الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩١٣
الحديث رقم ١٩١٣ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ لا نكتب ولا نحسب.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
بَابٌ: لَا يَتَقَدَّمَنَّ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ
١٩١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ : حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
⦗٢٨⦘
وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يصوم المسلم قبل رمضان بيوم أو يومين على نية الاحتياط لرمضان؛ لأنّ وجوبَ صيام رمضان عُلِّق برؤية الهلال، ولا حاجة للتكلُّف، إلا أحد كان يصوم صومًا اعتاد عليه كصوم يوم وفطر يوم، أو يوم الاثنين أو الخميس فصادفه فليصمْه؛ وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلحق بذلك ما كان صيامًا واجبًا كالقضاء والنَّذْر.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: إِنَّهُ الصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ. وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ عَنْهُمَا مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْأَحْكَامِ حَاصِلٌ سَوَاءٌ كَانَ رَمَضَانُ ثَلَاثِينَ أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، سَوَاءٌ صَادَفَ الْوُقُوفُ الْيَوْمَ التَّاسِعَ أَوْ غَيْرَهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ تَقْصِيرٌ فِي ابْتِغَاءِ الْهِلَالِ، وَفَائِدَةُ الْحَدِيثِ رَفْعُ مَا يَقَعُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ شَكٍّ لِمَنْ صَامَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَوْ وَقَفَ فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِمْكَانَ الْوُقُوفِ فِي الثَّامِنِ اجْتِهَادًا، وَلَيْسَ مُشْكِلًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ثَبَتَتِ الرُّؤْيَةُ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ الْخَمِيسُ مَثَلًا فَوَقَفُوا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا شَهِدَا زُورًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ظَاهِرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ بَيَانُ اخْتِصَاصِ الشَّهْرَيْنِ بِمَزِيَّةٍ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الشُّهُورِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ثَوَابَ الطَّاعَةِ فِي غَيْرِهِمَا يَنْقُصُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ رَفْعُ الْحَرَجِ عَمَّا عَسَى أَنْ يَقَعَ فِيهِ خَطَأٌ فِي الْحُكْمِ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِالْعِيدَيْنِ وَجَوَازِ احْتِمَالِ وُقُوعِ الْخَطَأِ فِيهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: شَهْرَا عِيدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ: رَمَضَانَ وَذِي الْحِجَّةِ. انْتَهَى.
وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ مُرَتَّبًا عَلَى وُجُودِ الْمَشَقَّةِ دَائِمًا، بَلْ لِلَّهِ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِإِلْحَاقِ النَّاقِصِ بِالتَّامِّ فِي الثَّوَابِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ لِمَالِكٍ فِي اكْتِفَائِهِ لِرَمَضَانَ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ: لِأَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ بِجُمْلَتِهِ عِبَادَةً وَاحِدَةً فَاكْتَفَى لَهُ بِالنِّيَّةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي الثَّوَابِ بَيْنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَبَيْنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَكُونُ ثَلَاثِينَ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى جَعْلِ الثَّوَابِ مُتَعَلِّقًا بِالشَّهْرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ لَا مِنْ حَيْثُ تَفْضِيلِ الْأَيَّامِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: لَا يَتِمُّ شَهْرَانِ سِتِّينَ يَوْمًا وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ: إِنْ ثَبَتَ فَمَعْنَاهُ: لَا يَكُونَانِ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِسَنَدِهِ هَذَا بِلَفْظِ: كُلُّ شَهْرٍ حَرَامٍ لَا يَنْقُصُ، ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَثَلَاثُونَ لَيْلَةً وَهَذَا بِهَذَا اللَّفْظِ شَاذٌّ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ خَالِدٍ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الَّذِي تَوَارَدَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِهِ كَشُعْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَيَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ إِسْحَاقَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ لَا يُقَاوِمُ خَالِدًا الْحَذَّاءَ فِي الْحِفْظِ.
قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا فَقَدْ دَخَلَ لِهُشَيْمٍ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي أَوْرَدَهُ عَنْ خَالِدٍ هُوَ لَفْظُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَيْضًا فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ.
قَوْلُهُ: (رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ) أَطْلَقَ عَلَى رَمَضَانَ أَنَّهُ شَهْرُ عِيدٍ لِقُرْبِهِ مِنَ الْعِيدِ، أَوْ لِكَوْنِ هِلَالِ الْعِيدِ رُبَّمَا رُؤِيَ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَهُ الْأَثْرَمُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﷺ: الْمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهَارِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ لَيْلِيَّةٌ جَهْرِيَّةٌ، وَأَطْلَقَ كَوْنَهَا وِتْرَ النَّهَارِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا يَقَعُ أَوَّلَ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ.
(تَنْبِيهٌ): لَيْسَ لِإِسْحَاقَ بْنِ سُوَيْدٍ - وَهُوَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْبَصْرِيُّ الْعَدَوِيُّ، عَدِيُّ مُضَرَ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، رَوَى هُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ كَبِيرٍ - فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَقْرُونًا بِخَالِدٍ الْحَذَّاءِ وَقَدْ رُمِيَ بِالنَّصْبِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ بِهَذَا السَّبَبِ.
١٣ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ
١٩١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٩١٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) الكوفيُّ التَّابعيُّ الصَّغير قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين ابن سعيد ابن العاص المدنيُّ، سكن دمشق ثمَّ الكوفة: (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا) أي: العربَ أو نفسَه المُقدَّسة (أُمَّةٌ) جماعة قريشٍ (١) (أُمِّيَّةٌ) بلفظ النَّسب (٢) إلى الأمِّ (٣)، أي: باقون على الحالة التي ولدتنا عليها الأمَّهات (لَا نَكْتُبُ) بيانٌ لكونهم كذلك، أو المرادُ النِّسبةُ إلى أمَّة العرب لأنَّهم ليسوا أهل كتابٍ، والكاتب منهم (٤) نادرٌ (٥) (وَلَا نَحْسُبُ) بضمِّ السِّين، لا نعرف حساب النُّجوم وتسييرها، فلم نُكلَّف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه (٦) إلى معرفة حسابٍ ولا كتابةٍ، إنَّما رُبِطت عبادتنا بأعلامٍ واضحة، وأمورٍ ظاهرةٍ لائحة، يستوي في معرفتها الحُسَّاب وغيرهم، ثمَّ تمَّم ﵊ هذا المعنى بإشارته بيده من غير لفظٍ، إشارةً يفهمها الأخرس والأعجميُّ (الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا (٧)) قال الرَّاوي: (يَعْنِي) ﵊: (مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ) قال في «الفتح»: هكذا ذكره آدم شيخ المؤلِّف مختصرًا، ورواه غندرٌ عن شعبة تامًّا، أخرجه مسلمٌ عن ابن المُثنَّى وغيره عنه بلفظ: «الشَّهر هكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثَّالثة، والشَّهر هكذا وهكذا وهكذا» يعني: تمام ثلاثين؛ أي (٨): أشار أوَّلًا بأصابع يديه العَشْرِ جميعًا مرَّتين، وقبض الإبهام في المرَّة الثَّالثة، وهذا هو المُعبَّر عنه بقوله: «تسعٌ وعشرون»، وأشار بهما مرَّةً أخرى ثلاث مرَّاتٍ، وهو المُعبَّر عنه بقوله: «ثلاثون».
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أوقعه قبل رَمَضَان، كمن اجْتهد وَصلى قبل الْوَقْت أَنه لَا يجْزِيه، وَقَالَ بعض الْعلمَاء: إِنَّه لَا يَقع وقُوف النَّاس الْيَوْم الثَّامِن أصلا لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يكون الْوُقُوف بِرُؤْيَة أَو بإغماء، فَإِن كَانَ بِرُؤْيَة وقفُوا الْيَوْم التَّاسِع، وَأَن كَانَ بإغماء وقفُوا الْيَوْم الْعَاشِر.
فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الشَّهْرَيْنِ بِالذكر؟ قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِنَّمَا خصهما بِالذكر لتَعلق حكم الصَّوْم وَالْحج بهما، وَبِه قطع النَّوَوِيّ. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: ظَاهر سِيَاق الحَدِيث بَيَان اخْتِصَاص الشَّهْرَيْنِ بمزية لَيست فِي غَيرهمَا من الشُّهُور، وَلَيْسَ المُرَاد أَن ثَوَاب الطَّاعَة فِي غَيرهمَا ينقص، وَإِنَّمَا المُرَاد رفع الْحَرج عَمَّا عَسى أَن يَقع فِيهِ خطأ فِي الحكم لاختصاصهما بالعيدين، وَجَوَاز احْتِمَال وُقُوع الْخَطَأ فِيهَا، وَمن ثمَّة قَالَ: (شهرا عيد) بعد قَوْله: (شَهْرَان لَا ينقصان) ، وَلم يقْتَصر على قَوْله: (رَمَضَان وَذُو الْحجَّة) .
وَفِيه: حجَّة لمن قَالَ: إِن الثَّوَاب لَيْسَ مُرَتبا على وجود الْمَشَقَّة دَائِما، بل لله أَن يتفضل بإلحاق النَّاقِص بالتام فِي الثَّوَاب، وَمِنْه اسْتدلَّ بَعضهم لمَالِك فِي اكتفائه لرمضان بنية وَاحِدَة، قَالَ: لِأَنَّهُ جعل الشَّهْر بجملته عبَادَة وَاحِدَة، فَاكْتفى لَهُ بِالنِّيَّةِ. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث أَنه يَقْتَضِي التَّسْوِيَة فِي الثَّوَاب بَين الشَّهْر الْكَامِل وَبَين الشَّهْر النَّاقِص، فَافْهَم.
٣١ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا نَكْتُبُ ولَا نَحْسُبُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا نكتب، بنُون الْمُتَكَلّم، وَكَذَلِكَ: لَا نحسب.
٣١٩١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا الأسْودُ بنُ قَيْسٍ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عَمُرٍ وأنَّهُ سَمِعَ ابنَ عمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ قَالَ إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةُ لَا نَكْتُبُ ولَا نَحْسُبُ الشَّهْرَ هَكَذَا أوْ هَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وعِشْرِينَ ومَرَّةً ثَلاثِينَ.
(انْظُر الحَدِيث ٨٠٩١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا بعض الحَدِيث، وَالْأسود بن قيس أَبُو قيس البَجلِيّ الْكُوفِي التَّابِعِيّ، مر فِي الْعِيد فِي: بَاب كَلَام الإِمَام، وَسَعِيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي مر فِي الْوضُوء، وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن الْمثنى وَابْن بشار، ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن ابْن مهْدي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَفِيه وَفِي الْعلم عَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص قَالَ: (ضرب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَدِهِ على الْأُخْرَى، وَقَالَ: الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا، ثمَّ نقص فِي الثَّالِثَة إصبعا) . وَأخرجه عَن جَابر بن عبد الله أَيْضا قَالَ: (اعتزل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الحَدِيث، وَفِيه: (إِن الشَّهْر يكون تسعا وَعشْرين) . وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود: (مَا صمت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تسعا وَعشْرين أَكثر مِمَّا صمنا ثَلَاثِينَ) ، وَعَن عَائِشَة مثله عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن مَاجَه مثله من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (إِنَّا) ، أَي: الْعَرَب، قَالَ الطَّيِّبِيّ: إِنَّا كِنَايَة عَن جيل الْعَرَب، وَقيل: أَرَادَ نَفسه، عَلَيْهِ السَّلَام. قَوْله: (أمة) أَي: جمَاعَة قُرَيْش مثل قَوْله تَعَالَى: {أمة من النَّاس يسقون} (الْقَصَص: ٣٢) . وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْأمة الْجَمَاعَة، وَقَالَ الْأَخْفَش: هُوَ فِي اللَّفْظ وَاحِد وَفِي الْمَعْنى جمع، وكل جنس من الْحَيَوَان أمة، وَالْأمة الطَّرِيقَة وَالدّين، يُقَال: فلَان لَا أمة لَهُ، أَي: لَا دين لَهُ، وَلَا نحلة لَهُ، وَكسر الْهمزَة فِيهِ لُغَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْأمة الرجل الْمُفْرد بدين لقَوْله تَعَالَى: {إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا لله} (النَّحْل: ٠٢١) . قَوْله: (أُميَّة) ، نِسْبَة إِلَى الْأُم، لِأَن الْمَرْأَة هَذِه صفتهَا غالبة، وَقيل: أَرَادَ أمة الْعَرَب لِأَنَّهَا لَا تكْتب، وَقيل: مَعْنَاهُ باقون على مَا ولدت عَلَيْهَا الْأُمَّهَات، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أمة أُميَّة لما تَأْخُذ عَن كتب الْأُمَم قبلهَا، إِنَّمَا أخذت عَمَّا جَاءَهُ الْوَحْي من الله، عز وَجل، وَقيل: منسوبون إِلَى أم الْقرى، وَقَالَ بَعضهم: مَنْسُوب إِلَى الْأُمَّهَات قلت: من لَهُ أدنى شمة من التصريف لَا يتَصَرَّف هَكَذَا. قَوْله: (لَا نكتب وَلَا نحسب) بَيَان لكَوْنهم كَذَلِك، وَقيل: الْعَرَب أُمِّيُّونَ لِأَن الْكتاب فيهم كَانَت عزيزة نادرة، قَالَ الله تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم} (الْجُمُعَة: ٢) . فَإِن قلت: كَانَ فيهم من يكْتب ويحسب؟ قلت: وَإِن كَانَ ذَلِك كَانَ نَادرا، وَالْمرَاد بِالْحِسَابِ هُنَا حِسَاب النُّجُوم وتسييرها، وَلم يَكُونُوا يعْرفُونَ من ذَلِك شَيْئا إلَاّ النّذر الْيَسِير، وعلق الشَّارِع الصَّوْم وَغَيره بِالرُّؤْيَةِ لرفع الْحَرج عَن أمته فِي معاناة حِسَاب التسيير، وَاسْتمرّ ذَلِك بَينهم، وَلَو حدث بعدهمْ من يعرف ذَلِك، بل ظَاهر قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ) .
يَنْفِي تَعْلِيق الحكم بِالْحِسَابِ أصلا، إِذْ لَو كَانَ الحكم يعلم من ذَلِك لقَالَ: فاسألوا أهل الْحساب، وَقد رَجَعَ قوم إِلَى أهل التسيير فِي ذَلِك، وهم الروافض، وَنقل عَن بعض الْفُقَهَاء موافقتهم، قَالَ القَاضِي: وَإِجْمَاع السّلف الصَّالح حجَّة عَلَيْهِم، وَقَالَ ابْن بزيزة، هُوَ مَذْهَب بَاطِل، فقد نهت الشَّرِيعَة عَن الْخَوْض فِي علم النُّجُوم لِأَنَّهَا حدس وتخمين لَيْسَ فِيهَا قطع وَلَا ظن غَالب، مَعَ أَنه لَو ارْتبط الْأَمر بهَا لضاق الْأَمر، إِذْ لَا يعرفهَا إِلَّا الْقَلِيل. قَوْله: (وَلَا نحسب) بِضَم السِّين، قَالَ ثَعْلَب: حسبت الْحساب أَحْسبهُ حسبا وحسبانا. وَفِي (شرح مكي) : أَحْسبهُ أَيْضا، بِمَعْنى. وَفِي (الْمُحكم) : حسابة وحسبة وحسبانا. وَقَالَ ابْن بطال وَغَيره: أُمَم لم تكلّف فِي تَعْرِيف مَوَاقِيت صومنا وَلَا عبادتنا مَا نحتاج فِيهِ إِلَى معرفَة حِسَاب وَلَا كِتَابَة إِنَّمَا ربطت عبادتنا بأعلام وَاضِحَة وَأُمُور ظَاهِرَة يَسْتَوِي فِي معرفَة ذَلِك الْحساب وَغَيرهم، ثمَّ تمم هَذَا الْمَعْنى بإشارته بِيَدِهِ وَلم يتَلَفَّظ بعبارته عَنهُ نزولاً مَا يفهمهُ الخرس والعجم، وَحصل من إِشَارَته بيدَيْهِ أَن الشَّهْر يكون ثَلَاثِينَ، وَمن خنس إبهامه فِي الثَّالِثَة أَنه يكون تسعا وَعشْرين، وعَلى هَذَا إِن من نذر أَن يَصُوم شهرا غير معِين فَلهُ أَن يَصُوم تسعا وَعشْرين، لِأَن ذَلِك يُقَال لَهُ شهر، كَمَا أَن من نذر صَلَاة أَجزَأَهُ من ذَلِك رَكْعَتَانِ، لِأَنَّهُ أقل مَا يصدق عَلَيْهِ الِاسْم، وَكَذَا من نذر صوما فصَام يَوْمًا أَجزَأَهُ، وَهُوَ خلاف مَا ذهب إِلَيْهِ مَالك، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجْزِيه إِذا صَامَهُ بِالْأَيَّامِ إلَاّ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، فَإِن صَامَهُ بالهلال فعلى الرُّؤْيَة.
وَفِيه: أَن يَوْم الشَّك من شعْبَان، قَالَ ابْن بطال: وَهَذَا الحَدِيث نَاسخ لمراعاة النُّجُوم بقوانين التَّعْدِيل، وَإِنَّمَا الْمعول على رُؤْيَة الْأَهِلّة، وَإِنَّمَا لنا أَن نَنْظُر فِي علم الْحساب مَا يكون عيَانًا أَو كالعيان، وَأما مَا غمض حَتَّى لَا يدْرك إلَاّ بالظنون ويكشف الهيآت الغائبة عَن الْأَبْصَار فقد نهينَا عَنهُ، وَعَن تكلفه لِأَن سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِنَّمَا بعث إِلَى الْأُمِّيين، وَفِي الحَدِيث مُسْتَند لمن رأى الحكم بِالْإِشَارَةِ والإيماء، كمن قَالَ امْرَأَته طَالِق وَأَشَارَ بأصابعه الثَّلَاث، فَإِنَّهُ يلْزمه ثَلَاث تَطْلِيقَات، وَالله أعلم.
٤١ - (بابٌ لَا يَتَقَدَّمَنَّ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ ولَا يَوْمَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يتقدمن ... إِلَى آخِره، وَهُوَ بالنُّون الْخَفِيفَة والثقيلة، وَفِي كثير من النّسخ: لَا يتَقَدَّم، بِدُونِ النُّون، وَيجوز فِيهِ بِنَاء الْمَعْلُوم والمجهول، وَالتَّقْدِير فِي بِنَاء الْمَعْلُوم لَا يتَقَدَّم الْمُكَلف.
٤١٩١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رَمَضانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ إلَاّ أنْ يَكُونَ رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا مَأْخُوذَة مِنْهُ. وَرِجَاله مروا غير مرّة، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي.
وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا من حَدِيث عَليّ بن الْمُبَارك عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ،
قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تقدمُوا رَمَضَان بِصَوْم يَوْم وَلَا يَوْمَيْنِ إلَاّ رجل كَانَ يَصُوم صوما فليصمه) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم ابْن إِبْرَاهِيم شيخ البُخَارِيّ قَالَ: أخبرنَا هِشَام عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يتقدمن أحدكُم صَوْم رَمَضَان بِيَوْم وَلَا يَوْمَيْنِ إلَاّ أَن يكون رجل كَانَ يَصُوم صوما فليصم ذَلِك الْيَوْم) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ: حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بب عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تقدمُوا الشَّهْر بِيَوْم وَلَا بيومين إلَاّ أَن يُوَافق ذَلِك صوما وَكَانَ يَصُومهُ أحدكُم، صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته) . الحَدِيث، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، قَالَ: أخبرنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: أخبرنَا الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (أَلا لَا تقدمُوا قبل الشَّهْر بصيام إلَاّ رجل كَانَ يَصُوم صياما أَتَى ذَلِك الْيَوْم على صيامة) . وَأخرجه ابْن مَاجَه: حَدثنَا هِشَام بن عمار، وَقَالَ: حَدثنَا عبد الحميد بن حبيب والوليد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تقدمُوا صِيَام رَمَضَان بِيَوْم وَلَا بيومين إلَاّ رجل كَانَ يَصُوم صوما فيصومه) ، وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت: حَدِيث بعض أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة مَنْصُور عَن ربعي عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا تقدمُوا الشَّهْر حَتَّى تروا الْهلَال) الحَدِيث. وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن حُذَيْفَة عِنْد أبي دَاوُد، وَعَن ابْن عَبَّاس عِنْد أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَعَن عَائِشَة عِنْد أبي دَاوُد أَيْضا عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد الْبَيْهَقِيّ، وَعَن جَابر بن خديج عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، وَعَن ابْن مَسْعُود عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَعَن ابْن عمر عِنْد مُسلم، وَعَن عَليّ بن أبي طَالب عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ، وَعَن طلق بن عَليّ عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا، وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا، وَعَن الْبَراء بن عَازِب عِنْده أَيْضا.
قَوْله: (عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة) ، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة خَالِد بن الْحَارِث: حَدثنِي أَبُو سَلمَة حَدثنِي أَبُو هُرَيْرَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي عوَانَة من طَرِيق مُعَاوِيَة بن سَلام عَن يحيى. قَوْله: (لَا يتقدمن أحدكُم رَمَضَان) ، فِي رِوَايَة خَالِد بن الْحَارِث الْمَذْكُور: (لَا تقدمُوا بَين يَدي رَمَضَان بِصَوْم) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن روح عَن هِشَام: (لَا تقدمُوا قبل رَمَضَان بِصَوْم) ، قَوْله: (إلَاّ أَن يكون رجل) ، يكون، هُنَا تَامَّة مَعْنَاهُ: إلَاّ أَن يُوجد رجل يَصُوم صوما. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (صَوْمه) أَي: صَوْمه الْمُعْتَاد كَصَوْم الْورْد أَو النّذر أَو الْكَفَّارَة.
وَقَالَ الْعلمَاء: معنى الحَدِيث: لَا تستقبلوا رَمَضَان بصيام على نِيَّة الِاخْتِلَاط لرمضان، تحذيرا مِمَّا صنعت النَّصَارَى فِي الزِّيَادَة على مَا افْترض عَلَيْهِم برأيهم الْفَاسِد، فَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْمر بمخالفة أهل الْكتاب وَكَانَ أَولا يحب مُوَافقَة أهل الْكتاب فِيمَا لم يُؤمر فِيهِ بِشَيْء، ثمَّ أَمر بعد ذَلِك بمخالفتهم. فَإِن قلت: هَذَا النَّهْي للتَّحْرِيم أَو للتنزيه؟ قلت: حكى التِّرْمِذِيّ عَن أهل الْعلم الْكَرَاهَة، وَكَثِيرًا مَا يُطلق المتقدمون الْكَرَاهَة على التَّحْرِيم، وَلَا شكّ أَن فِيهِ تَفْصِيلًا واختلافا للْعُلَمَاء، فَذهب دَاوُد إِلَى أَنه لَا يَصح صَوْمه أصلا، وَلَو وَافق عَادَة لَهُ، وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه لَا يجوز أَن يصام آخر يَوْم من شعْبَان تَطَوّعا إلَاّ أَن يُوَافق صوما كَانَ يَصُومهُ، وَأخذُوا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث، رُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَعلي وعمار وَحُذَيْفَة وَابْن مَسْعُود، وَمن التَّابِعين سعيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَابْن سِيرِين، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَكَانَ ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة يأمران بفصل يَوْم أَو يَوْمَيْنِ كَمَا استحبوا أَن يفصلوا بَين صَلَاة الْفَرِيضَة والنافلة بِكَلَام أَو قيام أَو تقدم أَو تَأَخّر، وَقَالَ عِكْرِمَة: من صَامَ يَوْم الشَّك فقد عصى الله وَرَسُوله، وأجازت طَائِفَة صَوْمه تَطَوّعا، رُوِيَ عَن عَائِشَة وَأَسْمَاء أُخْتهَا أَنَّهُمَا كَانَتَا تصومان يَوْم الشَّك، وَقَالَت عَائِشَة: لِأَن أَصوم يَوْمًا من شعْبَان أحب إِلَيّ من أَن أفطر يَوْمًا من رَمَضَان، وَهُوَ قَول اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق، وَذكر ابْن الْمُنْذر عَن عَطاء وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن أَنه: إِذا نوى صَوْمه من اللَّيْل على أَنه من رَمَضَان ثمَّ علم بالهلال أَو النَّهَار أَو آخِره أَنه يجْزِيه، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه.
وَقيل الْحِكْمَة فِي هَذَا النَّهْي التَّقْوَى بِالْفطرِ لرمضان ليدْخل فِيهِ بِقُوَّة ونشاط، وَقيل: لِأَن الحكم علق بِالرُّؤْيَةِ فَمن تقدمه بِيَوْم أَو بيومين فقد حاول الطعْن فِي ذَلِك الحكم، وَإِنَّمَا اقْتصر على يَوْم أَو يَوْمَيْنِ لِأَنَّهُ الْغَالِب مِمَّن يقْصد ذَلِك، وَقَالُوا: غَايَة الْمَنْع من أول السَّادِس عشر من شعْبَان لما رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (إِذا انتصف شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، وَأخرجه ابْن حبَان وَصَححهُ، وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ من الشَّافِعِيَّة: يحرم التَّقَدُّم بيومين لحَدِيث الْبَاب، وَيكرهُ التَّقَدُّم من نصف شعْبَان للْحَدِيث الآخر، وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: يجوز الصَّوْم تَطَوّعا بعد النّصْف من شعْبَان، وَقَالَ بَعضهم: وَضعف الحَدِيث الْوَارِد فِيهِ، وَقد قَالَ أَحْمد وَابْن معِين: إِنَّه مُنكر، وَقد اسْتدلَّ الْبَيْهَقِيّ بِحَدِيث الْبَاب على ضعفه، فَقَالَ: الرُّخْصَة فِي ذَلِك بِمَا هُوَ أصح من حَدِيث الْعَلَاء، قلت: هَذَا الحَدِيث صَححهُ ابْن حبَان وَابْن حزم وَابْن عبد الْبر، وَلما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ قَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَلَفظه: (إِذا بَقِي نصف من شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، وَلَفظ النَّسَائِيّ: (فكفوا عَن الصَّوْم) ، وَلَفظ ابْن مَاجَه: (وَإِذا كَانَ النّصْف من شعْبَان فَلَا صَوْم حَتَّى يَجِيء رَمَضَان) ، وَلَفظ ابْن حبَان: (فأفطروا حَتَّى يَجِيء رَمَضَان) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (لَا صَوْم بعد النّصْف من شعْبَان حَتَّى يَجِيء رَمَضَان) ، وَلَفظ ابْن عدي: (إِذا انتصف شعْبَان فأفطروا) ، وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: إِنَّهُ الصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ. وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ عَنْهُمَا مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْأَحْكَامِ حَاصِلٌ سَوَاءٌ كَانَ رَمَضَانُ ثَلَاثِينَ أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، سَوَاءٌ صَادَفَ الْوُقُوفُ الْيَوْمَ التَّاسِعَ أَوْ غَيْرَهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ تَقْصِيرٌ فِي ابْتِغَاءِ الْهِلَالِ، وَفَائِدَةُ الْحَدِيثِ رَفْعُ مَا يَقَعُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ شَكٍّ لِمَنْ صَامَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَوْ وَقَفَ فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِمْكَانَ الْوُقُوفِ فِي الثَّامِنِ اجْتِهَادًا، وَلَيْسَ مُشْكِلًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ثَبَتَتِ الرُّؤْيَةُ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ الْخَمِيسُ مَثَلًا فَوَقَفُوا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا شَهِدَا زُورًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ظَاهِرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ بَيَانُ اخْتِصَاصِ الشَّهْرَيْنِ بِمَزِيَّةٍ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الشُّهُورِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ثَوَابَ الطَّاعَةِ فِي غَيْرِهِمَا يَنْقُصُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ رَفْعُ الْحَرَجِ عَمَّا عَسَى أَنْ يَقَعَ فِيهِ خَطَأٌ فِي الْحُكْمِ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِالْعِيدَيْنِ وَجَوَازِ احْتِمَالِ وُقُوعِ الْخَطَأِ فِيهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: شَهْرَا عِيدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ: رَمَضَانَ وَذِي الْحِجَّةِ. انْتَهَى.
وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ مُرَتَّبًا عَلَى وُجُودِ الْمَشَقَّةِ دَائِمًا، بَلْ لِلَّهِ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِإِلْحَاقِ النَّاقِصِ بِالتَّامِّ فِي الثَّوَابِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ لِمَالِكٍ فِي اكْتِفَائِهِ لِرَمَضَانَ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ: لِأَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ بِجُمْلَتِهِ عِبَادَةً وَاحِدَةً فَاكْتَفَى لَهُ بِالنِّيَّةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي الثَّوَابِ بَيْنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَبَيْنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَكُونُ ثَلَاثِينَ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى جَعْلِ الثَّوَابِ مُتَعَلِّقًا بِالشَّهْرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ لَا مِنْ حَيْثُ تَفْضِيلِ الْأَيَّامِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: لَا يَتِمُّ شَهْرَانِ سِتِّينَ يَوْمًا وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ: إِنْ ثَبَتَ فَمَعْنَاهُ: لَا يَكُونَانِ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِسَنَدِهِ هَذَا بِلَفْظِ: كُلُّ شَهْرٍ حَرَامٍ لَا يَنْقُصُ، ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَثَلَاثُونَ لَيْلَةً وَهَذَا بِهَذَا اللَّفْظِ شَاذٌّ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ خَالِدٍ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الَّذِي تَوَارَدَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِهِ كَشُعْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَيَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ إِسْحَاقَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ لَا يُقَاوِمُ خَالِدًا الْحَذَّاءَ فِي الْحِفْظِ.
قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا فَقَدْ دَخَلَ لِهُشَيْمٍ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي أَوْرَدَهُ عَنْ خَالِدٍ هُوَ لَفْظُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَيْضًا فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ.
قَوْلُهُ: (رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ) أَطْلَقَ عَلَى رَمَضَانَ أَنَّهُ شَهْرُ عِيدٍ لِقُرْبِهِ مِنَ الْعِيدِ، أَوْ لِكَوْنِ هِلَالِ الْعِيدِ رُبَّمَا رُؤِيَ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَهُ الْأَثْرَمُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﷺ: الْمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهَارِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ لَيْلِيَّةٌ جَهْرِيَّةٌ، وَأَطْلَقَ كَوْنَهَا وِتْرَ النَّهَارِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا يَقَعُ أَوَّلَ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ.
(تَنْبِيهٌ): لَيْسَ لِإِسْحَاقَ بْنِ سُوَيْدٍ - وَهُوَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْبَصْرِيُّ الْعَدَوِيُّ، عَدِيُّ مُضَرَ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، رَوَى هُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ كَبِيرٍ - فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَقْرُونًا بِخَالِدٍ الْحَذَّاءِ وَقَدْ رُمِيَ بِالنَّصْبِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ بِهَذَا السَّبَبِ.
١٣ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ
١٩١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
١٩١٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) الكوفيُّ التَّابعيُّ الصَّغير قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين ابن سعيد ابن العاص المدنيُّ، سكن دمشق ثمَّ الكوفة: (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا) أي: العربَ أو نفسَه المُقدَّسة (أُمَّةٌ) جماعة قريشٍ (١) (أُمِّيَّةٌ) بلفظ النَّسب (٢) إلى الأمِّ (٣)، أي: باقون على الحالة التي ولدتنا عليها الأمَّهات (لَا نَكْتُبُ) بيانٌ لكونهم كذلك، أو المرادُ النِّسبةُ إلى أمَّة العرب لأنَّهم ليسوا أهل كتابٍ، والكاتب منهم (٤) نادرٌ (٥) (وَلَا نَحْسُبُ) بضمِّ السِّين، لا نعرف حساب النُّجوم وتسييرها، فلم نُكلَّف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه (٦) إلى معرفة حسابٍ ولا كتابةٍ، إنَّما رُبِطت عبادتنا بأعلامٍ واضحة، وأمورٍ ظاهرةٍ لائحة، يستوي في معرفتها الحُسَّاب وغيرهم، ثمَّ تمَّم ﵊ هذا المعنى بإشارته بيده من غير لفظٍ، إشارةً يفهمها الأخرس والأعجميُّ (الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا (٧)) قال الرَّاوي: (يَعْنِي) ﵊: (مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ) قال في «الفتح»: هكذا ذكره آدم شيخ المؤلِّف مختصرًا، ورواه غندرٌ عن شعبة تامًّا، أخرجه مسلمٌ عن ابن المُثنَّى وغيره عنه بلفظ: «الشَّهر هكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثَّالثة، والشَّهر هكذا وهكذا وهكذا» يعني: تمام ثلاثين؛ أي (٨): أشار أوَّلًا بأصابع يديه العَشْرِ جميعًا مرَّتين، وقبض الإبهام في المرَّة الثَّالثة، وهذا هو المُعبَّر عنه بقوله: «تسعٌ وعشرون»، وأشار بهما مرَّةً أخرى ثلاث مرَّاتٍ، وهو المُعبَّر عنه بقوله: «ثلاثون».
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
أوقعه قبل رَمَضَان، كمن اجْتهد وَصلى قبل الْوَقْت أَنه لَا يجْزِيه، وَقَالَ بعض الْعلمَاء: إِنَّه لَا يَقع وقُوف النَّاس الْيَوْم الثَّامِن أصلا لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يكون الْوُقُوف بِرُؤْيَة أَو بإغماء، فَإِن كَانَ بِرُؤْيَة وقفُوا الْيَوْم التَّاسِع، وَأَن كَانَ بإغماء وقفُوا الْيَوْم الْعَاشِر.
فَإِن قلت: مَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الشَّهْرَيْنِ بِالذكر؟ قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: إِنَّمَا خصهما بِالذكر لتَعلق حكم الصَّوْم وَالْحج بهما، وَبِه قطع النَّوَوِيّ. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: ظَاهر سِيَاق الحَدِيث بَيَان اخْتِصَاص الشَّهْرَيْنِ بمزية لَيست فِي غَيرهمَا من الشُّهُور، وَلَيْسَ المُرَاد أَن ثَوَاب الطَّاعَة فِي غَيرهمَا ينقص، وَإِنَّمَا المُرَاد رفع الْحَرج عَمَّا عَسى أَن يَقع فِيهِ خطأ فِي الحكم لاختصاصهما بالعيدين، وَجَوَاز احْتِمَال وُقُوع الْخَطَأ فِيهَا، وَمن ثمَّة قَالَ: (شهرا عيد) بعد قَوْله: (شَهْرَان لَا ينقصان) ، وَلم يقْتَصر على قَوْله: (رَمَضَان وَذُو الْحجَّة) .
وَفِيه: حجَّة لمن قَالَ: إِن الثَّوَاب لَيْسَ مُرَتبا على وجود الْمَشَقَّة دَائِما، بل لله أَن يتفضل بإلحاق النَّاقِص بالتام فِي الثَّوَاب، وَمِنْه اسْتدلَّ بَعضهم لمَالِك فِي اكتفائه لرمضان بنية وَاحِدَة، قَالَ: لِأَنَّهُ جعل الشَّهْر بجملته عبَادَة وَاحِدَة، فَاكْتفى لَهُ بِالنِّيَّةِ. وَمِمَّا يُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث أَنه يَقْتَضِي التَّسْوِيَة فِي الثَّوَاب بَين الشَّهْر الْكَامِل وَبَين الشَّهْر النَّاقِص، فَافْهَم.
٣١ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا نَكْتُبُ ولَا نَحْسُبُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا نكتب، بنُون الْمُتَكَلّم، وَكَذَلِكَ: لَا نحسب.
٣١٩١ - حدَّثنا آدَمُ قَالَ حدَّثنا شُعْبَةُ قَالَ حدَّثنا الأسْودُ بنُ قَيْسٍ قَالَ حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عَمُرٍ وأنَّهُ سَمِعَ ابنَ عمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّهُ قَالَ إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةُ لَا نَكْتُبُ ولَا نَحْسُبُ الشَّهْرَ هَكَذَا أوْ هَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وعِشْرِينَ ومَرَّةً ثَلاثِينَ.
(انْظُر الحَدِيث ٨٠٩١ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا بعض الحَدِيث، وَالْأسود بن قيس أَبُو قيس البَجلِيّ الْكُوفِي التَّابِعِيّ، مر فِي الْعِيد فِي: بَاب كَلَام الإِمَام، وَسَعِيد بن عَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي مر فِي الْوضُوء، وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن الْمثنى وَابْن بشار، ثَلَاثَتهمْ عَن غنْدر عَن شُعْبَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن ابْن مهْدي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَفِيه وَفِي الْعلم عَن ابْن الْمثنى وَابْن بشار، كِلَاهُمَا عَن غنْدر بِهِ. وَأخرجه مُسلم من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص قَالَ: (ضرب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِيَدِهِ على الْأُخْرَى، وَقَالَ: الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا، ثمَّ نقص فِي الثَّالِثَة إصبعا) . وَأخرجه عَن جَابر بن عبد الله أَيْضا قَالَ: (اعتزل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) الحَدِيث، وَفِيه: (إِن الشَّهْر يكون تسعا وَعشْرين) . وَأخرج أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن مَسْعُود: (مَا صمت مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تسعا وَعشْرين أَكثر مِمَّا صمنا ثَلَاثِينَ) ، وَعَن عَائِشَة مثله عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ وَابْن مَاجَه مثله من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (إِنَّا) ، أَي: الْعَرَب، قَالَ الطَّيِّبِيّ: إِنَّا كِنَايَة عَن جيل الْعَرَب، وَقيل: أَرَادَ نَفسه، عَلَيْهِ السَّلَام. قَوْله: (أمة) أَي: جمَاعَة قُرَيْش مثل قَوْله تَعَالَى: {أمة من النَّاس يسقون} (الْقَصَص: ٣٢) . وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الْأمة الْجَمَاعَة، وَقَالَ الْأَخْفَش: هُوَ فِي اللَّفْظ وَاحِد وَفِي الْمَعْنى جمع، وكل جنس من الْحَيَوَان أمة، وَالْأمة الطَّرِيقَة وَالدّين، يُقَال: فلَان لَا أمة لَهُ، أَي: لَا دين لَهُ، وَلَا نحلة لَهُ، وَكسر الْهمزَة فِيهِ لُغَة، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْأمة الرجل الْمُفْرد بدين لقَوْله تَعَالَى: {إِن إِبْرَاهِيم كَانَ أمة قَانِتًا لله} (النَّحْل: ٠٢١) . قَوْله: (أُميَّة) ، نِسْبَة إِلَى الْأُم، لِأَن الْمَرْأَة هَذِه صفتهَا غالبة، وَقيل: أَرَادَ أمة الْعَرَب لِأَنَّهَا لَا تكْتب، وَقيل: مَعْنَاهُ باقون على مَا ولدت عَلَيْهَا الْأُمَّهَات، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أمة أُميَّة لما تَأْخُذ عَن كتب الْأُمَم قبلهَا، إِنَّمَا أخذت عَمَّا جَاءَهُ الْوَحْي من الله، عز وَجل، وَقيل: منسوبون إِلَى أم الْقرى، وَقَالَ بَعضهم: مَنْسُوب إِلَى الْأُمَّهَات قلت: من لَهُ أدنى شمة من التصريف لَا يتَصَرَّف هَكَذَا. قَوْله: (لَا نكتب وَلَا نحسب) بَيَان لكَوْنهم كَذَلِك، وَقيل: الْعَرَب أُمِّيُّونَ لِأَن الْكتاب فيهم كَانَت عزيزة نادرة، قَالَ الله تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بعث فِي الْأُمِّيين رَسُولا مِنْهُم} (الْجُمُعَة: ٢) . فَإِن قلت: كَانَ فيهم من يكْتب ويحسب؟ قلت: وَإِن كَانَ ذَلِك كَانَ نَادرا، وَالْمرَاد بِالْحِسَابِ هُنَا حِسَاب النُّجُوم وتسييرها، وَلم يَكُونُوا يعْرفُونَ من ذَلِك شَيْئا إلَاّ النّذر الْيَسِير، وعلق الشَّارِع الصَّوْم وَغَيره بِالرُّؤْيَةِ لرفع الْحَرج عَن أمته فِي معاناة حِسَاب التسيير، وَاسْتمرّ ذَلِك بَينهم، وَلَو حدث بعدهمْ من يعرف ذَلِك، بل ظَاهر قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ) .
يَنْفِي تَعْلِيق الحكم بِالْحِسَابِ أصلا، إِذْ لَو كَانَ الحكم يعلم من ذَلِك لقَالَ: فاسألوا أهل الْحساب، وَقد رَجَعَ قوم إِلَى أهل التسيير فِي ذَلِك، وهم الروافض، وَنقل عَن بعض الْفُقَهَاء موافقتهم، قَالَ القَاضِي: وَإِجْمَاع السّلف الصَّالح حجَّة عَلَيْهِم، وَقَالَ ابْن بزيزة، هُوَ مَذْهَب بَاطِل، فقد نهت الشَّرِيعَة عَن الْخَوْض فِي علم النُّجُوم لِأَنَّهَا حدس وتخمين لَيْسَ فِيهَا قطع وَلَا ظن غَالب، مَعَ أَنه لَو ارْتبط الْأَمر بهَا لضاق الْأَمر، إِذْ لَا يعرفهَا إِلَّا الْقَلِيل. قَوْله: (وَلَا نحسب) بِضَم السِّين، قَالَ ثَعْلَب: حسبت الْحساب أَحْسبهُ حسبا وحسبانا. وَفِي (شرح مكي) : أَحْسبهُ أَيْضا، بِمَعْنى. وَفِي (الْمُحكم) : حسابة وحسبة وحسبانا. وَقَالَ ابْن بطال وَغَيره: أُمَم لم تكلّف فِي تَعْرِيف مَوَاقِيت صومنا وَلَا عبادتنا مَا نحتاج فِيهِ إِلَى معرفَة حِسَاب وَلَا كِتَابَة إِنَّمَا ربطت عبادتنا بأعلام وَاضِحَة وَأُمُور ظَاهِرَة يَسْتَوِي فِي معرفَة ذَلِك الْحساب وَغَيرهم، ثمَّ تمم هَذَا الْمَعْنى بإشارته بِيَدِهِ وَلم يتَلَفَّظ بعبارته عَنهُ نزولاً مَا يفهمهُ الخرس والعجم، وَحصل من إِشَارَته بيدَيْهِ أَن الشَّهْر يكون ثَلَاثِينَ، وَمن خنس إبهامه فِي الثَّالِثَة أَنه يكون تسعا وَعشْرين، وعَلى هَذَا إِن من نذر أَن يَصُوم شهرا غير معِين فَلهُ أَن يَصُوم تسعا وَعشْرين، لِأَن ذَلِك يُقَال لَهُ شهر، كَمَا أَن من نذر صَلَاة أَجزَأَهُ من ذَلِك رَكْعَتَانِ، لِأَنَّهُ أقل مَا يصدق عَلَيْهِ الِاسْم، وَكَذَا من نذر صوما فصَام يَوْمًا أَجزَأَهُ، وَهُوَ خلاف مَا ذهب إِلَيْهِ مَالك، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجْزِيه إِذا صَامَهُ بِالْأَيَّامِ إلَاّ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، فَإِن صَامَهُ بالهلال فعلى الرُّؤْيَة.
وَفِيه: أَن يَوْم الشَّك من شعْبَان، قَالَ ابْن بطال: وَهَذَا الحَدِيث نَاسخ لمراعاة النُّجُوم بقوانين التَّعْدِيل، وَإِنَّمَا الْمعول على رُؤْيَة الْأَهِلّة، وَإِنَّمَا لنا أَن نَنْظُر فِي علم الْحساب مَا يكون عيَانًا أَو كالعيان، وَأما مَا غمض حَتَّى لَا يدْرك إلَاّ بالظنون ويكشف الهيآت الغائبة عَن الْأَبْصَار فقد نهينَا عَنهُ، وَعَن تكلفه لِأَن سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، إِنَّمَا بعث إِلَى الْأُمِّيين، وَفِي الحَدِيث مُسْتَند لمن رأى الحكم بِالْإِشَارَةِ والإيماء، كمن قَالَ امْرَأَته طَالِق وَأَشَارَ بأصابعه الثَّلَاث، فَإِنَّهُ يلْزمه ثَلَاث تَطْلِيقَات، وَالله أعلم.
٤١ - (بابٌ لَا يَتَقَدَّمَنَّ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ ولَا يَوْمَيْنِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يتقدمن ... إِلَى آخِره، وَهُوَ بالنُّون الْخَفِيفَة والثقيلة، وَفِي كثير من النّسخ: لَا يتَقَدَّم، بِدُونِ النُّون، وَيجوز فِيهِ بِنَاء الْمَعْلُوم والمجهول، وَالتَّقْدِير فِي بِنَاء الْمَعْلُوم لَا يتَقَدَّم الْمُكَلف.
٤١٩١ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثنا يحْيَى بنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رَمَضانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ إلَاّ أنْ يَكُونَ رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا مَأْخُوذَة مِنْهُ. وَرِجَاله مروا غير مرّة، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي.
وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا من حَدِيث عَليّ بن الْمُبَارك عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ،
قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تقدمُوا رَمَضَان بِصَوْم يَوْم وَلَا يَوْمَيْنِ إلَاّ رجل كَانَ يَصُوم صوما فليصمه) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسلم ابْن إِبْرَاهِيم شيخ البُخَارِيّ قَالَ: أخبرنَا هِشَام عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (لَا يتقدمن أحدكُم صَوْم رَمَضَان بِيَوْم وَلَا يَوْمَيْنِ إلَاّ أَن يكون رجل كَانَ يَصُوم صوما فليصم ذَلِك الْيَوْم) . وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ: حَدثنَا أَبُو كريب حَدثنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن مُحَمَّد بب عَمْرو عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تقدمُوا الشَّهْر بِيَوْم وَلَا بيومين إلَاّ أَن يُوَافق ذَلِك صوما وَكَانَ يَصُومهُ أحدكُم، صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته) . الحَدِيث، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، قَالَ: أخبرنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، قَالَ: أخبرنَا الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (أَلا لَا تقدمُوا قبل الشَّهْر بصيام إلَاّ رجل كَانَ يَصُوم صياما أَتَى ذَلِك الْيَوْم على صيامة) . وَأخرجه ابْن مَاجَه: حَدثنَا هِشَام بن عمار، وَقَالَ: حَدثنَا عبد الحميد بن حبيب والوليد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تقدمُوا صِيَام رَمَضَان بِيَوْم وَلَا بيومين إلَاّ رجل كَانَ يَصُوم صوما فيصومه) ، وَلما أخرج التِّرْمِذِيّ هَذَا الحَدِيث قَالَ: وَفِي الْبَاب عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قلت: حَدِيث بعض أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة مَنْصُور عَن ربعي عَن بعض أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لَا تقدمُوا الشَّهْر حَتَّى تروا الْهلَال) الحَدِيث. وَفِي الْبَاب أَيْضا عَن حُذَيْفَة عِنْد أبي دَاوُد، وَعَن ابْن عَبَّاس عِنْد أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَعَن عَائِشَة عِنْد أبي دَاوُد أَيْضا عَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد الْبَيْهَقِيّ، وَعَن جَابر بن خديج عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، وَعَن ابْن مَسْعُود عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَعَن ابْن عمر عِنْد مُسلم، وَعَن عَليّ بن أبي طَالب عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ، وَعَن طلق بن عَليّ عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا، وَعَن سَمُرَة بن جُنْدُب عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَيْضا، وَعَن الْبَراء بن عَازِب عِنْده أَيْضا.
قَوْله: (عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة) ، وَعند الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة خَالِد بن الْحَارِث: حَدثنِي أَبُو سَلمَة حَدثنِي أَبُو هُرَيْرَة، وَكَذَا فِي رِوَايَة أبي عوَانَة من طَرِيق مُعَاوِيَة بن سَلام عَن يحيى. قَوْله: (لَا يتقدمن أحدكُم رَمَضَان) ، فِي رِوَايَة خَالِد بن الْحَارِث الْمَذْكُور: (لَا تقدمُوا بَين يَدي رَمَضَان بِصَوْم) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد عَن روح عَن هِشَام: (لَا تقدمُوا قبل رَمَضَان بِصَوْم) ، قَوْله: (إلَاّ أَن يكون رجل) ، يكون، هُنَا تَامَّة مَعْنَاهُ: إلَاّ أَن يُوجد رجل يَصُوم صوما. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (صَوْمه) أَي: صَوْمه الْمُعْتَاد كَصَوْم الْورْد أَو النّذر أَو الْكَفَّارَة.
وَقَالَ الْعلمَاء: معنى الحَدِيث: لَا تستقبلوا رَمَضَان بصيام على نِيَّة الِاخْتِلَاط لرمضان، تحذيرا مِمَّا صنعت النَّصَارَى فِي الزِّيَادَة على مَا افْترض عَلَيْهِم برأيهم الْفَاسِد، فَكَانَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْمر بمخالفة أهل الْكتاب وَكَانَ أَولا يحب مُوَافقَة أهل الْكتاب فِيمَا لم يُؤمر فِيهِ بِشَيْء، ثمَّ أَمر بعد ذَلِك بمخالفتهم. فَإِن قلت: هَذَا النَّهْي للتَّحْرِيم أَو للتنزيه؟ قلت: حكى التِّرْمِذِيّ عَن أهل الْعلم الْكَرَاهَة، وَكَثِيرًا مَا يُطلق المتقدمون الْكَرَاهَة على التَّحْرِيم، وَلَا شكّ أَن فِيهِ تَفْصِيلًا واختلافا للْعُلَمَاء، فَذهب دَاوُد إِلَى أَنه لَا يَصح صَوْمه أصلا، وَلَو وَافق عَادَة لَهُ، وَذَهَبت طَائِفَة إِلَى أَنه لَا يجوز أَن يصام آخر يَوْم من شعْبَان تَطَوّعا إلَاّ أَن يُوَافق صوما كَانَ يَصُومهُ، وَأخذُوا بِظَاهِر هَذَا الحَدِيث، رُوِيَ ذَلِك عَن عمر بن الْخطاب وَعلي وعمار وَحُذَيْفَة وَابْن مَسْعُود، وَمن التَّابِعين سعيد بن الْمسيب وَالشعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَالْحسن وَابْن سِيرِين، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَكَانَ ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة يأمران بفصل يَوْم أَو يَوْمَيْنِ كَمَا استحبوا أَن يفصلوا بَين صَلَاة الْفَرِيضَة والنافلة بِكَلَام أَو قيام أَو تقدم أَو تَأَخّر، وَقَالَ عِكْرِمَة: من صَامَ يَوْم الشَّك فقد عصى الله وَرَسُوله، وأجازت طَائِفَة صَوْمه تَطَوّعا، رُوِيَ عَن عَائِشَة وَأَسْمَاء أُخْتهَا أَنَّهُمَا كَانَتَا تصومان يَوْم الشَّك، وَقَالَت عَائِشَة: لِأَن أَصوم يَوْمًا من شعْبَان أحب إِلَيّ من أَن أفطر يَوْمًا من رَمَضَان، وَهُوَ قَول اللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَأحمد وَإِسْحَاق، وَذكر ابْن الْمُنْذر عَن عَطاء وَعمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن أَنه: إِذا نوى صَوْمه من اللَّيْل على أَنه من رَمَضَان ثمَّ علم بالهلال أَو النَّهَار أَو آخِره أَنه يجْزِيه، وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَأَصْحَابه.
وَقيل الْحِكْمَة فِي هَذَا النَّهْي التَّقْوَى بِالْفطرِ لرمضان ليدْخل فِيهِ بِقُوَّة ونشاط، وَقيل: لِأَن الحكم علق بِالرُّؤْيَةِ فَمن تقدمه بِيَوْم أَو بيومين فقد حاول الطعْن فِي ذَلِك الحكم، وَإِنَّمَا اقْتصر على يَوْم أَو يَوْمَيْنِ لِأَنَّهُ الْغَالِب مِمَّن يقْصد ذَلِك، وَقَالُوا: غَايَة الْمَنْع من أول السَّادِس عشر من شعْبَان لما رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن من حَدِيث الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (إِذا انتصف شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، وَأخرجه ابْن حبَان وَصَححهُ، وَقَالَ الرَّوْيَانِيّ من الشَّافِعِيَّة: يحرم التَّقَدُّم بيومين لحَدِيث الْبَاب، وَيكرهُ التَّقَدُّم من نصف شعْبَان للْحَدِيث الآخر، وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء: يجوز الصَّوْم تَطَوّعا بعد النّصْف من شعْبَان، وَقَالَ بَعضهم: وَضعف الحَدِيث الْوَارِد فِيهِ، وَقد قَالَ أَحْمد وَابْن معِين: إِنَّه مُنكر، وَقد اسْتدلَّ الْبَيْهَقِيّ بِحَدِيث الْبَاب على ضعفه، فَقَالَ: الرُّخْصَة فِي ذَلِك بِمَا هُوَ أصح من حَدِيث الْعَلَاء، قلت: هَذَا الحَدِيث صَححهُ ابْن حبَان وَابْن حزم وَابْن عبد الْبر، وَلما رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ قَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَلَفظه: (إِذا بَقِي نصف من شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، وَلَفظ النَّسَائِيّ: (فكفوا عَن الصَّوْم) ، وَلَفظ ابْن مَاجَه: (وَإِذا كَانَ النّصْف من شعْبَان فَلَا صَوْم حَتَّى يَجِيء رَمَضَان) ، وَلَفظ ابْن حبَان: (فأفطروا حَتَّى يَجِيء رَمَضَان) ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: (لَا صَوْم بعد النّصْف من شعْبَان حَتَّى يَجِيء رَمَضَان) ، وَلَفظ ابْن عدي: (إِذا انتصف شعْبَان فأفطروا) ، وَلَفظ الْبَيْهَقِيّ: