«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ، حَتَّى…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٤٤

الحديث رقم ١٩٤٤ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام…

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ.» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ.

سند حديث: ١٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

١٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ :

رواة الحديث

شرح حديث: «أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَكُونَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ عَنْ حَمْزَةَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا الْإِخْبَارَ عَنْ حِكَايَتِهِ، فَالتَّقْدِيرُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ قِصَّةِ حَمْزَةَ أَنَّهُ سَأَلَ، لَكِنْ قَدْ صَحَّ مَجِيءُ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ حَمْزَةَ، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحَ، عَنْ حَمْزَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، لَكِنَّهُ أَسْقَطَ أَبَا مَرَاوِحَ وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِعُرْوَةَ فِيهِ طَرِيقِينَ: سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ، وَسَمِعَهُ مِنْ أَبِي مُرَاوِحَ، عَنْ حَمْزَةَ.

قَوْلُهُ: (أَسْرُدُ الصَّوْمَ) أَيْ: أُتَابِعُهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهِيَةَ فِي صِيَامِ الدَّهْرِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ يَصْدُقُ بِدُونِ صَوْمِ الدَّهْرِ، فَإِنْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ لَمْ يُعَارِضْهُ هَذَا الْإِذْنُ بِالسَّرْدِ، بَلِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ.

قَوْلُهُ: (أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ. . . إِلَخْ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ صَوْمُ رَمَضَانَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ مَنَعَ صِيَامَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ.

قُلْتُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُرَاوِحَ الَّتِي ذَكَرْتُهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ صِيَامِ الْفَرِيضَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا تُطْلَقُ فِي مُقَابَلَةِ مَا هُوَ وَاجِبٌ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ أُسَافِرُ عَلَيْهِ وَأُكْرِيهِ، وَأَنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ - يَعْنِي: رَمَضَانَ - وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ، وَأَجِدُنِي أَنْ أَصُومَ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤخِّرَهُ فَيَكُونَ دَيْنًا عَلَيَّ، فَقَالَ: أَيَّ ذَلِكَ شِئْتَ يَا حَمْزَةُ.

٣٤ - بَاب إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ

١٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ.

[الحديث ١٩٤٤ - أطرافه في: ١٩٤٨، ١٩٥٣، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦، ٤٢٧٧، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩]

قَوْلُهُ: (بَابٌ إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ) أَيْ: هَلْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ أَوْ لَا؟ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَإِلَى رَدِّ مَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَقَالَ بِهِ عُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو مِجْلَزٍ وَغَيْرُهُمَا وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَهُوَ وَهَمٌ، قَالُوا: إِنَّ مَنِ اسْتُهِلَّ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ سَافَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قَالَ: وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنِ اسْتَهَلَّ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ سَاقَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الْآيَةَ. ثُمَّ احْتَجَّ لِلْجُمْهُورِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ) كَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيدَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ وَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ، يَعْنِي: بِضَمِّ الْقَافِ عَلَى التَّصْغِيرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ نِسْبَةُ هَذَا التَّفْسِيرِ لِلْبُخَارِيِّ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ

آخَرَ: حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ بَدَلَ الْكَدِيدِ، وَفِيهِ مَجَازُ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّ الْكَدِيدَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ عُسْفَانَ، وَبَيْنَ الْكَدِيدِ وَمَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: هُوَ بَيْنَ أَمَجَ - بِفَتْحَتَيْنِ وَجِيمٍ - وَعُسْفَانَ وَهُوَ مَاءٌ عَلَيْهِ نَخْلٌ كَثِيرٌ.

وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَلَمَّا بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ هُوَ بِضَمِّ الْكَافِ، وَالْغَمِيمُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ اسْمُ وَادٍ أَمَامَ عُسْفَانَ، قَالَ عِيَاضٌ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ، وَالْكُلُّ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَالْجَمِيعُ مِنْ عَمَلِ عُسْفَانَ اهـ.

وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ أَوْضَحَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: خَرَجَ النَّبِيُّ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشْرَةُ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مُقَدَّمَه الْمَدِينَةِ فَسَارَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ فَأَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرَةِ فَالْآخِرَةِ مِنْ أَمْرِهِ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي آخِرِهِ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَقَعَتْ مُدْرَجَةً عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ: حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ، قَالَ: وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ مِثْلَهُ، قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي مِنْ قَوْلِ مَنْ هُوَ. ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَمِنْ طَرِيقِ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الزُّهْرِيَّ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ مَنْسُوخٌ وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ فِي رَمَضَانَ وَالنَّاسُ صَائِمٌ وَمُفْطِرٌ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ النَّاسُ زَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْضَحَ مِنْ سِيَاقِ خَالِدٍ وَلَفْظُهُ: فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيدَ بَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ شَرِبَ فَأَفْطَرَ، فَنَاوَلَهُ رَجُلًا إِلَى جَنْبِهِ فَشَرِبَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرٍ: ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَحَتُّمِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ وَلَوِ اسْتُهِلَّ رَمَضَانُ فِي الْحَضَرِ وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي الْجَوَازِ إِذْ لَا خِلَافَ أَنَّهُ اسْتَهَلَّ رَمَضَانَ فِي عَامِ غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ خَرَجَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ اخْتِلَافٌ مِنَ الرُّوَاةِ فِي ضَبْطِ ذَلِكَ، وَالَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي عَاشِرِ رَمَضَانَ وَدَخَلَ مَكَّةَ لِتِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُفْطِرَ، وَلَوْ نَوَى الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَصْبَحَ صَائِمًا فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَ قَائِلِهِ مَا وَقَعَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مِنْ تَعْلِيقِ الْقَوْلِ بِهِ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا لَوْ نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ، فَأَمَّا لَوْ نَوَى الصَّوْمَ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي ذَلِكَ النَّهَارِ؟ مَنَعَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ بِالْجَوَازِ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ مُحْتَجًّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقِيلَ لَهُ: قَالَ كَذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْكَدِيدِ عِدَّةَ أَيَّامٍ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مِثْلُ مَا وَقَعَ عِنْدَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ) (قَالَ لِلنَّبِيِّ : أَأَصُومُ (١) فِي السَّفَرِ؟) بهمزتين؛ الأولى: همزة الاستفهام والأخرى: همزة المتكلِّم (وَكَانَ) حمزة (كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ) له: (إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ، وعند مسلمٍ من رواية أبي مُرَاوحٍ (٢) أنَّه قال: يا رسول الله أجد بي قوَّةً على الصِّيام في السَّفر، فهل عليَّ جناحٌ؟ فقال رسول الله : «هي رخصةٌ من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه» وهذا مشعرٌ (٣) بأنَّه سأل عن صيام الفريضة لأنَّ الرُّخصة إنَّما تُطَلق في مقابلة الواجب، وأصرح من ذلك ما رواه أبو داود والحاكم من طريق محمَّد بن حمزة بن عمرٍو عن أبيه أنَّه قال: يا رسول الله إنِّي صاحب ظهرٍ أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنَّه ربَّما صادفني هذا الشَّهر -يعني: رمضان- وأنا أجد القوَّة، وأجدني أن أصوم أهون عليَّ من أن أؤخِّره فيكون دينًا عليَّ؟ فقال: «أيُّ ذلك شئتَ يا حمزة».

(٣٤) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا صَامَ) شخصٌ (٥) (أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ) هل يُباح له الفطر؟

١٩٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ

شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي) غزوة الفتح يوم الأربعاء بعد العصر لعشرٍ مضين من (رَمَضَانَ فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ) بفتح الكاف وكسر الدَّال الأولى؛ وهو موضعٌ بينه وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينه وبين مكَّة نحو مرحلتين (أَفْطَرَ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ) معه وكان بعد العصر كما في «مسلمٍ» من طريق الدَّراورديِّ عن جعفر بن محمَّد ابن عليٍّ عن أبيه عن جابرٍ في هذا الحديث، ولفظه: فقيل له: إنَّ النَّاس قد شقَّ عليهم الصِّيام، وإنَّما ينتظرون فيما فعلت، فدعا بقدحٍ من ماءٍ بعد العصر، ففيه: أنَّ المسافر له أن يصوم بعض رمضان ويفطر بعضه، ولا يلزمه (١) بصوم بعضه تمامه، وأنَّه إذا نوى السَّفر ليلًا فإنَّه يُباح له الفطر لدوام العذر ولا يُكرَه كما في المجموع، وكذا يُباح له الفطر إذا كان مقيمًا ونوى ليلًا، ثمَّ حدث له السَّفر قبل الفجر، فلو حدث بعده فلا؛ تغليبًا للحضر، وقال الحنابلة: إن نوى الحاضر صوم يومٍ ثمَّ سافر في أثنائه فله الفطر، قال في «الإنصاف»: وهذا هو (٢) المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، سواءٌ كان طوعًا أو كرهًا، وهو من مفردات المذهب، ولكن لا يفطر قبل خروجه، وعنه: لا يجوز له الفطر مطلقًا، ولو نوى الصَّوم في سفره فله الفطر، وهذا هو المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، وعنه: لا يجوز له الفطر بالجِمَاع؛ لأنَّه لا يُقَوِّي على السَّفر، فعلى الأوَّل قال أكثر الأصحاب؛ لأنَّ من له الأكل له الجماع، وذكر جماعةٌ من الأصحاب أنَّه يفطر بنيَّة الفطر، فيقع الجماع بعد الفطر، فعلى هذا لا كفَّارة بالجماع. انتهى.

وهذا الحديث فيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وقال القابسيُّ: إنَّه من مُرسَلات الصَّحابة لأنَّ ابن عبَّاسٍ كان في هذه السَّفرة مقيمًا مع أبويه بمكَّة، فلم يشاهد هذه القصَّة، فكأنَّه سمعها من غيره من الصَّحابة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٩٥٣] و «المغازي» [خ¦٤٢٧٥]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

التَّيْمِيّ عَن عُرْوَة، لكنه أسقط أَبَا مراوح، وَالصَّوَاب إثْبَاته، وَهُوَ مَحْمُول على أَن لعروة فِيهِ طَرِيقين: سَمعه من عَائِشَة، وسَمعه من أبي مراوح عَن حَمْزَة.

ذكر مَعْنَاهُ: وَقَوله: (إِنِّي أسرد الصَّوْم) أَي: أتابعه يَعْنِي: آتِي بِهِ متواليا، وَهُوَ من سرد يسْرد من: بَاب نصر ينصر. وَقَالَ ابْن التِّين: وَضبط فِي بعض الْأُمَّهَات بِضَم الْهمزَة، وَلَا وَجه لَهُ فِي اللُّغَة إلَاّ أَن يُرِيد بِفَتْح السِّين وَتَشْديد الرَّاء على التكثير. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّطْوِيل لِأَنَّهُ حِين قيل بِضَم الْهمزَة علم أَنه من: بَاب التفعيل، تَقول: سرد يسْرد تسريدا، وَصِيغَة الْمُتَكَلّم وَحده لَا تَجِيء إلَاّ بِضَم الْهمزَة، قَالُوا: وَفِيه رد على من يرى أَن صَوْم الدَّهْر مَكْرُوه لِأَنَّهُ أخبر بسرده، وَلم يُنكر عَلَيْهِ، بل أقره وَأذن لَهُ فِي السّفر، فَفِي الْحَضَر أولى. وَأجِيب: بِأَن التَّتَابُع يصدق بِدُونِ صَوْم الدَّهْر فَلَا دلَالَة فِيهِ على الْكَرَاهَة. فَإِن قلت: يُعَارضهُ نَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. قلت: يحمل نَهْيه على ضعف عبد الله عَن ذَلِك، وَحَمْزَة ذكر قُوَّة لم يذكرهَا غَيره.

٣٤٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّ حَمْزَةَ بنَ عَمْرٍ والأسْلَمِيَّ قَالَ لِلنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أأصُومُ فِي السَّفَرِ وكانَ كَثِيرَ الصِّيامِ فَقَالَ إنْ شِئْتَ فَصُمْ وإنْ شِئْتَ فأفْطِرْ. (انْظُر الحَدِيث ٢٤٩١) .

هَذَا طَرِيق ثَان. قَوْله: (أأصوم؟) بهمزتين الأولى هِيَ همزَة الِاسْتِفْهَام وَالْأُخْرَى همزَة الْمُتَكَلّم، وكلتاهما مفتوحتان. قيل: لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ صَوْم رَمَضَان، فَلَا يكون فِيهِ حجَّة على منع صِيَام رَمَضَان فِي السّفر. وَأجِيب: بِأَن فِي رِوَايَة أبي مراوح فِي رِوَايَة مُسلم الَّتِي ذَكرنَاهَا إشعارا بِأَنَّهُ سَأَلَ عَن صِيَام الْفَرِيضَة، لِأَن الرُّخْصَة إِنَّمَا تطلق فِي مُقَابل مَا هُوَ وَاجِب، وأصرح من ذَلِك وَأكْثر وضوحا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم من طَرِيق مُحَمَّد بن حَمْزَة بن عَمْرو عَن أَبِيه أَنه قَالَ: (يَا رَسُول الله! إِنِّي صَاحب ظهر أعَالجهُ، أسافر عَلَيْهِ وأكريه، وَأَنه رُبمَا صادفني هَذَا الشَّهْر يَعْنِي: شهر رَمَضَان وَأَنا أجد الْقُوَّة وأجدني أَن أَصوم أَهْون عَليّ من أَن أؤخره، فَيكون دينا عَليّ؟ فَقَالَ: أَي ذَلِك شِئْت يَا حَمْزَة) .

٤٣ - (بابٌ إذَا صامَ أيَّاما مِنْ رمَضَانَ ثُمَّ سافَرَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا صَامَ شخص أيامر من رَمَضَان ثمَّ سَافر هَل يُبَاح لَهُ الْفطر أم لَا؟ وَلم يذكر جَوَاب إِذا اكْتِفَاء بِمَا ذكره فِي الْبَاب، تَقْدِيره: يُبَاح لَهُ الْفطر. وَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيف مَا روى عَن عَليّ بِإِسْنَاد ضَعِيف أَن: من اسْتهلّ عَلَيْهِ رَمَضَان فِي الْحَضَر ثمَّ سَافر بعد ذَلِك فَلَيْسَ لَهُ أَن يفْطر لقَوْله تَعَالَى: {فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . انْتهى. قلت: قد مر مثل هَذَا الْكَلَام من هَذَا الْقَائِل غير مرّة، وأجبنا عَن هَذَا بِأَن الْإِشَارَة لَا تكون إلَاّ للحاضر، فَمن أَيْن علم أَنه اطلع على هَذَا الحَدِيث حَتَّى أَشَارَ إِلَيْهِ؟ وَلَئِن سلمنَا اطِّلَاعه على هَذَا، فَكيف وَجه الْإِشَارَة إِلَيْهِ؟

٤٤٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَرَجَ إلَى مَكَّةَ فِي رمَضَانَ فصامَ حَتَّى بلَغَ الكَدِيدَ أفْطَرَ فَأفْطر النَّاسُ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَى مَكَّة فصَام أَيَّامًا ثمَّ أفطر.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعبيد الله بن عبد الله بِالتَّصْغِيرِ فِي الابْن وَالتَّكْبِير فِي الْأَب ابْن عتبَة بن مَسْعُود، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي الْمَغَازِي عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن يحيى بن يحيى وَابْن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَمْرو النَّاقِد، أربعتهم عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق، وَعَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث عَنهُ بِهِ، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج إِلَى مَكَّة) ، كَانَ ذَلِك فِي غَزْوَة الْفَتْح، خرج يَوْم الْأَرْبَعَاء بعد الْعَصْر لعشر مضين من رَمَضَان، فَلَمَّا كَانَ بالصلصل، جبل عِنْد ذِي الحليفة، نَادَى مناديه: من أحب أَن يفْطر فليفطر، وَمن أحب أَن يَصُوم فليصم. فَلَمَّا بلغ الكديد أفطر بعد صَلَاة الْعَصْر على رَاحِلَته ليراه النَّاس. قَوْله: (لعشر مضين من رَمَضَان) رِوَايَة ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَن الزُّهْرِيّ، وَوَقع فِي مُسلم من حَدِيث أبي سعيد اخْتِلَاف من الروَاة فِي ضبط ذَلِك، وَالَّذِي اتّفق عَلَيْهِ أهل السّير أَنه خرج فِي عَاشر رَمَضَان وَدخل مَكَّة لتسْع عشرَة خلت مِنْهُ. قَوْله: (حَتَّى بلغ الكديد) وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، ستأتي قَرِيبا، من وَجه آخر: (حَتَّى بلغ عسفان) ، بدل الكديد، وَوَقع عِنْد مُسلم: (فَلَمَّا بلغ كرَاع الغميم) ، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من رِوَايَة الحكم عَن مقسم، (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج فِي رَمَضَان فصَام حَتَّى أَتَى قديدا، ثمَّ أَتَى بقدح من لبن فشربه فَأفْطر هُوَ وَأَصْحَابه) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اخْتلفت الرِّوَايَات فِي الْموضع الَّذِي أفطر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ، وَالْكل فِي قَضِيَّة وَاحِدَة، وَكلهَا مُتَقَارِبَة، والجميع من عمل عسفان. انْتهى. قلت: الكديد، بِفَتْح الْكَاف وبدالين مهملتين أولاهما مَكْسُورَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة: وَهُوَ مَوضِع بَينه وَبَين الْمَدِينَة سبع مراحل أَو نَحْوهَا، وَبَينه وَبَين مَكَّة نَحْو مرحلَتَيْنِ، وَهُوَ أقرب إِلَى الْمَدِينَة من عسفان. وَقَالَ أَبُو عبيد: بَينه وَبَين عسفان سِتَّة أَمْيَال، وَعُسْفَان على أَرْبَعَة برد من مَكَّة، وبالكاديد عين جَارِيَة بهَا نخل كثير، وَذكر ابْن قرقول: أَن بَين الكديد وَمَكَّة اثْنَان وَأَرْبَعُونَ ميلًا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَعُسْفَان قَرْيَة جَامِعَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وكراع الغميم أَيْضا مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، والكراع جَانب مستطيل من الْحرَّة مشتبها بِالْكُرَاعِ، والغميم، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة: وادٍ بالحجاز. أما عسفان فبثمانية أَمْيَال يُضَاف إِلَيْهَا هَذَا الكراع، قيل: جبل أسود مُتَّصِل بِهِ، والكراع: كل أنف سَالَ من جبل أَو حرَّة، وقديد، بِضَم الْقَاف: مَوضِع قريب من مَكَّة فَكَأَنَّهُ فِي الأَصْل تَصْغِير: قد.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: بَيَان صَرِيح أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، صَامَ فِي السّفر. وَفِيه: رد على من لم يجوز الصَّوْم فِي السّفر. وَفِيه: بَيَان إِبَاحَة الْإِفْطَار فِي السّفر. وَفِيه: دَلِيل على أَن للصَّائِم فِي السّفر الْفطر بعد مُضِيّ بعض النَّهَار. وَفِيه: رد لقَوْل من زعم أَن فطره بالكديد كَانَ فِي الْيَوْم الَّذِي خرج فِيهِ من الْمَدِينَة، وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه لَا يجوز الْفطر فِي ذَلِك الْيَوْم، وَإِنَّمَا يجوز لمن طلع عَلَيْهِ الْفجْر فِي السّفر، قَالَ أَبُو عمر: اخْتلفُوا فِي الَّذِي يخرج فِي سَفَره. وَقد بَيت الصَّوْم، فَقَالَ مَالك: عَلَيْهِ الْقَضَاء وَلَا كَفَّارَة فِيهِ، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد والطبري وَالْأَوْزَاعِيّ، وَللشَّافِعِيّ قَول آخر: أَنه يكفر إِن جَامع.

قَالَ أبُو عَبْدِ الله والْكَدِيدُ ماءٌ بيْنَ عُسْفَانَ وقُدِيدٍ

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَنسبَة هَذَا التَّفْسِير للْبُخَارِيّ وَقعت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَوْصُولا من وَجه آخر فِي نفس الحَدِيث.

٥٤٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ حَمْزَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ بنِ جابِرٍ أنَّ إسْمَاعِيلَ بنَ عُبَيْدِ الله حَدَّثَهُ عنْ أمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعْضَ أسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلى رَأسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إلَاّ مَا كَانَ مِنَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وابنِ رَوَاحَةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي أَن الصَّوْم والإفطار فِي السّفر لَو لم يَكُونَا مباحين لما صَامَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَابْن رَوَاحَة، وَأفْطر الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد وَقع على رَأس هَذَا الحَدِيث لفظ: بَاب كَذَا، مُجَردا عَن تَرْجَمَة عِنْد الْأَكْثَرين، وَسقط من رِوَايَة النَّسَفِيّ.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي: يحيى بن حَمْزَة الدِّمَشْقِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر الشَّامي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

يَكُونَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ عَنْ حَمْزَةَ الرِّوَايَةَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا الْإِخْبَارَ عَنْ حِكَايَتِهِ، فَالتَّقْدِيرُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ قِصَّةِ حَمْزَةَ أَنَّهُ سَأَلَ، لَكِنْ قَدْ صَحَّ مَجِيءُ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ حَمْزَةَ، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحَ، عَنْ حَمْزَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، لَكِنَّهُ أَسْقَطَ أَبَا مَرَاوِحَ وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ لِعُرْوَةَ فِيهِ طَرِيقِينَ: سَمِعَهُ مِنْ عَائِشَةَ، وَسَمِعَهُ مِنْ أَبِي مُرَاوِحَ، عَنْ حَمْزَةَ.

قَوْلُهُ: (أَسْرُدُ الصَّوْمَ) أَيْ: أُتَابِعُهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنْ لَا كَرَاهِيَةَ فِي صِيَامِ الدَّهْرِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ يَصْدُقُ بِدُونِ صَوْمِ الدَّهْرِ، فَإِنْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ لَمْ يُعَارِضْهُ هَذَا الْإِذْنُ بِالسَّرْدِ، بَلِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ.

قَوْلُهُ: (أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ. . . إِلَخْ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ صَوْمُ رَمَضَانَ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ مَنَعَ صِيَامَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ.

قُلْتُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُرَاوِحَ الَّتِي ذَكَرْتُهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ صِيَامِ الْفَرِيضَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا تُطْلَقُ فِي مُقَابَلَةِ مَا هُوَ وَاجِبٌ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي صَاحِبُ ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ أُسَافِرُ عَلَيْهِ وَأُكْرِيهِ، وَأَنَّهُ رُبَّمَا صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ - يَعْنِي: رَمَضَانَ - وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ، وَأَجِدُنِي أَنْ أَصُومَ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤخِّرَهُ فَيَكُونَ دَيْنًا عَلَيَّ، فَقَالَ: أَيَّ ذَلِكَ شِئْتَ يَا حَمْزَةُ.

٣٤ - بَاب إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ

١٩٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ.

[الحديث ١٩٤٤ - أطرافه في: ١٩٤٨، ١٩٥٣، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦، ٤٢٧٧، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩]

قَوْلُهُ: (بَابٌ إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ) أَيْ: هَلْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ أَوْ لَا؟ وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَإِلَى رَدِّ مَا رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَقَالَ بِهِ عُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو مِجْلَزٍ وَغَيْرُهُمَا وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَهُوَ وَهَمٌ، قَالُوا: إِنَّ مَنِ اسْتُهِلَّ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ سَافَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قَالَ: وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنِ اسْتَهَلَّ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ سَاقَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الْآيَةَ. ثُمَّ احْتَجَّ لِلْجُمْهُورِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ) كَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيدَ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ وَقَعَ تَفْسِيرُهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ، يَعْنِي: بِضَمِّ الْقَافِ عَلَى التَّصْغِيرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ نِسْبَةُ هَذَا التَّفْسِيرِ لِلْبُخَارِيِّ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ، وَسَيَأْتِي قَرِيبًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ

آخَرَ: حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ بَدَلَ الْكَدِيدِ، وَفِيهِ مَجَازُ الْقُرْبِ؛ لِأَنَّ الْكَدِيدَ أَقْرَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ عُسْفَانَ، وَبَيْنَ الْكَدِيدِ وَمَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، قَالَ الْبَكْرِيُّ: هُوَ بَيْنَ أَمَجَ - بِفَتْحَتَيْنِ وَجِيمٍ - وَعُسْفَانَ وَهُوَ مَاءٌ عَلَيْهِ نَخْلٌ كَثِيرٌ.

وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: فَلَمَّا بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ هُوَ بِضَمِّ الْكَافِ، وَالْغَمِيمُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ اسْمُ وَادٍ أَمَامَ عُسْفَانَ، قَالَ عِيَاضٌ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ، وَالْكُلُّ فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَالْجَمِيعُ مِنْ عَمَلِ عُسْفَانَ اهـ.

وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ سِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ أَوْضَحَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: خَرَجَ النَّبِيُّ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشْرَةُ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مُقَدَّمَه الْمَدِينَةِ فَسَارَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ فَأَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرَةِ فَالْآخِرَةِ مِنْ أَمْرِهِ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي آخِرِهِ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَقَعَتْ مُدْرَجَةً عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ: حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ، قَالَ: وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ مِثْلَهُ، قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَدْرِي مِنْ قَوْلِ مَنْ هُوَ. ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَمِنْ طَرِيقِ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الْجِهَادِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الزُّهْرِيَّ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ مَنْسُوخٌ وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.

وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ فِي رَمَضَانَ وَالنَّاسُ صَائِمٌ وَمُفْطِرٌ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ النَّاسُ زَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْضَحَ مِنْ سِيَاقِ خَالِدٍ وَلَفْظُهُ: فَلَمَّا بَلَغَ الْكَدِيدَ بَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ شَرِبَ فَأَفْطَرَ، فَنَاوَلَهُ رَجُلًا إِلَى جَنْبِهِ فَشَرِبَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيَامُ وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرٍ: ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَحَتُّمِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ وَلَوِ اسْتُهِلَّ رَمَضَانُ فِي الْحَضَرِ وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي الْجَوَازِ إِذْ لَا خِلَافَ أَنَّهُ اسْتَهَلَّ رَمَضَانَ فِي عَامِ غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ.

وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ خَرَجَ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ اخْتِلَافٌ مِنَ الرُّوَاةِ فِي ضَبْطِ ذَلِكَ، وَالَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّهُ خَرَجَ فِي عَاشِرِ رَمَضَانَ وَدَخَلَ مَكَّةَ لِتِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُفْطِرَ، وَلَوْ نَوَى الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَصْبَحَ صَائِمًا فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَكَأَنَّ مُسْتَنَدَ قَائِلِهِ مَا وَقَعَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مِنْ تَعْلِيقِ الْقَوْلِ بِهِ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا، وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا لَوْ نَوَى الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ، فَأَمَّا لَوْ نَوَى الصَّوْمَ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي ذَلِكَ النَّهَارِ؟ مَنَعَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ بِالْجَوَازِ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ مُحْتَجًّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَقِيلَ لَهُ: قَالَ كَذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْكَدِيدِ عِدَّةَ أَيَّامٍ.

وَقَدْ وَقَعَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مِثْلُ مَا وَقَعَ عِنْدَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ) (قَالَ لِلنَّبِيِّ : أَأَصُومُ (١) فِي السَّفَرِ؟) بهمزتين؛ الأولى: همزة الاستفهام والأخرى: همزة المتكلِّم (وَكَانَ) حمزة (كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ) له: (إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ) بهمزة قطعٍ، وعند مسلمٍ من رواية أبي مُرَاوحٍ (٢) أنَّه قال: يا رسول الله أجد بي قوَّةً على الصِّيام في السَّفر، فهل عليَّ جناحٌ؟ فقال رسول الله : «هي رخصةٌ من الله، فمن أخذ بها فحسنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه» وهذا مشعرٌ (٣) بأنَّه سأل عن صيام الفريضة لأنَّ الرُّخصة إنَّما تُطَلق في مقابلة الواجب، وأصرح من ذلك ما رواه أبو داود والحاكم من طريق محمَّد بن حمزة بن عمرٍو عن أبيه أنَّه قال: يا رسول الله إنِّي صاحب ظهرٍ أعالجه، أسافر عليه وأكريه، وإنَّه ربَّما صادفني هذا الشَّهر -يعني: رمضان- وأنا أجد القوَّة، وأجدني أن أصوم أهون عليَّ من أن أؤخِّره فيكون دينًا عليَّ؟ فقال: «أيُّ ذلك شئتَ يا حمزة».

(٣٤) هذا (٤) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا صَامَ) شخصٌ (٥) (أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ سَافَرَ) هل يُباح له الفطر؟

١٩٤٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ

شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) بضمِّ العين مُصغَّرًا (بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعودٍ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي) غزوة الفتح يوم الأربعاء بعد العصر لعشرٍ مضين من (رَمَضَانَ فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ) بفتح الكاف وكسر الدَّال الأولى؛ وهو موضعٌ بينه وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينه وبين مكَّة نحو مرحلتين (أَفْطَرَ، فَأَفْطَرَ النَّاسُ) معه وكان بعد العصر كما في «مسلمٍ» من طريق الدَّراورديِّ عن جعفر بن محمَّد ابن عليٍّ عن أبيه عن جابرٍ في هذا الحديث، ولفظه: فقيل له: إنَّ النَّاس قد شقَّ عليهم الصِّيام، وإنَّما ينتظرون فيما فعلت، فدعا بقدحٍ من ماءٍ بعد العصر، ففيه: أنَّ المسافر له أن يصوم بعض رمضان ويفطر بعضه، ولا يلزمه (١) بصوم بعضه تمامه، وأنَّه إذا نوى السَّفر ليلًا فإنَّه يُباح له الفطر لدوام العذر ولا يُكرَه كما في المجموع، وكذا يُباح له الفطر إذا كان مقيمًا ونوى ليلًا، ثمَّ حدث له السَّفر قبل الفجر، فلو حدث بعده فلا؛ تغليبًا للحضر، وقال الحنابلة: إن نوى الحاضر صوم يومٍ ثمَّ سافر في أثنائه فله الفطر، قال في «الإنصاف»: وهذا هو (٢) المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، سواءٌ كان طوعًا أو كرهًا، وهو من مفردات المذهب، ولكن لا يفطر قبل خروجه، وعنه: لا يجوز له الفطر مطلقًا، ولو نوى الصَّوم في سفره فله الفطر، وهذا هو المذهب مطلقًا، وعليه الأصحاب، وعنه: لا يجوز له الفطر بالجِمَاع؛ لأنَّه لا يُقَوِّي على السَّفر، فعلى الأوَّل قال أكثر الأصحاب؛ لأنَّ من له الأكل له الجماع، وذكر جماعةٌ من الأصحاب أنَّه يفطر بنيَّة الفطر، فيقع الجماع بعد الفطر، فعلى هذا لا كفَّارة بالجماع. انتهى.

وهذا الحديث فيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وقال القابسيُّ: إنَّه من مُرسَلات الصَّحابة لأنَّ ابن عبَّاسٍ كان في هذه السَّفرة مقيمًا مع أبويه بمكَّة، فلم يشاهد هذه القصَّة، فكأنَّه سمعها من غيره من الصَّحابة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦٢٩٥٣] و «المغازي» [خ¦٤٢٧٥]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

التَّيْمِيّ عَن عُرْوَة، لكنه أسقط أَبَا مراوح، وَالصَّوَاب إثْبَاته، وَهُوَ مَحْمُول على أَن لعروة فِيهِ طَرِيقين: سَمعه من عَائِشَة، وسَمعه من أبي مراوح عَن حَمْزَة.

ذكر مَعْنَاهُ: وَقَوله: (إِنِّي أسرد الصَّوْم) أَي: أتابعه يَعْنِي: آتِي بِهِ متواليا، وَهُوَ من سرد يسْرد من: بَاب نصر ينصر. وَقَالَ ابْن التِّين: وَضبط فِي بعض الْأُمَّهَات بِضَم الْهمزَة، وَلَا وَجه لَهُ فِي اللُّغَة إلَاّ أَن يُرِيد بِفَتْح السِّين وَتَشْديد الرَّاء على التكثير. قلت: لَا يحْتَاج إِلَى هَذَا التَّطْوِيل لِأَنَّهُ حِين قيل بِضَم الْهمزَة علم أَنه من: بَاب التفعيل، تَقول: سرد يسْرد تسريدا، وَصِيغَة الْمُتَكَلّم وَحده لَا تَجِيء إلَاّ بِضَم الْهمزَة، قَالُوا: وَفِيه رد على من يرى أَن صَوْم الدَّهْر مَكْرُوه لِأَنَّهُ أخبر بسرده، وَلم يُنكر عَلَيْهِ، بل أقره وَأذن لَهُ فِي السّفر، فَفِي الْحَضَر أولى. وَأجِيب: بِأَن التَّتَابُع يصدق بِدُونِ صَوْم الدَّهْر فَلَا دلَالَة فِيهِ على الْكَرَاهَة. فَإِن قلت: يُعَارضهُ نَهْيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ. قلت: يحمل نَهْيه على ضعف عبد الله عَن ذَلِك، وَحَمْزَة ذكر قُوَّة لم يذكرهَا غَيره.

٣٤٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوةَ عنْ أبِيهِ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا زَوجَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أنَّ حَمْزَةَ بنَ عَمْرٍ والأسْلَمِيَّ قَالَ لِلنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أأصُومُ فِي السَّفَرِ وكانَ كَثِيرَ الصِّيامِ فَقَالَ إنْ شِئْتَ فَصُمْ وإنْ شِئْتَ فأفْطِرْ. (انْظُر الحَدِيث ٢٤٩١) .

هَذَا طَرِيق ثَان. قَوْله: (أأصوم؟) بهمزتين الأولى هِيَ همزَة الِاسْتِفْهَام وَالْأُخْرَى همزَة الْمُتَكَلّم، وكلتاهما مفتوحتان. قيل: لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيح بِأَنَّهُ صَوْم رَمَضَان، فَلَا يكون فِيهِ حجَّة على منع صِيَام رَمَضَان فِي السّفر. وَأجِيب: بِأَن فِي رِوَايَة أبي مراوح فِي رِوَايَة مُسلم الَّتِي ذَكرنَاهَا إشعارا بِأَنَّهُ سَأَلَ عَن صِيَام الْفَرِيضَة، لِأَن الرُّخْصَة إِنَّمَا تطلق فِي مُقَابل مَا هُوَ وَاجِب، وأصرح من ذَلِك وَأكْثر وضوحا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِم من طَرِيق مُحَمَّد بن حَمْزَة بن عَمْرو عَن أَبِيه أَنه قَالَ: (يَا رَسُول الله! إِنِّي صَاحب ظهر أعَالجهُ، أسافر عَلَيْهِ وأكريه، وَأَنه رُبمَا صادفني هَذَا الشَّهْر يَعْنِي: شهر رَمَضَان وَأَنا أجد الْقُوَّة وأجدني أَن أَصوم أَهْون عَليّ من أَن أؤخره، فَيكون دينا عَليّ؟ فَقَالَ: أَي ذَلِك شِئْت يَا حَمْزَة) .

٤٣ - (بابٌ إذَا صامَ أيَّاما مِنْ رمَضَانَ ثُمَّ سافَرَ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا صَامَ شخص أيامر من رَمَضَان ثمَّ سَافر هَل يُبَاح لَهُ الْفطر أم لَا؟ وَلم يذكر جَوَاب إِذا اكْتِفَاء بِمَا ذكره فِي الْبَاب، تَقْدِيره: يُبَاح لَهُ الْفطر. وَقَالَ بَعضهم: كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيف مَا روى عَن عَليّ بِإِسْنَاد ضَعِيف أَن: من اسْتهلّ عَلَيْهِ رَمَضَان فِي الْحَضَر ثمَّ سَافر بعد ذَلِك فَلَيْسَ لَهُ أَن يفْطر لقَوْله تَعَالَى: {فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه} (الْبَقَرَة: ٥٨١) . انْتهى. قلت: قد مر مثل هَذَا الْكَلَام من هَذَا الْقَائِل غير مرّة، وأجبنا عَن هَذَا بِأَن الْإِشَارَة لَا تكون إلَاّ للحاضر، فَمن أَيْن علم أَنه اطلع على هَذَا الحَدِيث حَتَّى أَشَارَ إِلَيْهِ؟ وَلَئِن سلمنَا اطِّلَاعه على هَذَا، فَكيف وَجه الْإِشَارَة إِلَيْهِ؟

٤٤٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عَن عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خَرَجَ إلَى مَكَّةَ فِي رمَضَانَ فصامَ حَتَّى بلَغَ الكَدِيدَ أفْطَرَ فَأفْطر النَّاسُ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج إِلَى مَكَّة فصَام أَيَّامًا ثمَّ أفطر.

وَرِجَاله قد ذكرُوا غير مرّة، وَعبيد الله بن عبد الله بِالتَّصْغِيرِ فِي الابْن وَالتَّكْبِير فِي الْأَب ابْن عتبَة بن مَسْعُود، أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي الْمَغَازِي عَن مَحْمُود عَن عبد الرَّزَّاق وَعَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن يحيى بن يحيى وَابْن أبي شيبَة وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَعَمْرو النَّاقِد، أربعتهم عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق، وَعَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن رمح كِلَاهُمَا عَن اللَّيْث عَنهُ بِهِ، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن ابْن وهب، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (خرج إِلَى مَكَّة) ، كَانَ ذَلِك فِي غَزْوَة الْفَتْح، خرج يَوْم الْأَرْبَعَاء بعد الْعَصْر لعشر مضين من رَمَضَان، فَلَمَّا كَانَ بالصلصل، جبل عِنْد ذِي الحليفة، نَادَى مناديه: من أحب أَن يفْطر فليفطر، وَمن أحب أَن يَصُوم فليصم. فَلَمَّا بلغ الكديد أفطر بعد صَلَاة الْعَصْر على رَاحِلَته ليراه النَّاس. قَوْله: (لعشر مضين من رَمَضَان) رِوَايَة ابْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي عَن الزُّهْرِيّ، وَوَقع فِي مُسلم من حَدِيث أبي سعيد اخْتِلَاف من الروَاة فِي ضبط ذَلِك، وَالَّذِي اتّفق عَلَيْهِ أهل السّير أَنه خرج فِي عَاشر رَمَضَان وَدخل مَكَّة لتسْع عشرَة خلت مِنْهُ. قَوْله: (حَتَّى بلغ الكديد) وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس، ستأتي قَرِيبا، من وَجه آخر: (حَتَّى بلغ عسفان) ، بدل الكديد، وَوَقع عِنْد مُسلم: (فَلَمَّا بلغ كرَاع الغميم) ، وَوَقع فِي رِوَايَة النَّسَائِيّ من رِوَايَة الحكم عَن مقسم، (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خرج فِي رَمَضَان فصَام حَتَّى أَتَى قديدا، ثمَّ أَتَى بقدح من لبن فشربه فَأفْطر هُوَ وَأَصْحَابه) . وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: اخْتلفت الرِّوَايَات فِي الْموضع الَّذِي أفطر صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيهِ، وَالْكل فِي قَضِيَّة وَاحِدَة، وَكلهَا مُتَقَارِبَة، والجميع من عمل عسفان. انْتهى. قلت: الكديد، بِفَتْح الْكَاف وبدالين مهملتين أولاهما مَكْسُورَة بعْدهَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة: وَهُوَ مَوضِع بَينه وَبَين الْمَدِينَة سبع مراحل أَو نَحْوهَا، وَبَينه وَبَين مَكَّة نَحْو مرحلَتَيْنِ، وَهُوَ أقرب إِلَى الْمَدِينَة من عسفان. وَقَالَ أَبُو عبيد: بَينه وَبَين عسفان سِتَّة أَمْيَال، وَعُسْفَان على أَرْبَعَة برد من مَكَّة، وبالكاديد عين جَارِيَة بهَا نخل كثير، وَذكر ابْن قرقول: أَن بَين الكديد وَمَكَّة اثْنَان وَأَرْبَعُونَ ميلًا. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: وَعُسْفَان قَرْيَة جَامِعَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وكراع الغميم أَيْضا مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، والكراع جَانب مستطيل من الْحرَّة مشتبها بِالْكُرَاعِ، والغميم، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة: وادٍ بالحجاز. أما عسفان فبثمانية أَمْيَال يُضَاف إِلَيْهَا هَذَا الكراع، قيل: جبل أسود مُتَّصِل بِهِ، والكراع: كل أنف سَالَ من جبل أَو حرَّة، وقديد، بِضَم الْقَاف: مَوضِع قريب من مَكَّة فَكَأَنَّهُ فِي الأَصْل تَصْغِير: قد.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: بَيَان صَرِيح أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، صَامَ فِي السّفر. وَفِيه: رد على من لم يجوز الصَّوْم فِي السّفر. وَفِيه: بَيَان إِبَاحَة الْإِفْطَار فِي السّفر. وَفِيه: دَلِيل على أَن للصَّائِم فِي السّفر الْفطر بعد مُضِيّ بعض النَّهَار. وَفِيه: رد لقَوْل من زعم أَن فطره بالكديد كَانَ فِي الْيَوْم الَّذِي خرج فِيهِ من الْمَدِينَة، وَذهب الشَّافِعِي إِلَى أَنه لَا يجوز الْفطر فِي ذَلِك الْيَوْم، وَإِنَّمَا يجوز لمن طلع عَلَيْهِ الْفجْر فِي السّفر، قَالَ أَبُو عمر: اخْتلفُوا فِي الَّذِي يخرج فِي سَفَره. وَقد بَيت الصَّوْم، فَقَالَ مَالك: عَلَيْهِ الْقَضَاء وَلَا كَفَّارَة فِيهِ، وَبِه قَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَدَاوُد والطبري وَالْأَوْزَاعِيّ، وَللشَّافِعِيّ قَول آخر: أَنه يكفر إِن جَامع.

قَالَ أبُو عَبْدِ الله والْكَدِيدُ ماءٌ بيْنَ عُسْفَانَ وقُدِيدٍ

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، وَنسبَة هَذَا التَّفْسِير للْبُخَارِيّ وَقعت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَحده، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي مَوْصُولا من وَجه آخر فِي نفس الحَدِيث.

٥٤٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ حدَّثني يَحْيَى بنُ حَمْزَةَ عنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ يَزِيدَ بنِ جابِرٍ أنَّ إسْمَاعِيلَ بنَ عُبَيْدِ الله حَدَّثَهُ عنْ أمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي بعْضَ أسْفَارِهِ فِي يَوْمٍ حارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلى رَأسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ وَمَا فِينَا صَائِمٌ إلَاّ مَا كَانَ مِنَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وابنِ رَوَاحَةَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي أَن الصَّوْم والإفطار فِي السّفر لَو لم يَكُونَا مباحين لما صَامَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَابْن رَوَاحَة، وَأفْطر الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَقد وَقع على رَأس هَذَا الحَدِيث لفظ: بَاب كَذَا، مُجَردا عَن تَرْجَمَة عِنْد الْأَكْثَرين، وَسقط من رِوَايَة النَّسَفِيّ.

ذكر رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: عبد الله بن يُوسُف التنيسِي. الثَّانِي: يحيى بن حَمْزَة الدِّمَشْقِي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عبد الرَّحْمَن بن يزِيد بن جَابر الشَّامي، مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة.

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
اللهم صل على محمد