«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ، حَتَّى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٤٤

الحديث رقم ١٩٤٤ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩٤٤ في صحيح البخاري

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ.» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ.

إسناد حديث البخاري رقم ١٩٤٤

١٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩٤٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَكُونَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ عَنْ حَمْزَةَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا الْإِخْبَارَ عَنْ حِكَايَتِهِ، فَالتَّقْدِيرُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ قِصَّةِ حَمْزَةَ أَنَّهُ سَأَلَ، لَكِنْ قَدْ صَحَّ مَجِيءُ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ حَمْزَةَ، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحَ، عَنْ حَمْزَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، لَكِنَّهُ أَسْقَطَ أَبَا مَرَاوِحَ وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِعُرْوَةَ فِيهِ طَرِيقِينَ: سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ، وَسَمِعَهُ مِنْ أَبِي مُرَاوِحَ، عَنْ حَمْزَةَ.

قَوْلُهُ: (أَسْرُدُ الصَّوْمَ) أَيْ: أُتَابِعُهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهِيَةَ فِي صِيَامِ الدَّهْرِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ يَصْدُقُ بِدُونِ صَوْمِ الدَّهْرِ، فَإِنْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ لَمْ يُعَارِضْهُ هَذَا الْإِذْنُ بِالسَّرْدِ، بَلِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ.

قَوْلُهُ: (أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ. . . إِلَخْ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ صَوْمُ رَمَضَانَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ مَنَعَ صِيَامَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ.

قُلْتُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُرَاوِحَ الَّتِي ذَكَرْتُهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ صِيَامِ الْفَرِيضَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا تُطْلَقُ فِي مُقَابَلَةِ مَا هُوَ وَاجِبٌ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ أُسَافِرُ عَلَيْهِ وَأُكْرِيهِ، وَأَنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ - يَعْنِي: رَمَضَانَ - وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ، وَأَجِدُنِي أَنْ أَصُومَ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤخِّرَهُ فَيَكُونَ دَيْنًا عَلَيَّ، فَقَالَ: أَيَّ ذَلِكَ شِئْتَ يَا حَمْزَةُ.

٣٤ - بَاب إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ

١٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ.

[الحديث ١٩٤٤ - أطرافه في: ١٩٤٨، ١٩٥٣، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦، ٤٢٧٧، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩]

قَوْلُهُ: (بَابٌ إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ) أَيْ: هَلْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ أَوْ لَا؟ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَإِلَى رَدِّ مَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَقَالَ بِهِ عُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو مِجْلَزٍ وَغَيْرُهُمَا وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَهُوَ وَهَمٌ، قَالُوا: إِنَّ مَنِ اسْتُهِلَّ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ سَافَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قَالَ: وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنِ اسْتَهَلَّ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ سَاقَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الْآيَةَ. ثُمَّ احْتَجَّ لِلْجُمْهُورِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ) كَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيدَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ وَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ، يَعْنِي: بِضَمِّ الْقَافِ عَلَى التَّصْغِيرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ نِسْبَةُ هَذَا التَّفْسِيرِ لِلْبُخَارِيِّ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ

آخَرَ: حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ بَدَلَ الْكَدِيدِ، وَفِيهِ مَجَازُ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّ الْكَدِيدَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ عُسْفَانَ، وَبَيْنَ الْكَدِيدِ وَمَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: هُوَ بَيْنَ أَمَجَ - بِفَتْحَتَيْنِ وَجِيمٍ - وَعُسْفَانَ وَهُوَ مَاءٌ عَلَيْهِ نَخْلٌ كَثِيرٌ.

وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَلَمَّا بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ هُوَ بِضَمِّ الْكَافِ، وَالْغَمِيمُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ اسْمُ وَادٍ أَمَامَ عُسْفَانَ، قَالَ عِيَاضٌ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ، وَالْكُلُّ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَالْجَمِيعُ مِنْ عَمَلِ عُسْفَانَ اهـ.

وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ أَوْضَحَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: خَرَجَ النَّبِيُّ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشْرَةُ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مُقَدَّمَه الْمَدِينَةِ فَسَارَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ فَأَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرَةِ فَالْآخِرَةِ مِنْ أَمْرِهِ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي آخِرِهِ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَقَعَتْ مُدْرَجَةً عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ: حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ، قَالَ: وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ مِثْلَهُ، قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي مِنْ قَوْلِ مَنْ هُوَ. ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَمِنْ طَرِيقِ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الزُّهْرِيَّ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ مَنْسُوخٌ وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ فِي رَمَضَانَ وَالنَّاسُ صَائِمٌ وَمُفْطِرٌ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ النَّاسُ زَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْضَحَ مِنْ سِيَاقِ خَالِدٍ وَلَفْظُهُ: فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيدَ بَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ شَرِبَ فَأَفْطَرَ، فَنَاوَلَهُ رَجُلًا إِلَى جَنْبِهِ فَشَرِبَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرٍ: ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَحَتُّمِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ وَلَوِ اسْتُهِلَّ رَمَضَانُ فِي الْحَضَرِ وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي الْجَوَازِ إِذْ لَا خِلَافَ أَنَّهُ اسْتَهَلَّ رَمَضَانَ فِي عَامِ غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ خَرَجَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ اخْتِلَافٌ مِنَ الرُّوَاةِ فِي ضَبْطِ ذَلِكَ، وَالَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي عَاشِرِ رَمَضَانَ وَدَخَلَ مَكَّةَ لِتِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُفْطِرَ، وَلَوْ نَوَى الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَصْبَحَ صَائِمًا فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَ قَائِلِهِ مَا وَقَعَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مِنْ تَعْلِيقِ الْقَوْلِ بِهِ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا لَوْ نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ، فَأَمَّا لَوْ نَوَى الصَّوْمَ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي ذَلِكَ النَّهَارِ؟ مَنَعَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ بِالْجَوَازِ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ مُحْتَجًّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقِيلَ لَهُ: قَالَ كَذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْكَدِيدِ عِدَّةَ أَيَّامٍ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مِثْلُ مَا وَقَعَ عِنْدَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ) (قَالَ لِلنَّبِيِّ : أَأَصُومُ (١) فِي السَّفَرِ؟) بهمزتين؛ الأولى: همزة الاستفهام والأخرى: همزة المتكلِّم (وَكَانَ) حمزة (كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ) له: (إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ، وعند مسلمٍ من رواية أبي مُرَاوحٍ (٢) أنَّه قال: يا رسول الله أجد بي قوَّةً على الصِّيام في السَّفر، فهل عليَّ جناحٌ؟ فقال رسول الله : «هي رخصةٌ من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه» وهذا مشعرٌ (٣) بأنَّه سأل عن صيام الفريضة لأنَّ الرُّخصة إنَّما تُطَلق في مقابلة الواجب، وأصرح من ذلك ما رواه أبو داود والحاكم من طريق محمَّد بن حمزة بن عمرٍو عن أبيه أنَّه قال: يا رسول الله إنِّي صاحب ظهرٍ أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنَّه ربَّما صادفني هذا الشَّهر -يعني: رمضان- وأنا أجد القوَّة، وأجدني أن أصوم أهون عليَّ من أن أؤخِّره فيكون دينًا عليَّ؟ فقال: «أيُّ ذلك شئتَ يا حمزة».

(٣٤) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا صَامَ) شخصٌ (٥) (أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ) هل يُباح له الفطر؟

١٩٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ

شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي) غزوة الفتح يوم الأربعاء بعد العصر لعشرٍ مضين من (رَمَضَانَ فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ) بفتح الكاف وكسر الدَّال الأولى؛ وهو موضعٌ بينه وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينه وبين مكَّة نحو مرحلتين (أَفْطَرَ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ) معه وكان بعد العصر كما في «مسلمٍ» من طريق الدَّراورديِّ عن جعفر بن محمَّد ابن عليٍّ عن أبيه عن جابرٍ في هذا الحديث، ولفظه: فقيل له: إنَّ النَّاس قد شقَّ عليهم الصِّيام، وإنَّما ينتظرون فيما فعلت، فدعا بقدحٍ من ماءٍ بعد العصر، ففيه: أنَّ المسافر له أن يصوم بعض رمضان ويفطر بعضه، ولا يلزمه (١) بصوم بعضه تمامه، وأنَّه إذا نوى السَّفر ليلًا فإنَّه يُباح له الفطر لدوام العذر ولا يُكرَه كما في المجموع، وكذا يُباح له الفطر إذا كان مقيمًا ونوى ليلًا، ثمَّ حدث له السَّفر قبل الفجر، فلو حدث بعده فلا؛ تغليبًا للحضر، وقال الحنابلة: إن نوى الحاضر صوم يومٍ ثمَّ سافر في أثنائه فله الفطر، قال في «الإنصاف»: وهذا هو (٢) المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، سواءٌ كان طوعًا أو كرهًا، وهو من مفردات المذهب، ولكن لا يفطر قبل خروجه، وعنه: لا يجوز له الفطر مطلقًا، ولو نوى الصَّوم في سفره فله الفطر، وهذا هو المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، وعنه: لا يجوز له الفطر بالجِمَاع؛ لأنَّه لا يُقَوِّي على السَّفر، فعلى الأوَّل قال أكثر الأصحاب؛ لأنَّ من له الأكل له الجماع، وذكر جماعةٌ من الأصحاب أنَّه يفطر بنيَّة الفطر، فيقع الجماع بعد الفطر، فعلى هذا لا كفَّارة بالجماع. انتهى.

وهذا الحديث فيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وقال القابسيُّ: إنَّه من مُرسَلات الصَّحابة لأنَّ ابن عبَّاسٍ كان في هذه السَّفرة مقيمًا مع أبويه بمكَّة، فلم يشاهد هذه القصَّة، فكأنَّه سمعها من غيره من الصَّحابة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٩٥٣] و «المغازي» [خ¦٤٢٧٥]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَكُونَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ عَنْ حَمْزَةَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا الْإِخْبَارَ عَنْ حِكَايَتِهِ، فَالتَّقْدِيرُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ قِصَّةِ حَمْزَةَ أَنَّهُ سَأَلَ، لَكِنْ قَدْ صَحَّ مَجِيءُ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ حَمْزَةَ، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحَ، عَنْ حَمْزَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، لَكِنَّهُ أَسْقَطَ أَبَا مَرَاوِحَ وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِعُرْوَةَ فِيهِ طَرِيقِينَ: سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ، وَسَمِعَهُ مِنْ أَبِي مُرَاوِحَ، عَنْ حَمْزَةَ.

قَوْلُهُ: (أَسْرُدُ الصَّوْمَ) أَيْ: أُتَابِعُهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهِيَةَ فِي صِيَامِ الدَّهْرِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ يَصْدُقُ بِدُونِ صَوْمِ الدَّهْرِ، فَإِنْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ لَمْ يُعَارِضْهُ هَذَا الْإِذْنُ بِالسَّرْدِ، بَلِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ.

قَوْلُهُ: (أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ. . . إِلَخْ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ صَوْمُ رَمَضَانَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ مَنَعَ صِيَامَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ.

قُلْتُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُرَاوِحَ الَّتِي ذَكَرْتُهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ صِيَامِ الْفَرِيضَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا تُطْلَقُ فِي مُقَابَلَةِ مَا هُوَ وَاجِبٌ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ أُسَافِرُ عَلَيْهِ وَأُكْرِيهِ، وَأَنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ - يَعْنِي: رَمَضَانَ - وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ، وَأَجِدُنِي أَنْ أَصُومَ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤخِّرَهُ فَيَكُونَ دَيْنًا عَلَيَّ، فَقَالَ: أَيَّ ذَلِكَ شِئْتَ يَا حَمْزَةُ.

٣٤ - بَاب إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ

١٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ.

[الحديث ١٩٤٤ - أطرافه في: ١٩٤٨، ١٩٥٣، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦، ٤٢٧٧، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩]

قَوْلُهُ: (بَابٌ إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ) أَيْ: هَلْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ أَوْ لَا؟ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَإِلَى رَدِّ مَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَقَالَ بِهِ عُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو مِجْلَزٍ وَغَيْرُهُمَا وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَهُوَ وَهَمٌ، قَالُوا: إِنَّ مَنِ اسْتُهِلَّ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ سَافَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قَالَ: وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنِ اسْتَهَلَّ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ سَاقَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الْآيَةَ. ثُمَّ احْتَجَّ لِلْجُمْهُورِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ) كَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيدَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ وَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ، يَعْنِي: بِضَمِّ الْقَافِ عَلَى التَّصْغِيرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ نِسْبَةُ هَذَا التَّفْسِيرِ لِلْبُخَارِيِّ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ

آخَرَ: حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ بَدَلَ الْكَدِيدِ، وَفِيهِ مَجَازُ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّ الْكَدِيدَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ عُسْفَانَ، وَبَيْنَ الْكَدِيدِ وَمَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: هُوَ بَيْنَ أَمَجَ - بِفَتْحَتَيْنِ وَجِيمٍ - وَعُسْفَانَ وَهُوَ مَاءٌ عَلَيْهِ نَخْلٌ كَثِيرٌ.

وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَلَمَّا بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ هُوَ بِضَمِّ الْكَافِ، وَالْغَمِيمُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ اسْمُ وَادٍ أَمَامَ عُسْفَانَ، قَالَ عِيَاضٌ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ، وَالْكُلُّ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَالْجَمِيعُ مِنْ عَمَلِ عُسْفَانَ اهـ.

وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ أَوْضَحَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: خَرَجَ النَّبِيُّ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشْرَةُ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مُقَدَّمَه الْمَدِينَةِ فَسَارَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ فَأَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرَةِ فَالْآخِرَةِ مِنْ أَمْرِهِ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي آخِرِهِ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَقَعَتْ مُدْرَجَةً عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ: حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ، قَالَ: وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ مِثْلَهُ، قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي مِنْ قَوْلِ مَنْ هُوَ. ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَمِنْ طَرِيقِ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الزُّهْرِيَّ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ مَنْسُوخٌ وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ فِي رَمَضَانَ وَالنَّاسُ صَائِمٌ وَمُفْطِرٌ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ النَّاسُ زَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْضَحَ مِنْ سِيَاقِ خَالِدٍ وَلَفْظُهُ: فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيدَ بَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ شَرِبَ فَأَفْطَرَ، فَنَاوَلَهُ رَجُلًا إِلَى جَنْبِهِ فَشَرِبَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرٍ: ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَحَتُّمِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ وَلَوِ اسْتُهِلَّ رَمَضَانُ فِي الْحَضَرِ وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي الْجَوَازِ إِذْ لَا خِلَافَ أَنَّهُ اسْتَهَلَّ رَمَضَانَ فِي عَامِ غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ خَرَجَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ اخْتِلَافٌ مِنَ الرُّوَاةِ فِي ضَبْطِ ذَلِكَ، وَالَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي عَاشِرِ رَمَضَانَ وَدَخَلَ مَكَّةَ لِتِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُفْطِرَ، وَلَوْ نَوَى الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَصْبَحَ صَائِمًا فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَ قَائِلِهِ مَا وَقَعَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مِنْ تَعْلِيقِ الْقَوْلِ بِهِ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا لَوْ نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ، فَأَمَّا لَوْ نَوَى الصَّوْمَ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي ذَلِكَ النَّهَارِ؟ مَنَعَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ بِالْجَوَازِ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ مُحْتَجًّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقِيلَ لَهُ: قَالَ كَذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْكَدِيدِ عِدَّةَ أَيَّامٍ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مِثْلُ مَا وَقَعَ عِنْدَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ) (قَالَ لِلنَّبِيِّ : أَأَصُومُ (١) فِي السَّفَرِ؟) بهمزتين؛ الأولى: همزة الاستفهام والأخرى: همزة المتكلِّم (وَكَانَ) حمزة (كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ) له: (إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ، وعند مسلمٍ من رواية أبي مُرَاوحٍ (٢) أنَّه قال: يا رسول الله أجد بي قوَّةً على الصِّيام في السَّفر، فهل عليَّ جناحٌ؟ فقال رسول الله : «هي رخصةٌ من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه» وهذا مشعرٌ (٣) بأنَّه سأل عن صيام الفريضة لأنَّ الرُّخصة إنَّما تُطَلق في مقابلة الواجب، وأصرح من ذلك ما رواه أبو داود والحاكم من طريق محمَّد بن حمزة بن عمرٍو عن أبيه أنَّه قال: يا رسول الله إنِّي صاحب ظهرٍ أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنَّه ربَّما صادفني هذا الشَّهر -يعني: رمضان- وأنا أجد القوَّة، وأجدني أن أصوم أهون عليَّ من أن أؤخِّره فيكون دينًا عليَّ؟ فقال: «أيُّ ذلك شئتَ يا حمزة».

(٣٤) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا صَامَ) شخصٌ (٥) (أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ) هل يُباح له الفطر؟

١٩٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ

شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي) غزوة الفتح يوم الأربعاء بعد العصر لعشرٍ مضين من (رَمَضَانَ فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ) بفتح الكاف وكسر الدَّال الأولى؛ وهو موضعٌ بينه وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينه وبين مكَّة نحو مرحلتين (أَفْطَرَ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ) معه وكان بعد العصر كما في «مسلمٍ» من طريق الدَّراورديِّ عن جعفر بن محمَّد ابن عليٍّ عن أبيه عن جابرٍ في هذا الحديث، ولفظه: فقيل له: إنَّ النَّاس قد شقَّ عليهم الصِّيام، وإنَّما ينتظرون فيما فعلت، فدعا بقدحٍ من ماءٍ بعد العصر، ففيه: أنَّ المسافر له أن يصوم بعض رمضان ويفطر بعضه، ولا يلزمه (١) بصوم بعضه تمامه، وأنَّه إذا نوى السَّفر ليلًا فإنَّه يُباح له الفطر لدوام العذر ولا يُكرَه كما في المجموع، وكذا يُباح له الفطر إذا كان مقيمًا ونوى ليلًا، ثمَّ حدث له السَّفر قبل الفجر، فلو حدث بعده فلا؛ تغليبًا للحضر، وقال الحنابلة: إن نوى الحاضر صوم يومٍ ثمَّ سافر في أثنائه فله الفطر، قال في «الإنصاف»: وهذا هو (٢) المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، سواءٌ كان طوعًا أو كرهًا، وهو من مفردات المذهب، ولكن لا يفطر قبل خروجه، وعنه: لا يجوز له الفطر مطلقًا، ولو نوى الصَّوم في سفره فله الفطر، وهذا هو المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، وعنه: لا يجوز له الفطر بالجِمَاع؛ لأنَّه لا يُقَوِّي على السَّفر، فعلى الأوَّل قال أكثر الأصحاب؛ لأنَّ من له الأكل له الجماع، وذكر جماعةٌ من الأصحاب أنَّه يفطر بنيَّة الفطر، فيقع الجماع بعد الفطر، فعلى هذا لا كفَّارة بالجماع. انتهى.

وهذا الحديث فيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وقال القابسيُّ: إنَّه من مُرسَلات الصَّحابة لأنَّ ابن عبَّاسٍ كان في هذه السَّفرة مقيمًا مع أبويه بمكَّة، فلم يشاهد هذه القصَّة، فكأنَّه سمعها من غيره من الصَّحابة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٩٥٣] و «المغازي» [خ¦٤٢٧٥]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله