الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٤١
الحديث رقم ١٩٤١ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الصوم في السفر والإفطار.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ.
١٩٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ سَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ:
يبين الحديث الشريف حكم من لم يستطع حفظ شيء من القرآن كيف يصلي؟ حيث أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي الذي لم يستطع حفظ شيء من القرآن، بقول سبحان الله أي: ننزهه عن كل نقص، والحمد لله، ولا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أي: لا يستطيع أحد أن يتحول من حال إلى حال أخرى إلا بالله، وحينما طلب الأعرابي دعاءً يقوله في الصلاة أرشده لقول هذه الدعوات الجامعة لخير الدنيا والآخرة، حيث يقول "اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني"، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم عظم هذه الأدعية والأذكار بقوله عن الأعرابي الذي أخذ بها: «أما هذا فقد ملأ يده من الخير» يعني أصاب خيرا عظيما.
درجة الحديث: حسن
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ، حَدَّثَنَا شَبَّابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَبِهِ عَنْ شَبَابَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَهَذَا يُؤَكِّدُ صِحَّةَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَيُشْعِرُ بِأَنَّ الْخَلَلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ، إِذْ لَوْ كَانَ إِسْنَادُ شَبَابَةَ عِنْدَهُ مُخَالِفًا لِإِسْنَادِ آدَمَ لَبَيَّنَهُ وَهُوَ وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
٣٣ - بَاب الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَالْإِفْطَارِ
١٩٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ سَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ. قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ. قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ، ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هُنَا ثُمَّ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ
تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ
[الحديث ١٩٤١ - أطرافه في: ١٩٥٥، ١٩٥٦، ١٩٥٨، ٥٢٩٧]
١٩٤٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ"
[الحديث ١٩٤٢ - طرفه في: ١٩٤٣]
١٩٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَقَالَ إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَالْإِفْطَارِ) أَيْ: إِبَاحَةُ ذَلِكَ وَتَخْيِيرُ الْمُكَلَّفِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَسَأَذْكُرُ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ بَابٍ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ مَا يُشْعِرُ بِهِ سِيَاقُهُ مِنْ مُرَاجَعَةِ الرَّجُلِ لَهُ بِكَوْنِ الشَّمْسِ لَمْ تَغْرُبْ فِي جَوَابِ طَلَبِهِ لِمَا يُشِيرُ بِهِ، فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ ﷺ صَائِمًا، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي بَابِ مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ وَفِي غَيْرِهِ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ.
قَوْلُهُ: (الشَّمْسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ وَتَوْجِيهُهُمَا ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ جَرِيرٌ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) يَعْنِي: تَابَعَا سُفْيَانَ وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ شَيْخُهُمْ فِيهِ، وَمُتَابَعَةُ جَرِيرٍ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الطَّلَاقِ، وَمُتَابَعَةُ أَبِي بَكْرٍ سَتَأْتِي مَوْصُولَةً بَعْدَ قَلِيلٍ فِي بَابِ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ وَتَابَعَهُمْ غَيْرُ مَنْ ذُكِرَ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَفْظُهُمْ مُتَقَارِبٌ، وَالْمُرَادُ الْمُتَابَعَةُ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَهِشَامُ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ) هَكَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ عَنْ هِشَامٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالدَّراوَرْدِيُّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو، جَعَلُوهُ مِنْ مُسْنَدِ حَمْزَةَ وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَزَادَ شَبَابَةُ) بالمعجمة (١) والمُوحَّدتين المفتوحات (٢) ابن سَوَّارٍ الفزاريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج: (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ) قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا يشعر بأنَّ رواية شبابة موافقةٌ لرواية آدم في الإسناد والمتن إلَّا أنَّ شبابة زاد فيه ما يؤكِّد رفعه، وقد أخرج ابن منده في «غرائب شعبة» طريق شبابة فقال: حدَّثنا محمَّد بن أحمد بن حاتمٍ: حدَّثنا عبد الله بن روحٍ: حدَّثنا شبابة: حدَّثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي المتوكِّل عن أبي سعيدٍ، وبه عن شعبة عن حميدٍ عن أنسٍ نحوه، وهذا يؤكِّد صحَّة ما اعترض به الإسماعيليُّ ومن تبعه، ويشعر بأنَّ الخلل فيه من غير البخاريِّ؛ إذ لو كان إسناد شبابة عنده مخالفًا لإسناد آدم لبيَّنه، وهذا واضحٌ لا خفاء به (٣)، والله أعلم.
(٣٣) (بابُ) حكم (الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَ) حكم (الإِفْطَارِ) فيه.
١٩٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) سليمان بن أبي سليمان فيروزَ (الشَّيْبَانِيِّ) أنَّه (سَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى) عبد الله (﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكر: «مع النَّبيِّ» (ﷺ) أي: وهو صائمٌ (فِي سَفَرٍ) في شهر رمضان كما في «مسلمٍ» في غزوة الفتح لا في بدرٍ لأنَّ ابن أبي أوفى لم يشهدها (فَقَالَ لِرَجُلٍ) هو
بلالٌ كما في رواية أبي داود وابن بشكُوال، ولـ «مسلمٍ»: «فلمَّا غابت الشَّمس»، ولـ «البخاريِّ» [خ¦١٩٥٥]: «فلمَّا غربت الشَّمس، قال:» (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي) بهمزة وصلٍ بعد الفاء وسكون الجيم وفتح الدَّال وبعدها حاءٌ مهملتين أمرٌ من الجدح؛ وهو الخلط، أي: اخلط السَّويق بالماء أو اللَّبن بالماء وحرِّكه لأفطر عليه، وقول الدَّاوديِّ: -إنَّ معناه: احلب- ردَّه عياضٌ (قَالَ) بلالٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ الشَّمْسَُ؟) باقيةٌ، أي: نورها، أو «الشَّمس»: رفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هذه الشَّمس، ولغير أبي ذرٍّ: «الشَّمسَ» بالنَّصب (١) أي: انظر الشَّمس، ظنَّ أنَّ بقاء النُّور وإن غاب القرص مانعٌ من الإفطار (قَالَ) ﵊: (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي) لأفطر (قال) بلالٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ الشَّمْسَُ) بالرَّفع والنَّصب (قَالَ) ﵊: (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ) ﵊ (فَشَرِبَ) وكرَّر: «انزل فاجدح لي» ثلاث مرَّاتٍ، وتكرير المراجعة من بلالٍ للرَّسول ﷺ لغلبة اعتقاده أنَّ ذلك نهارٌ (٢) يحرم فيه الأكل، مع تجويزه أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم ينظر إلى ذلك الضَّوء نظرًا تامًّا، فقصد زيادة الإعلام، فأجابه ﵊ بأنَّ ذلك لا (٣) يضرُّ، وأعرض عن الضَّوء واعتبر غيبوبة الجِرم، ثمَّ بيَّن ما يعتبره من لم يتمكَّن من رؤية جرم الشَّمس؛ كما حكاه الرَّاوي
عنه بقوله: (ثُمَّ رَمَى) أي: أشار ﵊ (بِيَدِهِ هَهُنا) أي: إلى المشرق (١)، وإنَّما أشار إليه لأنَّ أوَّل الظُّلمة لا تُقبِل منه إلَّا وقد سقط القرص (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَهُنَا) أي: من جهة المشرق (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أي: دخل وقت إفطاره.
واستُنبِط من هذا الحديث أنَّ صوم رمضان في السَّفر أفضل من الإفطار لأنَّه ﷺ كان صائمًا في شهر رمضان في السَّفر، ولقوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولبراءة الذِّمَّة وفضيلة الوقت، وفارق ذلك أفضليَّة القصر في السَّفر بأنَّ في القصر براءةَ الذِّمَّة ومحافظةً على فضيلة (٢) الوقت بخلاف الفطر، وبأنَّ فيه خروجًا من الخلاف، وليس هنا خلافٌ يُعتَدُّ به في إيجاب الفطر، فكان الصَّوم أفضل، نعم إن خاف من الصَّوم ضررًا في الحال أو الاستقبال فالفطر أفضل، وعليه يُحمَل الحديث الآتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- بعد بابٍ بلفظ: كان رسول الله ﷺ في سفرٍ فرأى زِحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: صائمٌ، فقال: «ليس من البرِّ الصَّومُ (٣) في السَّفر» [خ¦١٩٤٦]، وقال المالكيَّة: يجوز الفطر في سفر القصر إذا شرع في السَّفر قبل الفجر ولم ينو الصِّيام في السَّفر، وقد خرج بقولهم: «شرع فيه قبل الفجر» ما إذا سافر بعده، فإنَّ فطره (٤) ذلك اليوم لا يجوز عندهم إذا نوى الصَّوم قبل خروجه، وبقولهم: «ولم ينو الصِّيام في السَّفر» ما إذا نوى الصَّوم في السَّفر، فإنَّ فطره لا يجوز، فإن خالف في الوجهين فأفطر لزمه القضاء، ولو كان صومه تطوُّعًا، ولا كفَّارة عليه في المسألة الأولى بخلاف الثَّانية، وقال الحنابلة: يُستحَبُّ له الفطر، قال المرداويُّ: وهذا هو (٥) المذهب، وعليه الأصحاب ونصَّ عليه، وهو من المفردات، وسواءٌ وجد مشقَّةً أم لا، وفي وجهٍ: إنَّ الصَّوم أفضل.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بن أَحْمد بن حَاتِم حَدثنَا عبد الله بن روح حَدثنَا شَبابَة حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي المتَوَكل عَن أبي سعيد، وَبِه: عَن شَبابَة عَن شُعْبَة عَن حميد عَن أنس نَحوه، وَهَذَا يُؤَكد صِحَة اعْتِرَاض الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمن تبعه، ويشعر بِأَن الْخلَل لَيْسَ من البُخَارِيّ، إِذْ لَو كَانَ إِسْنَاد شَبابَة عِنْده مُخَالفا لإسناد آدم لِبَنِيهِ، وَالله أعلم.
٣٣ - (بابُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ والإفْطَارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّوْم فِي السّفر وَحكم الْإِفْطَار فِيهِ، هَل هما مباحان فِيهِ أَو الْمُكَلف مُخَيّر فِيهِ سَوَاء فِي رَمَضَان أَو غَيره؟
١٤٩١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ أبِي إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ ابنَ أبِي أوْفى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ انْزَلْ فاجْدَحْ لِي قَالَ يَا رسولَ الله الشَّمْسَ قَالَ انْزِلْ فاجْدَح لي قَالَ يَا رسولَ الله الشَّمسُ قَالَ انْزلْ فاجْدَحْ لِي فنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَهُنَا ثُمَّ قَالَ إذَا رأيْتُمُ اللَّيْلَ أقْبَلَ مِنْ هَهُنَا فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ صَائِما فِي سَفَره هَذَا، وَهُوَ مُطَابق للجزء الأول من التَّرْجَمَة.
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: عَليّ بن عبد الله بن جَعْفَر الَّذِي يُقَال لَهُ ابْن الْمَدِينِيّ، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ واسْمه: سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان، واسْمه: فَيْرُوز الشَّيْبَانِيّ نِسْبَة إِلَى شَيبَان بن وَهل بن ثَعْلَبَة وشيبان فِي قبائل. الرَّابِع: عبد الله بن أبي أوفى، واسْمه: عَلْقَمَة الْأَسْلَمِيّ، وَهَذَا هُوَ أحد من رَوَاهُ أَبُو حنيفَة الإِمَام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وسُفْيَان مكي وَأَبُو إِسْحَاق كُوفِي. والْحَدِيث من الرباعيات.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مُسَدّد وَعَن أَحْمد بن يُونُس، وَفِي الطَّلَاق عَن عَليّ بن عبد الله عَن جرير. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن يحيى بن يحيى عَن هشيم وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي كَامِل الجحدري وَعَن ابْن أبي عَمْرو عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سفر) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سفر فِي شهر رَمَضَان) ، قيل: يشبه أَن يكون سفر غَزْوَة الْفَتْح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة هشيم عَن الشَّيْبَانِيّ عِنْد مُسلم بِلَفْظ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سفر فِي شهر رَمَضَان) وسفره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي رَمَضَان منحصر فِي غَزْوَة بدر، وَفِي غَزْوَة الْفَتْح، فَإِن ثَبت فَلم يشْهد ابْن الزبير ابْن أبي أوفى بَدْرًا فتعينت غَزْوَة الْفَتْح، قَوْله: (فَقَالَ الرجل) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَلَمَّا غَابَتْ الشَّمْس قَالَ: يَا فلَان {إنزل فاجدح) . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (فَلَمَّا غربت) ، على مَا يَأْتِي، وَلَفظ: غربت، يُفِيد معنى زَائِدا على معنى: غَابَتْ، وَالرجل فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، وَفُلَان فِي رِوَايَة مُسلم هُوَ: بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَجَاء فِي بعض طرق الحَدِيث أَنه بِلَال. قلت: هَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، فَإِنَّهُ أخرج الحَدِيث عَن مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ، وَفِيه: (فَقَالَ: يَا بِلَال} انْزِلْ) إِلَى آخِره، وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد من رِوَايَة شُعْبَة عَن الشَّيْبَانِيّ: (فَدَعَا صَاحب شرابه بشراب، فَقَالَ: لَو أمسيت) . قَوْله: (فاجدح لي) ، إجدح بِكَسْر الْهمزَة أَمر من: جدحت السويق واجتدحته، أَي: لتته، والمصدر: جدح، ومادته: جِيم ودال وحاء مُهْملَة، والجدح أَن يُحَرك السويق بِالْمَاءِ فيخوض حَتَّى يَسْتَوِي، وَكَذَلِكَ اللَّبن وَنَحْوه، والمجدح، بِكَسْر الْمِيم: عود مجدح الرَّأْس تساط بِهِ الْأَشْرِبَة، وَرُبمَا يكون لَهُ ثَلَاث شعب، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إجدح يَعْنِي: احلب، ورد ذَلِك عِيَاض وَغَيره، وَفِي (الْمُحكم) : المجدح خَشَبَة فِي رَأسهَا خشبتان معترضتان، وَكلما خلط فقد جدح، وَعَن الْقَزاز: هُوَ كالملعقة. وَفِي (الْمُنْتَهى) : شراب مجدوح
ومجدح أَي مخوض، والمجدح عود ذُو جَوَانِب، وَقيل: هُوَ عود يعرض رَأسه، وَالْجمع مجاديح. قَوْله: (الشَّمْس!) ، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذِه الشَّمْس يَعْنِي مَا غربت الْآن، وَيجوز فِيهِ النصب على معنى: انْظُر الشَّمْس، وَهَذَا ظن مِنْهُ أَن الْفطر لَا يحل إلَاّ بعد ذَلِك، لما رأى من ضوء الشَّمْس ساطعا، وَإِن كَانَ جرمها غَائِبا، يُؤَيّدهُ قَوْله: (إِن عَلَيْك نَهَارا) ، وَهُوَ معنى: (لَو أمسيت) فِي رِوَايَة أَحْمد، أَي: تَأَخَّرت حَتَّى يدْخل الْمسَاء، وتكريره الْمُرَاجَعَة لغَلَبَة اعْتِقَاده أَن ذَلِك نَهَار يحرم فِيهِ الْأكل مَعَ تجويزه أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم ينظر إِلَى ذَلِك الضَّوْء نظرا تَاما، فقصد زِيَادَة الْإِعْلَام، فَأَعْرض، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن الضَّوْء وَاعْتبر غيبوبة الشَّمْس، ثمَّ بيَّن مَا يعتبره من لم يتَمَكَّن من رُؤْيَة جرم الشَّمْس، وَهُوَ إقبال الظلمَة من الْمشرق، فَإِنَّهَا لَا تقبل مِنْهُ إلَاّ وَقد سقط القرص، فَإِن قلت: الْمُرَاجَعَة معاندة، وَلَا يَلِيق ذَلِك للصحابي؟ قلت: قد ذكرنَا أَنه ظن، فَلَو تحقق أَن الشَّمْس غربت مَا توقف، وَإِنَّمَا توقف احْتِيَاطًا واستكشافا عَن حكم الْمَسْأَلَة. وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات عَن الشَّيْبَانِيّ فِي ذَلِك، فَأكْثر مَا وَقع فِيهَا أَن الْمُرَاجَعَة وَقعت ثَلَاثًا، وَفِي بَعْضهَا مرَّتَيْنِ، وَفِي بَعْضهَا مرّة وَاحِدَة، وَهُوَ مَحْمُول على أَن بعض الروَاة اختصر الْقِصَّة. قَوْله: (ثمَّ رمى بِيَدِهِ هَهُنَا) ، مَعْنَاهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمشرق، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ مُسلم، (ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ: إِذا غَابَتْ الشَّمْس من هَهُنَا، وَجَاء اللَّيْل من هَهُنَا فقد أفطر الصَّائِم) . وَفِي لفظ لَهُ: (ثمَّ قَالَ: إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل قد أقبل من هَهُنَا أَشَارَ بِيَدِهِ نَحْو الْمشرق فقد أفطر الصَّائِم. قَوْله: (إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل أقبل من هَهُنَا) أَي: من جِهَة الْمشرق. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي قَوْله: (إِذا أقبل اللَّيْل من هَهُنَا؟) . وَفِي لفظ مُسلم: (إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل قد أقبل من هَهُنَا؟ وَفِي لفظ التِّرْمِذِيّ، عَن عمر بن الْخطاب: (إِذا أقبل اللَّيْل وَأدبر النَّهَار وغربت الشَّمْس فقد أفطر) ، والإقبال والإدبار والغروب متلازمة لِأَنَّهُ لَا يقبل اللَّيْل إلَاّ إِذا أدبر النَّهَار، وَلَا يدبر النَّهَار إلَاّ إِذا غربت الشَّمْس. قلت: أجَاب القَاضِي عِيَاض: بِأَنَّهُ قد لَا يتَّفق مُشَاهدَة عين الْغُرُوب، ويشاهد هجوم الظلمَة حَتَّى يتَيَقَّن الْغُرُوب بذلك فَيحل الْإِفْطَار. وَقَالَ شَيخنَا الظَّاهِر إِن أُرِيد أحد هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة فَإِنَّهُ يعرف انْقِضَاء النَّهَار بِرُؤْيَة بَعْضهَا، وَيُؤَيِّدهُ اقْتِصَاره فِي حَدِيث ابْن أبي أوفى على إقبال اللَّيْل فَقَط، وَقد يكون الْغَيْم فِي الْمشرق دون الْمغرب أَو عَكسه، وَقد يُشَاهد مغيب الشَّمْس فَلَا يحْتَاج مَعَه إِلَى أَمر آخر. قَوْله: (فقد أفطر الصَّائِم) أَي: دخل وَقت الْإِفْطَار، لَا أَنه يصير مُفطرا بغيبوبة الشَّمْس، وَإِن لم يتَنَاوَل مُفطرا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: الحَدِيث يدل على أَن الصَّوْم فِي السّفر فِي رَمَضَان أفضل من الْإِفْطَار، وَذَلِكَ لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ صَائِما وَهُوَ فِي السّفر فِي شهر رَمَضَان. وَقد اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب. فَمنهمْ من روى عَنهُ التَّخْيِير مِنْهُم: ابْن عَبَّاس وَأنس وَأَبُو سعيد وَسَعِيد بن الْمسيب وَعَطَاء وَسَعِيد بن جبر وَالْحسن وَالنَّخَعِيّ وَمُجاهد وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث. وَذهب قوم إِلَى أَن الْإِفْطَار أفضل، مِنْهُم: عمر بن عبد الْعَزِيز وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَمُحَمّد بن عَليّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: قَالَت الشَّافِعِيَّة: الْفطر أفضل فِي السّفر، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ الشَّافِعِي: هُوَ مُخَيّر وَلم يفصل، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن علية، وَقَالَ القَاضِي: مَذْهَب الشَّافِعِي أَن الصَّوْم أفضل. وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَصُوم فِي السّفر حُذَيْفَة. وَذهب قوم إِلَى أَن الصَّوْم أفضل، وَبِه قَالَ الْأسود بن يزِيد وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأَصْحَابه وَأَبُو ثَوْر، وَكَذَا روى عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَأنس بن مَالك، وَرُوِيَ عَن عمر وَابْنه وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس: إِن صَامَ فِي السّفر لم يجزه وَعَلِيهِ الْقَضَاء فِي الْحَضَر، وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَالَ: الصَّائِم فِي السّفر كالمفطر فِي الْحَضَر، وَبِه قَالَ أهل الظَّاهِر. وَمِمَّنْ كَانَ يَصُوم فِي السّفر وَلَا يفْطر عَائِشَة وَقيس بن عباد وَأَبُو الْأسود وَابْن سِيرِين وَابْن عمر وَابْنه سَالم وَعَمْرو بن مَيْمُون وَأَبُو وَائِل، وَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا رَوَاهُ حَمَّاد بن يزِيد عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد بن عُبَيْدَة عَنهُ: من أدْرك رَمَضَان وَهُوَ مُقيم ثمَّ سَافر فقد لزمَه الصَّوْم، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: {فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . وَقَالَ أَبُو مجلز: لَا يُسَافر أحد فِي رَمَضَان، فَإِن سَافر فليصم، وَقَالَ أَحْمد: يُبَاح لَهُ الْفطر، فَإِن صَامَ كره وأجزأه، وَعنهُ: الْأَفْضَل الْفطر، وَقَالَ أَحْمد: كَانَ عمر وَأَبُو هُرَيْرَة يأمران بِالْإِعَادَةِ، يَعْنِي إِذا صَامَ. وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيّ فِي (شرح مُخْتَصر الطَّحَاوِيّ) : الْأَفْضَل أَن يَصُوم فِي السّفر إِذا لم يُضعفهُ الصَّوْم، فَإِن أضعفه ولحقه مشقة بِالصَّوْمِ بِالْفطرِ أفضل، فَإِن أفطر من غير مشقة لَا يَأْثَم، وَبِمَا قُلْنَاهُ قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ الْمَذْهَب.
وَعَن مُجَاهِد فِي رِوَايَة: أفضل الْأَمريْنِ أيسرهما عَلَيْهِ، وَقيل: الصَّوْم وَالْفطر سَوَاء وَهُوَ قَول للشَّافِعِيّ.
وَفِيه: اسْتِحْبَاب تَعْجِيل الْفطر.
وَفِيه: بَيَان انْتِهَاء وَقت الصَّوْم، وَهُوَ أَمر مجمع عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عمر فِي (الاستذكار) : أجمع الْعلمَاء على أَنه إِذا حلت صَلَاة الْمغرب فقد حل الْفطر للصَّائِم فرضا وتطوعا. وَأَجْمعُوا على أَن صَلَاة الْمغرب من صَلَاة اللَّيْل، وَالله، عز وَجل، قَالَ: {ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَاخْتلفُوا فِي أَنه: هَل يجب تَيَقّن الْغُرُوب أم يجوز الْفطر بِالِاجْتِهَادِ؟ وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الْأَحْوَط أَن لَا يَأْكُل إلَاّ بِيَقِين غرُوب الشَّمْس، لِأَن الأَصْل بَقَاء النَّهَار فيستصحب إِلَى أَن يستيقن خِلَافه. وَلَو اجْتهد وَغلب على ظَنّه دُخُول اللَّيْل بورد وَغَيره فَفِي جَوَاز الْأَجَل وَجْهَان: أَحدهمَا، وَبِه قَالَ الاستاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرائني: أَنه لَا يجوز. وأصحهما: الْجَوَاز وَإِذا كَانَت الْبَلدة فِيهَا أَمَاكِن مُرْتَفعَة وأماكن منخفضة فَهَل يتَوَقَّف فطر سكان الْأَمَاكِن المنخفضة على تحقق غيبَة الشَّمْس عِنْد سكان الْأَمَاكِن المرتفعة؟ الظَّاهِر اشْتِرَاط ذَلِك، وَفِيه جَوَاز الاستفسار عَن الظَّوَاهِر لاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد إمرارها على ظواهرها.
وَفِيه: أَنه لَا يجب إمْسَاك جُزْء من اللَّيْل مُطلقًا بل مَتى تحقق غرُوب الشَّمْس حل الْفطر.
وَفِيه: تذكير الْعَالم بِمَا يخْشَى أَن يكون نَسيَه.
وَفِيه: أَن الْأَمر الشَّرْعِيّ أبلغ من الْحسي، وَأَن الْعقل لَا يقْضِي على الشَّرْع.
وَفِيه: أَن الْفطر على التَّمْر لَيْسَ بِوَاجِب، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحبّ، لَو تَركه جَازَ.
وَفِيه: إسراع النَّاس إِلَى إِنْكَار مَا يجهلون لما جهل من الدَّلِيل الَّذِي عَلَيْهِ الشَّارِع، وَأَن الْجَاهِل بالشَّيْء يَنْبَغِي أَن يسمح لَهُ فِيهِ الْمرة بعد الْمرة وَالثَّالِثَة تكون فاصلة بَينه وَبَين معلمه، كَمَا فعل الْخضر بمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام، وَقَالَ: {هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك} (الْكَهْف: ٨٧) .
تَابَعَهُ جَرِيرٌ وأبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشٍ عنِ الشِّيْبَانِيِّ عنِ ابنِ أبِي أوْفَى قَالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ
يَعْنِي تَابع سُفْيَان جرير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد الحميد، وَتَابعه أَيْضا أَبُو بكر بن عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة: ابْن سَالم الْأَسدي الْكُوفِي الحناط، بالنُّون: المقرىء، وَقد اخْتلف فِي اسْمه على أَقْوَال، فَقيل: مُحَمَّد، وَقيل: عبد الله، وَقيل: سَالم، وَقيل غير ذَلِك إِلَى أَسمَاء مُخْتَلفَة، وَالأَصَح أَن اسْمه كنيته، ومتابعة جرير وَصلهَا فِي البُخَارِيّ فِي الطَّلَاق، ومتابعة أبي بكر تَأتي مَوْصُولَة فِي: بَاب تَعْجِيل الْإِفْطَار، وَالْمرَاد من الْمُتَابَعَة: الْمُتَابَعَة فِي أصل الحَدِيث.
٢٤٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قَالَ حدَّثني أبِي عنْ عائِشَةَ أنَّ حَمْزَةَ بن عَمْرٍ والأسْلَمِيَّ قَالَ يَا رسولَ الله إنِّي أسْرُدُ الصَّوْمَ. (الحَدِيث ٢٤٩١ طرفه فِي: ٣٤٩١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن سرد الصَّوْم يتَنَاوَل الصَّوْم فِي السّفر أَيْضا كَمَا هُوَ الأَصْل فِي الْحَضَر، وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن هِشَام وَهُوَ مُخْتَصر. وَالثَّانِي: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن هِشَام إِلَى آخِره، وَسَيَأْتِي عَن قريب.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. السَّادِس: حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ أَبُو صَالح، وَقيل: أَبُو مُحَمَّد.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: أَن الحَدِيث من مُسْند عَائِشَة، وَهَذَا ظَاهر لِأَن الْحفاظ رَوَوْهُ هَكَذَا: وَقَالَ عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان عِنْد النَّسَائِيّ، والدراوردي عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَيحيى بن عبد الله بن سَالم عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، ثَلَاثَتهمْ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن حَمْزَة بن عَمْرو، جَعَلُوهُ من مُسْند حَمْزَة، وَالْمَحْفُوظ أَنه من مُسْند عَائِشَة. وحاء الحَدِيث من رِوَايَة حَمْزَة أَيْضا، فأخرجها مُسلم من رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة بن الزبير عَن أبي مراوح، (عَن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ، أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله أجد بِي قُوَّة على الصّيام فِي السّفر، فَهَل عَليّ جنَاح؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هُوَ رخصَة من الله، فَمن أَخذ بهَا فَحسن، وَمن أحب أَن يَصُوم فَلَا جنَاح عَلَيْهِ) . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ، حَدَّثَنَا شَبَّابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَبِهِ عَنْ شَبَابَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ، وَهَذَا يُؤَكِّدُ صِحَّةَ مَا اعْتَرَضَ بِهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَيُشْعِرُ بِأَنَّ الْخَلَلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْبُخَارِيِّ، إِذْ لَوْ كَانَ إِسْنَادُ شَبَابَةَ عِنْدَهُ مُخَالِفًا لِإِسْنَادِ آدَمَ لَبَيَّنَهُ وَهُوَ وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
٣٣ - بَاب الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَالْإِفْطَارِ
١٩٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ سَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ. قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْسُ. قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ، ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هُنَا ثُمَّ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ
تَابَعَهُ جَرِيرٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ
[الحديث ١٩٤١ - أطرافه في: ١٩٥٥، ١٩٥٦، ١٩٥٨، ٥٢٩٧]
١٩٤٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ"
[الحديث ١٩٤٢ - طرفه في: ١٩٤٣]
١٩٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَقَالَ إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ"
قَوْلُهُ: (بَابُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَالْإِفْطَارِ) أَيْ: إِبَاحَةُ ذَلِكَ وَتَخْيِيرُ الْمُكَلَّفِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَسَأَذْكُرُ بَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ بَابٍ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ مَا يُشْعِرُ بِهِ سِيَاقُهُ مِنْ مُرَاجَعَةِ الرَّجُلِ لَهُ بِكَوْنِ الشَّمْسِ لَمْ تَغْرُبْ فِي جَوَابِ طَلَبِهِ لِمَا يُشِيرُ بِهِ، فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ ﷺ صَائِمًا، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي بَابِ مَتَى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ وَفِي غَيْرِهِ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ فِي ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ.
قَوْلُهُ: (الشَّمْسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) بِالرَّفْعِ، وَيَجُوزُ النَّصْبُ وَتَوْجِيهُهُمَا ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ جَرِيرٌ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ) يَعْنِي: تَابَعَا سُفْيَانَ وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ شَيْخُهُمْ فِيهِ، وَمُتَابَعَةُ جَرِيرٍ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الطَّلَاقِ، وَمُتَابَعَةُ أَبِي بَكْرٍ سَتَأْتِي مَوْصُولَةً بَعْدَ قَلِيلٍ فِي بَابِ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ وَتَابَعَهُمْ غَيْرُ مَنْ ذُكِرَ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَفْظُهُمْ مُتَقَارِبٌ، وَالْمُرَادُ الْمُتَابَعَةُ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَهِشَامُ هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ) هَكَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ عَنْ هِشَامٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالدَّراوَرْدِيُّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو، جَعَلُوهُ مِنْ مُسْنَدِ حَمْزَةَ وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ عَائِشَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(وَزَادَ شَبَابَةُ) بالمعجمة (١) والمُوحَّدتين المفتوحات (٢) ابن سَوَّارٍ الفزاريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج: (عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ) قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا يشعر بأنَّ رواية شبابة موافقةٌ لرواية آدم في الإسناد والمتن إلَّا أنَّ شبابة زاد فيه ما يؤكِّد رفعه، وقد أخرج ابن منده في «غرائب شعبة» طريق شبابة فقال: حدَّثنا محمَّد بن أحمد بن حاتمٍ: حدَّثنا عبد الله بن روحٍ: حدَّثنا شبابة: حدَّثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي المتوكِّل عن أبي سعيدٍ، وبه عن شعبة عن حميدٍ عن أنسٍ نحوه، وهذا يؤكِّد صحَّة ما اعترض به الإسماعيليُّ ومن تبعه، ويشعر بأنَّ الخلل فيه من غير البخاريِّ؛ إذ لو كان إسناد شبابة عنده مخالفًا لإسناد آدم لبيَّنه، وهذا واضحٌ لا خفاء به (٣)، والله أعلم.
(٣٣) (بابُ) حكم (الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَ) حكم (الإِفْطَارِ) فيه.
١٩٤١ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) سليمان بن أبي سليمان فيروزَ (الشَّيْبَانِيِّ) أنَّه (سَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى) عبد الله (﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكر: «مع النَّبيِّ» (ﷺ) أي: وهو صائمٌ (فِي سَفَرٍ) في شهر رمضان كما في «مسلمٍ» في غزوة الفتح لا في بدرٍ لأنَّ ابن أبي أوفى لم يشهدها (فَقَالَ لِرَجُلٍ) هو
بلالٌ كما في رواية أبي داود وابن بشكُوال، ولـ «مسلمٍ»: «فلمَّا غابت الشَّمس»، ولـ «البخاريِّ» [خ¦١٩٥٥]: «فلمَّا غربت الشَّمس، قال:» (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي) بهمزة وصلٍ بعد الفاء وسكون الجيم وفتح الدَّال وبعدها حاءٌ مهملتين أمرٌ من الجدح؛ وهو الخلط، أي: اخلط السَّويق بالماء أو اللَّبن بالماء وحرِّكه لأفطر عليه، وقول الدَّاوديِّ: -إنَّ معناه: احلب- ردَّه عياضٌ (قَالَ) بلالٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ الشَّمْسَُ؟) باقيةٌ، أي: نورها، أو «الشَّمس»: رفع خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هذه الشَّمس، ولغير أبي ذرٍّ: «الشَّمسَ» بالنَّصب (١) أي: انظر الشَّمس، ظنَّ أنَّ بقاء النُّور وإن غاب القرص مانعٌ من الإفطار (قَالَ) ﵊: (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي) لأفطر (قال) بلالٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ الشَّمْسَُ) بالرَّفع والنَّصب (قَالَ) ﵊: (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ) ﵊ (فَشَرِبَ) وكرَّر: «انزل فاجدح لي» ثلاث مرَّاتٍ، وتكرير المراجعة من بلالٍ للرَّسول ﷺ لغلبة اعتقاده أنَّ ذلك نهارٌ (٢) يحرم فيه الأكل، مع تجويزه أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم ينظر إلى ذلك الضَّوء نظرًا تامًّا، فقصد زيادة الإعلام، فأجابه ﵊ بأنَّ ذلك لا (٣) يضرُّ، وأعرض عن الضَّوء واعتبر غيبوبة الجِرم، ثمَّ بيَّن ما يعتبره من لم يتمكَّن من رؤية جرم الشَّمس؛ كما حكاه الرَّاوي
عنه بقوله: (ثُمَّ رَمَى) أي: أشار ﵊ (بِيَدِهِ هَهُنا) أي: إلى المشرق (١)، وإنَّما أشار إليه لأنَّ أوَّل الظُّلمة لا تُقبِل منه إلَّا وقد سقط القرص (ثُمَّ قَالَ) ﵊: (إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَهُنَا) أي: من جهة المشرق (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أي: دخل وقت إفطاره.
واستُنبِط من هذا الحديث أنَّ صوم رمضان في السَّفر أفضل من الإفطار لأنَّه ﷺ كان صائمًا في شهر رمضان في السَّفر، ولقوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ولبراءة الذِّمَّة وفضيلة الوقت، وفارق ذلك أفضليَّة القصر في السَّفر بأنَّ في القصر براءةَ الذِّمَّة ومحافظةً على فضيلة (٢) الوقت بخلاف الفطر، وبأنَّ فيه خروجًا من الخلاف، وليس هنا خلافٌ يُعتَدُّ به في إيجاب الفطر، فكان الصَّوم أفضل، نعم إن خاف من الصَّوم ضررًا في الحال أو الاستقبال فالفطر أفضل، وعليه يُحمَل الحديث الآتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- بعد بابٍ بلفظ: كان رسول الله ﷺ في سفرٍ فرأى زِحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه، فقال: «ما هذا؟» فقالوا: صائمٌ، فقال: «ليس من البرِّ الصَّومُ (٣) في السَّفر» [خ¦١٩٤٦]، وقال المالكيَّة: يجوز الفطر في سفر القصر إذا شرع في السَّفر قبل الفجر ولم ينو الصِّيام في السَّفر، وقد خرج بقولهم: «شرع فيه قبل الفجر» ما إذا سافر بعده، فإنَّ فطره (٤) ذلك اليوم لا يجوز عندهم إذا نوى الصَّوم قبل خروجه، وبقولهم: «ولم ينو الصِّيام في السَّفر» ما إذا نوى الصَّوم في السَّفر، فإنَّ فطره لا يجوز، فإن خالف في الوجهين فأفطر لزمه القضاء، ولو كان صومه تطوُّعًا، ولا كفَّارة عليه في المسألة الأولى بخلاف الثَّانية، وقال الحنابلة: يُستحَبُّ له الفطر، قال المرداويُّ: وهذا هو (٥) المذهب، وعليه الأصحاب ونصَّ عليه، وهو من المفردات، وسواءٌ وجد مشقَّةً أم لا، وفي وجهٍ: إنَّ الصَّوم أفضل.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
بن أَحْمد بن حَاتِم حَدثنَا عبد الله بن روح حَدثنَا شَبابَة حَدثنَا شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أبي المتَوَكل عَن أبي سعيد، وَبِه: عَن شَبابَة عَن شُعْبَة عَن حميد عَن أنس نَحوه، وَهَذَا يُؤَكد صِحَة اعْتِرَاض الْإِسْمَاعِيلِيّ وَمن تبعه، ويشعر بِأَن الْخلَل لَيْسَ من البُخَارِيّ، إِذْ لَو كَانَ إِسْنَاد شَبابَة عِنْده مُخَالفا لإسناد آدم لِبَنِيهِ، وَالله أعلم.
٣٣ - (بابُ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ والإفْطَارِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّوْم فِي السّفر وَحكم الْإِفْطَار فِيهِ، هَل هما مباحان فِيهِ أَو الْمُكَلف مُخَيّر فِيهِ سَوَاء فِي رَمَضَان أَو غَيره؟
١٤٩١ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قَالَ حدَّثنا سُفْيانُ عنْ أبِي إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ ابنَ أبِي أوْفى رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ فَقَالَ لِرَجُلٍ انْزَلْ فاجْدَحْ لِي قَالَ يَا رسولَ الله الشَّمْسَ قَالَ انْزِلْ فاجْدَح لي قَالَ يَا رسولَ الله الشَّمسُ قَالَ انْزلْ فاجْدَحْ لِي فنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ فَشَرِبَ ثُمَّ رَمَى بِيَدِهِ هَهُنَا ثُمَّ قَالَ إذَا رأيْتُمُ اللَّيْلَ أقْبَلَ مِنْ هَهُنَا فَقَدْ أفْطَرَ الصَّائِمُ. .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ صَائِما فِي سَفَره هَذَا، وَهُوَ مُطَابق للجزء الأول من التَّرْجَمَة.
ذكر رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: عَليّ بن عبد الله بن جَعْفَر الَّذِي يُقَال لَهُ ابْن الْمَدِينِيّ، وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: أَبُو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ واسْمه: سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان، واسْمه: فَيْرُوز الشَّيْبَانِيّ نِسْبَة إِلَى شَيبَان بن وَهل بن ثَعْلَبَة وشيبان فِي قبائل. الرَّابِع: عبد الله بن أبي أوفى، واسْمه: عَلْقَمَة الْأَسْلَمِيّ، وَهَذَا هُوَ أحد من رَوَاهُ أَبُو حنيفَة الإِمَام، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: السماع فِي مَوضِع. وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وسُفْيَان مكي وَأَبُو إِسْحَاق كُوفِي. والْحَدِيث من الرباعيات.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم عَن مُسَدّد وَعَن أَحْمد بن يُونُس، وَفِي الطَّلَاق عَن عَليّ بن عبد الله عَن جرير. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن يحيى بن يحيى عَن هشيم وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَعَن أبي كَامِل الجحدري وَعَن ابْن أبي عَمْرو عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَن عبيد الله بن معَاذ وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد بِهِ، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بِهِ.
ذكر مَعْنَاهُ قَوْله: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سفر) ، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سفر فِي شهر رَمَضَان) ، قيل: يشبه أَن يكون سفر غَزْوَة الْفَتْح، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ رِوَايَة هشيم عَن الشَّيْبَانِيّ عِنْد مُسلم بِلَفْظ: (كُنَّا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سفر فِي شهر رَمَضَان) وسفره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي رَمَضَان منحصر فِي غَزْوَة بدر، وَفِي غَزْوَة الْفَتْح، فَإِن ثَبت فَلم يشْهد ابْن الزبير ابْن أبي أوفى بَدْرًا فتعينت غَزْوَة الْفَتْح، قَوْله: (فَقَالَ الرجل) وَفِي رِوَايَة مُسلم: (فَلَمَّا غَابَتْ الشَّمْس قَالَ: يَا فلَان {إنزل فاجدح) . وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: (فَلَمَّا غربت) ، على مَا يَأْتِي، وَلَفظ: غربت، يُفِيد معنى زَائِدا على معنى: غَابَتْ، وَالرجل فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، وَفُلَان فِي رِوَايَة مُسلم هُوَ: بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) : وَجَاء فِي بعض طرق الحَدِيث أَنه بِلَال. قلت: هَذَا فِي رِوَايَة أبي دَاوُد، فَإِنَّهُ أخرج الحَدِيث عَن مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ، وَفِيه: (فَقَالَ: يَا بِلَال} انْزِلْ) إِلَى آخِره، وَوَقع فِي رِوَايَة أَحْمد من رِوَايَة شُعْبَة عَن الشَّيْبَانِيّ: (فَدَعَا صَاحب شرابه بشراب، فَقَالَ: لَو أمسيت) . قَوْله: (فاجدح لي) ، إجدح بِكَسْر الْهمزَة أَمر من: جدحت السويق واجتدحته، أَي: لتته، والمصدر: جدح، ومادته: جِيم ودال وحاء مُهْملَة، والجدح أَن يُحَرك السويق بِالْمَاءِ فيخوض حَتَّى يَسْتَوِي، وَكَذَلِكَ اللَّبن وَنَحْوه، والمجدح، بِكَسْر الْمِيم: عود مجدح الرَّأْس تساط بِهِ الْأَشْرِبَة، وَرُبمَا يكون لَهُ ثَلَاث شعب، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إجدح يَعْنِي: احلب، ورد ذَلِك عِيَاض وَغَيره، وَفِي (الْمُحكم) : المجدح خَشَبَة فِي رَأسهَا خشبتان معترضتان، وَكلما خلط فقد جدح، وَعَن الْقَزاز: هُوَ كالملعقة. وَفِي (الْمُنْتَهى) : شراب مجدوح
ومجدح أَي مخوض، والمجدح عود ذُو جَوَانِب، وَقيل: هُوَ عود يعرض رَأسه، وَالْجمع مجاديح. قَوْله: (الشَّمْس!) ، بِالرَّفْع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذِه الشَّمْس يَعْنِي مَا غربت الْآن، وَيجوز فِيهِ النصب على معنى: انْظُر الشَّمْس، وَهَذَا ظن مِنْهُ أَن الْفطر لَا يحل إلَاّ بعد ذَلِك، لما رأى من ضوء الشَّمْس ساطعا، وَإِن كَانَ جرمها غَائِبا، يُؤَيّدهُ قَوْله: (إِن عَلَيْك نَهَارا) ، وَهُوَ معنى: (لَو أمسيت) فِي رِوَايَة أَحْمد، أَي: تَأَخَّرت حَتَّى يدْخل الْمسَاء، وتكريره الْمُرَاجَعَة لغَلَبَة اعْتِقَاده أَن ذَلِك نَهَار يحرم فِيهِ الْأكل مَعَ تجويزه أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم ينظر إِلَى ذَلِك الضَّوْء نظرا تَاما، فقصد زِيَادَة الْإِعْلَام، فَأَعْرض، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، عَن الضَّوْء وَاعْتبر غيبوبة الشَّمْس، ثمَّ بيَّن مَا يعتبره من لم يتَمَكَّن من رُؤْيَة جرم الشَّمْس، وَهُوَ إقبال الظلمَة من الْمشرق، فَإِنَّهَا لَا تقبل مِنْهُ إلَاّ وَقد سقط القرص، فَإِن قلت: الْمُرَاجَعَة معاندة، وَلَا يَلِيق ذَلِك للصحابي؟ قلت: قد ذكرنَا أَنه ظن، فَلَو تحقق أَن الشَّمْس غربت مَا توقف، وَإِنَّمَا توقف احْتِيَاطًا واستكشافا عَن حكم الْمَسْأَلَة. وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات عَن الشَّيْبَانِيّ فِي ذَلِك، فَأكْثر مَا وَقع فِيهَا أَن الْمُرَاجَعَة وَقعت ثَلَاثًا، وَفِي بَعْضهَا مرَّتَيْنِ، وَفِي بَعْضهَا مرّة وَاحِدَة، وَهُوَ مَحْمُول على أَن بعض الروَاة اختصر الْقِصَّة. قَوْله: (ثمَّ رمى بِيَدِهِ هَهُنَا) ، مَعْنَاهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمشرق، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا رَوَاهُ مُسلم، (ثمَّ قَالَ بِيَدِهِ: إِذا غَابَتْ الشَّمْس من هَهُنَا، وَجَاء اللَّيْل من هَهُنَا فقد أفطر الصَّائِم) . وَفِي لفظ لَهُ: (ثمَّ قَالَ: إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل قد أقبل من هَهُنَا أَشَارَ بِيَدِهِ نَحْو الْمشرق فقد أفطر الصَّائِم. قَوْله: (إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل أقبل من هَهُنَا) أَي: من جِهَة الْمشرق. فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي قَوْله: (إِذا أقبل اللَّيْل من هَهُنَا؟) . وَفِي لفظ مُسلم: (إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل قد أقبل من هَهُنَا؟ وَفِي لفظ التِّرْمِذِيّ، عَن عمر بن الْخطاب: (إِذا أقبل اللَّيْل وَأدبر النَّهَار وغربت الشَّمْس فقد أفطر) ، والإقبال والإدبار والغروب متلازمة لِأَنَّهُ لَا يقبل اللَّيْل إلَاّ إِذا أدبر النَّهَار، وَلَا يدبر النَّهَار إلَاّ إِذا غربت الشَّمْس. قلت: أجَاب القَاضِي عِيَاض: بِأَنَّهُ قد لَا يتَّفق مُشَاهدَة عين الْغُرُوب، ويشاهد هجوم الظلمَة حَتَّى يتَيَقَّن الْغُرُوب بذلك فَيحل الْإِفْطَار. وَقَالَ شَيخنَا الظَّاهِر إِن أُرِيد أحد هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة فَإِنَّهُ يعرف انْقِضَاء النَّهَار بِرُؤْيَة بَعْضهَا، وَيُؤَيِّدهُ اقْتِصَاره فِي حَدِيث ابْن أبي أوفى على إقبال اللَّيْل فَقَط، وَقد يكون الْغَيْم فِي الْمشرق دون الْمغرب أَو عَكسه، وَقد يُشَاهد مغيب الشَّمْس فَلَا يحْتَاج مَعَه إِلَى أَمر آخر. قَوْله: (فقد أفطر الصَّائِم) أَي: دخل وَقت الْإِفْطَار، لَا أَنه يصير مُفطرا بغيبوبة الشَّمْس، وَإِن لم يتَنَاوَل مُفطرا.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: الحَدِيث يدل على أَن الصَّوْم فِي السّفر فِي رَمَضَان أفضل من الْإِفْطَار، وَذَلِكَ لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ صَائِما وَهُوَ فِي السّفر فِي شهر رَمَضَان. وَقد اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب. فَمنهمْ من روى عَنهُ التَّخْيِير مِنْهُم: ابْن عَبَّاس وَأنس وَأَبُو سعيد وَسَعِيد بن الْمسيب وَعَطَاء وَسَعِيد بن جبر وَالْحسن وَالنَّخَعِيّ وَمُجاهد وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث. وَذهب قوم إِلَى أَن الْإِفْطَار أفضل، مِنْهُم: عمر بن عبد الْعَزِيز وَالشعْبِيّ وَقَتَادَة وَمُحَمّد بن عَليّ وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: قَالَت الشَّافِعِيَّة: الْفطر أفضل فِي السّفر، وَقَالَ أَبُو عمر: قَالَ الشَّافِعِي: هُوَ مُخَيّر وَلم يفصل، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن علية، وَقَالَ القَاضِي: مَذْهَب الشَّافِعِي أَن الصَّوْم أفضل. وَمِمَّنْ كَانَ لَا يَصُوم فِي السّفر حُذَيْفَة. وَذهب قوم إِلَى أَن الصَّوْم أفضل، وَبِه قَالَ الْأسود بن يزِيد وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَمَالك وَأَصْحَابه وَأَبُو ثَوْر، وَكَذَا روى عَن عُثْمَان بن أبي الْعَاصِ وَأنس بن مَالك، وَرُوِيَ عَن عمر وَابْنه وَأبي هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس: إِن صَامَ فِي السّفر لم يجزه وَعَلِيهِ الْقَضَاء فِي الْحَضَر، وَعَن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قَالَ: الصَّائِم فِي السّفر كالمفطر فِي الْحَضَر، وَبِه قَالَ أهل الظَّاهِر. وَمِمَّنْ كَانَ يَصُوم فِي السّفر وَلَا يفْطر عَائِشَة وَقيس بن عباد وَأَبُو الْأسود وَابْن سِيرِين وَابْن عمر وَابْنه سَالم وَعَمْرو بن مَيْمُون وَأَبُو وَائِل، وَقَالَ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِيمَا رَوَاهُ حَمَّاد بن يزِيد عَن أَيُّوب عَن مُحَمَّد بن عُبَيْدَة عَنهُ: من أدْرك رَمَضَان وَهُوَ مُقيم ثمَّ سَافر فقد لزمَه الصَّوْم، لِأَن الله تَعَالَى قَالَ: {فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . وَقَالَ أَبُو مجلز: لَا يُسَافر أحد فِي رَمَضَان، فَإِن سَافر فليصم، وَقَالَ أَحْمد: يُبَاح لَهُ الْفطر، فَإِن صَامَ كره وأجزأه، وَعنهُ: الْأَفْضَل الْفطر، وَقَالَ أَحْمد: كَانَ عمر وَأَبُو هُرَيْرَة يأمران بِالْإِعَادَةِ، يَعْنِي إِذا صَامَ. وَقَالَ الْإِسْبِيجَابِيّ فِي (شرح مُخْتَصر الطَّحَاوِيّ) : الْأَفْضَل أَن يَصُوم فِي السّفر إِذا لم يُضعفهُ الصَّوْم، فَإِن أضعفه ولحقه مشقة بِالصَّوْمِ بِالْفطرِ أفضل، فَإِن أفطر من غير مشقة لَا يَأْثَم، وَبِمَا قُلْنَاهُ قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ. قَالَ النَّوَوِيّ: هُوَ الْمَذْهَب.
وَعَن مُجَاهِد فِي رِوَايَة: أفضل الْأَمريْنِ أيسرهما عَلَيْهِ، وَقيل: الصَّوْم وَالْفطر سَوَاء وَهُوَ قَول للشَّافِعِيّ.
وَفِيه: اسْتِحْبَاب تَعْجِيل الْفطر.
وَفِيه: بَيَان انْتِهَاء وَقت الصَّوْم، وَهُوَ أَمر مجمع عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو عمر فِي (الاستذكار) : أجمع الْعلمَاء على أَنه إِذا حلت صَلَاة الْمغرب فقد حل الْفطر للصَّائِم فرضا وتطوعا. وَأَجْمعُوا على أَن صَلَاة الْمغرب من صَلَاة اللَّيْل، وَالله، عز وَجل، قَالَ: {ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَاخْتلفُوا فِي أَنه: هَل يجب تَيَقّن الْغُرُوب أم يجوز الْفطر بِالِاجْتِهَادِ؟ وَقَالَ الرَّافِعِيّ: الْأَحْوَط أَن لَا يَأْكُل إلَاّ بِيَقِين غرُوب الشَّمْس، لِأَن الأَصْل بَقَاء النَّهَار فيستصحب إِلَى أَن يستيقن خِلَافه. وَلَو اجْتهد وَغلب على ظَنّه دُخُول اللَّيْل بورد وَغَيره فَفِي جَوَاز الْأَجَل وَجْهَان: أَحدهمَا، وَبِه قَالَ الاستاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرائني: أَنه لَا يجوز. وأصحهما: الْجَوَاز وَإِذا كَانَت الْبَلدة فِيهَا أَمَاكِن مُرْتَفعَة وأماكن منخفضة فَهَل يتَوَقَّف فطر سكان الْأَمَاكِن المنخفضة على تحقق غيبَة الشَّمْس عِنْد سكان الْأَمَاكِن المرتفعة؟ الظَّاهِر اشْتِرَاط ذَلِك، وَفِيه جَوَاز الاستفسار عَن الظَّوَاهِر لاحْتِمَال أَن يكون المُرَاد إمرارها على ظواهرها.
وَفِيه: أَنه لَا يجب إمْسَاك جُزْء من اللَّيْل مُطلقًا بل مَتى تحقق غرُوب الشَّمْس حل الْفطر.
وَفِيه: تذكير الْعَالم بِمَا يخْشَى أَن يكون نَسيَه.
وَفِيه: أَن الْأَمر الشَّرْعِيّ أبلغ من الْحسي، وَأَن الْعقل لَا يقْضِي على الشَّرْع.
وَفِيه: أَن الْفطر على التَّمْر لَيْسَ بِوَاجِب، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحبّ، لَو تَركه جَازَ.
وَفِيه: إسراع النَّاس إِلَى إِنْكَار مَا يجهلون لما جهل من الدَّلِيل الَّذِي عَلَيْهِ الشَّارِع، وَأَن الْجَاهِل بالشَّيْء يَنْبَغِي أَن يسمح لَهُ فِيهِ الْمرة بعد الْمرة وَالثَّالِثَة تكون فاصلة بَينه وَبَين معلمه، كَمَا فعل الْخضر بمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام، وَقَالَ: {هَذَا فِرَاق بيني وَبَيْنك} (الْكَهْف: ٨٧) .
تَابَعَهُ جَرِيرٌ وأبُو بَكْرِ بنُ عَيَّاشٍ عنِ الشِّيْبَانِيِّ عنِ ابنِ أبِي أوْفَى قَالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي سَفَرٍ
يَعْنِي تَابع سُفْيَان جرير، بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد الحميد، وَتَابعه أَيْضا أَبُو بكر بن عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة: ابْن سَالم الْأَسدي الْكُوفِي الحناط، بالنُّون: المقرىء، وَقد اخْتلف فِي اسْمه على أَقْوَال، فَقيل: مُحَمَّد، وَقيل: عبد الله، وَقيل: سَالم، وَقيل غير ذَلِك إِلَى أَسمَاء مُخْتَلفَة، وَالأَصَح أَن اسْمه كنيته، ومتابعة جرير وَصلهَا فِي البُخَارِيّ فِي الطَّلَاق، ومتابعة أبي بكر تَأتي مَوْصُولَة فِي: بَاب تَعْجِيل الْإِفْطَار، وَالْمرَاد من الْمُتَابَعَة: الْمُتَابَعَة فِي أصل الحَدِيث.
٢٤٩١ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا يَحْيَى عنْ هِشَامٍ قَالَ حدَّثني أبِي عنْ عائِشَةَ أنَّ حَمْزَةَ بن عَمْرٍ والأسْلَمِيَّ قَالَ يَا رسولَ الله إنِّي أسْرُدُ الصَّوْمَ. (الحَدِيث ٢٤٩١ طرفه فِي: ٣٤٩١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن سرد الصَّوْم يتَنَاوَل الصَّوْم فِي السّفر أَيْضا كَمَا هُوَ الأَصْل فِي الْحَضَر، وَأخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين: الأول: عَن مُسَدّد عَن يحيى عَن هِشَام وَهُوَ مُخْتَصر. وَالثَّانِي: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن هِشَام إِلَى آخِره، وَسَيَأْتِي عَن قريب.
ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: مُسَدّد بن مسرهد. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان. الثَّالِث: هِشَام بن عُرْوَة. الرَّابِع: أَبوهُ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ. السَّادِس: حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ أَبُو صَالح، وَقيل: أَبُو مُحَمَّد.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: رِوَايَة الابْن عَن الْأَب. وَفِيه: أَن الحَدِيث من مُسْند عَائِشَة، وَهَذَا ظَاهر لِأَن الْحفاظ رَوَوْهُ هَكَذَا: وَقَالَ عبد الرَّحِيم بن سُلَيْمَان عِنْد النَّسَائِيّ، والدراوردي عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَيحيى بن عبد الله بن سَالم عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، ثَلَاثَتهمْ عَن هِشَام عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن حَمْزَة بن عَمْرو، جَعَلُوهُ من مُسْند حَمْزَة، وَالْمَحْفُوظ أَنه من مُسْند عَائِشَة. وحاء الحَدِيث من رِوَايَة حَمْزَة أَيْضا، فأخرجها مُسلم من رِوَايَة عَمْرو بن الْحَارِث عَن أبي الْأسود عَن عُرْوَة بن الزبير عَن أبي مراوح، (عَن حَمْزَة بن عَمْرو الْأَسْلَمِيّ، أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله أجد بِي قُوَّة على الصّيام فِي السّفر، فَهَل عَليّ جنَاح؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: هُوَ رخصَة من الله، فَمن أَخذ بهَا فَحسن، وَمن أحب أَن يَصُوم فَلَا جنَاح عَلَيْهِ) . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم