«أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩١٧

الحديث رقم ١٩١٧ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قول الله تعالى وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أنزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط…

«أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.»

سند حديث: ١٩١٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي…

١٩١٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ (ح). حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ : حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «أنزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط…

كان الصحابة رضي الله عنهم في في أول ما افتُرِضَ الصيام إذا نام أحدهم قبل أن يُفطر، لا يأكل في هذه الليلة ولا في اليوم التالي إلى الغروب، وإن قيس بن صِرْمة الأنصاري رضي الله عنه كان صائمًا، فلما جاء وقت الإفطار سأل امرأته إن كان عندهم طعام، فأخبرته أنها لا طعام عندها، وقالت: ولكن أذهب فأحضر طعامًا، وكان يعمل في أرضه يومه كله، فغلبه النعاس فنام، فلما رأته امرأته نائمًا قالت له: خيبةً لك، أي خسرانًا، فأصبح صائمًا، ولما انتصف النهار أغمي عليه، فذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} أي: أحل لكم الليلة التي تصبحون منها صائمين الرفث وهو الجماع، ولما صار الجماع هنا حلالا بعد أن كان حرامًا كان الأكل والشرب بطريق الأولى، فلذلك فرحوا بنزولها وفهموا منها الرخصة، ونزلت: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} أي كلوا واشربوا جميع الليل حتى يتبين لكم بياض الصبح من سواد الليل، فجاءت الرخصة بالأكل والجماع في ليلة الصيام بعد أن كان محرمًا.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • يسر الشريعة وسماحتها في تيسير الصوم.
  • بيان سبب نزول الآية الكريمة.
  • بيان التدرج في التشريع.
  • فهم الصحابة رضي الله عنهم جواز الأكل والشرب قياسًا على جواز الجماع.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «أنزلت: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وحديث الباب أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥٠٩]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ.

١٩١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد (١) بن أبي مريم الجمحيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين السَّاعديِّ.

(ح) لتحويل السَّند: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بالغين المعجمة والمهملة المُشدَّدة (مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ) ولفظ المتن له (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَلَمْ يَنْزِلْ) قوله تعالى: (﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَكَانَ) بالفاء، ولأبي الوقت: «وكان» (رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ) بالإفراد، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «في (٢) رِجْلَيه» (الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «ولا يزال» (يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة ثمَّ الفوقيَّة والمُوحَّدة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، ولأبي ذرٍّ: «تَتَبَيَّنَ» بمُثنَّاتين فوقيَّتين قبل المُوحَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يَسْتَبِين (٣)» بسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ مع التَّخفيف (رُؤْيَتُهُمَا) أي: الخيطين (فَأَنْزَلَ اللهُ) ﷿ (بَعْدُ) قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال البيضاويُّ: شبَّه أوَّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتدُّ معه من غبش اللَّيل

بخيطين: أبيض وأسود، واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله: (﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾) عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه، وبذلك خرجا من الاستعارة إلى التَّمثيل، ويجوز أن تكون «من» للتَّبعيض، فإنَّ ما يبدو بعض الفجر، وما رُوِي-أنَّها نزلت ولم ينزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فكان (١) رجالٌ إذا أرادوا الصَّوم ربط أحدهم في رجله الخيط فنزلت- لعلَّه كان قبل دخول رمضان، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائزٌ، أو اكتفى أوَّلًا باشتهارهما في ذلك، ثمَّ صرَّح بالبيان لمَّا التبس على بعضهم، وذكر في «الفتح» و «العمدة» و «التَّنقيح» و «المصابيح»: أنَّ حديث عديٍّ يقتضي نزول قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متَّصلًا بقوله: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ وحديث سهل بن سعدٍ صريحٌ في أنَّه لم ينزل إلَّا منفصلًا، فإن حُمِل على واقعتين في وقتين فلا إشكال، وإلَّا احتمل أن يكون حديث عديٍّ متأخِّرًا عن حديث سهلٍ، فإنَّما سمع الآية مُجرَّدةً، فحملها على ما وصل إليه فهمه حتَّى يتبيَّن له الصَّواب، وعلى هذا يكون ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متعلِّقًا بـ ﴿يَتَبَيَّنَ﴾، وعلى مقتضى حديث سهلٍ يكون في موضع الحال متعلِّقًا بمحذوفٍ. انتهى. وليس في حديث عديٍّ هنا عند المؤلِّف -بل ولا في «التَّفسير» [خ¦٤٥١١]- ذكرُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ أصلًا، فليُتأمَّل، نعم ثبت ذكره في روايته عند مسلمٍ في «صحيحه» (فَعَلِمُوا) أي: الرِّجال، أي: الصَّحابة (٢) (أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي) بقوله: الخيط الأبيض والخيط الأسود: (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) ولابن عساكر: «من النَّهار».

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥١١]، وكذا النَّسائيُّ.

(١٧) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ) فيما رواه مسلمٌ من حديث سمرة: (لَا يَمْنَعَنَّكُمْ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يمنعْكم» بإسقاطها وجزم العين (مِنْ سَحُورِكُمْ) بفتح السِّين: اسم ما يتسحَّر به (أَذَانُ بِلَالٍ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فكره أَن يعْصى الله تَعَالَى، وَأبي أَن يَأْكُل) . وَفِي مُرْسل مُحَمَّد بن يحيى، فَقَالَ: (إِنِّي قد نمت، فَقَالَت لَهُ: لم تنم فَأبى فَأصْبح جائعا مجهودا) . قَوْله: (فَذكر ذَلِك للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَزَاد فِي رِوَايَة زَكَرِيَّاء عِنْد أبي الشَّيْخ: (وأتى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، امْرَأَته وَقد نَامَتْ، فَذكر ذَلِك للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . قَوْله: (فَنزلت هَذِه الْآيَة) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَينهمَا وَبَين حِكَايَة قيس؟ قلت: لما صَار الرَّفَث حَلَالا فالأكل وَالشرب بِالطَّرِيقِ الأولى، وَحَيْثُ كَانَ حلهما بِالْمَفْهُومِ نزلت بعده: {كلوا وَاشْرَبُوا} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ليعلم بالمنطوق تَصْرِيحًا بتسهيل الْأَمر عَلَيْهِم، ودفعا لجنس الضَّرَر الَّذِي وَقع لقيس وَنَحْوه، أَو المُرَاد بِالْآيَةِ: هِيَ بِتَمَامِهَا إِلَى آخِره، حَتَّى يتَنَاوَل: كلوا وَاشْرَبُوا، فالغرض من ذكر نزلت ثَانِيًا هُوَ بَيَان نزُول لفظ {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . بعد ذَلِك. انْتهى. قلت: اعْتمد السُّهيْلي على الْجَواب الثَّانِي، وَقَالَ: إِن الْآيَة نزلت بِتَمَامِهَا فِي الْأَمريْنِ مَعًا، وَقدم مَا يتَعَلَّق بعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لفضله. قَوْله: (فَفَرِحُوا بهَا) ، أَي: بِالْآيَةِ وَهِي قَوْله: {أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَوَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَنزلت {أحل لكم لَيْلَة الصّيام} إِلَى قَوْله: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . فَهَذَا يبين أَن مَحل قَوْله: (فَفَرِحُوا بهَا) بعد قَوْله: {الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَوَقع ذَلِك صَرِيحًا فِي رِوَايَة زَكَرِيَّاء بن أبي زَائِدَة، وَلَفظ: (فَنزلت {أحل لكم} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . إِلَى قَوْله: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ففرح الْمُسلمُونَ بذلك.

٦١ - (بابُ قَوْلِ الله تعَالى: {وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ} (الْبَقَرَة: ٧٨١)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله عز وَجل مُخَاطبا للْمُسلمين بقوله: {وكلوا وَاشْرَبُوا} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . بعد أَن كَانُوا ممنوعين مِنْهُمَا بعد النّوم، وَبَين فِيهِ غَايَة وَقت الْأكل بقوله: {حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَالْمرَاد بالخيط الْأَبْيَض أول مَا يَبْدُو من الْفجْر الْمُعْتَرض فِي الْأُفق كالخيط الْمَمْدُود، وَالْخَيْط الْأسود مَا يَمْتَد مَعَه من غبش اللَّيْل شبها بخيطين أَبيض وأسود. وَقَوله: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . بَيَان للخيط الإبيض وَاكْتفى بِهِ عَن بَيَان الْخَيط الْأسود، لِأَن بَيَان أَحدهمَا بَيَان للثَّانِي، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَيجوز أَن تكون من للتَّبْعِيض لِأَنَّهُ بعض الْفجْر، وَقَالَ: وَقَوله: {من الْفجْر} أخرجه من بَاب الِاسْتِعَارَة، كَمَا أَن قَوْلك رَأَيْت أسدا مجَاز، فَإِذا زِدْت من فلَان، رَجَعَ تَشْبِيها. انْتهى. وَلما نزل قَوْله: {كلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . أَولا وَلم ينزل: {من الْفجْر} كَانَ رجال إِذا أَرَادوا الصَّوْم ربط أحدهم فِي رجلَيْهِ الْخَيط الْأَبْيَض وَالْخَيْط الْأسود، فَلَا يزَال يَأْكُل وَيشْرب وَيَأْتِي أَهله حَتَّى يظْهر لَهُ الْخيطَان، ثمَّ لما نزل قَوْله: {من الْفجْر} علمُوا أَن المُرَاد من الْخَيْطَيْنِ اللَّيْل وَالنَّهَار، فالأسود سَواد اللَّيْل والأبيض بَيَاض الْفجْر، كَمَا يَأْتِي الْآن بَيَانه فِي حَدِيث الْبَاب. قَوْله: {ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . أَي: من بعد انْشِقَاق الْفجْر الصَّادِق كفوا عَن الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع إِلَى أَن يَأْتِي اللَّيْل، وَهُوَ غرُوب الشَّمْس، قَالُوا: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز النبية بِالنَّهَارِ فِي صَوْم رَمَضَان، وعَلى جَوَاز تَأْخِير الْغسْل إِلَى الْفجْر، وعَلى نفي صَوْم الْوِصَال.

فيهِ الْبَرَاءُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث رَوَاهُ الْبَراء بن عَازِب الصَّحَابِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْبَاب حَدِيث رَوَاهُ الْبَراء عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَكِن لما لم يكن على شَرط البُخَارِيّ لم يذكرهُ فِيهِ. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل أَشَارَ بِهِ إِلَى الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مَوْصُولا عَن الْبَراء الَّذِي سبق ذكره فِي الْبَاب الَّذِي قبله.

٦١٩١ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ قَالَ حدَّثنا هُشَيْمٌ قَالَ أخبرَنِي حُصَيْنُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَن الشَّعْبِيِّ عنْ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لمَّا نَزَلَتْ حَتَّى يتبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأبْيضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ عَمَدْتُ إلَى عِقَالٍ أسْوَدَ وإلَى عِقالٍ أبْيَضَ فجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فجَعَلْتُ أنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي فغَدَوْتُ عَلى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فذكَرْتُ لَهُ ذالِكَ فَقَالَ إنَّمَا ذَلِكَ سَوادُ اللَّيْلِ وبيَاضُ النَّهار.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حجاج، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ، ابْن منهال، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون: السّلمِيّ مَوْلَاهُم الْأنمَاطِي. الثَّانِي: هشيم، بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: السّلمِيّ مَوْلَاهُم أَبُو مُعَاوِيَة. الثَّالِث: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، يكنى أَبَا الْهُذيْل. الرَّابِع: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ. الْخَامِس: عدي بن حَاتِم الصَّحَابِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَأَن هشيما واسطي وَأَصله من بَلخ وَأَن حصينا وَالشعْبِيّ كوفيان وَأَن فِيهِ: أَخْبرنِي حُصَيْن، ويروى: أخبرنَا، وَزَاد الطَّحَاوِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن سَالم عَن هشيم: أخبرنَا حُصَيْن ومجالد عَن الشّعبِيّ، فالطحاوي أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين أَحدهمَا: عَن مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا حجاج بن منهال إِلَى آخِره، نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ. وَالْآخر: عَن أَحْمد بن دَاوُد عَن إِسْمَاعِيل بن سَالم عَن هشيم عَن حُصَيْن ومجالد عَن الشّعبِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد الله بن إِدْرِيس. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن حُصَيْن بن نمير، وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم، وَقَالَ: حسن صَحِيح.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن عدي بن حَاتِم) ، فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: أَخْبرنِي عدي بن حَاتِم) ، وَكَذَا أخرجه ابْن خُزَيْمَة عَن أَحْمد بن منيع، وَكَذَا أوردهُ أَبُو عوَانَة من طَرِيق أبي عبيد عَن هشيم عَن حُصَيْن. قَوْله: (عَمَدت) ، أَي: قصدت من عمد يعمد عمدا إِذا قصد، وَهُوَ من بَاب: ضرب يضْرب، وَأما عَمَدت الشَّيْء فانعمد فَمَعْنَاه: أقمته، فَالْأول بِاللَّامِ وَإِلَى؛ وَالثَّانِي بدونهما. قَوْله: (إِلَى عقال) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالقاف، وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يعقل بِهِ الْبَعِير، وَالْجمع: عُقل، وَفِي رِوَايَة مجَالد: (فَأخذت خيطين من شعر) . قَوْله: (فَلَا يستبين لي) ، أَي: فَلَا يظْهر لي، وَفِي رِوَايَة مجَالد: (فَلَا أستبين الْأَبْيَض من الْأسود) . قَوْله: (وِسَادَتِي) ، الوساد والوسادة المخدة، وَالْجمع: وسائد ووسد. قَوْله: (إِنَّمَا ذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من قَوْله: {حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَرِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير، قَالَ: (أَخذ عدي عقَالًا أَبيض وَعِقَالًا أسود حَتَّى إِذا كَانَ بعض اللَّيْل نظر فَلم يَسْتَبِينَا، فَلَمَّا أصبح قَالَ: يَا رَسُول الله {جعلت تَحت وِسَادَتِي. . قَالَ: إِن وِسَادَتك إِذا لَعَرِيض) . وَفِي رِوَايَة: (قلت: يَا رَسُول الله} مَا الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود؟ أَهما الْخيطَان؟ قَالَ: إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا، إِن أَبْصرت الْخَيْطَيْنِ، ثمَّ قَالَ: لَا بل هُوَ سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (قَالَ: يَا رَسُول الله! إِنَّنِي جعلت تَحت وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ: عقَالًا أَبيض وَعِقَالًا أسود أعرف اللَّيْل من النَّهَار، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن وِسَادك لَعَرِيض، إِنَّمَا هُوَ سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد (قَالَ: أخذت عقَالًا أَبيض وَعِقَالًا أسود فوضعتهما تَحت وِسَادَتِي، فَنَظَرت فَلم أتبين، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَضَحِك، وَقَالَ: إِن وِسَادك إِذا لَعَرِيض طَوِيل، إِنَّمَا هُوَ اللَّيْل وَالنَّهَار) . وَفِي لفظ: (إِنَّمَا هما سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار) ، وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مطرف: (فَضَحِك، وَقَالَ: لَا يَا عريض الْقَفَا) . انْتهى. قَوْله: (إِن وِسَادك لَعَرِيض) ، كنى بالوساد عَن النّوم، لِأَن النَّائِم يتوسد، أَي: إِن نومك لطويل كثير، وَقيل: كنى بالوساد عَن مَوضِع الوساد من رَأسه وعنقه، وَتشهد لَهُ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا: (إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا) ، فَإِن عرض الْقَفَا كِنَايَة عَن السّمن، وَقيل: أَرَادَ من أكل مَعَ الصُّبْح فِي صَوْمه أصبح عريض الْقَفَا، لِأَن الصَّوْم لَا يُؤثر فِيهِ، وَيُقَال: يكنى عَن الأبله بعريض الْقَفَا، فَإِن عرض الْقَفَا وَعظم الرَّأْس إِذا أفرطا قيل: إِنَّه دَلِيل الغباوة والحماقة، كَمَا أَن استواءه دَلِيل على علو الهمة وَحسن الْفَهم، وَهَذَا من قبيل الْكِنَايَة الْخفية، وَالْفرق بَين الْكِنَايَة وَالْمجَاز أَن الِانْتِقَال فِي الْكِنَايَة من اللَّازِم إِلَى الْمَلْزُوم، وَفِي الْمجَاز من الْمَلْزُوم إِلَى اللَّازِم، وَهَكَذَا فرق السكاكي وَغَيره، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِنَّمَا عرض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قفا عدي لِأَنَّهُ غفل عَن الْبَيَان، وتعريض الْقَفَا مِمَّا يسْتَدلّ بِهِ على قلَّة الفطنة، قيل: أنكر ذَلِك غير وَاحِد، مِنْهُم: الْقُرْطُبِيّ، فَقَالَ: حمله بعض النَّاس على الذَّم لَهُ على ذَلِك الْفَهم، وَكَأَنَّهُم فَهموا أَنه نسبه إِلَى الْجَهْل والجفا وَعدم الْفِقْه، وعضدوا ذَلِك بقوله: (إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا)

وَلَيْسَ الْأَمر على مَا قَالُوهُ، لِأَن من حمل اللَّفْظ على حَقِيقَته اللسانية الَّتِي هِيَ الأَصْل إِذا لم يتَبَيَّن لَهُ دَلِيل التَّجَوُّز لم يسْتَحق ذما وَلَا ينْسب إِلَى جهل، وَإِنَّمَا عَنى وَالله أعلم إِن وِسَادك إِن كَانَ يُغطي الْخَيْطَيْنِ اللَّذين أَرَادَ الله فَهُوَ إِذا عريض وَاسع، ولهذه قَالَ فِي إِثْر ذَلِك: إِنَّمَا هُوَ سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَكيف يدخلَانِ تَحت وِسَادَتك؟ وَقَوله: (إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا) ، أَي: إِن الوساد الَّذِي يُغطي اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يرقد عَلَيْهِ إلَاّ قفا عريض للمناسبة.

ذكر الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: {حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض ... } (الْبَقَرَة: ٧٨١) . إِلَى آخِره، يَقْتَضِي ظَاهره أَن عدي بن حَاتِم كَانَ حَاضرا لما نزلت هَذِه الْآيَة، وَهُوَ يَقْتَضِي تقدم إِسْلَامه، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَن نزُول فرض الصَّوْم كَانَ مُتَقَدما فِي أَوَائِل الْهِجْرَة، وَإِسْلَام عدي كَانَ فِي التَّاسِعَة أَو الْعَاشِرَة، كَمَا ذكره ابْن إِسْحَاق وَغَيره من أهل الْمَغَازِي قلت: أجابوا بأَرْبعَة أجوبة: الأول: إِن الْآيَة الَّتِي فِي حَدِيث الْبَاب تَأَخّر نُزُولهَا عَن نزُول فرض الصَّوْم، وَهَذَا بعيد جدا. الثَّانِي: أَن يؤول قَول عدي هَذَا على أَن المُرَاد بقوله: (لما نزلت) ، أَي: لما تليت عَليّ عِنْد إسلامي. الثَّالِث: أَن الْمَعْنى: لما بَلغنِي نزُول الْآيَة عَمَدت إِلَى عِقَالَيْنِ. الرَّابِع: يقدر فِيهِ حذف تَقْدِيره، لما نزلت الْآيَة، ثمَّ قدمت وَأسْلمت وتعلمت الشَّرَائِع، عَمَدت، وَهَذَا أحسن الْوُجُوه، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق مجَالد بِلَفْظ: (عَلمنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصَّلَاة وَالصِّيَام، فَقَالَ: صل كَذَا وصم كَذَا، فَإِذا غَابَتْ الشَّمْس فَكل حَتَّى يتَبَيَّن لَك الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود، قَالَ: فَأخذت خيطين) الحَدِيث.

وَمِنْهَا مَا قيل:

إِن قَوْله: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . نزل بعد قَوْله: {وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَكَانَ هَذَا بَيَانا لَهُم إِن المُرَاد بِهِ أَن يتَمَيَّز بَيَاض النَّهَار من سَواد اللَّيْل، فَكيف يجوز تَأْخِير الْبَيَان مَعَ الْحَاجة إِلَيْهِ مَعَ بَقَاء التَّكْلِيف؟ أُجِيب: بِأَن الْبَيَان كَانَ مَوْجُودا فِيهِ، لَكِن على وَجه لَا يُدْرِكهُ جَمِيع النَّاس، وَإِنَّمَا كَانَ على وَجه يخْتَص بِهِ أَكْثَرهم أَو بَعضهم، وَلَيْسَ يلْزم أَن يكون الْبَيَان مكشوفا فِي دَرَجَة يطلع عَلَيْهَا كل أحد، أَلا ترى أَنه لم يَقع فِيهِ إلَاّ عدي وَحده، وَيُقَال: كَانَ اسْتِعْمَال الْخَيْطَيْنِ فِي اللَّيْل وَالنَّهَار شَائِعا غير مُحْتَاج إِلَى الْبَيَان، وَكَانَ ذَلِك إسما لسواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الْإِسْلَام، قَالَ أَبُو دَاوُد الْإِيَادِي:

(وَلما أَضَاءَت لنا ظلمَة ... ولاح لنا الصُّبْح خيطا أنارا)

فَاشْتَبَهَ على بَعضهم فَحَمَلُوهُ على العقالين، وَقَالَ النَّوَوِيّ: فعل ذَلِك من لم يكن ملازما لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بل هُوَ من الْأَعْرَاب، وَمن لَا فقه عِنْده أَو لم يكن من لغته اسْتِعْمَالهَا فِي اللَّيْل وَالنَّهَار.

وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: {حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . من بَاب الِاسْتِعَارَة أم من بَاب التَّشْبِيه؟ أُجِيب: بِأَن قَوْله: {من الْفجْر} أخرجه من بَاب الِاسْتِعَارَة، وَقد نقلنا هَذَا عَن الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَوَائِل الْبَاب.

وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الِاسْتِعَارَة أبلغ فَلِمَ عَدل إِلَى التَّشْبِيه؟ أُجِيب: بِأَن التَّشْبِيه الْكَامِل أولى من الِاسْتِعَارَة النَّاقِصَة، وَهِي نَاقِصَة لفَوَات شَرط حسنها، وَهُوَ أَن يكون التَّشْبِيه بَين الْمُسْتَعَار لَهُ والمستعار مِنْهُ جليا بِنَفسِهِ مَعْرُوفا بَين سَائِر الأقوام، وَهَذَا قد كَانَ مشتبها على بَعضهم.

٧١٩١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي حازِمٍ عنْ أبِيهِ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ ح قَالَ حدَّثني سعَيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا أبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حدَّثني أبُو حازِمٍ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ أُنْزِلَتْ {وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يتبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ الفَجْرِ فَكانَ رِجالٌ إذَا أرَادُوا الصَّوْمَ ربَطَ أحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ ولَمْ يَزَلْ يأكُلُ حَتَّى يتَبَيَّنَ لَهُ رُؤيَتُهُمَا فأنْزَلَ الله بَعْدُ مِنَ الْفَجْرِ فَعَلِمُوا أنَّهُ إنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ والنَّهَارَ.

(الحَدِيث ٧١٩١ طرفه فِي: ١١٥٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد الحكم بن

أبي مَرْيَم الجُمَحِي. الثَّانِي: ابْن أبي حَازِم عبد الْعَزِيز. الثَّالِث: أَبوهُ أَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه سَلمَة بن دِينَار. الرَّابِع: أَبُو غَسَّان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وبالنون: واسْمه مُحَمَّد بن طريف. الْخَامِس: سهل ابْن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي والبقية مدنيون. وَفِيه: أَن فِي الطَّرِيق الأول روى عَن شَيْخه بِالتَّحْدِيثِ بِصِيغَة الْجمع، وَفِي الطَّرِيق الثَّانِي عَنهُ أَيْضا بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: أَن شَيْخه يروي عَن شيخين أَحدهمَا ابْن أبي حَازِم، وَالْآخر أَبُو غَسَّان، وَفِي التَّفْسِير عَن أبي غَسَّان وَحده، وَاللَّفْظ لأبي غَسَّان، وَكَذَا أخرجه مُسلم وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو عوَانَة والطَّحَاوِي فِي آخَرين من طَرِيق سعيد شيخ البُخَارِيّ عَن أبي غَسَّان وَحده.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن سعيد بن أبي مَرْيَم: وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَمُحَمّد بن سهل بن عَسْكَر، كِلَاهُمَا عَن سعيد بن أبي مَرْيَم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي بكر بن إِسْحَاق بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ربط أحدهم فِي رجلَيْهِ) ، قلت: فِي مُسلم: (جعل الرجل يَأْخُذ خيطا أَبيض وخيطا أسود فيضعهما تَحت وسادته وَينظر مَتى يَسْتَبِينَا) . قلت: لَا مُنَافَاة لاحْتِمَال أَن يكون بَعضهم فعل هَذَا وَبَعْضهمْ فعل هَذَا، وَقَالَ بَعضهم: أَو يَكُونُوا يجعلونهما تَحت الوسادة إِلَى السحر فيربطونهما حِينَئِذٍ فِي أَرجُلهم ليشاهدوهما. انْتهى. قلت: هَذَا بعيد، لِأَنَّهُ لَا حَاجَة حِينَئِذٍ إِلَى الرَّبْط فِي أَرجُلهم، لأَنهم فِي يقظة حِينَئِذٍ لِأَن الْمُشَاهدَة لَا تكون إلَاّ عَن يقظان، فَلَا يحْتَاج إِلَى الرَّبْط فِي الرجل، فَفِي أَي: مَوضِع كَانَ تحصل الْمُشَاهدَة؟ قَوْله: (حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ) ، كَذَا هُوَ بِالتَّشْدِيدِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (حَتَّى يستبين) ، من الإستبانة، وَذَلِكَ من التبين من: بَاب التفعل، وَذَاكَ من بَاب الاستفعال. قَوْله: (رُؤْيَتهمَا) ، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْهمزَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ من: رأى بِالْعينِ، يُقَال: رأى رَأيا ورؤية وراءة، مثل راعة فيتعدى إِلَى مفعول وَاحِد، وَإِذا كَانَ بِمَعْنى الْعلم يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، يُقَال: رأى زيدا عَالما، وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ مَرْفُوع، لِأَنَّهُ فَاعل لقَوْله {حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: رأيهما، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْهمزَة وَضم الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَمَعْنَاهُ: منظرهما، وَمِنْه: قَوْله تَعَالَى: {أحسن أثاثا ورءيا} (مَرْيَم: ٤٧) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: زيهما، بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الْيَاء بِلَا همز وَمَعْنَاهُ: لونهما، ويروى: (رئيهما) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا وَكسر الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، قَالَ عِيَاض: هَذَا غلط لِأَن الرئي التَّابِع من الْجِنّ، فَلَا معنى لَهُ هَهُنَا، فَإِن صحت بِهِ الرِّوَايَة فَيكون مَعْنَاهُ: مرئيهما. قَوْله: (فَأنْزل الله بعد) ، بِضَم الدَّال أَي: بعد نزُول: {حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . فَإِن قلت: كَيفَ الْجمع على هَذَا بَين حَدِيث عدي وَحَدِيث سهل هَذَا؟ قلت: قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يَصح الْجمع بِأَن يكون حَدِيث عدي مُتَأَخِّرًا عَن حَدِيث سهل، وَأَن عديا لم يسمع مَا جرى فِي حَدِيث سهل، وَإِنَّمَا سمع الْآيَة مُجَرّدَة، وعَلى هَذَا فَيكون: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . مُتَعَلقا بقوله: {يتَبَيَّن} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وعَلى مُقْتَضى حَدِيث سهل يكون فِي مَوضِع الْحَال مُتَعَلقا بِمَحْذُوف: قَالَ، وَيحْتَمل أَن يكون الحديثان قَضِيَّة وَاحِدَة. وَذكر بعض الروَاة {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . مُتَّصِلا بِمَا قبله، كَمَا ثَبت فِي الْقُرْآن الْعَزِيز، وَإِن كَانَ قد نزل مُنْفَردا، كَمَا بَينه فِي حَدِيث سهل، وَحَدِيث سهل يَقْتَضِي أَن يكون مُنْفَردا، وَذَاكَ أَن فرض الصّيام كَانَ فِي السّنة الثَّانِيَة بِلَا خلاف. وَقَالَ سهل فِي حَدِيثه: كَانَ رجال. . إِلَى قَوْله: {وَالْخَيْط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ثمَّ أنزل: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . فَدلَّ هَذَا على أَن الصَّحَابَة كَانُوا يَفْعَلُونَ هَذَا إِلَى أَن أسلم عدي فِي السّنة التَّاسِعَة، وَقيل الْعَاشِرَة، حَتَّى أخبرهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن ذَلِك سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار. قَوْله: (فَأنْزل الله بعد ذَلِك {من الْفجْر} ) روى أَنه كَانَ بَينهمَا عَام، قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَلَمَّا كَانَ حكم هَذِه الْآيَة قد أشكل على أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى بيّن الله لَهُم من ذَلِك مَا بَين، وَحَتَّى أنزل: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . بَعْدَمَا كَانَ قد أنزل الله: {حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . فَكَانَ الحكم أَن يَأْكُلُوا ويشربوا حَتَّى يتَبَيَّن لَهُم، حَتَّى نسخ الله عز وَجل بقوله: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . على مَا ذكرنَا، وَقد بَينه سهل فِي حَدِيثه، انْتهى. وَقَالَ عِيَاض: وَلَيْسَ المُرَاد أَن هَذَا كَانَ حكم الشَّرْع أَولا ثمَّ نسخ بقوله: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وحديث الباب أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥٠٩]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ.

١٩١٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد (١) بن أبي مريم الجمحيُّ قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، عبد العزيز (عَنْ أَبِيهِ) أبي حازمٍ سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بسكون الهاء والعين السَّاعديِّ.

(ح) لتحويل السَّند: (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) قال: (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بالغين المعجمة والمهملة المُشدَّدة (مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ) ولفظ المتن له (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) سلمة (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَلَمْ يَنْزِلْ) قوله تعالى: (﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَكَانَ) بالفاء، ولأبي الوقت: «وكان» (رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ) بالإفراد، ولأبوي ذرٍّ والوقت: «في (٢) رِجْلَيه» (الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: «ولا يزال» (يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة ثمَّ الفوقيَّة والمُوحَّدة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، ولأبي ذرٍّ: «تَتَبَيَّنَ» بمُثنَّاتين فوقيَّتين قبل المُوحَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «يَسْتَبِين (٣)» بسينٍ مهملةٍ ساكنةٍ مع التَّخفيف (رُؤْيَتُهُمَا) أي: الخيطين (فَأَنْزَلَ اللهُ) ﷿ (بَعْدُ) قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال البيضاويُّ: شبَّه أوَّل ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتدُّ معه من غبش اللَّيل

بخيطين: أبيض وأسود، واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله: (﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾) عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه، وبذلك خرجا من الاستعارة إلى التَّمثيل، ويجوز أن تكون «من» للتَّبعيض، فإنَّ ما يبدو بعض الفجر، وما رُوِي-أنَّها نزلت ولم ينزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فكان (١) رجالٌ إذا أرادوا الصَّوم ربط أحدهم في رجله الخيط فنزلت- لعلَّه كان قبل دخول رمضان، وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائزٌ، أو اكتفى أوَّلًا باشتهارهما في ذلك، ثمَّ صرَّح بالبيان لمَّا التبس على بعضهم، وذكر في «الفتح» و «العمدة» و «التَّنقيح» و «المصابيح»: أنَّ حديث عديٍّ يقتضي نزول قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متَّصلًا بقوله: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ وحديث سهل بن سعدٍ صريحٌ في أنَّه لم ينزل إلَّا منفصلًا، فإن حُمِل على واقعتين في وقتين فلا إشكال، وإلَّا احتمل أن يكون حديث عديٍّ متأخِّرًا عن حديث سهلٍ، فإنَّما سمع الآية مُجرَّدةً، فحملها على ما وصل إليه فهمه حتَّى يتبيَّن له الصَّواب، وعلى هذا يكون ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متعلِّقًا بـ ﴿يَتَبَيَّنَ﴾، وعلى مقتضى حديث سهلٍ يكون في موضع الحال متعلِّقًا بمحذوفٍ. انتهى. وليس في حديث عديٍّ هنا عند المؤلِّف -بل ولا في «التَّفسير» [خ¦٤٥١١]- ذكرُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ أصلًا، فليُتأمَّل، نعم ثبت ذكره في روايته عند مسلمٍ في «صحيحه» (فَعَلِمُوا) أي: الرِّجال، أي: الصَّحابة (٢) (أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي) بقوله: الخيط الأبيض والخيط الأسود: (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) ولابن عساكر: «من النَّهار».

وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «التَّفسير» [خ¦٤٥١١]، وكذا النَّسائيُّ.

(١٧) (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ) فيما رواه مسلمٌ من حديث سمرة: (لَا يَمْنَعَنَّكُمْ) بنون التَّوكيد الثَّقيلة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا يمنعْكم» بإسقاطها وجزم العين (مِنْ سَحُورِكُمْ) بفتح السِّين: اسم ما يتسحَّر به (أَذَانُ بِلَالٍ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

فكره أَن يعْصى الله تَعَالَى، وَأبي أَن يَأْكُل) . وَفِي مُرْسل مُحَمَّد بن يحيى، فَقَالَ: (إِنِّي قد نمت، فَقَالَت لَهُ: لم تنم فَأبى فَأصْبح جائعا مجهودا) . قَوْله: (فَذكر ذَلِك للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، وَزَاد فِي رِوَايَة زَكَرِيَّاء عِنْد أبي الشَّيْخ: (وأتى عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، امْرَأَته وَقد نَامَتْ، فَذكر ذَلِك للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) . قَوْله: (فَنزلت هَذِه الْآيَة) وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَينهمَا وَبَين حِكَايَة قيس؟ قلت: لما صَار الرَّفَث حَلَالا فالأكل وَالشرب بِالطَّرِيقِ الأولى، وَحَيْثُ كَانَ حلهما بِالْمَفْهُومِ نزلت بعده: {كلوا وَاشْرَبُوا} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ليعلم بالمنطوق تَصْرِيحًا بتسهيل الْأَمر عَلَيْهِم، ودفعا لجنس الضَّرَر الَّذِي وَقع لقيس وَنَحْوه، أَو المُرَاد بِالْآيَةِ: هِيَ بِتَمَامِهَا إِلَى آخِره، حَتَّى يتَنَاوَل: كلوا وَاشْرَبُوا، فالغرض من ذكر نزلت ثَانِيًا هُوَ بَيَان نزُول لفظ {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . بعد ذَلِك. انْتهى. قلت: اعْتمد السُّهيْلي على الْجَواب الثَّانِي، وَقَالَ: إِن الْآيَة نزلت بِتَمَامِهَا فِي الْأَمريْنِ مَعًا، وَقدم مَا يتَعَلَّق بعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لفضله. قَوْله: (فَفَرِحُوا بهَا) ، أَي: بِالْآيَةِ وَهِي قَوْله: {أحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَوَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَنزلت {أحل لكم لَيْلَة الصّيام} إِلَى قَوْله: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . فَهَذَا يبين أَن مَحل قَوْله: (فَفَرِحُوا بهَا) بعد قَوْله: {الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَوَقع ذَلِك صَرِيحًا فِي رِوَايَة زَكَرِيَّاء بن أبي زَائِدَة، وَلَفظ: (فَنزلت {أحل لكم} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . إِلَى قَوْله: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ففرح الْمُسلمُونَ بذلك.

٦١ - (بابُ قَوْلِ الله تعَالى: {وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ} (الْبَقَرَة: ٧٨١)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول الله عز وَجل مُخَاطبا للْمُسلمين بقوله: {وكلوا وَاشْرَبُوا} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . بعد أَن كَانُوا ممنوعين مِنْهُمَا بعد النّوم، وَبَين فِيهِ غَايَة وَقت الْأكل بقوله: {حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَالْمرَاد بالخيط الْأَبْيَض أول مَا يَبْدُو من الْفجْر الْمُعْتَرض فِي الْأُفق كالخيط الْمَمْدُود، وَالْخَيْط الْأسود مَا يَمْتَد مَعَه من غبش اللَّيْل شبها بخيطين أَبيض وأسود. وَقَوله: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . بَيَان للخيط الإبيض وَاكْتفى بِهِ عَن بَيَان الْخَيط الْأسود، لِأَن بَيَان أَحدهمَا بَيَان للثَّانِي، قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: وَيجوز أَن تكون من للتَّبْعِيض لِأَنَّهُ بعض الْفجْر، وَقَالَ: وَقَوله: {من الْفجْر} أخرجه من بَاب الِاسْتِعَارَة، كَمَا أَن قَوْلك رَأَيْت أسدا مجَاز، فَإِذا زِدْت من فلَان، رَجَعَ تَشْبِيها. انْتهى. وَلما نزل قَوْله: {كلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . أَولا وَلم ينزل: {من الْفجْر} كَانَ رجال إِذا أَرَادوا الصَّوْم ربط أحدهم فِي رجلَيْهِ الْخَيط الْأَبْيَض وَالْخَيْط الْأسود، فَلَا يزَال يَأْكُل وَيشْرب وَيَأْتِي أَهله حَتَّى يظْهر لَهُ الْخيطَان، ثمَّ لما نزل قَوْله: {من الْفجْر} علمُوا أَن المُرَاد من الْخَيْطَيْنِ اللَّيْل وَالنَّهَار، فالأسود سَواد اللَّيْل والأبيض بَيَاض الْفجْر، كَمَا يَأْتِي الْآن بَيَانه فِي حَدِيث الْبَاب. قَوْله: {ثمَّ أَتموا الصّيام إِلَى اللَّيْل} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . أَي: من بعد انْشِقَاق الْفجْر الصَّادِق كفوا عَن الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع إِلَى أَن يَأْتِي اللَّيْل، وَهُوَ غرُوب الشَّمْس، قَالُوا: فِيهِ دَلِيل على جَوَاز النبية بِالنَّهَارِ فِي صَوْم رَمَضَان، وعَلى جَوَاز تَأْخِير الْغسْل إِلَى الْفجْر، وعَلى نفي صَوْم الْوِصَال.

فيهِ الْبَرَاءُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

أَي: فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث رَوَاهُ الْبَراء بن عَازِب الصَّحَابِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقَالَ الْكرْمَانِي: يَعْنِي فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْبَاب حَدِيث رَوَاهُ الْبَراء عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لَكِن لما لم يكن على شَرط البُخَارِيّ لم يذكرهُ فِيهِ. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، بل أَشَارَ بِهِ إِلَى الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مَوْصُولا عَن الْبَراء الَّذِي سبق ذكره فِي الْبَاب الَّذِي قبله.

٦١٩١ - حدَّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهالٍ قَالَ حدَّثنا هُشَيْمٌ قَالَ أخبرَنِي حُصَيْنُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَن الشَّعْبِيِّ عنْ عَدِيِّ بنِ حاتِمٍ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ لمَّا نَزَلَتْ حَتَّى يتبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأبْيضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ عَمَدْتُ إلَى عِقَالٍ أسْوَدَ وإلَى عِقالٍ أبْيَضَ فجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فجَعَلْتُ أنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي فغَدَوْتُ عَلى رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فذكَرْتُ لَهُ ذالِكَ فَقَالَ إنَّمَا ذَلِكَ سَوادُ اللَّيْلِ وبيَاضُ النَّهار.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة جدا.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: حجاج، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ، ابْن منهال، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون: السّلمِيّ مَوْلَاهُم الْأنمَاطِي. الثَّانِي: هشيم، بِضَم الْهَاء وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن بشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: السّلمِيّ مَوْلَاهُم أَبُو مُعَاوِيَة. الثَّالِث: حُصَيْن، بِضَم الْحَاء وَفتح الصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، يكنى أَبَا الْهُذيْل. الرَّابِع: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ. الْخَامِس: عدي بن حَاتِم الصَّحَابِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل فِي موضِعين. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَأَن هشيما واسطي وَأَصله من بَلخ وَأَن حصينا وَالشعْبِيّ كوفيان وَأَن فِيهِ: أَخْبرنِي حُصَيْن، ويروى: أخبرنَا، وَزَاد الطَّحَاوِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن سَالم عَن هشيم: أخبرنَا حُصَيْن ومجالد عَن الشّعبِيّ، فالطحاوي أخرج هَذَا الحَدِيث من طَرِيقين أَحدهمَا: عَن مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، قَالَ: حَدثنَا حجاج بن منهال إِلَى آخِره، نَحْو رِوَايَة البُخَارِيّ. وَالْآخر: عَن أَحْمد بن دَاوُد عَن إِسْمَاعِيل بن سَالم عَن هشيم عَن حُصَيْن ومجالد عَن الشّعبِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن أبي عوَانَة، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد الله بن إِدْرِيس. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد عَن حُصَيْن بن نمير، وَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير عَن أَحْمد بن منيع عَن هشيم، وَقَالَ: حسن صَحِيح.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (عَن عدي بن حَاتِم) ، فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: أَخْبرنِي عدي بن حَاتِم) ، وَكَذَا أخرجه ابْن خُزَيْمَة عَن أَحْمد بن منيع، وَكَذَا أوردهُ أَبُو عوَانَة من طَرِيق أبي عبيد عَن هشيم عَن حُصَيْن. قَوْله: (عَمَدت) ، أَي: قصدت من عمد يعمد عمدا إِذا قصد، وَهُوَ من بَاب: ضرب يضْرب، وَأما عَمَدت الشَّيْء فانعمد فَمَعْنَاه: أقمته، فَالْأول بِاللَّامِ وَإِلَى؛ وَالثَّانِي بدونهما. قَوْله: (إِلَى عقال) ، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالقاف، وَهُوَ الْحَبل الَّذِي يعقل بِهِ الْبَعِير، وَالْجمع: عُقل، وَفِي رِوَايَة مجَالد: (فَأخذت خيطين من شعر) . قَوْله: (فَلَا يستبين لي) ، أَي: فَلَا يظْهر لي، وَفِي رِوَايَة مجَالد: (فَلَا أستبين الْأَبْيَض من الْأسود) . قَوْله: (وِسَادَتِي) ، الوساد والوسادة المخدة، وَالْجمع: وسائد ووسد. قَوْله: (إِنَّمَا ذَلِك) إِشَارَة إِلَى مَا ذكر من قَوْله: {حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَرِوَايَة البُخَارِيّ فِي التَّفْسِير، قَالَ: (أَخذ عدي عقَالًا أَبيض وَعِقَالًا أسود حَتَّى إِذا كَانَ بعض اللَّيْل نظر فَلم يَسْتَبِينَا، فَلَمَّا أصبح قَالَ: يَا رَسُول الله {جعلت تَحت وِسَادَتِي. . قَالَ: إِن وِسَادَتك إِذا لَعَرِيض) . وَفِي رِوَايَة: (قلت: يَا رَسُول الله} مَا الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود؟ أَهما الْخيطَان؟ قَالَ: إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا، إِن أَبْصرت الْخَيْطَيْنِ، ثمَّ قَالَ: لَا بل هُوَ سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: (قَالَ: يَا رَسُول الله! إِنَّنِي جعلت تَحت وِسَادَتِي عِقَالَيْنِ: عقَالًا أَبيض وَعِقَالًا أسود أعرف اللَّيْل من النَّهَار، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن وِسَادك لَعَرِيض، إِنَّمَا هُوَ سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار) . وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد (قَالَ: أخذت عقَالًا أَبيض وَعِقَالًا أسود فوضعتهما تَحت وِسَادَتِي، فَنَظَرت فَلم أتبين، فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَضَحِك، وَقَالَ: إِن وِسَادك إِذا لَعَرِيض طَوِيل، إِنَّمَا هُوَ اللَّيْل وَالنَّهَار) . وَفِي لفظ: (إِنَّمَا هما سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار) ، وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن طهْمَان عَن مطرف: (فَضَحِك، وَقَالَ: لَا يَا عريض الْقَفَا) . انْتهى. قَوْله: (إِن وِسَادك لَعَرِيض) ، كنى بالوساد عَن النّوم، لِأَن النَّائِم يتوسد، أَي: إِن نومك لطويل كثير، وَقيل: كنى بالوساد عَن مَوضِع الوساد من رَأسه وعنقه، وَتشهد لَهُ الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا: (إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا) ، فَإِن عرض الْقَفَا كِنَايَة عَن السّمن، وَقيل: أَرَادَ من أكل مَعَ الصُّبْح فِي صَوْمه أصبح عريض الْقَفَا، لِأَن الصَّوْم لَا يُؤثر فِيهِ، وَيُقَال: يكنى عَن الأبله بعريض الْقَفَا، فَإِن عرض الْقَفَا وَعظم الرَّأْس إِذا أفرطا قيل: إِنَّه دَلِيل الغباوة والحماقة، كَمَا أَن استواءه دَلِيل على علو الهمة وَحسن الْفَهم، وَهَذَا من قبيل الْكِنَايَة الْخفية، وَالْفرق بَين الْكِنَايَة وَالْمجَاز أَن الِانْتِقَال فِي الْكِنَايَة من اللَّازِم إِلَى الْمَلْزُوم، وَفِي الْمجَاز من الْمَلْزُوم إِلَى اللَّازِم، وَهَكَذَا فرق السكاكي وَغَيره، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِنَّمَا عرض النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قفا عدي لِأَنَّهُ غفل عَن الْبَيَان، وتعريض الْقَفَا مِمَّا يسْتَدلّ بِهِ على قلَّة الفطنة، قيل: أنكر ذَلِك غير وَاحِد، مِنْهُم: الْقُرْطُبِيّ، فَقَالَ: حمله بعض النَّاس على الذَّم لَهُ على ذَلِك الْفَهم، وَكَأَنَّهُم فَهموا أَنه نسبه إِلَى الْجَهْل والجفا وَعدم الْفِقْه، وعضدوا ذَلِك بقوله: (إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا)

وَلَيْسَ الْأَمر على مَا قَالُوهُ، لِأَن من حمل اللَّفْظ على حَقِيقَته اللسانية الَّتِي هِيَ الأَصْل إِذا لم يتَبَيَّن لَهُ دَلِيل التَّجَوُّز لم يسْتَحق ذما وَلَا ينْسب إِلَى جهل، وَإِنَّمَا عَنى وَالله أعلم إِن وِسَادك إِن كَانَ يُغطي الْخَيْطَيْنِ اللَّذين أَرَادَ الله فَهُوَ إِذا عريض وَاسع، ولهذه قَالَ فِي إِثْر ذَلِك: إِنَّمَا هُوَ سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَكيف يدخلَانِ تَحت وِسَادَتك؟ وَقَوله: (إِنَّك لَعَرِيض الْقَفَا) ، أَي: إِن الوساد الَّذِي يُغطي اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يرقد عَلَيْهِ إلَاّ قفا عريض للمناسبة.

ذكر الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: {حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض ... } (الْبَقَرَة: ٧٨١) . إِلَى آخِره، يَقْتَضِي ظَاهره أَن عدي بن حَاتِم كَانَ حَاضرا لما نزلت هَذِه الْآيَة، وَهُوَ يَقْتَضِي تقدم إِسْلَامه، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، لِأَن نزُول فرض الصَّوْم كَانَ مُتَقَدما فِي أَوَائِل الْهِجْرَة، وَإِسْلَام عدي كَانَ فِي التَّاسِعَة أَو الْعَاشِرَة، كَمَا ذكره ابْن إِسْحَاق وَغَيره من أهل الْمَغَازِي قلت: أجابوا بأَرْبعَة أجوبة: الأول: إِن الْآيَة الَّتِي فِي حَدِيث الْبَاب تَأَخّر نُزُولهَا عَن نزُول فرض الصَّوْم، وَهَذَا بعيد جدا. الثَّانِي: أَن يؤول قَول عدي هَذَا على أَن المُرَاد بقوله: (لما نزلت) ، أَي: لما تليت عَليّ عِنْد إسلامي. الثَّالِث: أَن الْمَعْنى: لما بَلغنِي نزُول الْآيَة عَمَدت إِلَى عِقَالَيْنِ. الرَّابِع: يقدر فِيهِ حذف تَقْدِيره، لما نزلت الْآيَة، ثمَّ قدمت وَأسْلمت وتعلمت الشَّرَائِع، عَمَدت، وَهَذَا أحسن الْوُجُوه، وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ أَحْمد من طَرِيق مجَالد بِلَفْظ: (عَلمنِي رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصَّلَاة وَالصِّيَام، فَقَالَ: صل كَذَا وصم كَذَا، فَإِذا غَابَتْ الشَّمْس فَكل حَتَّى يتَبَيَّن لَك الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود، قَالَ: فَأخذت خيطين) الحَدِيث.

وَمِنْهَا مَا قيل:

إِن قَوْله: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . نزل بعد قَوْله: {وكلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَكَانَ هَذَا بَيَانا لَهُم إِن المُرَاد بِهِ أَن يتَمَيَّز بَيَاض النَّهَار من سَواد اللَّيْل، فَكيف يجوز تَأْخِير الْبَيَان مَعَ الْحَاجة إِلَيْهِ مَعَ بَقَاء التَّكْلِيف؟ أُجِيب: بِأَن الْبَيَان كَانَ مَوْجُودا فِيهِ، لَكِن على وَجه لَا يُدْرِكهُ جَمِيع النَّاس، وَإِنَّمَا كَانَ على وَجه يخْتَص بِهِ أَكْثَرهم أَو بَعضهم، وَلَيْسَ يلْزم أَن يكون الْبَيَان مكشوفا فِي دَرَجَة يطلع عَلَيْهَا كل أحد، أَلا ترى أَنه لم يَقع فِيهِ إلَاّ عدي وَحده، وَيُقَال: كَانَ اسْتِعْمَال الْخَيْطَيْنِ فِي اللَّيْل وَالنَّهَار شَائِعا غير مُحْتَاج إِلَى الْبَيَان، وَكَانَ ذَلِك إسما لسواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الْإِسْلَام، قَالَ أَبُو دَاوُد الْإِيَادِي:

(وَلما أَضَاءَت لنا ظلمَة ... ولاح لنا الصُّبْح خيطا أنارا)

فَاشْتَبَهَ على بَعضهم فَحَمَلُوهُ على العقالين، وَقَالَ النَّوَوِيّ: فعل ذَلِك من لم يكن ملازما لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بل هُوَ من الْأَعْرَاب، وَمن لَا فقه عِنْده أَو لم يكن من لغته اسْتِعْمَالهَا فِي اللَّيْل وَالنَّهَار.

وَمِنْهَا مَا قيل: إِن قَوْله: {حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . من بَاب الِاسْتِعَارَة أم من بَاب التَّشْبِيه؟ أُجِيب: بِأَن قَوْله: {من الْفجْر} أخرجه من بَاب الِاسْتِعَارَة، وَقد نقلنا هَذَا عَن الزَّمَخْشَرِيّ فِي أَوَائِل الْبَاب.

وَمِنْهَا مَا قيل: إِن الِاسْتِعَارَة أبلغ فَلِمَ عَدل إِلَى التَّشْبِيه؟ أُجِيب: بِأَن التَّشْبِيه الْكَامِل أولى من الِاسْتِعَارَة النَّاقِصَة، وَهِي نَاقِصَة لفَوَات شَرط حسنها، وَهُوَ أَن يكون التَّشْبِيه بَين الْمُسْتَعَار لَهُ والمستعار مِنْهُ جليا بِنَفسِهِ مَعْرُوفا بَين سَائِر الأقوام، وَهَذَا قد كَانَ مشتبها على بَعضهم.

٧١٩١ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا ابنُ أبِي حازِمٍ عنْ أبِيهِ عنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ ح قَالَ حدَّثني سعَيدُ بنُ أبِي مَرْيَمَ قَالَ حدَّثنا أبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حدَّثني أبُو حازِمٍ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ قَالَ أُنْزِلَتْ {وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يتبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ولَمْ يَنْزِلْ مِنَ الفَجْرِ فَكانَ رِجالٌ إذَا أرَادُوا الصَّوْمَ ربَطَ أحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ ولَمْ يَزَلْ يأكُلُ حَتَّى يتَبَيَّنَ لَهُ رُؤيَتُهُمَا فأنْزَلَ الله بَعْدُ مِنَ الْفَجْرِ فَعَلِمُوا أنَّهُ إنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ والنَّهَارَ.

(الحَدِيث ٧١٩١ طرفه فِي: ١١٥٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: سعيد بن أبي مَرْيَم هُوَ سعيد بن مُحَمَّد الحكم بن

أبي مَرْيَم الجُمَحِي. الثَّانِي: ابْن أبي حَازِم عبد الْعَزِيز. الثَّالِث: أَبوهُ أَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي: واسْمه سَلمَة بن دِينَار. الرَّابِع: أَبُو غَسَّان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَتَشْديد السِّين الْمُهْملَة وبالنون: واسْمه مُحَمَّد بن طريف. الْخَامِس: سهل ابْن سعد بن مَالك السَّاعِدِيّ الْأنْصَارِيّ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وبصيغة الْإِفْرَاد فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي والبقية مدنيون. وَفِيه: أَن فِي الطَّرِيق الأول روى عَن شَيْخه بِالتَّحْدِيثِ بِصِيغَة الْجمع، وَفِي الطَّرِيق الثَّانِي عَنهُ أَيْضا بِصِيغَة الْإِفْرَاد. وَفِيه: أَن شَيْخه يروي عَن شيخين أَحدهمَا ابْن أبي حَازِم، وَالْآخر أَبُو غَسَّان، وَفِي التَّفْسِير عَن أبي غَسَّان وَحده، وَاللَّفْظ لأبي غَسَّان، وَكَذَا أخرجه مُسلم وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو عوَانَة والطَّحَاوِي فِي آخَرين من طَرِيق سعيد شيخ البُخَارِيّ عَن أبي غَسَّان وَحده.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّفْسِير عَن سعيد بن أبي مَرْيَم: وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق وَمُحَمّد بن سهل بن عَسْكَر، كِلَاهُمَا عَن سعيد بن أبي مَرْيَم. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أبي بكر بن إِسْحَاق بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ربط أحدهم فِي رجلَيْهِ) ، قلت: فِي مُسلم: (جعل الرجل يَأْخُذ خيطا أَبيض وخيطا أسود فيضعهما تَحت وسادته وَينظر مَتى يَسْتَبِينَا) . قلت: لَا مُنَافَاة لاحْتِمَال أَن يكون بَعضهم فعل هَذَا وَبَعْضهمْ فعل هَذَا، وَقَالَ بَعضهم: أَو يَكُونُوا يجعلونهما تَحت الوسادة إِلَى السحر فيربطونهما حِينَئِذٍ فِي أَرجُلهم ليشاهدوهما. انْتهى. قلت: هَذَا بعيد، لِأَنَّهُ لَا حَاجَة حِينَئِذٍ إِلَى الرَّبْط فِي أَرجُلهم، لأَنهم فِي يقظة حِينَئِذٍ لِأَن الْمُشَاهدَة لَا تكون إلَاّ عَن يقظان، فَلَا يحْتَاج إِلَى الرَّبْط فِي الرجل، فَفِي أَي: مَوضِع كَانَ تحصل الْمُشَاهدَة؟ قَوْله: (حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ) ، كَذَا هُوَ بِالتَّشْدِيدِ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (حَتَّى يستبين) ، من الإستبانة، وَذَلِكَ من التبين من: بَاب التفعل، وَذَاكَ من بَاب الاستفعال. قَوْله: (رُؤْيَتهمَا) ، بِضَم الرَّاء وَسُكُون الْهمزَة وَفتح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَضم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، وَهُوَ من: رأى بِالْعينِ، يُقَال: رأى رَأيا ورؤية وراءة، مثل راعة فيتعدى إِلَى مفعول وَاحِد، وَإِذا كَانَ بِمَعْنى الْعلم يتَعَدَّى إِلَى مفعولين، يُقَال: رأى زيدا عَالما، وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر وَهُوَ مَرْفُوع، لِأَنَّهُ فَاعل لقَوْله {حَتَّى يتَبَيَّن لَهُ} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وَفِي رِوَايَة النَّسَفِيّ: رأيهما، بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْهمزَة وَضم الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَمَعْنَاهُ: منظرهما، وَمِنْه: قَوْله تَعَالَى: {أحسن أثاثا ورءيا} (مَرْيَم: ٤٧) . وَفِي رِوَايَة مُسلم: زيهما، بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الْيَاء بِلَا همز وَمَعْنَاهُ: لونهما، ويروى: (رئيهما) ، بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا وَكسر الْهمزَة وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، قَالَ عِيَاض: هَذَا غلط لِأَن الرئي التَّابِع من الْجِنّ، فَلَا معنى لَهُ هَهُنَا، فَإِن صحت بِهِ الرِّوَايَة فَيكون مَعْنَاهُ: مرئيهما. قَوْله: (فَأنْزل الله بعد) ، بِضَم الدَّال أَي: بعد نزُول: {حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . فَإِن قلت: كَيفَ الْجمع على هَذَا بَين حَدِيث عدي وَحَدِيث سهل هَذَا؟ قلت: قَالَ الْقُرْطُبِيّ: يَصح الْجمع بِأَن يكون حَدِيث عدي مُتَأَخِّرًا عَن حَدِيث سهل، وَأَن عديا لم يسمع مَا جرى فِي حَدِيث سهل، وَإِنَّمَا سمع الْآيَة مُجَرّدَة، وعَلى هَذَا فَيكون: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . مُتَعَلقا بقوله: {يتَبَيَّن} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . وعَلى مُقْتَضى حَدِيث سهل يكون فِي مَوضِع الْحَال مُتَعَلقا بِمَحْذُوف: قَالَ، وَيحْتَمل أَن يكون الحديثان قَضِيَّة وَاحِدَة. وَذكر بعض الروَاة {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . مُتَّصِلا بِمَا قبله، كَمَا ثَبت فِي الْقُرْآن الْعَزِيز، وَإِن كَانَ قد نزل مُنْفَردا، كَمَا بَينه فِي حَدِيث سهل، وَحَدِيث سهل يَقْتَضِي أَن يكون مُنْفَردا، وَذَاكَ أَن فرض الصّيام كَانَ فِي السّنة الثَّانِيَة بِلَا خلاف. وَقَالَ سهل فِي حَدِيثه: كَانَ رجال. . إِلَى قَوْله: {وَالْخَيْط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . ثمَّ أنزل: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . فَدلَّ هَذَا على أَن الصَّحَابَة كَانُوا يَفْعَلُونَ هَذَا إِلَى أَن أسلم عدي فِي السّنة التَّاسِعَة، وَقيل الْعَاشِرَة، حَتَّى أخبرهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأَن ذَلِك سَواد اللَّيْل وَبَيَاض النَّهَار. قَوْله: (فَأنْزل الله بعد ذَلِك {من الْفجْر} ) روى أَنه كَانَ بَينهمَا عَام، قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَلَمَّا كَانَ حكم هَذِه الْآيَة قد أشكل على أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَتَّى بيّن الله لَهُم من ذَلِك مَا بَين، وَحَتَّى أنزل: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . بَعْدَمَا كَانَ قد أنزل الله: {حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . فَكَانَ الحكم أَن يَأْكُلُوا ويشربوا حَتَّى يتَبَيَّن لَهُم، حَتَّى نسخ الله عز وَجل بقوله: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . على مَا ذكرنَا، وَقد بَينه سهل فِي حَدِيثه، انْتهى. وَقَالَ عِيَاض: وَلَيْسَ المُرَاد أَن هَذَا كَانَ حكم الشَّرْع أَولا ثمَّ نسخ بقوله: {من الْفجْر} (الْبَقَرَة: ٧٨١) . كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.3 / 29.5
الإضاءة 86%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله