«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ وَقَعَ عَلَى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٣٧

الحديث رقم ١٩٣٧ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن الأخر وقع على…

«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً، قَالَ: لَا، قَالَ: فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، قَالَ: لَا، قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ

⦗٣٣⦘

بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَهُوَ الزَّبِيلُ، قَالَ: أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ، قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا، مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، قَالَ: فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ.»

سند حديث: ١٩٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي…

١٩٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ :

رواة الحديث

شرح حديث: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن الأخر وقع على…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الصَّلَاةِ مِنَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ كَنَشْرِ الْعِلْمِ، وَفِيهِ جَوَازُ الضَّحِكِ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَإِخْبَارُ الرَّجُلِ بِمَا يَقَعُ مِنْهُ مَعَ أَهْلِهِ لِلْحَاجَةِ. وَفِيهِ الْحَلِفُ لِتَأْكِيدِ الْكَلَامِ، وَقَبُولُ قَوْلِ الْمُكَلَّفِ مِمَّا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ لِقَوْلِهِ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: أَفْقَرَ مِنَّا: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ لِصِدْقِهِ. وَفِيهِ التَّعَاوُنُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَالسَّعْيُ فِي إِخْلَاصِ الْمُسْلِمِ، وَإِعْطَاءُ الْوَاحِدِ فَوْقَ حَاجَتِهِ الرَّاهِنَةِ، وَإِعْطَاءُ الْكَفَّارَةِ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ الْمُضْطَرَّ إِلَى مَا بِيَدِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَوْ بَعْضَهُ لِمُضْطَرٍّ آخَرَ.

٣١ - بَاب الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ

١٩٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ وَهُوَ الزَّبِيلُ قَالَ: أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ: فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ

قَوْلُهُ: (بَابٌ: الْمُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ)؟ يَعْنِي: أَمْ لَا؟ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا آذَنَتْ بِأَنَّ الْإِعْسَارَ بِالْكَفَّارَةِ لَا يُسْقِطُهَا عَنِ الذِّمَّةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا: إِذَا جَامَعَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ وَالثَّانِيَةُ تَرَدَّدَتْ هَلِ الْمَأْذُونُ لَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ نَفْسُ الْكَفَّارَةِ أَمْ لَا؟ وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ لَفْظُ التَّرْجَمَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مَنْصُورٍ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِ مَنْصُورٍ عَنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَخَالَفَهُ مِهْرَانُ بْنُ أَبِي عُمَرَ فَرَوَاهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بَدَلَ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ وَالْمَحْفُوظُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الْأَخِرَ) بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ بَعْدَهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ، تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَكَى ابْنُ الْقُوطِيَّةِ فِيهِ مَدَّ الْهَمْزَةِ.

قَوْلُهُ: (أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرَ رَقَبَةً)؟ بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ لَفْظِ مَا وَهِيَ مَفْعُولٌ بِـ تَجِدُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدِ اعْتَنَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ شُيُوخُنَا فَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فِي مُجَلَّدَيْنِ جَمَعَ فِيهِمَا أَلْفَ فَائِدَةٍ وَفَائِدَةً، وَمُحَصَّلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَخَّصْتُهُ مَعَ زِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ عَلَيْهِ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَنْعَمَ.

٣٢ - بَاب الْحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ لِلصَّائِمِ

وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ : إِذَا قَاءَ فَلَا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولِجُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ: الصَّوْمُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأكثر. انتهى. فمن ذلك: أنَّ من ارتكب معصيةً لا حدَّ فيها وجاء مستفتيًا أنَّه لا يُعاقَب لأنَّه (١) لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية لأنَّ معاقبة المستفتي تكون سببًا لترك الاستفتاء من النَّاس عند وقوعهم في ذلك، وهذه مفسدةٌ عظيمةٌ يجب دفعها.

وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواه ما ينيف على (٢) أربعين نفسًا عن الزُّهريِّ عن حُمَيدٍ عن أبي هريرة يطول ذكرهم، وقد أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٩٣٧] و (٣) «الأدب» [خ¦٦٠٨٧] و «النَّفقات» [خ¦٥٣٦٨] و «النُّذور» (٤) [خ¦٦٧٠٩] و «المحاربين» [خ¦٦٨٢١]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

(٣١) (بابُ) حكم الصَّائم (المُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ؛ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ) أم لا؟ قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا منافاة بين هذه التَّرجمة والتي قبلها لأنَّ التي قبلها آذنت بأنَّ الإعسار بالكفَّارة لا يسقطها عن الذِّمَّة لقوله فيها: «إذا جامع ولم يكن له شيءٌ فتُصدِّق عليه فليُكفِّر»، والثَّانية تردَّدت هل المأذون له بالتَّصرُّف فيه نفس الكفَّارة أم لا؟ وعلى هذا يتنزَّل لفظ التَّرجمة.

١٩٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبه (٥) لجدِّه، وأبوه محمَّدٌ، وهو أخو أبي بكر

ابن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هو (١) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ الأَخِرَ) بقصر الهمزة وكسر الخاء المعجمة بوزن «كَتِفِ» أي: من هو في آخر القوم (وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ) أي: جامعها (فِي) نهار (رَمَضَانَ، فَقَالَ) له: (أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ) أي: تعتق به (٢) (رَقَبَةً؟) بالنَّصب مفعول «تحرِّر» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد (قَالَ) : (فَتَسْتَطِيعُ (٣) أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا) أستطيع (قَالَ) : (أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟) وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر لفظ «به» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد (قَالَ) أبو هريرة: (فَأُتِيَ النَّبِيُّ ) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ) من تمر الصَّدقة (وَهُوَ) أي: العرق (الزَّبِيلُ) بفتح الزَّاي وكسر المُوحَّدة المُخفَّفة: القفَّة، وفي نسخةٍ: «الزَّنبيل» بالنُّون (قَالَ) للرَّجل: (أَطْعِمْ هَذَا) التَّمر (عَنْكَ) ولابن إسحاق: فتصدَّق به عن نفسك، واستدلَّ به على أنَّ الكفَّارة عليه وحده دون الموطوءة؛ إذ لم يُؤمَر بها إلَّا هو مع الحاجة إلى البيان، ولنقصان صومها بتعرُّضه (٤) للبطلان بعروض الحيض أو نحوه، فلم تكمل (٥) حرمته حتَّى تتعلَّق به الكفَّارة، ولأنَّها غرمٌ ماليٌّ يتعلَّق بالجماع فيختصُّ بالرَّجل الواطئ كالمهر، لا يجب (٦) على الموطوءة،

وقال المالكيَّة: إذا وطئ أَمَتَهُ في نهار رمضان وجبت عليه كفَّارتان: إحداهما: عن نفسه، والأخرى: عن الأَمَة وإن طاوعته لأنَّ مُطاوَعتها كالإكراه للرِّقِّ، وكذلك يكفِّر عن الزَّوجة إن أكرهها على الجماع، وتكفيره عنهما بطريق النِّيابة عنهما لا بطريق الأصالة؛ فلذلك لا يكفِّر عنهما إلَّا بما يجزئهما في التَّكفير، فيكفِّر عن الأَمَة بالإطعام لا بالعتق؛ إذ لا ولاء لها، ولا بالصَّوم لأنَّ الصَّوم لا يقبل النِّيابة، ويكفِّر عن الزَّوجة الحرَّة بالعتق أو الإطعام، فإن أعسر كفَّرت الزَّوجة عن نفسها، ورجعت عليه إذا أيسر بالأقلِّ من قيمة الرَّقبة التي أعتقت أو مكيلة الطَّعام، وأوجبها الحنفيَّة على المرأة المطاوعة لأنَّها شاركت الرَّجل في الإفساد فتشاركه في وجوب الكفَّارة، أي: سواءٌ كانت زوجةً أو أمةً، وقال الحنابلة: ولا يلزم المرأة كفَّارةٌ مع العذر، قال المرداويُّ: نصَّ عليه وعليه (١) أكثر الأصحاب، وعنه: تكفِّر وترجع بها على الزَّوج، اختاره بعض الأصحاب، وهو الصَّواب. انتهى. وأمَّا حديث الدَّارقُطنيِّ عن أبي ثورٍ قال: حدَّثنا مُعلَّى بن منصورٍ قال: حدَّثنا سفيان بن عيينة عن الزُّهريِّ عن حُمَيدٍ عن أبي هريرة قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ فقال: هلكت وأهلكت … الحديثَ؛ فقد تفرَّد به أبو ثورٍ عن مُعلَّى بن منصورٍ عن ابن عيينة بقوله: «وأهلكت»، وأخرجه البيهقيُّ عن جماعةٍ عن الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ به (٢)، وفيه قولُه: «وأهلكتُ» وقال (٣): ضعَّف شيخنا أبو عبد الله الحاكم هذه اللَّفظة، وكافَّة أصحاب الأوزاعيِّ روَوْه دونها، واستدلَّ الحاكم على أنَّها خطأٌ: بأنَّه نظر في «كتاب الصَّوم» -تصنيف المُعلَّى بن منصورٍ- فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللَّفظة، وأنَّ (٤) كافَّة أصحاب سفيان روَوْه دونها.

(قَالَ) الرَّجل: أتصدَّق به (عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا؟) بحذف همزة الاستفهام، والفعل الذي يتعلَّق به الجارُّ لدلالة قوله: «أطعمْ هذا عنك»، وهو استفهامٌ تعجبيٌّ، أي: ليس (٥) أحدٌ أفقرَ منَّا حتَّى

أتصدَّق به عليه (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦١٩٣٦] «فوالله ما بين لابتيها» (أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، قَالَ) : (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) قيل: أراد بهم من لا تلزمه نفقتهم من أقاربه، وهو قول بعض الشَّافعيَّة، ورُدَّ بقوله في الرِّواية الأخرى [خ¦٦٧٠٩] «عيالك»، وبالأخرى المصرِّحة بالإذن له في الأكل من ذلك، وقيل: هو خاصٌّ بهذا الرَّجل، وإليه نحا إمام الحرمين، وعُورِض بأنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة، وقيل: هو منسوخٌ، ولم يعيِّن (١) قائلُه ناسخَه، وقال الشَّافعيُّ في «الأمِّ»: يحتمل أنَّه لمَّا أخبره بفقره صَرَفَه له صدقةً، أو أنَّه ملَّكه إيَّاه وأمره (٢) بالتَّصدُّق به، فلمَّا أخبره بفقره أذن له في صرفها لهم؛ للإعلام بأنَّها إنَّما تجب بعد الكفاية، أو أنَّه تطوَّع بالتَّكفير به عنه بإذنه، وسوَّغ له صرفها لأهله للإعلام بأنَّ لغير المكفِّر التَّطوُّع بالتَّكفير عنه بإذنه، وأنَّ له صرفها لأهل المُكفَّر عنه، فأمَّا أنَّ الشَّخص يكفِّر عن نفسه ويصرف إلى أهله فلا.

(٣٢) (بابُ) حكم (الحِجَامَةِ وَالقَيْءِ لِلصَّائِمِ).

قال المؤلِّف بالسَّند السَّابق: (وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوَُِحاظيُّ الحمصيُّ: (حَدَّثَنَا

مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) بتشديد اللَّام، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن أبي كثيرٍ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم (بْنِ الحَكَمِ) بفتح الحاء والكاف (بْنِ ثَوْبَانَ) بالمُثلَّثة والمُوحَّدة المفتوحتين المدنيِّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ) يقول: (إِذَا قَاءَ) الصَّائم بغير اختياره بأن غلبه (فَلَا يُفْطِرُ) لأنَّ القيء (إِنَّمَا يُخْرِجُ) من الخروج (وَلَا يُولِجُ) من الإيلاج؛ يعني: أنَّ الصِّيام لا يُنقَض إلَّا بشيءٍ يدخل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ -ممَّا في «الفتح» -: «إنَّه» (١) أي: القيء «يُخرِج ولا يُولِج» وهذا منقوضٌ بالمنيِّ فإنَّه يخرج، وهو موجبٌ للقضاء والكفَّارة.

(وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّهُ يُفْطِرُ) أي: إذا تعمَّد القيء، وإن لم يعد شيء منهٌ إلى جوفه، فهو محمولٌ على حديثه المرفوع المرويِّ عند المؤلِّف في «تاريخه الكبير» بلفظ: «مَنْ ذَرَعه القيء وهو صائمٌ فليس عليه القضاء (٢)، وإن استقاء فليقض» لكن ضعَّفه المؤلِّف، ورواه أصحاب «السُّنن الأربعة»، وقال التِّرمذيُّ: والعمل عند أهل العلم عليه، وبه يقول الشَّافعيُّ وسفيان الثَّوريُّ وأحمد وإسحاق، وقد صحَّحه الحاكم وقال: على شرط الشَّيخين وابن حبَّان، وقال الحنفيَّة: ولا يجب القضاء بغلبة القيء عليه، وخروجه من فمه، قلَّ أو كثر، لا تعمُّده؛ فإنَّه يفسده وعليه القضاء، ويعتبر أبو يوسف في إفساده امتلاء الفم في التَّعمُّد وفي عوده إلى الدَّاخل، سواءٌ أعاده أو لم يعده لوجوب القضاء لأنَّه إذا كان ملء الفم يُعدَّ خارجًا لانتقاض الطَّهارة به، فيفسد الصَّوم، وإذا عاد حال كونه ملء الفم يُعَدُّ داخلًا لسبق اتِّصافه بالخروج حكمًا، ولا كذلك إذا لم يملأه فلا يفسد، واعتبر محمَّد بن الحسن قصد الصَّائم وفعله في ابتداء القيء وفي عوده، سواءٌ كان ملء الفم أو لم يكن لقوله (٣): «من استقاء عمدًا فعليه القضاء» من غير فصلٍ بين القليل والكثير، وإذا أعاده يوجد منه الصُّنع في الإدخال إلى

الجوف، فيفسد به صومه وإن قلَّ القيء، وخلاصة المفهوم ممَّا سبق: أنَّ في صورة الاستقاءة (١) يفسد الصَّوم عند أبي يوسف إذا كان ملء الفم، سواءٌ عاد القيء بعده أو لم يَعُد أو أعاده؛ لاتِّصافه بالخروج، وعند محمد: يفسد على كلِّ الأحوال؛ لوجود التَّعمُّد فيه (٢)، وأمَّا إذا غلبه القيء: فإن كان ملء الفم يفسد عند أبي يوسف، عاد أو أعاده لِمَا (٣) مرَّ، وعند محمد: لا يفسد إذا عاد أو لم يعد لانعدام الصُّنع منه، ويفسد إذا أعاد، وإن لم يكن ملء الفم لا يفسد إذا عاد أو لم يعد اتِّفاقًا، ويفسد عند محمَّدٍ إذا أعاده (وَالأَوَّلُ) القائل: إنَّه لا يفطر (أَصَحُّ).

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ) ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (الصَّوْمُ) أي: الإمساك واجبٌ (مِمَّا دَخَلَ) في الجوف (وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر في نسخةٍ: «الفطر» بدل قوله: «الصَّوم».

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ) ممَّا وصله مالكٌ في «المُوطَّأ» (يَحْتَجِمُ، وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَكَانَ يَحْتَجِمُ) وهو صائمٌ (بِاللَّيْلِ) لأجل الضَّعف (وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ فيما وصله ابن أبي شيبة (لَيْلًا).

(وَيُذْكَرُ) مبنيًّا للمفعول (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين ابن أبي وقَّاصٍ أحد العشرة، ممَّا وصله مالكٌ في «مُوطَّئه» (٤) وفيه انقطاعٌ، لكن ذكره ابن عبد البرِّ من وجهٍ آخر (وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) الأنصاريِّ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (وَأُمِّ سَلَمَةَ) أمِّ المؤمنين ممَّا وصله ابن أبي شيبة: أنَّهم الثَّلاثة (احْتَجَمُوا) حال كونهم (صِيَامًا).

(وَقَالَ بُكَيْرٌ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ) مرجانة كما سمَّاها البخاريُّ، وذكرها ابن حبَّان في «الثِّقات»، ووصل هذا المؤلِّف في «تاريخه»: أنَّها قالت: (كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ) ، أي: ونحن صيامٌ (فَلَا تَنْهَى) عائشة عن ذلك، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فلا نُنْهَى» بضمِّ النُّون الأولى التي للمتكلِّم ومعه (٥) غيره وسكون الثَّانية على صيغة المجهول.

(وَيُرْوَى) مبنيًّا للمفعول (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ) من الصَّحابة، وهم شدَّاد ابن أوسٍ وأسامة بن زيدٍ وأبو هريرة وثوبان ومعقل بن يسار، ويحتمل أنَّه سمعه (١) من كلِّهم (مَرْفُوعًا) إلى النَّبيِّ (فَقَالَ) بالفاء، وفي (٢) بعض الأصول: «وقال» ولأبي ذرٍّ: إسقاطهما (٣): (أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ) وصله النَّسائيُّ من طرقٍ عن أبي حُرَّة (٤) عن الحسن، وقال عليُّ بن المدينيِّ: رواه (٥) يونس عن الحسن، وقد أخذ بظاهره أحمد : أنَّهما يفطران، وعليه جماهير أصحابه، وهو من المفردات، وعنه: إن علما بالنَّهي أفطرا، وإلَّا فلا، وقال في الفروع: ظاهر كلام أحمد والأصحاب أنَّه لا فطر إن لم يظهر دمٌ، قال وهو متَّجهٌ (٦)، واختاره شيخنا وضعَّف خلافه، ولو خرج الدَّم بنفسه لغير التَّداوي بدل الحجامة لم يفطر. انتهى. وقال الأئمَّة الثَّلاثة: لا يفطر لما سيأتي، وحملوا الحديث -كما قال البغويُّ- على معنى: أنَّهما تعرَّضا للإفطار، المحجوم للضَّعف، والحاجم لأنَّه لا يأمن (٧) أن يصل إلى جوفه شيءٌ بمصِّ المحجم، لكنَّ الحديث قد تُكلِّم فيه، فقال الدَّارقُطنيُّ في «العلل»: اختُلِف على عطاء بن السَّائب في الصَّحابيِّ، وكذا اختُلِف على يونس أيضًا.

قال المؤلِّف: (وَقَالَ لِي عَيَّاشٌ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ومعجمةٍ ابن الوليد الرَّقَّام البصريُّ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّاميُّ القرشيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) هو ابن عبيد بن دينارٍ البصريُّ التَّابعيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ التَّابعيِّ (مِثْلَهُ) أي: مثل السَّابق: «أفطر الحاجم والمحجوم»، وقد أخرجه المؤلِّف في «تاريخه»، والبيهقيُّ من طريقه (قِيلَ لَهُ) أي: للحسن: (عَنِ النَّبِيِّ ) الذي يحدِّث به: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟ (قَالَ: نَعَمْ) عنه (ثُمَّ قَالَ) متردِّدًا بعد الجزم: (اللهُ أَعْلَمُ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وُجُوهًا كَثِيرَة كلهَا لَا تقاوم مَا ورد فِي الحَدِيث من تَقْدِيم الْعتْق على الصّيام، ثمَّ الْإِطْعَام.

وَفِيه: أَن الْكَفَّارَة بالخصال الثَّلَاث على التَّرْتِيب الْمَذْكُور، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لِأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نَقله من أَمر بعد عَدمه إِلَى أَمر آخر، وَلَيْسَ هَذَا شَأْن التَّخْيِير. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: ترَتّب الثَّانِي بِالْفَاءِ على فقد الأول، ثمَّ الثَّالِث بِالْفَاءِ على فقد الثَّانِي، يدل على عدم التَّخْيِير، مَعَ كَونهَا فِي معرض الْبَيَان وَجَوَاب السُّؤَال، فَينزل منزلَة الشَّرْط الْمُحكم. وَقيل: سلك الْجُمْهُور فِي ذَلِك مَسْلَك التَّرْجِيح بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب عَن الزُّهْرِيّ أَكثر مِمَّن روى التَّخْيِير، وَاعْترض ابْن التِّين بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب ابْن عُيَيْنَة وَمعمر وَالْأَوْزَاعِيّ، وَالَّذين رووا التَّخْيِير مَالك وَابْن جريج وفليح بن سُلَيْمَان وَعمر بن عُثْمَان المَخْزُومِي، وَأجِيب: بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب عَن الزُّهْرِيّ ثَلَاثُونَ نفسا أَو أَكثر، وَرجح التَّرْتِيب أَيْضا بِأَن رَاوِيه حكى لفظ الْقِصَّة على وَجههَا فمعه زِيَادَة علم من صُورَة الْوَاقِعَة، وراوي التَّخْيِير حكى لفظ رَاوِي الحَدِيث، فَدلَّ على أَنه من تصرف بعض الروَاة إِمَّا لقصد الِاخْتِصَار أَو لغير ذَلِك، ويترجح التَّرْتِيب أَيْضا بِأَنَّهُ أحوط. وَحمل الْمُهلب والقرطبي الْأَمر على التَّعَدُّد، وَهُوَ بعيد، لِأَن الْقِصَّة وَاحِدَة وَالْأَصْل عدم التَّعَدُّد، وَحمل بَعضهم التَّرْتِيب على الْأَوْلَوِيَّة والتخيير على الْجَوَاز.

وَفِيه: إِعَانَة الْمُعسر فِي الْكَفَّارَة، وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ فِي النذور. وَفِيه: إِعْطَاء الْقَرِيب من الْكَفَّارَة، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي النذور. وَفِيه: إِعْطَاء الْقَرِيب من الْكَفَّارَة وَبَوَّبَ عَلَيْهِ البُخَارِيّ أَيْضا. وَفِيه: أَن الْهِبَة وَالصَّدَََقَة لَا يحْتَاج فيهمَا إِلَى الْقبُول بِاللَّفْظِ بل الْقَبْض كَاف، وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ أَيْضا. وَفِيه: أَن الْكَفَّارَة لَا تجب إلَاّ بعد نَفَقَة من تجب عَلَيْهِ، وَقد بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات. وَفِيه: جَوَاز الْمُبَالغَة فِي الضحك عِنْد التَّعَجُّب لقَوْله: (حَتَّى بَدَت أنيابه) . وَفِيه: جَوَاز قَول الرجل فِي الْجَواب: وَيحك، أَو: وَيلك. وَفِيه: جَوَاز الْحلف بِاللَّه وَصِفَاته، وَإِن لم يسْتَحْلف كَمَا فِي البُخَارِيّ. وَغَيره، (وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (وَالله مَا بَين لابتيها) إِلَى آخِره. وَفِيه: أَن القَوْل قَول الْفَقِير أَو الْمِسْكِين وَجَوَاز عطائه مِمَّا يسْتَحقّهُ الْفُقَرَاء لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يكلفه الْبَيِّنَة حِين ادّعى أَنه مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أهل بَيت أحْوج مِنْهُم؟ وَفِيه: جَوَاز الْحلف على غَلَبَة الظَّن، وَإِن لم يعلم ذَلِك بالدلائل القطعية، لحلف الْمَذْكُور أَنه لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ أحْوج مِنْهُم مَعَ جَوَاز أَن يكون بِالْمَدِينَةِ أحْوج مِنْهُم لِكَثْرَة الْفُقَرَاء فِيهَا، وَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: اسْتِعْمَال الْكِنَايَة فِيمَا يستقبح طهوره بِصَرِيح لَفظه، لقَوْله: (وَقعت أَو أصبت) فَإِن قلت: ورد فِي بعض طرقه: (وطِئت؟) قلت: هَذَا من تصرف الروَاة. وَفِيه: الرِّفْق بالمتعلم والتلطف فِي التَّعْلِيم والتأليف على الدّين، والندم على الْمعْصِيَة واستشعار الْخَوْف. وَفِيه: الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد لغير الصَّلَاة من الْمصَالح الدِّينِيَّة: كنشر الْعلم. وَفِيه: التعاون على الْعِبَادَة. وَفِيه: السَّعْي على خلاص الْمُسلم. وَفِيه: إِعْطَاء الْوَاحِد فَوق حَاجته الراهنة. وَفِيه: إِعْطَاء الْكَفَّارَة لأهل بَيت وَاحِد.

١٣ - (بابُ المُجامِعِ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أهْلَهُ مِنَ الكَفَّارَةِ إذَا كانُوا مَحَاوِيجَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّائِم المجامع فِي رَمَضَان: هَل يطعم أَهله الْكَفَّارَة إِذا كَانُوا محاويج أم لَا؟ وَلم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام اكْتِفَاء بِمَا ذكر من متن الحَدِيث، والمحاويج قَالَ المطرزي فِي (الْمغرب) : هم المحتاجون، عَامي قلت: يحْتَمل أَن يكون جمع: محواج، وَهُوَ كثير الْحَاجة، صِيغ على وزن اسْم الْآلَة للْمُبَالَغَة.

٧٣٩١ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَريرٌ عَن منْصُورٍ عنِ الزُّهْرِيَّ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إلَى النبيِّ فَقَالَ إنَّ الآخِرَ وقعَ عَلَى امْرَأتِهِ فِي رمَضَانَ فَقَالَ أتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رقَبةً قَالَ لَا قَالَ أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا قَالَ أفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينا قَالَ لَا قَالَ فأُتِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَرَقٍ

فِيهِ تَمْرٌ وهُوَ الزَّبِيلُ قَالَ أطْعِمْ هَذَا عَنْكَ قَالَ عَلَى أحْوَجِ مِنَّا مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ مِنَّا قَالَ فأطْعِمْهُ أهْلَكَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأطعمه أهلك) ، وَجَرِير هُوَ: بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَقد ذكرُوا غير مرّة. قَوْله: (عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين من أَصْحَاب مَنْصُور عَنهُ، وَخَالفهُ مهْرَان بن أبي عمر فَرَوَاهُ عَن الثَّوْريّ بِالْإِسْنَادِ عَن سعيد بن الْمسيب بدل حميد بن عبد الرَّحْمَن، أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَهُوَ شَاذ، وَالْمَحْفُوظ هُوَ الأول. قَوْله: (إِن الآخر) فِيهِ قصر الْهمزَة ومدها بعْدهَا خاء مُعْجمَة مَكْسُورَة، وَهُوَ من يكون آخر الْقَوْم، وَقيل: هُوَ الْمُدبر المتخلف، وَقيل: الأرذل، وَقيل: مَعْنَاهُ أَن الْأَبْعَد، على الذَّم. قَوْله: (رَقَبَة) بِالنّصب، قيل: إِنَّه بدل من لَفْظَة مَا تحرر قلت: بل هُوَ مَنْصُوب على أَنه مفعول: تحرر، فَافْهَم، وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ قد مرت فِيمَا مضى مستوفاة. وَالله أعلم.

٢٣ - (بابُ الحِجَامَةِ والْقَيءِ لِلْصَّائِمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الْحجامَة والقيء هَل يرخصان للصَّائِم أَو لَا؟ وَإِنَّمَا أطلق وَلم يذكر الحكم لمَكَان الْخلاف فِيهِ، وَلَكِن الْآثَار الَّتِي أوردهَا فِي هَذَا الْبَاب تشعر بِأَنَّهُ عدم الْإِفْطَار بهما. وَقَالَ بَعضهم: بَاب الْحجامَة والقيء للصَّائِم، أَي: هَل يفسدان هما أَو أَحدهمَا الصَّوْم؟ قلت: اللَّام فِي قَوْله: (للصَّائِم) ، تمنع هَذَا التَّقْدِير الَّذِي قدره، وَلَا يخفى ذَلِك على من لَهُ أدنى ذوق من أَحْوَال التَّرْكِيب، قيل: جمع بَين الْقَيْء والحجامة مَعَ تغايرهما، وعادته تَفْرِيق التراجم إِذا نظمهما خبر وَاحِد فضلا عَن خبرين، وَإِنَّمَا صنع ذَلِك لِاتِّحَاد مأخذهما، لِأَنَّهُمَا إِخْرَاج، والإخراج لَا يَقْتَضِي الْإِفْطَار.

وَقَالَ لِي يَحْيَى بنُ صَالِحٍ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ سَلَاّم قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُمَرَ بنِ الحَكَمَ بن ثَوْبانَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقُولُ إذَا قاءَ فَلَا يُفْطِرُ إنَّمَا يُخْرجُ ولَا يُولِجُ عَادَة البُخَارِيّ إِذا أسْند شَيْئا من الْمَوْقُوفَات يَأْتِي بِهَذِهِ الصِّيغَة، وَيحيى بن صَالح أَبُو زَكَرِيَّا الوحاظي الْحِمصِي وَمُعَاوِيَة ابْن سَلام، بتَشْديد اللَّام، مر فِي كتاب الْكُسُوف، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَعمر بن الحكم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف المفتوحتين: ابْن ثَوْبَان، بالثاء الْمُثَلَّثَة: الْحِجَازِي أَبُو حَفْص الْمدنِي.

قَوْله: (إِذا قاء) أَي الصَّائِم: قَوْله: (وَإِنَّمَا يخرج) ، من الْخُرُوج. قَوْله: (وَلَا يولج) ، من الْإِيلَاج، أَي: لَا يدْخل، الْمَعْنى: أَن الصَّوْم لَا ينْقض إِلَّا بِشَيْء يدْخل، وَلَا ينْقض بِشَيْء يخرج. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني أَنه يخرج وَلَا يولج، أَي: أَن الْقَيْء يخرج وَلَا يدْخل، وَهَذَا الْحصْر منقوض بالمني، فَإِنَّهُ مِمَّا يخرج وَهُوَ مُوجب للْقَضَاء وَالْكَفَّارَة.

وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَرْبَعَة مَرْفُوعا من حَدِيث هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ذرعه الْقَيْء فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء، وَمن استقاء عمدا فليقض) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه من حَدِيث هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إلَاّ من حَدِيث عِيسَى بن يُونُس، قَالَ: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من غَيره وَجهه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يَصح إِسْنَاده. وَقَالَ البُخَارِيّ: لم يَصح، وَإِنَّمَا يرْوى عَن عبد الله بن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، وَعبد الله ضَعِيف، وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ من طَرِيق عِيسَى ابْن يُونُس، وَنقل عَن عِيسَى أَنه قَالَ: زعم أهل الْبَصْرَة أَن هشاما وهم فِيهِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعت أَحْمد يَقُول: لَيْسَ من ذَا شَيْء. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد أَنه غير مَحْفُوظ، وَقَالَ ابْن بطال: تفرد بِهِ عِيسَى وَهُوَ ثِقَة إلَاّ أَن أهل الحَدِيث أنكروه عَلَيْهِ، وَوهم عِنْدهم فِيهِ. وَقَالَ أَبُو عَليّ الطوسي: هُوَ حَدِيث غَرِيب، وَالصَّحِيح رِوَايَة أبي الدَّرْدَاء وثوبان وفضالة بن عبيد: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قاء فَأفْطر) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث أبي الدَّرْدَاء أصح شَيْء فِي الْقَيْء والرعاف.

قلت: حَدِيث أبي الدَّرْدَاء رَوَاهُ الْأَرْبَعَة وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، قَالَ: حَدثنَا أبي عَن حُسَيْن

الْمعلم عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن يعِيش بن الْوَلِيد عَن أَبِيه عَن معدان بن طَلْحَة (عَن أبي الدَّرْدَاء أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قاء فَأفْطر، قَالَ: فَلَقِيت ثَوْبَان فِي مَسْجِد دمشق، قلت: إِن أَبَا الدَّرْدَاء أَخْبرنِي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قاء فَأفْطر، فَقَالَ: صدق، أَنا صببت لَهُ وضوءه) . ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَذهب قوم إِلَى أَن الصَّائِم إِذا قاء أفطر، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذَا الحَدِيث. قلت: أَرَادَ بالقوم: عَطاء وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبا ثَوْر. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَقَالُوا: إِن استقاء أفطر، وَإِن ذرعه الْقَيْء أَي: سبقه وَغلب عَلَيْهِ وَلم يفْطر، وَأَرَادَ بالآخرين: الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وعلقمة وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة وَأَصْحَابه ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، ويروى ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَأبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على أَن من ذرعه الْقَيْء لَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على أَن الاستقاء مفطر، وَنقل الْعَبدَرِي عَن أَحْمد أَنه قَالَ: من تقيأ فَاحِشا أفطر، وَقَالَ اللَّيْث وَالثَّوْري وَالْأَرْبَعَة بِالْقضَاءِ، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور، وَعَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس: أَنه لَا يفْطر، وَلَكِن فِي (مُصَنف) ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس: أَنه إِذا تقيأ أفطر، وَنقل ابْن التِّين عَن طَاوُوس عدم الْقَضَاء، قَالَ: وَبِه قَالَ ابْن بكير، وَقَالَ ابْن حبيب: لَا قَضَاء عَلَيْهِ فِي التَّطَوُّع دون الْفَرْض، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو ثَوْر: عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة مثل كَفَّارَة الْأكل عَامِدًا فِي رَمَضَان، وَهُوَ قَول عَطاء، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث أبي الدَّرْدَاء الْمَذْكُور الَّذِي أخرجه ابْن حبَان وَالْحَاكِم أَيْضا فِي (صَحِيحَيْهِمَا) وَأجَاب أَبُو عمر: أَنه لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: قد يجوز أَن يكون قَوْله: (فَأفْطر) أَي: ضعف فَأفْطر، وَيجوز هَذَا فِي اللُّغَة يَعْنِي: يجوز هَذَا التَّقْدِير فِي اللُّغَة، لتضمن مثل ذَلِك لعلم السَّامع بِهِ كَمَا فِي حَدِيث فضَالة، وَلَكِنِّي قئت فضعفت عَن الصّيام فأفطرت، وَلَيْسَ فِيهِ أَن الْقَيْء كَانَ مُفطرا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: معنى هَذَا الحَدِيث أَن انبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أصبح صَائِما مُتَطَوعا فقاء فضعف فَأفْطر لذَلِك، هَكَذَا رُوِيَ فِي بعض الحَدِيث مُفَسرًا، وَأجَاب الْبَيْهَقِيّ بِأَن هَذَا الحَدِيث مُخْتَلف فِي إِسْنَاده فَإِن صَحَّ فَمَحْمُول على الْعَامِد، وَكَأَنَّهُ كَانَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُتَطَوعا بصومه.

وَحَدِيث فضَالة رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ حَدثنَا ربيع الْمُؤَذّن، قَالَ: حَدثنَا أَسد قَالَ: حَدثنَا ابْن لَهِيعَة، قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن أبي حبيب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مَرْزُوق عَن حَنش عَن فضَالة بن عبيد، قَالَ: دعى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بشراب فَقَالَ لَهُ: ألم تصبح صَائِما يَا رَسُول الله؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِن قئت) . وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَأَبُو مَرْزُوق اسْمه: حبيب بن الشَّهِيد، وَقيل: زَمعَة بن سليم، قَالَ الْعجلِيّ: مصري تَابِعِيّ ثِقَة، وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، وحنش هُوَ ابْن عبد الله الصَّنْعَانِيّ، صنعاء دمشق، روى لَهُ الْجَمَاعَة غير البُخَارِيّ فَإِن قلت: ابْن لَهِيعَة فِيهِ مقَال؟ قلت: الطَّحَاوِيّ أخرجه من أَربع طرق: الأول: مَا ذَكرْنَاهُ الَّذِي فِيهِ ابْن لَهِيعَة والبقية عَن أبي بكرَة عَن روح وَعَن مُحَمَّد بن خُزَيْمَة عَن حجاج وَعَن حُسَيْن بن نصر عَن يحيى بن حسان، قَالُوا: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي مَرْزُوق عَن حَنش عَن فضَالة. . إِلَى آخِره، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل عِنْد أهل الْعلم على حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الصَّائِم إِذا ذرعه الْقَيْء فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَإِذا استقاء عمدا فليقض، وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهُوَ قَول كل من يحفظ عَنهُ الْعلم، قَالَ: وَبِه أَقْوَال. قَالَ أَصْحَابنَا: وَيَسْتَوِي فِيهِ ملْء الْفَم وَمَا دونه لإِطْلَاق حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَرْفُوع، فَإِن عَاد وَكَانَ ملْء الْفَم لَا يفْسد صَوْمه عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، قَالَ فِي (الْمُحِيط) : وَهُوَ الصَّحِيح، وَذكر فَتى (قاضيخان) عَن مُحَمَّد وجده، وَعند أبي يُوسُف يفْسد وَإِن أَعَادَهُ، وَكَانَ أقل من ملْء الْفَم يفْسد عِنْد مُحَمَّد وَزفر، وَهَذَا إِذا تقيأ مرّة أَو طَعَاما أَو مَاء، فَإِن تقيأ ملْء فِيهِ بلغما لَا يفْسد عِنْدهمَا، خلافًا لأبي يُوسُف.

ويُذْكَرُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ يُفْطِرُ

يذكر على صِيغَة الْمَجْهُول عَلامَة التمريض، يَعْنِي: إِذا قاء الصَّائِم يفْطر، يَعْنِي: ينْتَقض صَوْمه، ذكره الْحَازِمِي عَنهُ رِوَايَة عَن بَعضهم، وَيُمكن الْجمع بَين قوليه بِأَن قَوْله: لَا يفْطر، يحمل على مَا فصل فِي حَدِيثه الْمَرْفُوع، وَيحمل قَوْله: أَنه يفْطر، على مَا إِذا تعمد الْقَيْء.

والأوَّلُ أصَحُّ

أَي: عدم الْإِفْطَار أصح. قَالَ: الْكرْمَانِي أَو الإيناد الأول؟ قلت: هُوَ قَوْله: وَقَالَ لي يحيى بن صَالح: حَدثنَا مُعَاوِيَة بن سَلام ... إِلَى آخِره.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وعِكْرِمَةُ الْفِطْرُ مِمَّا دخَلَ ولَيْسَ مِمَّا خَرَجَ

هَذَانِ التعليقان رَوَاهُمَا ابْن أبي شيبَة. فَالْأول: قَالَ: حَدثنَا وَكِيع عَن الْأَعْمَش عَن أبي ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس فِي الْحجامَة للصَّائِم، فَقَالَ: الْفطر مِمَّا يدْخل وَلَيْسَ مِمَّا يخرج. وَالثَّانِي: رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن حُصَيْن عَن عِكْرِمَة مثله.

وكانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا يَحْتَجِمُ وهْوَ صَائِمٌ ثُمَّ تَرَكَهُ فَكانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه احْتجم وَهُوَ صَائِم، ثمَّ ترك ذَلِك فَكَانَ إِذا صَامَ لم يحتجم حَتَّى يفْطر، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا ابْن علية عَن أَيُّوب عَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ ... فَذكره، وَحدثنَا وَكِيع عَن هِشَام بن الْغَاز، وَحدثنَا ابْن إِدْرِيس عَن يزِيد عَن عبد الله عَن نَافِع بِزِيَادَة، فَلَا أَدْرِي لأي شَيْء تَركه كرهه أَو للضعف؟ وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه: وَكَانَ ابْن عمر كثير الِاحْتِيَاط، فَكَأَنَّهُ ترك الْحجامَة نَهَارا لذَلِك.

واحْتَجَمَ أبُو مُوسَى لَيْلاً

أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، اسْمه: عبد الله بن قيس، هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن أبي عدي عَن حميد عَن بكير بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن أبي الْعَالِيَة، قَالَ: دخلت على أبي مُوسَى وَهُوَ أَمِير الْبَصْرَة ممسيا فَوَجَدته يَأْكُل تَمرا وكامخا وَقد احْتجم، فَقلت لَهُ: أَلا تحتجم بنهار؟ قَالَ: أتأمرني أَن أهريق دمي وَأَنا صَائِم؟

ويُذْكَرُ عنْ سَعْدٍ وزَيْدِ بنِ أرْقَمَ وأُمِّ سَلَمَةَ احْتَجَمُوا صِياما

سعد هُوَ ابْن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة، وَزيد بن أَرقم بن زيد الْأنْصَارِيّ الخزرجي، وَأم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ، وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة. قَوْله: (صياما) أَي: صَائِمين، نصب على الْحَال، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا بِصِيغَة التمريض لسَبَب يظْهر بالتخريح. أما أثر سعد فوصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن ابْن شهَاب: أَن سعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن عمر كَانَا يحتجمان وهما صائمان، وَهَذَا مُنْقَطع عَن سعد، لَكِن ذكره أَبُو عمر من وَجه آخر عَن عَامر بن سعد عَن أَبِيه. وَأما أثر زيد بن أَرقم فوصله عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن يُونُس بن عبد الله الْجرْمِي عَن دِينَار، حجمت زيد بن أَرقم، ودينار هُوَ الْحجام مولى جرم، بِفَتْح الْجِيم: لَا يعرف إلَاّ فِي هَذَا الْأَثر. وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الْأَزْدِيّ: لَا يَصح حَدِيثه. وَأما أثر أم سَلمَة فوصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الثَّوْريّ أَيْضا عَن فرات عَن مولى أم سَلمَة: أَنه رأى أم سَلمَة تحتجم وَهِي صَائِمَة، وفرات هُوَ ابْن أبي عبد الرَّحْمَن ثِقَة، وَلَكِن مولى أم سَلمَة مَجْهُول الْحَال.

وَقَالَ بُكيرٌ عنْ أُمَّ عَلقَمَةَ كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عائِشَةَ فَلا تَنْهَى

بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن الأشح، وَاسم أم عَلْقَمَة مرْجَانَة سَمَّاهَا البُخَارِيّ، وَذكرهَا ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي تَارِيخه من طَرِيق مخرمَة بن بكير عَن أم عَلْقَمَة قَالَ: كُنَّا نحتجم عِنْد عَائِشَة وَنحن صِيَام، وَبَنُو أخي عَائِشَة فَلَا تنهاهم. قَوْله: (فَلَا تنْهى) ، بِفَتْح التَّاء المثناء من فَوق، وَسُكُون النُّون أَي: فَلَا تنْهى عَائِشَة عَن الاحتجام. ويروى: (فَلَا تُنْهَى) ، بِضَم النُّون الأولى الَّتِي للمتكلم مَعَ الْغَيْر، وَسُكُون الثَّانِيَة على صِيغَة الْمَجْهُول.

ويُرْوَى عنِ الحَسَنِ عنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعا فَقَالَ أفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ

أَي: ويروى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَقَالَ) بِالْفَاءِ، ويروى: قَالَ، بِدُونِ الْفَاء، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه روى عَن الْحسن عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وهم أَبُو هُرَيْرَة وثوبان وَمَعْقِل بن يسَار وَعلي بن أبي طَالب وَأُسَامَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ

النَّسَائِيّ قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن بشار، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَهَّاب عَن يُونُس عَن الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ،. ثمَّ قَالَ: النَّسَائِيّ، ذكر اخْتِلَاف الناقلين لخَبر أبي هُرَيْرَة فِيهِ، ثمَّ روى من حَدِيث أبي عَمْرو عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، ثمَّ قَالَ: وَقفه إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، ثمَّ روى من حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر من حَدِيث شَقِيق بن ثَوْر عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: يُقَال: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، أما أَنا فَلَو احتجمت مَا باليت، أَبُو هُرَيْرَة يَقُول هَذَا) . ثمَّ روى من حَدِيث عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَفِي لفظ عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة، وَلم يسمعهُ مِنْهُ، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَفِي لفظ عَن عَطاء عَن رجل عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) .

وَأما حَدِيث: ثَوْبَان فَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: روى حَدِيث (أفطر الحاجم والمحجوم) ، قَتَادَة عَن الْحسن عَن ثَوْبَان، وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي قلَابَة أَن أَبَا أَسمَاء الرحي حَدثهُ: أَن ثَوْبَان مولى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبرهُ أَنه سمع النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ.

وَأما حَدِيث معقل بن يسَار فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة سُلَيْمَان بن معَاذ، (عَن عَطاء بن السَّائِب، قَالَ: شهد عِنْدِي نفر من أهل الْبَصْرَة مِنْهُم الْحسن عَن معقل بن يسَار، أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رأى رجلا يحتجم وَهُوَ صَائِم، فَقَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) .

وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة سعد بن أبي عرُوبَة عَن مطر عَن الْحسن عَن عَليّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) .

وَأما حَدِيث أُسَامَة بن زيد فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة أَشْعَث بن عبد الْملك عَن الْحسن عَن أُسَامَة بن زيد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، قَالَ النَّسَائِيّ: وَلم يُتَابع أشعثَ أحدٌ علمناه على رِوَايَته. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: قد تَابعه عَلَيْهِ يُونُس بن عبيد، إلَاّ أَنه من رِوَايَة عبيد الله بن تَمام عَن يُونُس، رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (زيادات الْمسند) وَقَالَ: وَعبيد الله هَذَا فَغير حَافظ. انْتهى.

وَقد اخْتلف فِيهِ على الْحسن، فَقيل عَنهُ هَكَذَا، وَقيل: عَنهُ عَن ثَوْبَان، وَقيل: عَنهُ عَن عَليّ، وَقيل: عَنهُ عَن معقل بن يسَار، وَقيل: عَن معقل بن سِنَان، وَقيل: عَنهُ عَن أبي هُرَيْرَة، وَقيل: عَنهُ عَن سَمُرَة. قَالَ شَيخنَا: وَيُمكن أَن يكون لَيْسَ باخْتلَاف، فقد رُوِيَ عَن الْحسن عَن رجال ذَوي عدد من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ أَن بعض من سمي من الصَّحَابَة لم يسمع مِنْهُ الْحسن، مِنْهُم: عَليّ وثوبان وَأَبُو هُرَيْرَة على مَا قيل، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: حَدِيث أُسَامَة وَمَعْقِل بن سِنَان وَأبي هُرَيْرَة معلولة كلهَا، لَا يثبت مِنْهَا شَيْء من جِهَة النَّقْل.

وَاعْلَم أَنه قد رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب عَن رَافع بن خديج عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَتفرد بِهِ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وروى عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ قَالَ: لَا أعلم فِي الحاجم والمحجوم حَدِيثا أصح من هَذَا. وَأخرجه الْبَزَّار فِي (زيادات الْمسند) من طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن معمر، وَقَالَ: لَا نعلم يرْوى عَن رَافع عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَقَالَ أَحْمد: تفرد بِهِ معمر، وَرُوِيَ أَيْضا عَن شَدَّاد بن أَوْس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي قلَابَة عَن أبي الْأَشْعَث (عَن شَدَّاد بن أَوْس، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، أَتَى عليَّ رجل بِالبَقِيعِ وَهُوَ آخذ بيَدي لثماني عشر خلت من رَمَضَان، فَقَالَ: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَعَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة لَيْث عَن عَطاء عَن عَائِشَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَلَيْث هُوَ ابْن سليم مُخْتَلف فِيهِ، وَعَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة قبيصَة بن عقبَة، حَدثنَا مطر عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَرَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا، قَالَ: وَرَوَاهُ غير وَاحِد عَن مطر عَن عَطاء مُرْسلا، وَعَن أبي مُوسَى رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي رَافع، قَالَ: دخلت على أبي مُوسَى. . الحَدِيث، وَفِيه: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَعَن بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة شهر عَن بِلَال عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَعَن ابْن عمر رَوَاهُ ابْن عدي من رِوَايَة نَافِع عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَعَن ابْن مَسْعُود رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي (الضُّعَفَاء) من رِوَايَة الْأسود عَنهُ، قَالَ: (مر بِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على رجلَيْنِ يحجم أَحدهمَا الآخر،

فاغتاب أَحدهمَا وَلم يُنكر عَلَيْهِ الآخر، فَقَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَعَن جَابر رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة عَطاء عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَعَن سَمُرَة أَيْضا من رِوَايَة الْحسن عَن سَمُرَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَعَن أبي زيد الْأنْصَارِيّ رَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث أبي قلَابَة عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَعَن أبي الدَّرْدَاء ذكره النَّسَائِيّ عِنْد ذكر طرق حَدِيث عَائِشَة فِي الِاخْتِلَاف على لَيْث، وَلما روى الطَّحَاوِيّ حَدِيث أبي رَافع وَعَائِشَة وثوبان وَشَدَّاد بن أَوْس وَأبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَ: فَذهب قوم إِلَى أَن الْحجامَة تفطر الصَّائِم حاجما كَانَ أَو محجوما، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الْآثَار أَي: أَحَادِيث هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: عَطاء بن أبي رَبَاح وَالْأَوْزَاعِيّ ومسروقا وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق، فَإِنَّهُم قَالُوا: الْحجامَة لَا تفطر مُطلقًا. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا تفطر الْحجامَة حاجما أَو محجوما. قلت: أَرَادَ بهم: عَطاء بن يسَار وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَعِكْرِمَة وَزيد بن أسلم وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبا الْعَالِيَة وَأَبا حنيفَة وَأَبا يُوسُف ومحمدا ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه إلَاّ ابْن الْمُنْذر فَإِنَّهُم قَالُوا: الْحجامَة لَا تفطر، ثمَّ قَالَ: وَمِمَّنْ روينَا عَنهُ ذَلِك من الصَّحَابَة سعد بن أبي وَقاص وَالْحُسَيْن بن عَليّ وَعبد الله بن مَسْعُود وَابْن زيد وَابْن عَبَّاس وَزيد بن أَرقم وَعبد الله بن عمر وَأنس بن مَالك وَعَائِشَة وَأم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

ثمَّ أجَاب الطَّحَاوِيّ عَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة بِأَنَّهُ: لَيْسَ فِيهَا مَا يدل على أَن الْفطر الْمَذْكُور فِيهَا كَانَ لأجل الْحجامَة، بل إِنَّمَا ذَلِك كَانَ لِمَعْنى آخر، وَهُوَ: أَن الحاجم والمحجوم كَانَا يغتابان رجلا، فَلذَلِك قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا قَالَ، وَكَذَا قَالَ الشَّافِعِي، رَحمَه الله، فَحمل: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، بالغيبة على سُقُوط أجر الصَّوْم، وَجعل نَظِير ذَلِك أَن بعض الصَّحَابَة قَالَ للمتكلم يَوْم الْجُمُعَة: لَا جُمُعَة لَك، فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: صدق، وَلم يَأْمُرهُ بِالْإِعَادَةِ، فَدلَّ على أَن ذَلِك مَحْمُول على إِسْقَاط الْأجر. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَلَيْسَ إفطارهما ذَلِك كالإفطار بِالْأَكْلِ وَالشرب وَالْجِمَاع، وَلَكِن حَبط أجرهما باغتيابهما، فصارا بذلك كالمفطرين، لَا أَنه إفطار يُوجب عَلَيْهِمَا الْقَضَاء، وَهَذَا كَمَا قيل: الْكَذِب يفْطر الصَّائِم، لَيْسَ يُرَاد بِهِ الْفطر الَّذِي يُوجب الْقَضَاء، إِنَّمَا هُوَ على حبوط الْأجر. قَالَ: وَهَذَا كَمَا يَقُول: فسق الْقَائِم، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه فسق لأجل قِيَامه، وَلكنه فسق لِمَعْنى آخر غير الْقيام، ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: إِنَّا كرهنا الْحجامَة للصَّائِم من أحل الضعْف، وروى أَيْضا عَن حميد قَالَ سَأَلَ ثَابتا الْبنانِيّ أنس بن مَالك هَل كُنْتُم تَكْرَهُونَ الْحجامَة للصَّائِم؟ قَالَ: لَا إِلَّا من أجل الضعْف وَرُوِيَ أَيْضا عَن جَابر بن أبي جَعْفَر وَسَالم عَن سعيد ومغيرة عَن إِبْرَاهِيم وَلَيْث عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِنَّمَا كرهت الْحجامَة للصَّائِم مَخَافَة الضعْف. انْتهى.

وَقد ذكرت وُجُوه أُخْرَى. مِنْهَا مَا قيل: إِن فِيهَا التَّعَرُّض للإفطار، أما المحجوم فللضعف وَأما الحاجم فَلِأَنَّهُ لَا يُؤمن أَن يصل إِلَى جَوْفه من طعم الدَّم، وَهَذَا كَمَا يُقَال للرجل يتَعَرَّض للهلاك: قد هلك فلَان، وَإِن كَانَ سالما، وَكَقَوْلِه: من جعل قَاضِيا فقد ذبح بِغَيْر سكين، يُرِيد أَنه قد تعرض للذبح لَا أَنه ذبح حَقِيقَة. وَمِنْهَا مَا قيل: إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بهما مسَاء، فَقَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، فَكَأَنَّهُ عُذْرهمَا بِهَذَا، أَو كَانَا أمسيا ودخلا فِي وَقت الْإِفْطَار، قَالَه الْخطابِيّ. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن هَذَا على التَّغْلِيظ لَهما، كَقَوْلِه: (من صَامَ الدَّهْر لَا صَامَ وَلَا أفطر) . وَمِنْهَا مَا قيل: إِن مَعْنَاهُ: جَازَ لَهما أَن يفطرا كَقَوْلِه: أحصد الزَّرْع، إِذا حَان أَن يحصد. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن أَحَادِيث الحاجم والمحجوم مَنْسُوخَة بِحَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

وَقَالَ لِي عَيَّاش قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الأعْلَى قَالَ حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ قِيلَ لَهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ الله أعلم

عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: ابْن الْوَلِيد الرقام الْقطَّان، أَبُو الْوَلِيد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْأَعْلَى ابْن عبد الْأَعْلَى الشَّامي الْقرشِي الْبَصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ بن عبيد بن دِينَار الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ، يروي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ والإسناد كُله بصريون.

قَوْله: (مثله) ، أَي: مثل مَا ذكر من (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه، قَالَ: حَدثنِي عَيَّاش ... فَذكره. قَوْله: (قيل لَهُ) أَي: الْحسن (عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الَّذِي تحدث بِهِ من أفطر

الحاجم والمحجوم؟ ، قَالَ: نعم من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَشَارَ بقوله: (الله أعلم) إِلَى أَنه ترددا فِي ذَلِك وَلم يجْزم بِالرَّفْع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: (وَالله أعلم) ، يسْتَعْمل فِي مقَام التَّرَدُّد، وَلَفظ: نعم، حَيْثُ قَالَ أَولا يدل على الْجَزْم. ثمَّ قَالَ: قلت: جزم حَيْثُ سَمعه مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَحَيْثُ كَانَ خبر الْوَاحِد غير مُفِيد لليقين أظهر التَّرَدُّد فِيهِ، أَو حصل لَهُ بعد الْجَزْم تردد، أَو لَا يلْزم أَن يكون اسْتِعْمَاله للتردد. وَالله أعلم. وَقَالَ بَعضهم: وَحمل الْكرْمَانِي مَا جزمه على وثوقه بِخَبَر من أخبر بِهِ، وتردده لكَونه خبر وَاحِد فَلَا يُفِيد الْيَقِين، وَهُوَ حمل فِي غَايَة الْبعد. انْتهى. قلت: استبعاده فِي غَايَة الْبعد، لِأَن من سمع خَبرا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من رُوَاة ثِقَات يجْزم بِصِحَّتِهِ، ثمَّ إِنَّه إِذا نظر إِلَى كَونه أَنه خبر وَاحِد وَأَنه لَا يُفِيد الْيَقِين يحصل لَهُ التَّرَدُّد بِلَا شكّ، وَقد أجَاب الْكرْمَانِي بِثَلَاثَة أجوبة، فجَاء هَذَا الْقَائِل واستبعد أحد الْأَجْوِبَة من غير بَيَان وَجه الْبعد، وَسكت عَن الآخرين.

٨٣٩١ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ أيُّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتَجَمَ وهْوَ مُحرِمٌ واحْتَجَمَ وهْوَ صَائِمٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا، فمعلى، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة، مر فِي الْحيض، ووهيب تَصْغِير وهب مر غير مرّة، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ كَذَلِك.

والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة عبد الْوَارِث وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد مُتَّصِلا، ومرسلاً من غير ذكر ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ مُرْسلا من رِوَايَة إِسْمَاعِيل ابْن علية وَمعمر عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة، وَمن رِوَايَة جَعْفَر بن ربيعَة عَن عِكْرِمَة مُرْسلا، وروى التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة مقسم (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، احْتجم فِيمَا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَهُوَ محرم صَائِم) . وَرَوَاهُ من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن حبيب بن الشَّهِيد عَن مَيْمُون بن مهْرَان (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، احْتجم وَهُوَ صَائِم) . وَقَالَ: هدا حَدِيث حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد التِّرْمِذِيّ وَزَاد: وَهُوَ محرم، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر لَا أعلم أحدا رَوَاهُ عَن حبيب غير الْأنْصَارِيّ، وَلَعَلَّه أَرَادَ أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، تزوج مَيْمُونَة.

وَقَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي سعيد وَجَابِر وَأنس قلت: وَعَن ابْن عمر أَيْضا وَعَائِشَة ومعاذ وَأبي مُوسَى. أما حَدِيث أبي سعيد فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي المتَوَكل (عَن أبي سعيد، قَالَ: رخص رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الْقبْلَة للصَّائِم والحجامة) . وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة أبي الزبير عَنهُ: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، احْتجم وَهُوَ صَائِم) . وَأما حَدِيث أنس فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة ثَابت عَنهُ وَفِيه: (ثمَّ رخص النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بعد فِي الْحجامَة للصَّائِم) . وَأما حَدِيث ابْن عمر فَرَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة نَافِع عَنهُ قَالَ: (احْتجم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ صَائِم محرم، وَأعْطى الْحجام أجره) . وَأما حَدِيث عَائِشَة فَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَنْهَا: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتجم وَهُوَ صَائِم) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث بَاطِل، وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز ضَعِيف. وَأما حَدِيث معَاذ فَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي (الضُّعَفَاء) من حَدِيث جُبَير بن نفير عَنهُ (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتجم وَهُوَ صَائِم) . وَأما حَدِيث أبي مُوسَى فَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول وَهُوَ مُحَمَّد بن سَلمَة فِي الحَدِيث الَّذِي يرويهِ عَن زِيَاد بن أبي مَرْيَم أَنه دخل على أبي مُوسَى وَهُوَ يحتجم وَهُوَ صَائِم، وَقد مر حَدِيث أبي مُوسَى فِي هَذَا الْبَاب، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة. وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن أَحَادِيث: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، مَنْسُوخَة.

قَالَ الْمُنْذِرِيّ: حَدِيث ابْن عَبَّاس نَاسخ، لِأَن فِي حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي عَام الْفَتْح فِي رَمَضَان لرجل كَانَ يحتجم: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَالْفَتْح كَانَ فِي سنة ثَمَان. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع فِي سنة عشر فَهُوَ مُتَأَخّر ينْسَخ الْمُتَقَدّم، فَإِن ابْن عَبَّاس لم يصحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ محرم إلَاّ فِي حجَّة الْإِسْلَام، وَفِي حجَّة الْفَتْح لم يكن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم محرما، وَقد أَشَارَ الإِمَام الشَّافِعِي إِلَى هَذَا. وَمِمَّا يُصَرح فِيهِ بالنسخ حَدِيث أنس بن مَالك، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ: حَدثنَا عمر بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم النَّيْسَابُورِي، حَدثنَا مُحَمَّد بن خَالِد بن زيد الرَّاسِبِي حَدثنَا

مَسْعُود بن جويرة: حَدثنَا الْمعَافي بن عمرَان عَن ياسين الزيات عَن يزِيد الرقاشِي (عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتجم وَهُوَ صَائِم بَعْدَمَا قَالَ: أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَهَذَا صَرِيح بانتساخ حَدِيث: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَاعْترض ابْن خُزَيْمَة بِأَن فِي هَذَا الحَدِيث يَعْنِي حَدِيث الْبَاب أَنه كَانَ صَائِما محرما. قَالَ: وَلم يكن قطّ محرما مُقيما بِبَلَدِهِ، إِنَّمَا كَانَ محرما وَهُوَ مُسَافر، وللمسافر إِن كَانَ نَاوِيا للصَّوْم فَمضى عَلَيْهِ بعض النَّهَار وَهُوَ صَائِم، الْأكل وَالشرب على الصَّحِيح، فَإِذا جَازَ لَهُ ذَلِك جَازَ لَهُ أَن يحتجم وَهُوَ مُسَافر. قَالَ: وَلَيْسَ فِي خبر ابْن عَبَّاس مَا يدل على إفطار المحجوم، فضلا عَن الحاجم. وَأجِيب: بِأَن الحَدِيث مَا ورد هَكَذَا إلَاّ لفائدة، فَالظَّاهِر أَنه وجدت مِنْهُ الْحجامَة وَهُوَ صَائِم لم يتَحَلَّل من صَوْمه، وَاسْتمرّ. وَقَالَ ابْن حزم: صَحَّ حَدِيث (أفطر الحاجم والمحجوم) ، بِلَا ريب فِيهِ، لَكِن وجدنَا من حَدِيث أبي سعيد (أرخص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم محرما فِي الْحجامَة للصَّائِم) ، وَإِسْنَاده صَحِيح، فَوَجَبَ الْأَخْذ بِهِ لِأَن الرُّخْصَة إِنَّمَا تكون بعد الْعَزِيمَة، فَدلَّ على نسخ الْفطر بالحجامة سَوَاء كَانَ حاجما أَو محجوما، وَقد مر حَدِيث أبي سعيد عَن قريب.

٩٣٩١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ احْتَجَمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ صَائِمٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: اسْمه عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد، وَعبد الْوَارِث ابْن سعيد التَّمِيمِي الْعَنْبَري مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَهَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من عشر طرق، وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث ... إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: حَدثنَا الْحسن حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة، فَلم يذكر ابْن عَبَّاس. وَاخْتلف على حَمَّاد بن زيد فِي وَصله وإرساله، وَقد بَين ذَلِك النَّسَائِيّ، وَقَالَ مهنا: سَأَلت أَحْمد عَن هَذَا الحَدِيث؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ صَائِم، إِنَّمَا هُوَ: وَهُوَ محرم، ثمَّ سَاق من طرق ابْن عَبَّاس، لَكِن لَيْسَ فِيهَا طَرِيق أَيُّوب هَذِه، والْحَدِيث صَحِيح لَا شكّ فِيهِ، وروى ابْن سعد فِي كِتَابه: عَن هَاشم بن الْقَاسِم عَن شُعْبَة عَن الْحَاكِم (عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، احْتجم بالقاحة وَهُوَ صَائِم) . قلت: القاحة، بِالْقَافِ والحاء الْمُهْملَة: على ثَلَاثَة مراحل من الْمَدِينَة قبل السقيا بِنَحْوِ ميل.

٠٤٩١ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ ثَابتا الْبُنَانيَّ يَسْألُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ قَالَ لَا إلَاّ مِنْ أجْلِ الضَّعْفِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد مروا غير مرّة.

قَوْله: (الْبنانِيّ) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين الأولى مَفْتُوحَة وَالثَّانيَِة مَكْسُورَة، نِسْبَة إِلَى بنانة وهم ولد سعد بن لؤَي. قَوْله: (يسْأَل) على صُورَة الْمُضَارع الْمَبْنِيّ للْفَاعِل، وَهُوَ رِوَايَة أبي الْوَقْت وَهَذَا غلط، لِأَن شُعْبَة مَا حضر سُؤال ثَابت عَن أنس، وَقد سقط مِنْهُ: رجل، بَين شُعْبَة وثابت، فَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق جَعْفَر بن مُحَمَّد القلانسي وَأبي قرصافة مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب وَإِبْرَاهِيم بن الْحُسَيْن بن يزِيد، كلهم عَن آدم ابْن أبي إِيَاس شيخ البُخَارِيّ فِيهِ مقَال عَن شُعْبَة عَن حميد، قَالَ: سَمِعت ثَابتا وَهُوَ يسْأَل أنس بن مَالك، فَذكر الحَدِيث، وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَيْهَقِيّ إِلَى أَن الرِّوَايَة الَّتِي وَقعت للْبُخَارِيّ خطأ، وَأَنه سقط مِنْهُ: حميد قلت: الْخَطَأ من غير البُخَارِيّ لِأَنَّهُ كَانَ يعلم أَن شُعْبَة لم يحضر سُؤال ثَابت عَن أنس وَلَا أدْرك أنسا، وَأكْثر أصُول البُخَارِيّ سَمِعت ثَابتا الْبنانِيّ قَالَ: سَأَلَ أنس بن مَالك.

وزَادَ شَبابَةُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

شَبابَة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وبالباءين الموحدتين أولاهما خَفِيفَة: وَهُوَ ابْن سوار الْفَزارِيّ مَوْلَاهُم أَبُو عَمْرو الْمَدَائِنِي، أَصله من خُرَاسَان. وَيُقَال: اسْمه مَرْوَان، وَإِنَّمَا غلب عَلَيْهِ شَبابَة، وَهَذِه الزِّيَادَة أخرجهَا ابْن مَنْدَه فِي (غرائب شُعْبَة) فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

الصَّلَاةِ مِنَ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ كَنَشْرِ الْعِلْمِ، وَفِيهِ جَوَازُ الضَّحِكِ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَإِخْبَارُ الرَّجُلِ بِمَا يَقَعُ مِنْهُ مَعَ أَهْلِهِ لِلْحَاجَةِ. وَفِيهِ الْحَلِفُ لِتَأْكِيدِ الْكَلَامِ، وَقَبُولُ قَوْلِ الْمُكَلَّفِ مِمَّا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ لِقَوْلِهِ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: أَفْقَرَ مِنَّا: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ لِصِدْقِهِ. وَفِيهِ التَّعَاوُنُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَالسَّعْيُ فِي إِخْلَاصِ الْمُسْلِمِ، وَإِعْطَاءُ الْوَاحِدِ فَوْقَ حَاجَتِهِ الرَّاهِنَةِ، وَإِعْطَاءُ الْكَفَّارَةِ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ الْمُضْطَرَّ إِلَى مَا بِيَدِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَوْ بَعْضَهُ لِمُضْطَرٍّ آخَرَ.

٣١ - بَاب الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ

١٩٣٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ الْأَخِرَ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ: أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رَقَبَةً؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ وَهُوَ الزَّبِيلُ قَالَ: أَطْعِمْ هَذَا عَنْكَ قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا؟ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ: فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ

قَوْلُهُ: (بَابٌ: الْمُجَامِعُ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ)؟ يَعْنِي: أَمْ لَا؟ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَالَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا آذَنَتْ بِأَنَّ الْإِعْسَارَ بِالْكَفَّارَةِ لَا يُسْقِطُهَا عَنِ الذِّمَّةِ لِقَوْلِهِ فِيهَا: إِذَا جَامَعَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فَتُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَلْيُكَفِّرْ وَالثَّانِيَةُ تَرَدَّدَتْ هَلِ الْمَأْذُونُ لَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ نَفْسُ الْكَفَّارَةِ أَمْ لَا؟ وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ لَفْظُ التَّرْجَمَةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مَنْصُورٍ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ.

قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِ مَنْصُورٍ عَنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَخَالَفَهُ مِهْرَانُ بْنُ أَبِي عُمَرَ فَرَوَاهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَقَالَ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بَدَلَ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ وَالْمَحْفُوظُ الْأَوَّلُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ الْأَخِرَ) بِهَمْزَةٍ غَيْرِ مَمْدُودَةٍ بَعْدَهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ، تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَكَى ابْنُ الْقُوطِيَّةِ فِيهِ مَدَّ الْهَمْزَةِ.

قَوْلُهُ: (أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرَ رَقَبَةً)؟ بِالنَّصْبِ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ لَفْظِ مَا وَهِيَ مَفْعُولٌ بِـ تَجِدُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَقَدْ تَقَدَّمَ بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدِ اعْتَنَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ أَدْرَكَهُ شُيُوخُنَا فَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ فِي مُجَلَّدَيْنِ جَمَعَ فِيهِمَا أَلْفَ فَائِدَةٍ وَفَائِدَةً، وَمُحَصَّلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَخَّصْتُهُ مَعَ زِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ عَلَيْهِ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَنْعَمَ.

٣٢ - بَاب الْحِجَامَةِ وَالْقَيْءِ لِلصَّائِمِ

وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ : إِذَا قَاءَ فَلَا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولِجُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ: الصَّوْمُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وأكثر. انتهى. فمن ذلك: أنَّ من ارتكب معصيةً لا حدَّ فيها وجاء مستفتيًا أنَّه لا يُعاقَب لأنَّه (١) لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية لأنَّ معاقبة المستفتي تكون سببًا لترك الاستفتاء من النَّاس عند وقوعهم في ذلك، وهذه مفسدةٌ عظيمةٌ يجب دفعها.

وفي هذا الحديث: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواه ما ينيف على (٢) أربعين نفسًا عن الزُّهريِّ عن حُمَيدٍ عن أبي هريرة يطول ذكرهم، وقد أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّوم» [خ¦١٩٣٧] و (٣) «الأدب» [خ¦٦٠٨٧] و «النَّفقات» [خ¦٥٣٦٨] و «النُّذور» (٤) [خ¦٦٧٠٩] و «المحاربين» [خ¦٦٨٢١]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.

(٣١) (بابُ) حكم الصَّائم (المُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ؛ هَلْ يُطْعِمُ أَهْلَهُ مِنَ الكَفَّارَةِ إِذَا كَانُوا مَحَاوِيجَ) أم لا؟ قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا منافاة بين هذه التَّرجمة والتي قبلها لأنَّ التي قبلها آذنت بأنَّ الإعسار بالكفَّارة لا يسقطها عن الذِّمَّة لقوله فيها: «إذا جامع ولم يكن له شيءٌ فتُصدِّق عليه فليُكفِّر»، والثَّانية تردَّدت هل المأذون له بالتَّصرُّف فيه نفس الكفَّارة أم لا؟ وعلى هذا يتنزَّل لفظ التَّرجمة.

١٩٣٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) نسبه (٥) لجدِّه، وأبوه محمَّدٌ، وهو أخو أبي بكر

ابن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هو (١) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ الزُّهريِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) أنَّه قال: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: إِنَّ الأَخِرَ) بقصر الهمزة وكسر الخاء المعجمة بوزن «كَتِفِ» أي: من هو في آخر القوم (وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ) أي: جامعها (فِي) نهار (رَمَضَانَ، فَقَالَ) له: (أَتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ) أي: تعتق به (٢) (رَقَبَةً؟) بالنَّصب مفعول «تحرِّر» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد (قَالَ) : (فَتَسْتَطِيعُ (٣) أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ) الرَّجل: (لَا) أستطيع (قَالَ) : (أَفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟) وسقط لأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر لفظ «به» (قَالَ) الرَّجل: (لَا) أجد (قَالَ) أبو هريرة: (فَأُتِيَ النَّبِيُّ ) بضمِّ الهمزة وكسر الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول (بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ) من تمر الصَّدقة (وَهُوَ) أي: العرق (الزَّبِيلُ) بفتح الزَّاي وكسر المُوحَّدة المُخفَّفة: القفَّة، وفي نسخةٍ: «الزَّنبيل» بالنُّون (قَالَ) للرَّجل: (أَطْعِمْ هَذَا) التَّمر (عَنْكَ) ولابن إسحاق: فتصدَّق به عن نفسك، واستدلَّ به على أنَّ الكفَّارة عليه وحده دون الموطوءة؛ إذ لم يُؤمَر بها إلَّا هو مع الحاجة إلى البيان، ولنقصان صومها بتعرُّضه (٤) للبطلان بعروض الحيض أو نحوه، فلم تكمل (٥) حرمته حتَّى تتعلَّق به الكفَّارة، ولأنَّها غرمٌ ماليٌّ يتعلَّق بالجماع فيختصُّ بالرَّجل الواطئ كالمهر، لا يجب (٦) على الموطوءة،

وقال المالكيَّة: إذا وطئ أَمَتَهُ في نهار رمضان وجبت عليه كفَّارتان: إحداهما: عن نفسه، والأخرى: عن الأَمَة وإن طاوعته لأنَّ مُطاوَعتها كالإكراه للرِّقِّ، وكذلك يكفِّر عن الزَّوجة إن أكرهها على الجماع، وتكفيره عنهما بطريق النِّيابة عنهما لا بطريق الأصالة؛ فلذلك لا يكفِّر عنهما إلَّا بما يجزئهما في التَّكفير، فيكفِّر عن الأَمَة بالإطعام لا بالعتق؛ إذ لا ولاء لها، ولا بالصَّوم لأنَّ الصَّوم لا يقبل النِّيابة، ويكفِّر عن الزَّوجة الحرَّة بالعتق أو الإطعام، فإن أعسر كفَّرت الزَّوجة عن نفسها، ورجعت عليه إذا أيسر بالأقلِّ من قيمة الرَّقبة التي أعتقت أو مكيلة الطَّعام، وأوجبها الحنفيَّة على المرأة المطاوعة لأنَّها شاركت الرَّجل في الإفساد فتشاركه في وجوب الكفَّارة، أي: سواءٌ كانت زوجةً أو أمةً، وقال الحنابلة: ولا يلزم المرأة كفَّارةٌ مع العذر، قال المرداويُّ: نصَّ عليه وعليه (١) أكثر الأصحاب، وعنه: تكفِّر وترجع بها على الزَّوج، اختاره بعض الأصحاب، وهو الصَّواب. انتهى. وأمَّا حديث الدَّارقُطنيِّ عن أبي ثورٍ قال: حدَّثنا مُعلَّى بن منصورٍ قال: حدَّثنا سفيان بن عيينة عن الزُّهريِّ عن حُمَيدٍ عن أبي هريرة قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ فقال: هلكت وأهلكت … الحديثَ؛ فقد تفرَّد به أبو ثورٍ عن مُعلَّى بن منصورٍ عن ابن عيينة بقوله: «وأهلكت»، وأخرجه البيهقيُّ عن جماعةٍ عن الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ به (٢)، وفيه قولُه: «وأهلكتُ» وقال (٣): ضعَّف شيخنا أبو عبد الله الحاكم هذه اللَّفظة، وكافَّة أصحاب الأوزاعيِّ روَوْه دونها، واستدلَّ الحاكم على أنَّها خطأٌ: بأنَّه نظر في «كتاب الصَّوم» -تصنيف المُعلَّى بن منصورٍ- فوجد فيه هذا الحديث دون هذه اللَّفظة، وأنَّ (٤) كافَّة أصحاب سفيان روَوْه دونها.

(قَالَ) الرَّجل: أتصدَّق به (عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا؟) بحذف همزة الاستفهام، والفعل الذي يتعلَّق به الجارُّ لدلالة قوله: «أطعمْ هذا عنك»، وهو استفهامٌ تعجبيٌّ، أي: ليس (٥) أحدٌ أفقرَ منَّا حتَّى

أتصدَّق به عليه (مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا) وفي الرِّواية السَّابقة [خ¦١٩٣٦] «فوالله ما بين لابتيها» (أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا، قَالَ) : (فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) قيل: أراد بهم من لا تلزمه نفقتهم من أقاربه، وهو قول بعض الشَّافعيَّة، ورُدَّ بقوله في الرِّواية الأخرى [خ¦٦٧٠٩] «عيالك»، وبالأخرى المصرِّحة بالإذن له في الأكل من ذلك، وقيل: هو خاصٌّ بهذا الرَّجل، وإليه نحا إمام الحرمين، وعُورِض بأنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة، وقيل: هو منسوخٌ، ولم يعيِّن (١) قائلُه ناسخَه، وقال الشَّافعيُّ في «الأمِّ»: يحتمل أنَّه لمَّا أخبره بفقره صَرَفَه له صدقةً، أو أنَّه ملَّكه إيَّاه وأمره (٢) بالتَّصدُّق به، فلمَّا أخبره بفقره أذن له في صرفها لهم؛ للإعلام بأنَّها إنَّما تجب بعد الكفاية، أو أنَّه تطوَّع بالتَّكفير به عنه بإذنه، وسوَّغ له صرفها لأهله للإعلام بأنَّ لغير المكفِّر التَّطوُّع بالتَّكفير عنه بإذنه، وأنَّ له صرفها لأهل المُكفَّر عنه، فأمَّا أنَّ الشَّخص يكفِّر عن نفسه ويصرف إلى أهله فلا.

(٣٢) (بابُ) حكم (الحِجَامَةِ وَالقَيْءِ لِلصَّائِمِ).

قال المؤلِّف بالسَّند السَّابق: (وَقَالَ لِي يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ) الوَُِحاظيُّ الحمصيُّ: (حَدَّثَنَا

مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) بتشديد اللَّام، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) هو ابن أبي كثيرٍ (عَنْ عُمَرَ) بضمِّ العين وفتح الميم (بْنِ الحَكَمِ) بفتح الحاء والكاف (بْنِ ثَوْبَانَ) بالمُثلَّثة والمُوحَّدة المفتوحتين المدنيِّ أنَّه (سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ) يقول: (إِذَا قَاءَ) الصَّائم بغير اختياره بأن غلبه (فَلَا يُفْطِرُ) لأنَّ القيء (إِنَّمَا يُخْرِجُ) من الخروج (وَلَا يُولِجُ) من الإيلاج؛ يعني: أنَّ الصِّيام لا يُنقَض إلَّا بشيءٍ يدخل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ -ممَّا في «الفتح» -: «إنَّه» (١) أي: القيء «يُخرِج ولا يُولِج» وهذا منقوضٌ بالمنيِّ فإنَّه يخرج، وهو موجبٌ للقضاء والكفَّارة.

(وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّهُ يُفْطِرُ) أي: إذا تعمَّد القيء، وإن لم يعد شيء منهٌ إلى جوفه، فهو محمولٌ على حديثه المرفوع المرويِّ عند المؤلِّف في «تاريخه الكبير» بلفظ: «مَنْ ذَرَعه القيء وهو صائمٌ فليس عليه القضاء (٢)، وإن استقاء فليقض» لكن ضعَّفه المؤلِّف، ورواه أصحاب «السُّنن الأربعة»، وقال التِّرمذيُّ: والعمل عند أهل العلم عليه، وبه يقول الشَّافعيُّ وسفيان الثَّوريُّ وأحمد وإسحاق، وقد صحَّحه الحاكم وقال: على شرط الشَّيخين وابن حبَّان، وقال الحنفيَّة: ولا يجب القضاء بغلبة القيء عليه، وخروجه من فمه، قلَّ أو كثر، لا تعمُّده؛ فإنَّه يفسده وعليه القضاء، ويعتبر أبو يوسف في إفساده امتلاء الفم في التَّعمُّد وفي عوده إلى الدَّاخل، سواءٌ أعاده أو لم يعده لوجوب القضاء لأنَّه إذا كان ملء الفم يُعدَّ خارجًا لانتقاض الطَّهارة به، فيفسد الصَّوم، وإذا عاد حال كونه ملء الفم يُعَدُّ داخلًا لسبق اتِّصافه بالخروج حكمًا، ولا كذلك إذا لم يملأه فلا يفسد، واعتبر محمَّد بن الحسن قصد الصَّائم وفعله في ابتداء القيء وفي عوده، سواءٌ كان ملء الفم أو لم يكن لقوله (٣): «من استقاء عمدًا فعليه القضاء» من غير فصلٍ بين القليل والكثير، وإذا أعاده يوجد منه الصُّنع في الإدخال إلى

الجوف، فيفسد به صومه وإن قلَّ القيء، وخلاصة المفهوم ممَّا سبق: أنَّ في صورة الاستقاءة (١) يفسد الصَّوم عند أبي يوسف إذا كان ملء الفم، سواءٌ عاد القيء بعده أو لم يَعُد أو أعاده؛ لاتِّصافه بالخروج، وعند محمد: يفسد على كلِّ الأحوال؛ لوجود التَّعمُّد فيه (٢)، وأمَّا إذا غلبه القيء: فإن كان ملء الفم يفسد عند أبي يوسف، عاد أو أعاده لِمَا (٣) مرَّ، وعند محمد: لا يفسد إذا عاد أو لم يعد لانعدام الصُّنع منه، ويفسد إذا أعاد، وإن لم يكن ملء الفم لا يفسد إذا عاد أو لم يعد اتِّفاقًا، ويفسد عند محمَّدٍ إذا أعاده (وَالأَوَّلُ) القائل: إنَّه لا يفطر (أَصَحُّ).

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ) ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (الصَّوْمُ) أي: الإمساك واجبٌ (مِمَّا دَخَلَ) في الجوف (وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر في نسخةٍ: «الفطر» بدل قوله: «الصَّوم».

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ) ممَّا وصله مالكٌ في «المُوطَّأ» (يَحْتَجِمُ، وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ، فَكَانَ يَحْتَجِمُ) وهو صائمٌ (بِاللَّيْلِ) لأجل الضَّعف (وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريُّ فيما وصله ابن أبي شيبة (لَيْلًا).

(وَيُذْكَرُ) مبنيًّا للمفعول (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين ابن أبي وقَّاصٍ أحد العشرة، ممَّا وصله مالكٌ في «مُوطَّئه» (٤) وفيه انقطاعٌ، لكن ذكره ابن عبد البرِّ من وجهٍ آخر (وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ) الأنصاريِّ ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق (وَأُمِّ سَلَمَةَ) أمِّ المؤمنين ممَّا وصله ابن أبي شيبة: أنَّهم الثَّلاثة (احْتَجَمُوا) حال كونهم (صِيَامًا).

(وَقَالَ بُكَيْرٌ) بضمِّ المُوحَّدة وفتح الكاف، ابن عبد الله بن الأشجِّ (عَنْ أُمِّ عَلْقَمَةَ) مرجانة كما سمَّاها البخاريُّ، وذكرها ابن حبَّان في «الثِّقات»، ووصل هذا المؤلِّف في «تاريخه»: أنَّها قالت: (كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ) ، أي: ونحن صيامٌ (فَلَا تَنْهَى) عائشة عن ذلك، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «فلا نُنْهَى» بضمِّ النُّون الأولى التي للمتكلِّم ومعه (٥) غيره وسكون الثَّانية على صيغة المجهول.

(وَيُرْوَى) مبنيًّا للمفعول (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ (عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ) من الصَّحابة، وهم شدَّاد ابن أوسٍ وأسامة بن زيدٍ وأبو هريرة وثوبان ومعقل بن يسار، ويحتمل أنَّه سمعه (١) من كلِّهم (مَرْفُوعًا) إلى النَّبيِّ (فَقَالَ) بالفاء، وفي (٢) بعض الأصول: «وقال» ولأبي ذرٍّ: إسقاطهما (٣): (أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ) وصله النَّسائيُّ من طرقٍ عن أبي حُرَّة (٤) عن الحسن، وقال عليُّ بن المدينيِّ: رواه (٥) يونس عن الحسن، وقد أخذ بظاهره أحمد : أنَّهما يفطران، وعليه جماهير أصحابه، وهو من المفردات، وعنه: إن علما بالنَّهي أفطرا، وإلَّا فلا، وقال في الفروع: ظاهر كلام أحمد والأصحاب أنَّه لا فطر إن لم يظهر دمٌ، قال وهو متَّجهٌ (٦)، واختاره شيخنا وضعَّف خلافه، ولو خرج الدَّم بنفسه لغير التَّداوي بدل الحجامة لم يفطر. انتهى. وقال الأئمَّة الثَّلاثة: لا يفطر لما سيأتي، وحملوا الحديث -كما قال البغويُّ- على معنى: أنَّهما تعرَّضا للإفطار، المحجوم للضَّعف، والحاجم لأنَّه لا يأمن (٧) أن يصل إلى جوفه شيءٌ بمصِّ المحجم، لكنَّ الحديث قد تُكلِّم فيه، فقال الدَّارقُطنيُّ في «العلل»: اختُلِف على عطاء بن السَّائب في الصَّحابيِّ، وكذا اختُلِف على يونس أيضًا.

قال المؤلِّف: (وَقَالَ لِي عَيَّاشٌ) بمُثنَّاةٍ تحتيَّةٍ ومعجمةٍ ابن الوليد الرَّقَّام البصريُّ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السَّاميُّ القرشيُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا يُونُسُ) هو ابن عبيد بن دينارٍ البصريُّ التَّابعيُّ (عَنِ الحَسَنِ) البصريِّ التَّابعيِّ (مِثْلَهُ) أي: مثل السَّابق: «أفطر الحاجم والمحجوم»، وقد أخرجه المؤلِّف في «تاريخه»، والبيهقيُّ من طريقه (قِيلَ لَهُ) أي: للحسن: (عَنِ النَّبِيِّ ) الذي يحدِّث به: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟ (قَالَ: نَعَمْ) عنه (ثُمَّ قَالَ) متردِّدًا بعد الجزم: (اللهُ أَعْلَمُ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وُجُوهًا كَثِيرَة كلهَا لَا تقاوم مَا ورد فِي الحَدِيث من تَقْدِيم الْعتْق على الصّيام، ثمَّ الْإِطْعَام.

وَفِيه: أَن الْكَفَّارَة بالخصال الثَّلَاث على التَّرْتِيب الْمَذْكُور، قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: لِأَنَّهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، نَقله من أَمر بعد عَدمه إِلَى أَمر آخر، وَلَيْسَ هَذَا شَأْن التَّخْيِير. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: ترَتّب الثَّانِي بِالْفَاءِ على فقد الأول، ثمَّ الثَّالِث بِالْفَاءِ على فقد الثَّانِي، يدل على عدم التَّخْيِير، مَعَ كَونهَا فِي معرض الْبَيَان وَجَوَاب السُّؤَال، فَينزل منزلَة الشَّرْط الْمُحكم. وَقيل: سلك الْجُمْهُور فِي ذَلِك مَسْلَك التَّرْجِيح بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب عَن الزُّهْرِيّ أَكثر مِمَّن روى التَّخْيِير، وَاعْترض ابْن التِّين بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب ابْن عُيَيْنَة وَمعمر وَالْأَوْزَاعِيّ، وَالَّذين رووا التَّخْيِير مَالك وَابْن جريج وفليح بن سُلَيْمَان وَعمر بن عُثْمَان المَخْزُومِي، وَأجِيب: بِأَن الَّذين رووا التَّرْتِيب عَن الزُّهْرِيّ ثَلَاثُونَ نفسا أَو أَكثر، وَرجح التَّرْتِيب أَيْضا بِأَن رَاوِيه حكى لفظ الْقِصَّة على وَجههَا فمعه زِيَادَة علم من صُورَة الْوَاقِعَة، وراوي التَّخْيِير حكى لفظ رَاوِي الحَدِيث، فَدلَّ على أَنه من تصرف بعض الروَاة إِمَّا لقصد الِاخْتِصَار أَو لغير ذَلِك، ويترجح التَّرْتِيب أَيْضا بِأَنَّهُ أحوط. وَحمل الْمُهلب والقرطبي الْأَمر على التَّعَدُّد، وَهُوَ بعيد، لِأَن الْقِصَّة وَاحِدَة وَالْأَصْل عدم التَّعَدُّد، وَحمل بَعضهم التَّرْتِيب على الْأَوْلَوِيَّة والتخيير على الْجَوَاز.

وَفِيه: إِعَانَة الْمُعسر فِي الْكَفَّارَة، وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ فِي النذور. وَفِيه: إِعْطَاء الْقَرِيب من الْكَفَّارَة، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ البُخَارِيّ فِي النذور. وَفِيه: إِعْطَاء الْقَرِيب من الْكَفَّارَة وَبَوَّبَ عَلَيْهِ البُخَارِيّ أَيْضا. وَفِيه: أَن الْهِبَة وَالصَّدَََقَة لَا يحْتَاج فيهمَا إِلَى الْقبُول بِاللَّفْظِ بل الْقَبْض كَاف، وَعَلِيهِ بوب البُخَارِيّ أَيْضا. وَفِيه: أَن الْكَفَّارَة لَا تجب إلَاّ بعد نَفَقَة من تجب عَلَيْهِ، وَقد بوب عَلَيْهِ البُخَارِيّ أَيْضا فِي النَّفَقَات. وَفِيه: جَوَاز الْمُبَالغَة فِي الضحك عِنْد التَّعَجُّب لقَوْله: (حَتَّى بَدَت أنيابه) . وَفِيه: جَوَاز قَول الرجل فِي الْجَواب: وَيحك، أَو: وَيلك. وَفِيه: جَوَاز الْحلف بِاللَّه وَصِفَاته، وَإِن لم يسْتَحْلف كَمَا فِي البُخَارِيّ. وَغَيره، (وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (وَالله مَا بَين لابتيها) إِلَى آخِره. وَفِيه: أَن القَوْل قَول الْفَقِير أَو الْمِسْكِين وَجَوَاز عطائه مِمَّا يسْتَحقّهُ الْفُقَرَاء لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يكلفه الْبَيِّنَة حِين ادّعى أَنه مَا بَين لابتي الْمَدِينَة أهل بَيت أحْوج مِنْهُم؟ وَفِيه: جَوَاز الْحلف على غَلَبَة الظَّن، وَإِن لم يعلم ذَلِك بالدلائل القطعية، لحلف الْمَذْكُور أَنه لَيْسَ بِالْمَدِينَةِ أحْوج مِنْهُم مَعَ جَوَاز أَن يكون بِالْمَدِينَةِ أحْوج مِنْهُم لِكَثْرَة الْفُقَرَاء فِيهَا، وَلم يُنكر عَلَيْهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. وَفِيه: اسْتِعْمَال الْكِنَايَة فِيمَا يستقبح طهوره بِصَرِيح لَفظه، لقَوْله: (وَقعت أَو أصبت) فَإِن قلت: ورد فِي بعض طرقه: (وطِئت؟) قلت: هَذَا من تصرف الروَاة. وَفِيه: الرِّفْق بالمتعلم والتلطف فِي التَّعْلِيم والتأليف على الدّين، والندم على الْمعْصِيَة واستشعار الْخَوْف. وَفِيه: الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد لغير الصَّلَاة من الْمصَالح الدِّينِيَّة: كنشر الْعلم. وَفِيه: التعاون على الْعِبَادَة. وَفِيه: السَّعْي على خلاص الْمُسلم. وَفِيه: إِعْطَاء الْوَاحِد فَوق حَاجته الراهنة. وَفِيه: إِعْطَاء الْكَفَّارَة لأهل بَيت وَاحِد.

١٣ - (بابُ المُجامِعِ فِي رَمَضَانَ هَلْ يُطْعِمُ أهْلَهُ مِنَ الكَفَّارَةِ إذَا كانُوا مَحَاوِيجَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الصَّائِم المجامع فِي رَمَضَان: هَل يطعم أَهله الْكَفَّارَة إِذا كَانُوا محاويج أم لَا؟ وَلم يذكر جَوَاب الِاسْتِفْهَام اكْتِفَاء بِمَا ذكر من متن الحَدِيث، والمحاويج قَالَ المطرزي فِي (الْمغرب) : هم المحتاجون، عَامي قلت: يحْتَمل أَن يكون جمع: محواج، وَهُوَ كثير الْحَاجة، صِيغ على وزن اسْم الْآلَة للْمُبَالَغَة.

٧٣٩١ - حدَّثنا عُثْمانُ بنُ أبِي شَيْبَةَ قَالَ حدَّثنا جَريرٌ عَن منْصُورٍ عنِ الزُّهْرِيَّ عنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ جاءَ رَجُلٌ إلَى النبيِّ فَقَالَ إنَّ الآخِرَ وقعَ عَلَى امْرَأتِهِ فِي رمَضَانَ فَقَالَ أتَجِدُ مَا تُحَرِّرُ رقَبةً قَالَ لَا قَالَ أفَتَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا قَالَ أفَتَجِدُ مَا تُطْعِمُ بِهِ سِتِّينَ مِسْكِينا قَالَ لَا قَالَ فأُتِيَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِعَرَقٍ

فِيهِ تَمْرٌ وهُوَ الزَّبِيلُ قَالَ أطْعِمْ هَذَا عَنْكَ قَالَ عَلَى أحْوَجِ مِنَّا مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا أهْلُ بَيْتٍ أحْوَجُ مِنَّا قَالَ فأطْعِمْهُ أهْلَكَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فأطعمه أهلك) ، وَجَرِير هُوَ: بِفَتْح الْجِيم: ابْن عبد الحميد، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم، وَقد ذكرُوا غير مرّة. قَوْله: (عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد) ، كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين من أَصْحَاب مَنْصُور عَنهُ، وَخَالفهُ مهْرَان بن أبي عمر فَرَوَاهُ عَن الثَّوْريّ بِالْإِسْنَادِ عَن سعيد بن الْمسيب بدل حميد بن عبد الرَّحْمَن، أخرجه ابْن خُزَيْمَة وَهُوَ شَاذ، وَالْمَحْفُوظ هُوَ الأول. قَوْله: (إِن الآخر) فِيهِ قصر الْهمزَة ومدها بعْدهَا خاء مُعْجمَة مَكْسُورَة، وَهُوَ من يكون آخر الْقَوْم، وَقيل: هُوَ الْمُدبر المتخلف، وَقيل: الأرذل، وَقيل: مَعْنَاهُ أَن الْأَبْعَد، على الذَّم. قَوْله: (رَقَبَة) بِالنّصب، قيل: إِنَّه بدل من لَفْظَة مَا تحرر قلت: بل هُوَ مَنْصُوب على أَنه مفعول: تحرر، فَافْهَم، وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ قد مرت فِيمَا مضى مستوفاة. وَالله أعلم.

٢٣ - (بابُ الحِجَامَةِ والْقَيءِ لِلْصَّائِمِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام الْحجامَة والقيء هَل يرخصان للصَّائِم أَو لَا؟ وَإِنَّمَا أطلق وَلم يذكر الحكم لمَكَان الْخلاف فِيهِ، وَلَكِن الْآثَار الَّتِي أوردهَا فِي هَذَا الْبَاب تشعر بِأَنَّهُ عدم الْإِفْطَار بهما. وَقَالَ بَعضهم: بَاب الْحجامَة والقيء للصَّائِم، أَي: هَل يفسدان هما أَو أَحدهمَا الصَّوْم؟ قلت: اللَّام فِي قَوْله: (للصَّائِم) ، تمنع هَذَا التَّقْدِير الَّذِي قدره، وَلَا يخفى ذَلِك على من لَهُ أدنى ذوق من أَحْوَال التَّرْكِيب، قيل: جمع بَين الْقَيْء والحجامة مَعَ تغايرهما، وعادته تَفْرِيق التراجم إِذا نظمهما خبر وَاحِد فضلا عَن خبرين، وَإِنَّمَا صنع ذَلِك لِاتِّحَاد مأخذهما، لِأَنَّهُمَا إِخْرَاج، والإخراج لَا يَقْتَضِي الْإِفْطَار.

وَقَالَ لِي يَحْيَى بنُ صَالِحٍ حدَّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ سَلَاّم قَالَ حدَّثنا يَحْيَى عنْ عُمَرَ بنِ الحَكَمَ بن ثَوْبانَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقُولُ إذَا قاءَ فَلَا يُفْطِرُ إنَّمَا يُخْرجُ ولَا يُولِجُ عَادَة البُخَارِيّ إِذا أسْند شَيْئا من الْمَوْقُوفَات يَأْتِي بِهَذِهِ الصِّيغَة، وَيحيى بن صَالح أَبُو زَكَرِيَّا الوحاظي الْحِمصِي وَمُعَاوِيَة ابْن سَلام، بتَشْديد اللَّام، مر فِي كتاب الْكُسُوف، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، وَعمر بن الحكم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالْكَاف المفتوحتين: ابْن ثَوْبَان، بالثاء الْمُثَلَّثَة: الْحِجَازِي أَبُو حَفْص الْمدنِي.

قَوْله: (إِذا قاء) أَي الصَّائِم: قَوْله: (وَإِنَّمَا يخرج) ، من الْخُرُوج. قَوْله: (وَلَا يولج) ، من الْإِيلَاج، أَي: لَا يدْخل، الْمَعْنى: أَن الصَّوْم لَا ينْقض إِلَّا بِشَيْء يدْخل، وَلَا ينْقض بِشَيْء يخرج. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني أَنه يخرج وَلَا يولج، أَي: أَن الْقَيْء يخرج وَلَا يدْخل، وَهَذَا الْحصْر منقوض بالمني، فَإِنَّهُ مِمَّا يخرج وَهُوَ مُوجب للْقَضَاء وَالْكَفَّارَة.

وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَرْبَعَة مَرْفُوعا من حَدِيث هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة، أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من ذرعه الْقَيْء فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء، وَمن استقاء عمدا فليقض) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة حَدِيث حسن غَرِيب لَا نعرفه من حَدِيث هِشَام عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إلَاّ من حَدِيث عِيسَى بن يُونُس، قَالَ: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث من غَيره وَجهه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَا يَصح إِسْنَاده. وَقَالَ البُخَارِيّ: لم يَصح، وَإِنَّمَا يرْوى عَن عبد الله بن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، وَعبد الله ضَعِيف، وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ من طَرِيق عِيسَى ابْن يُونُس، وَنقل عَن عِيسَى أَنه قَالَ: زعم أهل الْبَصْرَة أَن هشاما وهم فِيهِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعت أَحْمد يَقُول: لَيْسَ من ذَا شَيْء. وَقَالَ الْخطابِيّ: يُرِيد أَنه غير مَحْفُوظ، وَقَالَ ابْن بطال: تفرد بِهِ عِيسَى وَهُوَ ثِقَة إلَاّ أَن أهل الحَدِيث أنكروه عَلَيْهِ، وَوهم عِنْدهم فِيهِ. وَقَالَ أَبُو عَليّ الطوسي: هُوَ حَدِيث غَرِيب، وَالصَّحِيح رِوَايَة أبي الدَّرْدَاء وثوبان وفضالة بن عبيد: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قاء فَأفْطر) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث أبي الدَّرْدَاء أصح شَيْء فِي الْقَيْء والرعاف.

قلت: حَدِيث أبي الدَّرْدَاء رَوَاهُ الْأَرْبَعَة وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث، قَالَ: حَدثنَا أبي عَن حُسَيْن

الْمعلم عَن يحيى بن أبي كثير عَن عبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الْأَوْزَاعِيّ عَن يعِيش بن الْوَلِيد عَن أَبِيه عَن معدان بن طَلْحَة (عَن أبي الدَّرْدَاء أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قاء فَأفْطر، قَالَ: فَلَقِيت ثَوْبَان فِي مَسْجِد دمشق، قلت: إِن أَبَا الدَّرْدَاء أَخْبرنِي أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قاء فَأفْطر، فَقَالَ: صدق، أَنا صببت لَهُ وضوءه) . ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَذهب قوم إِلَى أَن الصَّائِم إِذا قاء أفطر، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذَا الحَدِيث. قلت: أَرَادَ بالقوم: عَطاء وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبا ثَوْر. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ، وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَقَالُوا: إِن استقاء أفطر، وَإِن ذرعه الْقَيْء أَي: سبقه وَغلب عَلَيْهِ وَلم يفْطر، وَأَرَادَ بالآخرين: الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَابْن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَسَعِيد بن جُبَير وَالشعْبِيّ وعلقمة وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة وَأَصْحَابه ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، ويروى ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَعبد الله بن عمر وَأبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على أَن من ذرعه الْقَيْء لَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَنقل ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على أَن الاستقاء مفطر، وَنقل الْعَبدَرِي عَن أَحْمد أَنه قَالَ: من تقيأ فَاحِشا أفطر، وَقَالَ اللَّيْث وَالثَّوْري وَالْأَرْبَعَة بِالْقضَاءِ، وَعَلِيهِ الْجُمْهُور، وَعَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس: أَنه لَا يفْطر، وَلَكِن فِي (مُصَنف) ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَادِهِ عَن ابْن عَبَّاس: أَنه إِذا تقيأ أفطر، وَنقل ابْن التِّين عَن طَاوُوس عدم الْقَضَاء، قَالَ: وَبِه قَالَ ابْن بكير، وَقَالَ ابْن حبيب: لَا قَضَاء عَلَيْهِ فِي التَّطَوُّع دون الْفَرْض، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو ثَوْر: عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة مثل كَفَّارَة الْأكل عَامِدًا فِي رَمَضَان، وَهُوَ قَول عَطاء، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث أبي الدَّرْدَاء الْمَذْكُور الَّذِي أخرجه ابْن حبَان وَالْحَاكِم أَيْضا فِي (صَحِيحَيْهِمَا) وَأجَاب أَبُو عمر: أَنه لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: قد يجوز أَن يكون قَوْله: (فَأفْطر) أَي: ضعف فَأفْطر، وَيجوز هَذَا فِي اللُّغَة يَعْنِي: يجوز هَذَا التَّقْدِير فِي اللُّغَة، لتضمن مثل ذَلِك لعلم السَّامع بِهِ كَمَا فِي حَدِيث فضَالة، وَلَكِنِّي قئت فضعفت عَن الصّيام فأفطرت، وَلَيْسَ فِيهِ أَن الْقَيْء كَانَ مُفطرا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: معنى هَذَا الحَدِيث أَن انبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أصبح صَائِما مُتَطَوعا فقاء فضعف فَأفْطر لذَلِك، هَكَذَا رُوِيَ فِي بعض الحَدِيث مُفَسرًا، وَأجَاب الْبَيْهَقِيّ بِأَن هَذَا الحَدِيث مُخْتَلف فِي إِسْنَاده فَإِن صَحَّ فَمَحْمُول على الْعَامِد، وَكَأَنَّهُ كَانَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مُتَطَوعا بصومه.

وَحَدِيث فضَالة رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ حَدثنَا ربيع الْمُؤَذّن، قَالَ: حَدثنَا أَسد قَالَ: حَدثنَا ابْن لَهِيعَة، قَالَ: حَدثنَا يزِيد بن أبي حبيب، قَالَ: حَدثنَا أَبُو مَرْزُوق عَن حَنش عَن فضَالة بن عبيد، قَالَ: دعى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بشراب فَقَالَ لَهُ: ألم تصبح صَائِما يَا رَسُول الله؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِن قئت) . وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ أَيْضا، وَأَبُو مَرْزُوق اسْمه: حبيب بن الشَّهِيد، وَقيل: زَمعَة بن سليم، قَالَ الْعجلِيّ: مصري تَابِعِيّ ثِقَة، وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه، وحنش هُوَ ابْن عبد الله الصَّنْعَانِيّ، صنعاء دمشق، روى لَهُ الْجَمَاعَة غير البُخَارِيّ فَإِن قلت: ابْن لَهِيعَة فِيهِ مقَال؟ قلت: الطَّحَاوِيّ أخرجه من أَربع طرق: الأول: مَا ذَكرْنَاهُ الَّذِي فِيهِ ابْن لَهِيعَة والبقية عَن أبي بكرَة عَن روح وَعَن مُحَمَّد بن خُزَيْمَة عَن حجاج وَعَن حُسَيْن بن نصر عَن يحيى بن حسان، قَالُوا: حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن أبي مَرْزُوق عَن حَنش عَن فضَالة. . إِلَى آخِره، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل عِنْد أهل الْعلم على حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن الصَّائِم إِذا ذرعه الْقَيْء فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَإِذا استقاء عمدا فليقض، وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأحمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهُوَ قَول كل من يحفظ عَنهُ الْعلم، قَالَ: وَبِه أَقْوَال. قَالَ أَصْحَابنَا: وَيَسْتَوِي فِيهِ ملْء الْفَم وَمَا دونه لإِطْلَاق حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَرْفُوع، فَإِن عَاد وَكَانَ ملْء الْفَم لَا يفْسد صَوْمه عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد، قَالَ فِي (الْمُحِيط) : وَهُوَ الصَّحِيح، وَذكر فَتى (قاضيخان) عَن مُحَمَّد وجده، وَعند أبي يُوسُف يفْسد وَإِن أَعَادَهُ، وَكَانَ أقل من ملْء الْفَم يفْسد عِنْد مُحَمَّد وَزفر، وَهَذَا إِذا تقيأ مرّة أَو طَعَاما أَو مَاء، فَإِن تقيأ ملْء فِيهِ بلغما لَا يفْسد عِنْدهمَا، خلافًا لأبي يُوسُف.

ويُذْكَرُ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ يُفْطِرُ

يذكر على صِيغَة الْمَجْهُول عَلامَة التمريض، يَعْنِي: إِذا قاء الصَّائِم يفْطر، يَعْنِي: ينْتَقض صَوْمه، ذكره الْحَازِمِي عَنهُ رِوَايَة عَن بَعضهم، وَيُمكن الْجمع بَين قوليه بِأَن قَوْله: لَا يفْطر، يحمل على مَا فصل فِي حَدِيثه الْمَرْفُوع، وَيحمل قَوْله: أَنه يفْطر، على مَا إِذا تعمد الْقَيْء.

والأوَّلُ أصَحُّ

أَي: عدم الْإِفْطَار أصح. قَالَ: الْكرْمَانِي أَو الإيناد الأول؟ قلت: هُوَ قَوْله: وَقَالَ لي يحيى بن صَالح: حَدثنَا مُعَاوِيَة بن سَلام ... إِلَى آخِره.

وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وعِكْرِمَةُ الْفِطْرُ مِمَّا دخَلَ ولَيْسَ مِمَّا خَرَجَ

هَذَانِ التعليقان رَوَاهُمَا ابْن أبي شيبَة. فَالْأول: قَالَ: حَدثنَا وَكِيع عَن الْأَعْمَش عَن أبي ظبْيَان عَن ابْن عَبَّاس فِي الْحجامَة للصَّائِم، فَقَالَ: الْفطر مِمَّا يدْخل وَلَيْسَ مِمَّا يخرج. وَالثَّانِي: رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن هشيم عَن حُصَيْن عَن عِكْرِمَة مثله.

وكانَ ابنُ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهُمَا يَحْتَجِمُ وهْوَ صَائِمٌ ثُمَّ تَرَكَهُ فَكانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه احْتجم وَهُوَ صَائِم، ثمَّ ترك ذَلِك فَكَانَ إِذا صَامَ لم يحتجم حَتَّى يفْطر، وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا ابْن علية عَن أَيُّوب عَن نَافِع أَن ابْن عمر كَانَ ... فَذكره، وَحدثنَا وَكِيع عَن هِشَام بن الْغَاز، وَحدثنَا ابْن إِدْرِيس عَن يزِيد عَن عبد الله عَن نَافِع بِزِيَادَة، فَلَا أَدْرِي لأي شَيْء تَركه كرهه أَو للضعف؟ وروى عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه: وَكَانَ ابْن عمر كثير الِاحْتِيَاط، فَكَأَنَّهُ ترك الْحجامَة نَهَارا لذَلِك.

واحْتَجَمَ أبُو مُوسَى لَيْلاً

أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، اسْمه: عبد الله بن قيس، هَذَا التَّعْلِيق رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن أبي عدي عَن حميد عَن بكير بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن أبي الْعَالِيَة، قَالَ: دخلت على أبي مُوسَى وَهُوَ أَمِير الْبَصْرَة ممسيا فَوَجَدته يَأْكُل تَمرا وكامخا وَقد احْتجم، فَقلت لَهُ: أَلا تحتجم بنهار؟ قَالَ: أتأمرني أَن أهريق دمي وَأَنا صَائِم؟

ويُذْكَرُ عنْ سَعْدٍ وزَيْدِ بنِ أرْقَمَ وأُمِّ سَلَمَةَ احْتَجَمُوا صِياما

سعد هُوَ ابْن أبي وَقاص أحد الْعشْرَة، وَزيد بن أَرقم بن زيد الْأنْصَارِيّ الخزرجي، وَأم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ، وَاسْمهَا هِنْد بنت أبي أُميَّة. قَوْله: (صياما) أَي: صَائِمين، نصب على الْحَال، وَإِنَّمَا ذكر هَذَا بِصِيغَة التمريض لسَبَب يظْهر بالتخريح. أما أثر سعد فوصله مَالك فِي (الْمُوَطَّأ) عَن ابْن شهَاب: أَن سعد بن أبي وَقاص وَعبد الله بن عمر كَانَا يحتجمان وهما صائمان، وَهَذَا مُنْقَطع عَن سعد، لَكِن ذكره أَبُو عمر من وَجه آخر عَن عَامر بن سعد عَن أَبِيه. وَأما أثر زيد بن أَرقم فوصله عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن يُونُس بن عبد الله الْجرْمِي عَن دِينَار، حجمت زيد بن أَرقم، ودينار هُوَ الْحجام مولى جرم، بِفَتْح الْجِيم: لَا يعرف إلَاّ فِي هَذَا الْأَثر. وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الْأَزْدِيّ: لَا يَصح حَدِيثه. وَأما أثر أم سَلمَة فوصله ابْن أبي شيبَة من طَرِيق الثَّوْريّ أَيْضا عَن فرات عَن مولى أم سَلمَة: أَنه رأى أم سَلمَة تحتجم وَهِي صَائِمَة، وفرات هُوَ ابْن أبي عبد الرَّحْمَن ثِقَة، وَلَكِن مولى أم سَلمَة مَجْهُول الْحَال.

وَقَالَ بُكيرٌ عنْ أُمَّ عَلقَمَةَ كُنَّا نَحْتَجِمُ عِنْدَ عائِشَةَ فَلا تَنْهَى

بكير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن عبد الله بن الأشح، وَاسم أم عَلْقَمَة مرْجَانَة سَمَّاهَا البُخَارِيّ، وَذكرهَا ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) ، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي تَارِيخه من طَرِيق مخرمَة بن بكير عَن أم عَلْقَمَة قَالَ: كُنَّا نحتجم عِنْد عَائِشَة وَنحن صِيَام، وَبَنُو أخي عَائِشَة فَلَا تنهاهم. قَوْله: (فَلَا تنْهى) ، بِفَتْح التَّاء المثناء من فَوق، وَسُكُون النُّون أَي: فَلَا تنْهى عَائِشَة عَن الاحتجام. ويروى: (فَلَا تُنْهَى) ، بِضَم النُّون الأولى الَّتِي للمتكلم مَعَ الْغَيْر، وَسُكُون الثَّانِيَة على صِيغَة الْمَجْهُول.

ويُرْوَى عنِ الحَسَنِ عنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعا فَقَالَ أفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ

أَي: ويروى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ عَن غير وَاحِد من الصَّحَابَة مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم. قَوْله: (فَقَالَ) بِالْفَاءِ، ويروى: قَالَ، بِدُونِ الْفَاء، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنه روى عَن الْحسن عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وهم أَبُو هُرَيْرَة وثوبان وَمَعْقِل بن يسَار وَعلي بن أبي طَالب وَأُسَامَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

أما حَدِيث أبي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ

النَّسَائِيّ قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن بشار، قَالَ: حَدثنَا عبد الْوَهَّاب عَن يُونُس عَن الْحسن عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ،. ثمَّ قَالَ: النَّسَائِيّ، ذكر اخْتِلَاف الناقلين لخَبر أبي هُرَيْرَة فِيهِ، ثمَّ روى من حَدِيث أبي عَمْرو عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، ثمَّ قَالَ: وَقفه إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، ثمَّ روى من حَدِيث الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق آخر من حَدِيث شَقِيق بن ثَوْر عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: يُقَال: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، أما أَنا فَلَو احتجمت مَا باليت، أَبُو هُرَيْرَة يَقُول هَذَا) . ثمَّ روى من حَدِيث عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَفِي لفظ عَن عَطاء عَن أبي هُرَيْرَة، وَلم يسمعهُ مِنْهُ، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَفِي لفظ عَن عَطاء عَن رجل عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) .

وَأما حَدِيث: ثَوْبَان فَقَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: روى حَدِيث (أفطر الحاجم والمحجوم) ، قَتَادَة عَن الْحسن عَن ثَوْبَان، وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة أبي قلَابَة أَن أَبَا أَسمَاء الرحي حَدثهُ: أَن ثَوْبَان مولى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبرهُ أَنه سمع النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ.

وَأما حَدِيث معقل بن يسَار فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة سُلَيْمَان بن معَاذ، (عَن عَطاء بن السَّائِب، قَالَ: شهد عِنْدِي نفر من أهل الْبَصْرَة مِنْهُم الْحسن عَن معقل بن يسَار، أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رأى رجلا يحتجم وَهُوَ صَائِم، فَقَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) .

وَأما حَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة سعد بن أبي عرُوبَة عَن مطر عَن الْحسن عَن عَليّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) .

وَأما حَدِيث أُسَامَة بن زيد فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة أَشْعَث بن عبد الْملك عَن الْحسن عَن أُسَامَة بن زيد، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، قَالَ النَّسَائِيّ: وَلم يُتَابع أشعثَ أحدٌ علمناه على رِوَايَته. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله: قد تَابعه عَلَيْهِ يُونُس بن عبيد، إلَاّ أَنه من رِوَايَة عبيد الله بن تَمام عَن يُونُس، رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (زيادات الْمسند) وَقَالَ: وَعبيد الله هَذَا فَغير حَافظ. انْتهى.

وَقد اخْتلف فِيهِ على الْحسن، فَقيل عَنهُ هَكَذَا، وَقيل: عَنهُ عَن ثَوْبَان، وَقيل: عَنهُ عَن عَليّ، وَقيل: عَنهُ عَن معقل بن يسَار، وَقيل: عَن معقل بن سِنَان، وَقيل: عَنهُ عَن أبي هُرَيْرَة، وَقيل: عَنهُ عَن سَمُرَة. قَالَ شَيخنَا: وَيُمكن أَن يكون لَيْسَ باخْتلَاف، فقد رُوِيَ عَن الْحسن عَن رجال ذَوي عدد من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ أَن بعض من سمي من الصَّحَابَة لم يسمع مِنْهُ الْحسن، مِنْهُم: عَليّ وثوبان وَأَبُو هُرَيْرَة على مَا قيل، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: حَدِيث أُسَامَة وَمَعْقِل بن سِنَان وَأبي هُرَيْرَة معلولة كلهَا، لَا يثبت مِنْهَا شَيْء من جِهَة النَّقْل.

وَاعْلَم أَنه قد رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب عَن رَافع بن خديج عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَتفرد بِهِ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وروى عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ قَالَ: لَا أعلم فِي الحاجم والمحجوم حَدِيثا أصح من هَذَا. وَأخرجه الْبَزَّار فِي (زيادات الْمسند) من طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن معمر، وَقَالَ: لَا نعلم يرْوى عَن رَافع عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إلَاّ من هَذَا الْوَجْه بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَقَالَ أَحْمد: تفرد بِهِ معمر، وَرُوِيَ أَيْضا عَن شَدَّاد بن أَوْس رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي قلَابَة عَن أبي الْأَشْعَث (عَن شَدَّاد بن أَوْس، أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، أَتَى عليَّ رجل بِالبَقِيعِ وَهُوَ آخذ بيَدي لثماني عشر خلت من رَمَضَان، فَقَالَ: إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَعَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة لَيْث عَن عَطاء عَن عَائِشَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَلَيْث هُوَ ابْن سليم مُخْتَلف فِيهِ، وَعَن ابْن عَبَّاس رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة قبيصَة بن عقبَة، حَدثنَا مطر عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَرَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا، قَالَ: وَرَوَاهُ غير وَاحِد عَن مطر عَن عَطاء مُرْسلا، وَعَن أبي مُوسَى رَوَاهُ النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي رَافع، قَالَ: دخلت على أبي مُوسَى. . الحَدِيث، وَفِيه: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَعَن بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة شهر عَن بِلَال عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَعَن ابْن عمر رَوَاهُ ابْن عدي من رِوَايَة نَافِع عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَعَن ابْن مَسْعُود رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي (الضُّعَفَاء) من رِوَايَة الْأسود عَنهُ، قَالَ: (مر بِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على رجلَيْنِ يحجم أَحدهمَا الآخر،

فاغتاب أَحدهمَا وَلم يُنكر عَلَيْهِ الآخر، فَقَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَعَن جَابر رَوَاهُ الْبَزَّار من رِوَايَة عَطاء عَنهُ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَعَن سَمُرَة أَيْضا من رِوَايَة الْحسن عَن سَمُرَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) . وَعَن أبي زيد الْأنْصَارِيّ رَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث أبي قلَابَة عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَعَن أبي الدَّرْدَاء ذكره النَّسَائِيّ عِنْد ذكر طرق حَدِيث عَائِشَة فِي الِاخْتِلَاف على لَيْث، وَلما روى الطَّحَاوِيّ حَدِيث أبي رَافع وَعَائِشَة وثوبان وَشَدَّاد بن أَوْس وَأبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، قَالَ: فَذهب قوم إِلَى أَن الْحجامَة تفطر الصَّائِم حاجما كَانَ أَو محجوما، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الْآثَار أَي: أَحَادِيث هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: عَطاء بن أبي رَبَاح وَالْأَوْزَاعِيّ ومسروقا وَمُحَمّد بن سِيرِين وَأحمد بن حَنْبَل وَإِسْحَاق، فَإِنَّهُم قَالُوا: الْحجامَة لَا تفطر مُطلقًا. ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: لَا تفطر الْحجامَة حاجما أَو محجوما. قلت: أَرَادَ بهم: عَطاء بن يسَار وَالقَاسِم بن مُحَمَّد وَعِكْرِمَة وَزيد بن أسلم وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأَبا الْعَالِيَة وَأَبا حنيفَة وَأَبا يُوسُف ومحمدا ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه إلَاّ ابْن الْمُنْذر فَإِنَّهُم قَالُوا: الْحجامَة لَا تفطر، ثمَّ قَالَ: وَمِمَّنْ روينَا عَنهُ ذَلِك من الصَّحَابَة سعد بن أبي وَقاص وَالْحُسَيْن بن عَليّ وَعبد الله بن مَسْعُود وَابْن زيد وَابْن عَبَّاس وَزيد بن أَرقم وَعبد الله بن عمر وَأنس بن مَالك وَعَائِشَة وَأم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم.

ثمَّ أجَاب الطَّحَاوِيّ عَن الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة بِأَنَّهُ: لَيْسَ فِيهَا مَا يدل على أَن الْفطر الْمَذْكُور فِيهَا كَانَ لأجل الْحجامَة، بل إِنَّمَا ذَلِك كَانَ لِمَعْنى آخر، وَهُوَ: أَن الحاجم والمحجوم كَانَا يغتابان رجلا، فَلذَلِك قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا قَالَ، وَكَذَا قَالَ الشَّافِعِي، رَحمَه الله، فَحمل: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، بالغيبة على سُقُوط أجر الصَّوْم، وَجعل نَظِير ذَلِك أَن بعض الصَّحَابَة قَالَ للمتكلم يَوْم الْجُمُعَة: لَا جُمُعَة لَك، فَقَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: صدق، وَلم يَأْمُرهُ بِالْإِعَادَةِ، فَدلَّ على أَن ذَلِك مَحْمُول على إِسْقَاط الْأجر. قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَلَيْسَ إفطارهما ذَلِك كالإفطار بِالْأَكْلِ وَالشرب وَالْجِمَاع، وَلَكِن حَبط أجرهما باغتيابهما، فصارا بذلك كالمفطرين، لَا أَنه إفطار يُوجب عَلَيْهِمَا الْقَضَاء، وَهَذَا كَمَا قيل: الْكَذِب يفْطر الصَّائِم، لَيْسَ يُرَاد بِهِ الْفطر الَّذِي يُوجب الْقَضَاء، إِنَّمَا هُوَ على حبوط الْأجر. قَالَ: وَهَذَا كَمَا يَقُول: فسق الْقَائِم، لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنه فسق لأجل قِيَامه، وَلكنه فسق لِمَعْنى آخر غير الْقيام، ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، قَالَ: إِنَّا كرهنا الْحجامَة للصَّائِم من أحل الضعْف، وروى أَيْضا عَن حميد قَالَ سَأَلَ ثَابتا الْبنانِيّ أنس بن مَالك هَل كُنْتُم تَكْرَهُونَ الْحجامَة للصَّائِم؟ قَالَ: لَا إِلَّا من أجل الضعْف وَرُوِيَ أَيْضا عَن جَابر بن أبي جَعْفَر وَسَالم عَن سعيد ومغيرة عَن إِبْرَاهِيم وَلَيْث عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: إِنَّمَا كرهت الْحجامَة للصَّائِم مَخَافَة الضعْف. انْتهى.

وَقد ذكرت وُجُوه أُخْرَى. مِنْهَا مَا قيل: إِن فِيهَا التَّعَرُّض للإفطار، أما المحجوم فللضعف وَأما الحاجم فَلِأَنَّهُ لَا يُؤمن أَن يصل إِلَى جَوْفه من طعم الدَّم، وَهَذَا كَمَا يُقَال للرجل يتَعَرَّض للهلاك: قد هلك فلَان، وَإِن كَانَ سالما، وَكَقَوْلِه: من جعل قَاضِيا فقد ذبح بِغَيْر سكين، يُرِيد أَنه قد تعرض للذبح لَا أَنه ذبح حَقِيقَة. وَمِنْهَا مَا قيل: إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بهما مسَاء، فَقَالَ: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، فَكَأَنَّهُ عُذْرهمَا بِهَذَا، أَو كَانَا أمسيا ودخلا فِي وَقت الْإِفْطَار، قَالَه الْخطابِيّ. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن هَذَا على التَّغْلِيظ لَهما، كَقَوْلِه: (من صَامَ الدَّهْر لَا صَامَ وَلَا أفطر) . وَمِنْهَا مَا قيل: إِن مَعْنَاهُ: جَازَ لَهما أَن يفطرا كَقَوْلِه: أحصد الزَّرْع، إِذا حَان أَن يحصد. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن أَحَادِيث الحاجم والمحجوم مَنْسُوخَة بِحَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي يَأْتِي عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

وَقَالَ لِي عَيَّاش قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الأعْلَى قَالَ حدَّثنا يُونُس عنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ قِيلَ لَهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ الله أعلم

عَيَّاش، بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره شين مُعْجمَة: ابْن الْوَلِيد الرقام الْقطَّان، أَبُو الْوَلِيد الْبَصْرِيّ، وَعبد الْأَعْلَى ابْن عبد الْأَعْلَى الشَّامي الْقرشِي الْبَصْرِيّ، وَيُونُس هُوَ بن عبيد بن دِينَار الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ، يروي عَن الْحسن الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ والإسناد كُله بصريون.

قَوْله: (مثله) ، أَي: مثل مَا ذكر من (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيقه، قَالَ: حَدثنِي عَيَّاش ... فَذكره. قَوْله: (قيل لَهُ) أَي: الْحسن (عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الَّذِي تحدث بِهِ من أفطر

الحاجم والمحجوم؟ ، قَالَ: نعم من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَأَشَارَ بقوله: (الله أعلم) إِلَى أَنه ترددا فِي ذَلِك وَلم يجْزم بِالرَّفْع. وَقَالَ الْكرْمَانِي: (وَالله أعلم) ، يسْتَعْمل فِي مقَام التَّرَدُّد، وَلَفظ: نعم، حَيْثُ قَالَ أَولا يدل على الْجَزْم. ثمَّ قَالَ: قلت: جزم حَيْثُ سَمعه مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَحَيْثُ كَانَ خبر الْوَاحِد غير مُفِيد لليقين أظهر التَّرَدُّد فِيهِ، أَو حصل لَهُ بعد الْجَزْم تردد، أَو لَا يلْزم أَن يكون اسْتِعْمَاله للتردد. وَالله أعلم. وَقَالَ بَعضهم: وَحمل الْكرْمَانِي مَا جزمه على وثوقه بِخَبَر من أخبر بِهِ، وتردده لكَونه خبر وَاحِد فَلَا يُفِيد الْيَقِين، وَهُوَ حمل فِي غَايَة الْبعد. انْتهى. قلت: استبعاده فِي غَايَة الْبعد، لِأَن من سمع خَبرا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، من رُوَاة ثِقَات يجْزم بِصِحَّتِهِ، ثمَّ إِنَّه إِذا نظر إِلَى كَونه أَنه خبر وَاحِد وَأَنه لَا يُفِيد الْيَقِين يحصل لَهُ التَّرَدُّد بِلَا شكّ، وَقد أجَاب الْكرْمَانِي بِثَلَاثَة أجوبة، فجَاء هَذَا الْقَائِل واستبعد أحد الْأَجْوِبَة من غير بَيَان وَجه الْبعد، وَسكت عَن الآخرين.

٨٣٩١ - حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسَدٍ قَالَ حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ أيُّوبَ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عنهُمَا أنَّ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتَجَمَ وهْوَ مُحرِمٌ واحْتَجَمَ وهْوَ صَائِمٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَرِجَاله قد ذكرُوا، فمعلى، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد اللَّام الْمَفْتُوحَة، مر فِي الْحيض، ووهيب تَصْغِير وهب مر غير مرّة، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ كَذَلِك.

والْحَدِيث أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة عبد الْوَارِث وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة حَمَّاد بن زيد مُتَّصِلا، ومرسلاً من غير ذكر ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ مُرْسلا من رِوَايَة إِسْمَاعِيل ابْن علية وَمعمر عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة، وَمن رِوَايَة جَعْفَر بن ربيعَة عَن عِكْرِمَة مُرْسلا، وروى التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة مقسم (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، احْتجم فِيمَا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَهُوَ محرم صَائِم) . وَرَوَاهُ من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن حبيب بن الشَّهِيد عَن مَيْمُون بن مهْرَان (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، احْتجم وَهُوَ صَائِم) . وَقَالَ: هدا حَدِيث حسن غَرِيب، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد التِّرْمِذِيّ وَزَاد: وَهُوَ محرم، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر لَا أعلم أحدا رَوَاهُ عَن حبيب غير الْأنْصَارِيّ، وَلَعَلَّه أَرَادَ أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، تزوج مَيْمُونَة.

وَقَالَ: وَفِي الْبَاب عَن أبي سعيد وَجَابِر وَأنس قلت: وَعَن ابْن عمر أَيْضا وَعَائِشَة ومعاذ وَأبي مُوسَى. أما حَدِيث أبي سعيد فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي المتَوَكل (عَن أبي سعيد، قَالَ: رخص رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الْقبْلَة للصَّائِم والحجامة) . وَأما حَدِيث جَابر فَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة أبي الزبير عَنهُ: (أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، احْتجم وَهُوَ صَائِم) . وَأما حَدِيث أنس فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة ثَابت عَنهُ وَفِيه: (ثمَّ رخص النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بعد فِي الْحجامَة للصَّائِم) . وَأما حَدِيث ابْن عمر فَرَوَاهُ ابْن عدي فِي (الْكَامِل) من رِوَايَة نَافِع عَنهُ قَالَ: (احْتجم رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ صَائِم محرم، وَأعْطى الْحجام أجره) . وَأما حَدِيث عَائِشَة فَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم عَن أَبِيه عَنْهَا: (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتجم وَهُوَ صَائِم) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث بَاطِل، وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز ضَعِيف. وَأما حَدِيث معَاذ فَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي (الضُّعَفَاء) من حَدِيث جُبَير بن نفير عَنهُ (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتجم وَهُوَ صَائِم) . وَأما حَدِيث أبي مُوسَى فَرَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي (الْعِلَل) عَن أَبِيه قَالَ: سَمِعت أبي يَقُول وَهُوَ مُحَمَّد بن سَلمَة فِي الحَدِيث الَّذِي يرويهِ عَن زِيَاد بن أبي مَرْيَم أَنه دخل على أبي مُوسَى وَهُوَ يحتجم وَهُوَ صَائِم، وَقد مر حَدِيث أبي مُوسَى فِي هَذَا الْبَاب، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة. وَقد ذكرنَا عَن قريب أَن أَحَادِيث: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، مَنْسُوخَة.

قَالَ الْمُنْذِرِيّ: حَدِيث ابْن عَبَّاس نَاسخ، لِأَن فِي حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي عَام الْفَتْح فِي رَمَضَان لرجل كَانَ يحتجم: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَالْفَتْح كَانَ فِي سنة ثَمَان. وَحَدِيث ابْن عَبَّاس كَانَ فِي حجَّة الْوَدَاع فِي سنة عشر فَهُوَ مُتَأَخّر ينْسَخ الْمُتَقَدّم، فَإِن ابْن عَبَّاس لم يصحب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ محرم إلَاّ فِي حجَّة الْإِسْلَام، وَفِي حجَّة الْفَتْح لم يكن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم محرما، وَقد أَشَارَ الإِمَام الشَّافِعِي إِلَى هَذَا. وَمِمَّا يُصَرح فِيهِ بالنسخ حَدِيث أنس بن مَالك، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ: حَدثنَا عمر بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم النَّيْسَابُورِي، حَدثنَا مُحَمَّد بن خَالِد بن زيد الرَّاسِبِي حَدثنَا

مَسْعُود بن جويرة: حَدثنَا الْمعَافي بن عمرَان عَن ياسين الزيات عَن يزِيد الرقاشِي (عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتجم وَهُوَ صَائِم بَعْدَمَا قَالَ: أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَهَذَا صَرِيح بانتساخ حَدِيث: (أفطر الحاجم والمحجوم) ، وَاعْترض ابْن خُزَيْمَة بِأَن فِي هَذَا الحَدِيث يَعْنِي حَدِيث الْبَاب أَنه كَانَ صَائِما محرما. قَالَ: وَلم يكن قطّ محرما مُقيما بِبَلَدِهِ، إِنَّمَا كَانَ محرما وَهُوَ مُسَافر، وللمسافر إِن كَانَ نَاوِيا للصَّوْم فَمضى عَلَيْهِ بعض النَّهَار وَهُوَ صَائِم، الْأكل وَالشرب على الصَّحِيح، فَإِذا جَازَ لَهُ ذَلِك جَازَ لَهُ أَن يحتجم وَهُوَ مُسَافر. قَالَ: وَلَيْسَ فِي خبر ابْن عَبَّاس مَا يدل على إفطار المحجوم، فضلا عَن الحاجم. وَأجِيب: بِأَن الحَدِيث مَا ورد هَكَذَا إلَاّ لفائدة، فَالظَّاهِر أَنه وجدت مِنْهُ الْحجامَة وَهُوَ صَائِم لم يتَحَلَّل من صَوْمه، وَاسْتمرّ. وَقَالَ ابْن حزم: صَحَّ حَدِيث (أفطر الحاجم والمحجوم) ، بِلَا ريب فِيهِ، لَكِن وجدنَا من حَدِيث أبي سعيد (أرخص النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم محرما فِي الْحجامَة للصَّائِم) ، وَإِسْنَاده صَحِيح، فَوَجَبَ الْأَخْذ بِهِ لِأَن الرُّخْصَة إِنَّمَا تكون بعد الْعَزِيمَة، فَدلَّ على نسخ الْفطر بالحجامة سَوَاء كَانَ حاجما أَو محجوما، وَقد مر حَدِيث أبي سعيد عَن قريب.

٩٣٩١ - حدَّثنا أبُو مَعْمَرٍ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ حدَّثنا أيُّوبُ عنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ احْتَجَمَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وهْوَ صَائِمٌ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَأَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: اسْمه عبد الله بن عَمْرو بن أبي الْحجَّاج الْمنْقري المقعد، وَعبد الْوَارِث ابْن سعيد التَّمِيمِي الْعَنْبَري مَوْلَاهُم الْبَصْرِيّ، وَأَيوب هُوَ السّخْتِيَانِيّ، وَهَذَا طَرِيق آخر فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا الحَدِيث من عشر طرق، وَأخرجه أَبُو دَاوُد عَن أبي معمر عَن عبد الْوَارِث ... إِلَى آخِره نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: حَدثنَا الْحسن حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة، فَلم يذكر ابْن عَبَّاس. وَاخْتلف على حَمَّاد بن زيد فِي وَصله وإرساله، وَقد بَين ذَلِك النَّسَائِيّ، وَقَالَ مهنا: سَأَلت أَحْمد عَن هَذَا الحَدِيث؟ فَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ صَائِم، إِنَّمَا هُوَ: وَهُوَ محرم، ثمَّ سَاق من طرق ابْن عَبَّاس، لَكِن لَيْسَ فِيهَا طَرِيق أَيُّوب هَذِه، والْحَدِيث صَحِيح لَا شكّ فِيهِ، وروى ابْن سعد فِي كِتَابه: عَن هَاشم بن الْقَاسِم عَن شُعْبَة عَن الْحَاكِم (عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، احْتجم بالقاحة وَهُوَ صَائِم) . قلت: القاحة، بِالْقَافِ والحاء الْمُهْملَة: على ثَلَاثَة مراحل من الْمَدِينَة قبل السقيا بِنَحْوِ ميل.

٠٤٩١ - حدَّثنا آدَمُ بنُ أبِي إياسٍ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ ثَابتا الْبُنَانيَّ يَسْألُ أنَسَ بنَ مالِكٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ قَالَ لَا إلَاّ مِنْ أجْلِ الضَّعْفِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَرِجَاله قد مروا غير مرّة.

قَوْله: (الْبنانِيّ) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين الأولى مَفْتُوحَة وَالثَّانيَِة مَكْسُورَة، نِسْبَة إِلَى بنانة وهم ولد سعد بن لؤَي. قَوْله: (يسْأَل) على صُورَة الْمُضَارع الْمَبْنِيّ للْفَاعِل، وَهُوَ رِوَايَة أبي الْوَقْت وَهَذَا غلط، لِأَن شُعْبَة مَا حضر سُؤال ثَابت عَن أنس، وَقد سقط مِنْهُ: رجل، بَين شُعْبَة وثابت، فَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبُو نعيم وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق جَعْفَر بن مُحَمَّد القلانسي وَأبي قرصافة مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب وَإِبْرَاهِيم بن الْحُسَيْن بن يزِيد، كلهم عَن آدم ابْن أبي إِيَاس شيخ البُخَارِيّ فِيهِ مقَال عَن شُعْبَة عَن حميد، قَالَ: سَمِعت ثَابتا وَهُوَ يسْأَل أنس بن مَالك، فَذكر الحَدِيث، وَأَشَارَ الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالْبَيْهَقِيّ إِلَى أَن الرِّوَايَة الَّتِي وَقعت للْبُخَارِيّ خطأ، وَأَنه سقط مِنْهُ: حميد قلت: الْخَطَأ من غير البُخَارِيّ لِأَنَّهُ كَانَ يعلم أَن شُعْبَة لم يحضر سُؤال ثَابت عَن أنس وَلَا أدْرك أنسا، وَأكْثر أصُول البُخَارِيّ سَمِعت ثَابتا الْبنانِيّ قَالَ: سَأَلَ أنس بن مَالك.

وزَادَ شَبابَةُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

شَبابَة بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وبالباءين الموحدتين أولاهما خَفِيفَة: وَهُوَ ابْن سوار الْفَزارِيّ مَوْلَاهُم أَبُو عَمْرو الْمَدَائِنِي، أَصله من خُرَاسَان. وَيُقَال: اسْمه مَرْوَان، وَإِنَّمَا غلب عَلَيْهِ شَبابَة، وَهَذِه الزِّيَادَة أخرجهَا ابْن مَنْدَه فِي (غرائب شُعْبَة) فَقَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله