«إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩١٣

الحديث رقم ١٩١٣ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب قول النبي ﷺ لا نكتب ولا نحسب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩١٣ في صحيح البخاري

«إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ.»

بَابٌ: لَا يَتَقَدَّمَنَّ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ

إسناد حديث البخاري رقم ١٩١٣

١٩١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ : حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو : أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

⦗٢٨⦘

وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩١٣: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: إِنَّهُ الصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ. وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ عَنْهُمَا مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْأَحْكَامِ حَاصِلٌ سَوَاءٌ كَانَ رَمَضَانُ ثَلَاثِينَ أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، سَوَاءٌ صَادَفَ الْوُقُوفُ الْيَوْمَ التَّاسِعَ أَوْ غَيْرَهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ تَقْصِيرٌ فِي ابْتِغَاءِ الْهِلَالِ، وَفَائِدَةُ الْحَدِيثِ رَفْعُ مَا يَقَعُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ شَكٍّ لِمَنْ صَامَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَوْ وَقَفَ فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِمْكَانَ الْوُقُوفِ فِي الثَّامِنِ اجْتِهَادًا، وَلَيْسَ مُشْكِلًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ثَبَتَتِ الرُّؤْيَةُ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ الْخَمِيسُ مَثَلًا فَوَقَفُوا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا شَهِدَا زُورًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ظَاهِرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ بَيَانُ اخْتِصَاصِ الشَّهْرَيْنِ بِمَزِيَّةٍ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الشُّهُورِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ثَوَابَ الطَّاعَةِ فِي غَيْرِهِمَا يَنْقُصُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ رَفْعُ الْحَرَجِ عَمَّا عَسَى أَنْ يَقَعَ فِيهِ خَطَأٌ فِي الْحُكْمِ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِالْعِيدَيْنِ وَجَوَازِ احْتِمَالِ وُقُوعِ الْخَطَأِ فِيهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: شَهْرَا عِيدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ: رَمَضَانَ وَذِي الْحِجَّةِ. انْتَهَى.

وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ مُرَتَّبًا عَلَى وُجُودِ الْمَشَقَّةِ دَائِمًا، بَلْ لِلَّهِ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِإِلْحَاقِ النَّاقِصِ بِالتَّامِّ فِي الثَّوَابِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ لِمَالِكٍ فِي اكْتِفَائِهِ لِرَمَضَانَ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ: لِأَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ بِجُمْلَتِهِ عِبَادَةً وَاحِدَةً فَاكْتَفَى لَهُ بِالنِّيَّةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي الثَّوَابِ بَيْنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَبَيْنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَكُونُ ثَلَاثِينَ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى جَعْلِ الثَّوَابِ مُتَعَلِّقًا بِالشَّهْرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ لَا مِنْ حَيْثُ تَفْضِيلِ الْأَيَّامِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: لَا يَتِمُّ شَهْرَانِ سِتِّينَ يَوْمًا وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ: إِنْ ثَبَتَ فَمَعْنَاهُ: لَا يَكُونَانِ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِسَنَدِهِ هَذَا بِلَفْظِ: كُلُّ شَهْرٍ حَرَامٍ لَا يَنْقُصُ، ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَثَلَاثُونَ لَيْلَةً وَهَذَا بِهَذَا اللَّفْظِ شَاذٌّ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ خَالِدٍ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الَّذِي تَوَارَدَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِهِ كَشُعْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَيَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ إِسْحَاقَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ لَا يُقَاوِمُ خَالِدًا الْحَذَّاءَ فِي الْحِفْظِ.

قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا فَقَدْ دَخَلَ لِهُشَيْمٍ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي أَوْرَدَهُ عَنْ خَالِدٍ هُوَ لَفْظُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَيْضًا فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ.

قَوْلُهُ: (رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ) أَطْلَقَ عَلَى رَمَضَانَ أَنَّهُ شَهْرُ عِيدٍ لِقُرْبِهِ مِنَ الْعِيدِ، أَوْ لِكَوْنِ هِلَالِ الْعِيدِ رُبَّمَا رُؤِيَ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَهُ الْأَثْرَمُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ : الْمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهَارِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ لَيْلِيَّةٌ جَهْرِيَّةٌ، وَأَطْلَقَ كَوْنَهَا وِتْرَ النَّهَارِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا يَقَعُ أَوَّلَ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ.

(تَنْبِيهٌ): لَيْسَ لِإِسْحَاقَ بْنِ سُوَيْدٍ - وَهُوَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْبَصْرِيُّ الْعَدَوِيُّ، عَدِيُّ مُضَرَ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، رَوَى هُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ كَبِيرٍ - فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَقْرُونًا بِخَالِدٍ الْحَذَّاءِ وَقَدْ رُمِيَ بِالنَّصْبِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ بِهَذَا السَّبَبِ.

١٣ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ

١٩١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٩١٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) الكوفيُّ التَّابعيُّ الصَّغير قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين ابن سعيد ابن العاص المدنيُّ، سكن دمشق ثمَّ الكوفة: (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا) أي: العربَ أو نفسَه المُقدَّسة (أُمَّةٌ) جماعة قريشٍ (١) (أُمِّيَّةٌ) بلفظ النَّسب (٢) إلى الأمِّ (٣)، أي: باقون على الحالة التي ولدتنا عليها الأمَّهات (لَا نَكْتُبُ) بيانٌ لكونهم كذلك، أو المرادُ النِّسبةُ إلى أمَّة العرب لأنَّهم ليسوا أهل كتابٍ، والكاتب منهم (٤) نادرٌ (٥) (وَلَا نَحْسُبُ) بضمِّ السِّين، لا نعرف حساب النُّجوم وتسييرها، فلم نُكلَّف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه (٦) إلى معرفة حسابٍ ولا كتابةٍ، إنَّما رُبِطت عبادتنا بأعلامٍ واضحة، وأمورٍ ظاهرةٍ لائحة، يستوي في معرفتها الحُسَّاب وغيرهم، ثمَّ تمَّم هذا المعنى بإشارته بيده من غير لفظٍ، إشارةً يفهمها الأخرس والأعجميُّ (الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا (٧)) قال الرَّاوي: (يَعْنِي) : (مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ) قال في «الفتح»: هكذا ذكره آدم شيخ المؤلِّف مختصرًا، ورواه غندرٌ عن شعبة تامًّا، أخرجه مسلمٌ عن ابن المُثنَّى وغيره عنه بلفظ: «الشَّهر هكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثَّالثة، والشَّهر هكذا وهكذا وهكذا» يعني: تمام ثلاثين؛ أي (٨): أشار أوَّلًا بأصابع يديه العَشْرِ جميعًا مرَّتين، وقبض الإبهام في المرَّة الثَّالثة، وهذا هو المُعبَّر عنه بقوله: «تسعٌ وعشرون»، وأشار بهما مرَّةً أخرى ثلاث مرَّاتٍ، وهو المُعبَّر عنه بقوله: «ثلاثون».

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: إِنَّهُ الصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ. وَالْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ عَنْهُمَا مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْأَحْكَامِ حَاصِلٌ سَوَاءٌ كَانَ رَمَضَانُ ثَلَاثِينَ أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، سَوَاءٌ صَادَفَ الْوُقُوفُ الْيَوْمَ التَّاسِعَ أَوْ غَيْرَهُ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحِلَّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ تَقْصِيرٌ فِي ابْتِغَاءِ الْهِلَالِ، وَفَائِدَةُ الْحَدِيثِ رَفْعُ مَا يَقَعُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ شَكٍّ لِمَنْ صَامَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَوْ وَقَفَ فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ. وَقَدِ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِمْكَانَ الْوُقُوفِ فِي الثَّامِنِ اجْتِهَادًا، وَلَيْسَ مُشْكِلًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ثَبَتَتِ الرُّؤْيَةُ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ الْخَمِيسُ مَثَلًا فَوَقَفُوا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُمَا شَهِدَا زُورًا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: ظَاهِرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ بَيَانُ اخْتِصَاصِ الشَّهْرَيْنِ بِمَزِيَّةٍ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الشُّهُورِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ثَوَابَ الطَّاعَةِ فِي غَيْرِهِمَا يَنْقُصُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ رَفْعُ الْحَرَجِ عَمَّا عَسَى أَنْ يَقَعَ فِيهِ خَطَأٌ فِي الْحُكْمِ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِالْعِيدَيْنِ وَجَوَازِ احْتِمَالِ وُقُوعِ الْخَطَأِ فِيهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: شَهْرَا عِيدٍ بَعْدَ قَوْلِهِ: شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ: رَمَضَانَ وَذِي الْحِجَّةِ. انْتَهَى.

وَفِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ مُرَتَّبًا عَلَى وُجُودِ الْمَشَقَّةِ دَائِمًا، بَلْ لِلَّهِ أَنْ يَتَفَضَّلَ بِإِلْحَاقِ النَّاقِصِ بِالتَّامِّ فِي الثَّوَابِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ لِمَالِكٍ فِي اكْتِفَائِهِ لِرَمَضَانَ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ: لِأَنَّهُ جَعَلَ الشَّهْرَ بِجُمْلَتِهِ عِبَادَةً وَاحِدَةً فَاكْتَفَى لَهُ بِالنِّيَّةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّسْوِيَةَ فِي الثَّوَابِ بَيْنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَبَيْنَ الشَّهْرِ الَّذِي يَكُونُ ثَلَاثِينَ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى جَعْلِ الثَّوَابِ مُتَعَلِّقًا بِالشَّهْرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ لَا مِنْ حَيْثُ تَفْضِيلِ الْأَيَّامِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْبَزَّارُ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: لَا يَتِمُّ شَهْرَانِ سِتِّينَ يَوْمًا وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ: إِنْ ثَبَتَ فَمَعْنَاهُ: لَا يَكُونَانِ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِسَنَدِهِ هَذَا بِلَفْظِ: كُلُّ شَهْرٍ حَرَامٍ لَا يَنْقُصُ، ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَثَلَاثُونَ لَيْلَةً وَهَذَا بِهَذَا اللَّفْظِ شَاذٌّ، وَالْمَحْفُوظُ عَنْ خَالِدٍ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الَّذِي تَوَارَدَ عَلَيْهِ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِهِ كَشُعْبَةَ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَيَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَبِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ إِسْحَاقَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ لَا يُقَاوِمُ خَالِدًا الْحَذَّاءَ فِي الْحِفْظِ.

قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا فَقَدْ دَخَلَ لِهُشَيْمٍ حَدِيثٌ فِي حَدِيثٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي أَوْرَدَهُ عَنْ خَالِدٍ هُوَ لَفْظُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ أَيْضًا فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ.

قَوْلُهُ: (رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ) أَطْلَقَ عَلَى رَمَضَانَ أَنَّهُ شَهْرُ عِيدٍ لِقُرْبِهِ مِنَ الْعِيدِ، أَوْ لِكَوْنِ هِلَالِ الْعِيدِ رُبَّمَا رُؤِيَ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَهُ الْأَثْرَمُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ : الْمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهَارِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ لَيْلِيَّةٌ جَهْرِيَّةٌ، وَأَطْلَقَ كَوْنَهَا وِتْرَ النَّهَارِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَقْتَهَا يَقَعُ أَوَّلَ مَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ.

(تَنْبِيهٌ): لَيْسَ لِإِسْحَاقَ بْنِ سُوَيْدٍ - وَهُوَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْبَصْرِيُّ الْعَدَوِيُّ، عَدِيُّ مُضَرَ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ، رَوَى هُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ كَبِيرٍ - فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مَقْرُونًا بِخَالِدٍ الْحَذَّاءِ وَقَدْ رُمِيَ بِالنَّصْبِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ بِهَذَا السَّبَبِ.

١٣ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ

١٩١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

١٩١٣ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) الكوفيُّ التَّابعيُّ الصَّغير قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين ابن سعيد ابن العاص المدنيُّ، سكن دمشق ثمَّ الكوفة: (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا) أي: العربَ أو نفسَه المُقدَّسة (أُمَّةٌ) جماعة قريشٍ (١) (أُمِّيَّةٌ) بلفظ النَّسب (٢) إلى الأمِّ (٣)، أي: باقون على الحالة التي ولدتنا عليها الأمَّهات (لَا نَكْتُبُ) بيانٌ لكونهم كذلك، أو المرادُ النِّسبةُ إلى أمَّة العرب لأنَّهم ليسوا أهل كتابٍ، والكاتب منهم (٤) نادرٌ (٥) (وَلَا نَحْسُبُ) بضمِّ السِّين، لا نعرف حساب النُّجوم وتسييرها، فلم نُكلَّف في تعريف مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه (٦) إلى معرفة حسابٍ ولا كتابةٍ، إنَّما رُبِطت عبادتنا بأعلامٍ واضحة، وأمورٍ ظاهرةٍ لائحة، يستوي في معرفتها الحُسَّاب وغيرهم، ثمَّ تمَّم هذا المعنى بإشارته بيده من غير لفظٍ، إشارةً يفهمها الأخرس والأعجميُّ (الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا (٧)) قال الرَّاوي: (يَعْنِي) : (مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ) قال في «الفتح»: هكذا ذكره آدم شيخ المؤلِّف مختصرًا، ورواه غندرٌ عن شعبة تامًّا، أخرجه مسلمٌ عن ابن المُثنَّى وغيره عنه بلفظ: «الشَّهر هكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثَّالثة، والشَّهر هكذا وهكذا وهكذا» يعني: تمام ثلاثين؛ أي (٨): أشار أوَّلًا بأصابع يديه العَشْرِ جميعًا مرَّتين، وقبض الإبهام في المرَّة الثَّالثة، وهذا هو المُعبَّر عنه بقوله: «تسعٌ وعشرون»، وأشار بهما مرَّةً أخرى ثلاث مرَّاتٍ، وهو المُعبَّر عنه بقوله: «ثلاثون».

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.5 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
الحمد لله