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) من وَجْهَيْن عَن أبي الْيَمَان: أَحدهمَا: (مكث) مثل مَا هُوَ هُنَا. وَالْآخر: (فَسكت) ، من السُّكُوت وَفِي رِوَايَة أبي عُيَيْنَة (فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إجلس فَجَلَسَ) . قَوْله: (فَبينا نَحن على ذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: (فَبَيْنَمَا هُوَ جَالس كَذَلِك) ، قيل: يحْتَمل أَن يكون سَبَب أمره بِالْجُلُوسِ لانتظار مَا يُوحى إِلَيْهِ فِي حَقه، وَيحْتَمل أَنه كَانَ عرف أَنه سيؤتى بِشَيْء يُعينهُ بِهِ. قَوْله: (أُتِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، كَذَا هُوَ على بِنَاء الْمَجْهُول عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة: (إِذْ أُتِي) وَهُوَ جَوَاب قَوْله: بَينا، وَقد مر فِي قَوْله: (بَيْنَمَا نَحن جُلُوس) أَن بَعضهم قَالَ: إِن بَينا لَا يتلَقَّى بإذ وَلَا بإذا، وَهَهُنَا فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة جَاءَ بإذ، وَهُوَ يرد مَا قَالَه، فَكَأَنَّهُ ذهل عَن هَذَا، والآتي من هُوَ لم يدر، وَقَالَ بَعضهم: والآتي الْمَذْكُور لم يسم. قلت: فِي أَيْن ذكر الْآتِي حَتَّى قَالَ: لم يسم؟ لَكِن وَقع فِي الْكَفَّارَات على مَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَة معمر: (فجَاء رجل من الْأَنْصَار) ، وَهُوَ أَيْضا غير مَعْلُوم. فَإِن قلت: عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيق دَاوُد بن أبي هِنْد عَن سعيد بن الْمسيب مُرْسلا، (فَأتى رجل من ثَقِيف) . قلت: رِوَايَة الصَّحِيح أصح، وَيُمكن أَن يحمل على أَنه كَانَ حليفا للْأَنْصَار، فَأطلق عَلَيْهِ الْأنْصَارِيّ، وَقَالَ بَعضهم: أَو إِطْلَاق الْأنْصَارِيّ، بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ. قلت: لَا وَجه لذَلِك لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن يُطلق على كل من كَانَ من أَي قَبيلَة كَانَ أَنْصَارِيًّا بِهَذَا الْمَعْنى، وَلم يقل بِهِ أحد. قَوْله: (بعرق) ، قد مر تَفْسِيره عَن قريب مُسْتَوفى. قَوْله: (والمكتل) تَفْسِير الْعرق وَقد مر تَفْسِير المكتل أَيْضا وَفِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَابْن خُزَيْمَة (المكتل الضخم) فَإِن قلت تَفْسِير الْعرق بالمكتل مِمَّن؟ قلت: الظَّاهِر أَنه من الصَّحَابِيّ، وَيحْتَمل أَن يكون من الروَاة، قيل: فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة مَا يشْعر بِأَنَّهُ الزُّهْرِيّ، وَفِي رِوَايَة مَنْصُور فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا: وَهُوَ بَاب المجامع فِي رَمَضَان فَأتي بعرق فِيهِ تمر، وَهُوَ الزبيل، وَفِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (فَأتي بزبيل) ، وَقد مر تَفْسِير الزبيل أَيْضا مُسْتَوفى. قَوْله: (أَيْن السَّائِل؟) قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لم يكن لذَلِك الرجل سُؤال، بل كَانَ لَهُ مُجَرّد إِخْبَار بِأَنَّهُ هلك، فَمَا وَجه إِطْلَاق لفظ السَّائِل عَلَيْهِ؟ قلت: كَلَامه مُتَضَمّن للسؤال أَي: هَلَكت، فَمَا مُقْتَضَاهُ وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ؟ فَإِن قلت: لم يبين فِي هَذَا الحَدِيث مِقْدَار مَا فِي المكتل من التَّمْر؟ قلت: وَقع فِي رِوَايَة ابْن أبي حَفْصَة: (فِيهِ خَمْسَة عشر صَاعا) ، وَفِي رِوَايَة مُؤَمل عَن سُفْيَان: (فِيهِ خَمْسَة عشر أَو نَحْو ذَلِك) ، وَفِي رِوَايَة مهْرَان بن أبي عمر عَن الثَّوْريّ عِنْد ابْن خُزَيْمَة: (فِيهِ خَمْسَة عشر أَو عشرُون) وَكَذَا هُوَ عِنْد مَالك، وَفِي مُرْسل سعيد بن الْمسيب عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ الْجَزْم بِعشْرين صَاعا، وَوَقع فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد ابْن خُزَيْمَة: (فَأتي بعرق فِيهِ عشرُون صَاعا) ، وَقَالَ بَعضهم: من قَالَ: عشرُون، أَرَادَ أصل مَا كَانَ فِيهِ، وَمن قَالَ: خَمْسَة عشر، أَرَادَ قدر مَا تقع بِهِ الْكَفَّارَة، وَيبين ذَلِك حَدِيث عَليّ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ: (يطعم سِتِّينَ مِسْكينا لكل مِسْكين مد) وَفِيه: (فَأتي بِخَمْسَة عشر صَاعا، فَقَالَ: أطْعمهُ سِتِّينَ مِسْكينا) . وَكَذَا فِي رِوَايَة حجاج عَن الزُّهْرِيّ عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: وَفِيه رد على الْكُوفِيّين فِي قَوْلهم: إِن واجبه من الْقَمْح ثَلَاثُونَ صَاعا، وَمن غَيره سِتُّونَ صَاعا، وعَلى أَشهب فِي قَوْله: لَو غدَّاهم أَو عشَّاهم كفى لصدق الْإِطْعَام، وَلقَوْل الْحسن: يطعم أَرْبَعِينَ مِسْكينا عشْرين صَاعا، وَلقَوْل عَطاء: إِن أفطر بِالْأَكْلِ أطْعم عشْرين صَاعا، أَو بِالْجِمَاعِ أطْعم خَمْسَة عشر، وَفِيه رد على الْجَوْهَرِي حَيْثُ قَالَ فِي (الصِّحَاح) : المكتل تشبه الزبيل، يسع خَمْسَة عشر صَاعا لِأَنَّهُ لَا حصر فِي ذَلِك. انْتهى. قلت: لَيْت شعري كَيفَ فِيهِ رد على الْكُوفِيّين وهم قد احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسلم: (فَجَاءَهُ عرقان فيهمَا طَعَام) ، وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن مَا فِي العرقين يكون ثَلَاثِينَ صَاعا، فَيعْطى لكل مِسْكين نصف صَاع، بل الرَّد على أئمتهم حَيْثُ احْتَجُّوا فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بالروايات المضطربة، وَفِي بَعْضهَا الشَّك، فالعجب

مِنْهُ أَن يرد على الْكُوفِيّين مَعَ علمه أَن احتجاجهم قوي صَحِيح، وأعجب مِنْهُ أَنه قَالَ فِي رِوَايَة مُسلم هَذِه: وَوَجهه أَن كَانَ مَحْفُوظًا، وَقد ردينا عَلَيْهِ مَا قَالَه فِيمَا مضى عَن قريب، وَكَذَلِكَ قَوْله: وَفِيه رد على الْجَوْهَرِي، غير صَحِيح، لِأَنَّهُ لم يحصر مَا قَالَه فِي ذَلِك: غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه نقل أحد الْمعَانِي الَّتِي قَالُوا فِي المكتل وَسكت عَلَيْهِ. قَوْله: (فَتصدق بِهِ) وَزَاد ابْن إِسْحَاق: (فَتصدق عَن نَفسك) ، وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة مَنْصُور فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ بِلَفْظ: (أطْعم هَذَا عَنْك) . قَوْله: (أعَلَى أفقر منى؟) أَي: أَتصدق بِهِ على شخص أفقر منى؟ وَفِي حَدِيث ابْن عمر، أخرجه الْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) (إِلَى من أدفعه؟ قَالَ: إِلَى أفقر من تعلم) وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد: (أَعلَى أفقر من أَهلِي؟) وَلابْن مُسَافر: (أَعلَى أهل بَيت أفقر منى؟) وَالْأَوْزَاعِيّ: (أَعلَى غير أَهلِي؟) ولمنصور: (أَعلَى أحْوج منا؟) وَلابْن إِسْحَاق (وَهل الصَّدَقَة إلَاّ لي وَعلي؟) . قَوْله: (فوَاللَّه مَا بَين لابتيها) اللابتان، بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَفْتُوحَة ثمَّ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق: عبارَة عَن حرتين تكتنفان الْمَدِينَة، وَهِي تَثْنِيَة: لابة، والحرة، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: الأَرْض ذَات حِجَارَة سود. قَوْله: (يُرِيد الحرتين) ، من كَلَام بعض رُوَاته، وَوَقع فِي حَدِيث ابْن عمر الْمَذْكُور: (مَا بَين حرتيها) وَفِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ الْآتِي فِي الْأَدَب: (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا بَين طنبي الْمَدِينَة) وَهُوَ تَثْنِيَة: طُنب، بِضَم الطَّاء الْمُهْملَة وَالنُّون: أحد أطناب الْخَيْمَة، واستعاره للطرف. قَوْله: (أهل بَيت أفقر من أهل بيتى) لفظ: أهل، مَرْفُوع لِأَنَّهُ اسْم: مَا، النافية. و: أفقر، مَنْصُوب لِأَنَّهُ خَبَرهَا، وَيجوز رَفعه على لُغَة تَمِيم، وَفِي رِوَايَة يُونُس: (أفقر مني وَمن أهل بَيْتِي؟) وَفِي رِوَايَة عقيل: (مَا أحد أَحَق بِهِ من أَهلِي، مَا أحد أحْوج إِلَيْهِ مني) وَفِي مُرْسل سعيد من رِوَايَة دَاوُد عَنهُ: (وَالله مَا لِعِيَالِي من طَعَام) . وَفِي حَدِيث عِنْد ابْن خُزَيْمَة: (مَا لنا عشَاء لَيْلَة) . قَوْله: (فَضَحِك النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى بَدَت أنيابه) ، وَفِي رِوَايَة إِبْنِ إِسْحَاق: (حَتَّى بَدَت نواجده) ، وَلأبي قُرَّة فِي (السّنَن) عَن ابْن جريج: (حَتَّى بَدَت ثناياه) ، قيل: لَعَلَّهَا تَصْحِيف من أنيابه، فَإِن الثنايا تتبين بالتبسم غَالِبا، وَظَاهر السِّيَاق إِرَادَة الزِّيَادَة على التبسم، وَيحمل مَا ورد فِي صفته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن ضحكه كَانَ تبسما غَالب أَحْوَاله، وَقيل: كَانَ لَا يضْحك إلَاّ فِي أَمر يتَعَلَّق بِالآخِرَة، فَإِن كَانَ فِي أَمر الدُّنْيَا لم يزدْ على التبسم. وَقيل: إِن سَبَب ضحكه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ من تبَاين حَال الرجل، حَيْثُ جَاءَ خَائفًا على نَفسه رَاغِبًا فِي فداها مهما أمكنه، فَلَمَّا وجد الرُّخْصَة طمع أَن يَأْكُل مَا أعْطِيه فِي الْكَفَّارَة. وَقيل: ضحك من حَال الرجل فِي مقاطع كَلَامه وَحسن تَأتيه وتلطفه فِي الْخطاب وَحسن توسله فِي توصله إِلَى مَقْصُوده. قَوْله: (ثمَّ قَالَ: أطْعمهُ أهلك) وَفِي رِوَايَة لِابْنِ عُيَيْنَة فِي الْكَفَّارَات: (أطْعمهُ عِيَالك) . وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن سعد: (فَأنْتم إِذا) ، وَقدم ذَلِك على ذكر الضحك، وَفِي رِوَايَة أبي قُرَّة عَن ابْن جريج: (ثمَّ قَالَ: كُله) ، وَفِي رِوَايَة ابْن إِسْحَاق: (خُذْهَا وَكلهَا وأنفقها على عِيَالك) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: قد ذكرنَا فِي الْبَاب الَّذِي قبله مَا يتَعَلَّق بِهِ وَبِغَيْرِهِ من الْأَحْكَام، فلنذكر هُنَا مَا لم نذمر هُنَاكَ. فَفِيهِ: أَن من جَاءَ مستفتيا فِيمَا فِيهِ الِاجْتِهَاد دون الْحُدُود المحدودة أَنه لَا يلْزمه تَعْزِير وَلَا عُقُوبَة كَمَا لم يُعَاقب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، الْأَعرَابِي على هتك حُرْمَة الشَّهْر، قَالَه عِيَاض: قَالَ: لِأَن فِي مَجِيئه واستفتائه ظُهُور تَوْبَته وإقلاعه، قَالَ: وَلِأَنَّهُ لَو عُوقِبَ كل من جَاءَ بجيئه لم يستفت أحد غَالِبا عَن نازلة مَخَافَة الْعقُوبَة، بِخِلَاف مَا فِيهِ حد مَحْدُود، وَقد بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي كتاب الْمُحَاربين: بَاب من أصَاب ذَنبا دون الْحَد، فَأخْبر الإِمَام فَلَا عُقُوبَة عَلَيْهِ، بعد أَن جَاءَ مستفتيا. وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: مستعتبا، ثمَّ قَالَ البُخَارِيّ: وَقَالَ ابْن جريج: وَلم يُعَاقب الَّذِي جَامع فِي رَمَضَان. فَإِن قلت: وَقع فِي (شرح السّنة) لِلْبَغوِيِّ: أَن من جَامع مُتَعَمدا فِي رَمَضَان فسد صَوْمه. وَعَلِيهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة، وَيُعَزر على سوء صَنِيعه. قلت: هُوَ مَحْمُول على من لم يَقع مِنْهُ مَا وَقع من صَاحب هَذِه الْقِصَّة من النَّدَم وَالتَّوْبَة.

وَفِيه: أَن الْكَفَّارَة مرتبَة ككفارة الظِّهَار، وَهُوَ قَول أَكثر الْعلمَاء إلَاّ أَن مَالك بن أنس زعم أَنه مُخَيّر بَين عتق الرَّقَبَة وَصَوْم شَهْرَيْن وَالْإِطْعَام، وَحكي عَنهُ أَنه قَالَ: الْإِطْعَام أحب إِلَيّ من الْعتْق، وَوَقع فِي (الْمُدَوَّنَة) : وَلَا يعرف مَالك غير الْإِطْعَام وَلَا يَأْخُذ بِعِتْق وَلَا صِيَام. وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: وَهِي معضلة لَا يَهْتَدِي إِلَى توجيهها مَعَ مصادمة الحَدِيث الثَّابِت، غير أَن بعض الْمُحَقِّقين من أَصْحَابه حل هَذَا اللَّفْظ وتأوله على الِاسْتِحْبَاب فِي تَقْدِيم الطَّعَام على غَيره من الْخِصَال، وَذكر أَصْحَابه فِي هَذَا

وُجُوهًا كَثِيرَة كلهَا لَا تقاوم مَا ورد فِي الحَدِيث من تَقْدِيم الْعتْق على الصّيام، ثمَّ الْإِطْعَام.

وَفِيه: أَن الْكَفَّارَة بالخصال الثَّلَاث على التَّرْتِيب الْمَذْكُور، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لِأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نَقله من أَمر بعد عَدمه إِلَى أَمر آخر، وَلَيْسَ هَذَا شَأْن التَّخْيِير. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: ترَتّب الثَّانِي بِالْفَاءِ على فقد الأول، ثمَّ الثَّالِث بِالْفَاءِ على فقد الثَّانِي، يدل على عدم التَّخْيِير، مَعَ كَونهَا فِي معرض الْبَيَان وَجَوَاب السُّؤَال، فَينزل منزلَة الشَّرْط الْمُحكم. وَقيل: سلك الْجُمْهُور فِي ذَلِك مَسْلَك التَّرْجِيح بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب عَن الزُّهْرِيّ أَكثر مِمَّن روى التَّخْيِير، وَاعْترض ابْن التِّين بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب ابْن عُيَيْنَة وَمعمر وَالْأَوْزَاعِيّ، وَالَّذين رووا التَّخْيِير مَالك وَابْن جريج وفليح بن سُلَيْمَان وَعمر بن عُثْمَان المَخْزُومِي، وَأجِيب: بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب عَن الزُّهْرِيّ ثَلَاثُونَ نفسا أَو أَكثر، وَرجح التَّرْتِيب أَيْضا بِأَن رَاوِيه حكى لفظ الْقِصَّة على وَجههَا فمعه زِيَادَة علم من صُورَة الْوَاقِعَة، وراوي التَّخْيِير حكى لفظ رَاوِي الحَدِيث، فَدلَّ على أَنه من تصرف بعض الروَاة إِمَّا لقصد الِاخْتِصَار أَو لغير ذَلِك، ويترجح التَّرْتِيب أَيْضا بِأَنَّهُ أحوط. وَحمل الْمُهلب والقرطبي الْأَمر على التَّعَدُّد، وَهُوَ بعيد، لِأَن الْقِصَّة وَاحِدَة وَالْأَصْل عدم التَّعَدُّد، وَحمل بَعضهم التَّرْتِيب على الْأَوْلَوِيَّة والتخيير على الْجَوَاز.

وَفِيه: إِعَانَة الْمُعسر فِي الْكَفَّارَة، وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ فِي النذور. وَفِيه: إِعْطَاء الْقَرِيب من الْكَفَّارَة، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي النذور. وَفِيه: إِعْطَاء الْقَرِيب من الْكَفَّارَة وَبَوَّبَ عَلَيْهِ البُخَارِيّ أَيْضا. وَفِيه: أَن الْهِبَة وَالصَّدَََقَة لَا يحْتَاج فيهمَا إِلَى الْقبُول بِاللَّفْظِ بل الْقَبْض كَاف، وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ أَيْضا. وَفِيه: أَن الْكَفَّارَة لَا تجب إلَاّ بعد نَفَقَة من تجب عَلَيْهِ، وَقد بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات. وَفِيه: جَوَاز الْمُبَالغَة فِي الضحك عِنْد التَّعَجُّب لقَوْله: (حَتَّى بَدَت أنيابه) . وَفِيه: جَوَاز قَول الرجل فِي الْجَواب: وَيحك، أَو: وَيلك. وَفِيه: جَوَاز الْحلف بِاللَّه وَصِفَاته، وَإِن لم يسْتَحْلف كَمَا فِي البُخَارِيّ. وَغَيره، (وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (وَالله مَا بَين لابتيها) إِلَى آخِره. وَفِيه: أَن القَوْل قَول الْفَقِير أَو الْمِسْكِين وَجَوَاز عطائه مِمَّا يسْتَحقّهُ الْفُقَرَاء لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يكلفه الْبَيِّنَة حِين ادّعى أَنه مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أهل بَيت أحْوج مِنْهُم؟ وَفِيه: جَوَاز الْحلف على غَلَبَة الظَّن، وَإِن لم يعلم ذَلِك بالدلائل القطعية، لحلف الْمَذْكُور أَنه لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ أحْوج مِنْهُم مَعَ جَوَاز أَن يكون بِالْمَدِينَةِ أحْوج مِنْهُم لِكَثْرَة الْفُقَرَاء فِيهَا، وَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: اسْتِعْمَال الْكِنَايَة فِيمَا يستقبح طهوره بِصَرِيح لَفظه، لقَوْله: (وَقعت أَو أصبت) فَإِن قلت: ورد فِي بعض طرقه: (وطِئت؟) قلت: هَذَا من تصرف الروَاة. وَفِيه: الرِّفْق بالمتعلم والتلطف فِي التَّعْلِيم والتأليف على الدّين، والندم على الْمعْصِيَة واستشعار الْخَوْف. وَفِيه: الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد لغير الصَّلَاة من الْمصَالح الدِّينِيَّة: كنشر الْعلم. وَفِيه: التعاون على الْعِبَادَة. وَفِيه: السَّعْي على خلاص الْمُسلم. وَفِيه: إِعْطَاء الْوَاحِد فَوق حَاجته الراهنة. وَفِيه: إِعْطَاء الْكَفَّارَة لأهل بَيت وَاحِد.

١٣ - (بابُ المُجامِعِ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أهْلَهُ مِنَ الكَفَّارَةِ إذَا كانُوا مَحَاوِيجَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّائِم المجامع فِي رَمَضَان: هَل يطعم أَهله الْكَفَّارَة إِذا كَانُوا محاويج أم لَا؟ وَلم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام اكْتِفَاء بِمَا ذكر من متن الحَدِيث، والمحاويج قَالَ المطرزي فِي (الْمغرب) : هم المحتاجون، عَامي قلت: يحْتَمل أَن يكون جمع: محواج، وَهُوَ كثير الْحَاجة، صِيغ على وزن اسْم الْآلَة للْمُبَالَغَة.

٧٣٩١ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَريرٌ عَن منْصُورٍ عنِ الزُّهْرِيَّ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إلَى النبيِّ فَقَالَ إنَّ الآخِرَ وقعَ عَلَى امْرَأتِهِ فِي رمَضَانَ فَقَالَ أتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رقَبةً قَالَ لَا قَالَ أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا قَالَ أفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينا قَالَ لَا قَالَ فأُتِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَرَقٍ

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله