«إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٨٩٩

الحديث رقم ١٨٩٩ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت…

«إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ.»

سند حديث: ١٨٩٩ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ…

١٨٩٩ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي أَنَسٍ، مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث

شرح حديث: «إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث أخرجه هنا مختصرًا، وقد أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ من هذا الوجه بتمامه مثل رواية الزُّهريِّ الثَّانية، ورواة الحديث مدنيُّون إلَّا شيخه فبلخيٌّ، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّوم» [خ¦١٨٨٩] وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٧٧]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ.

١٨٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بواو العطف، وفي نسخةٍ: «أخبرني» بالإفراد في الثَّلاثة (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) القرشيُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد فيهما (ابْنُ أَبِي أَنَسٍ) أبو سهيلٍ نافعٌ (مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ) أي: بني تيمٍ، وكان نافعٌ هذا -أخو أنس بن مالك بن أبي عامرٍ- عمَّ مالك بن أنس الإمام، حليف عثمان بن عبيد (٢) الله، التَّيميُّ (أَنَّ أَبَاهُ) مالك بن أبي عامرٍ (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ) ولغير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «شَهْرُ رَمَضَانَ» (فُتِّحَتْ) بتشديد التَّاء ويجوز تخفيفها (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) قيل: هذا من تصرُّف الرُّواة، والأصل: أبواب الجنَّة، وكذا وقع في «باب صفة إبليس وجنوده» [خ¦٣٢٧٧] من «بدء الخلق» بلفظ: «أبواب الجنَّة» في غير رواية أبي ذرٍّ، وله: «أبواب السَّماء»، وقال ابن بطَّالٍ: المراد من «السَّماء»: الجنَّة؛ بقرينة

قوله: (وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ) يحتمل أن يكون الفتح على ظاهره وحقيقته، وقال التُّورِبشتيُّ: هو كنايةٌ عن تنزيل الرَّحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد، تارةً ببذل التَّوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنَّم عبارةٌ عن تنزُّه أنفس الصُّوَّام عن رجس الفواحش، والتَّخلُّص من البواعث على المعاصي بقمع الشَّهوات، فإن قيل: ما منعكم أن تحملوه على ظاهر المعنى؟ قلنا: لأنَّه ذُكِر على سبيل المنِّ على الصُّوَّام وإتمام النِّعمة عليهم فيما أُمِروا به ونُدِبوا إليه، حتَّى صارت الجنان في هذا الشَّهر كأنَّ أبوابها فُتِّحت، ونعيمها هُيِّئ، والنِّيران كأنَّ أبوابها غُلِّقت (١)، وأنكالها عُطِّلت، وإذا ذهبنا إلى الظَّاهر لم تقع المنَّة موقعها وتخلو عن الفائدة لأنَّ الإنسان ما دام في هذه الدَّار فإنَّه غير مُيسَّرٍ لدخول إحدى الدَّارين، ورجَّح القرطبيُّ حمله على ظاهره؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى صرف اللَّفظ عن ظاهره. قال الطِّيبيُ: فائدة فتح أبواب السَّماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصَّائمين، وأنَّه من الله بمنزلةٍ عظيمةٍ، ويؤيِّده حديث ابن (٢) عمر: «إنَّ الجنَّة لَتُزخرَف لرمضان … » الحديث.

(وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) أي: شُدَّت بالسَّلاسل حقيقةً، والمراد: مسترقو (٣) السَّمع منهم (٤)، وإنَّ تسلسلهم يقع في أيَّام (٥) رمضان دون لياليه لأنَّهم كانوا مُنِعوا زمن نزول القرآن من استراق السَّمع، فزيدوا التَّسلسل مبالغةً في الحفظ، أو هو مجازٌ على العموم، والمرادُ أنَّهم لا يصلون من إفساد المسلمين إلى ما يصلون إليه في غيره لاشتغالهم فيه بالصِّيام الذي فيه قمع الشَّياطين (٦)، وإن وقع شيءٌ من ذلك فهو قليلٌ بالنِّسبة إلى غيره، وهذا أمرٌ محسوسٌ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَالصَّدَََقَة فِي عَجزه؟ قلت: لَا تكْرَار، إِذْ الأول: هُوَ النداء بِأَن الْإِنْفَاق، وَإِن كَانَ بِالْقَلِيلِ من جملَة الْخيرَات الْعَظِيمَة، وَذَلِكَ حَاصِل من كل أَبْوَاب الْجنَّة، وَالثَّانِي: استدعاء الدُّخُول إِلَى الْجنَّة، وَإِنَّمَا هُوَ من الْبَاب الْخَاص بِهِ، فَفِي الحَدِيث فَضِيلَة عَظِيمَة للإنفاق، وَلِهَذَا افْتتح بِهِ واختتم بِهِ. قَوْله: (بِأبي أَنْت وَأمي) أَي: أَنْت مفدى بِأبي وَأمي، فَتكون الْبَاء مُتَعَلقَة بِهِ، وَقيل: تَقْدِيره: فديتك بِأبي وَأمي. قَوْله: (من ضَرُورَة) أَي: من ضَرَر، أَي لَيْسَ على الْمَدْعُو من كل الْأَبْوَاب مضرَّة، أَي: قد سعد من دعِي من أَبْوَابهَا جَمِيعًا، وَيُقَال مَعْنَاهُ: مَا على من دعِي من تِلْكَ الْأَبْوَاب من لم يكن إلَاّ من أهل خصْلَة وَاحِدَة ودعي من بَابهَا لَا ضَرَر عَلَيْهِ، لِأَن الْغَايَة الْمَطْلُوبَة دُخُول الْجنَّة من أَيهَا أَرَادَ، لِاسْتِحَالَة الدُّخُول من الْكل مَعًا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَقُول: يحْتَمل أَن تكون الْجنَّة كالقلعة لَهَا أسوار مُحِيط بَعْضهَا بِبَعْض، وعَلى كل سور بَاب، فَمنهمْ من يدعى من الْبَاب الأول فَقَط، وَمِنْهُم من يتَجَاوَز عَنهُ إِلَى الْبَاب الدَّاخِل وهلم جرا. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره لَا يستبعده الْعقل، وَلَكِن معرفَة كَيْفيَّة الْجنَّة وَكَيْفِيَّة أَبْوَابهَا وَغير ذَلِك مَوْقُوفَة على السماع من الشَّارِع. قَوْله: (وَأَرْجُو أَن تكون مِنْهُم) ، خطاب لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، والرجاء من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاجِب، نبه عَلَيْهِ ابْن التِّين، فَدلَّ هَذَا على فَضِيلَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وعَلى أَنه من أهل هَذِه الْأَعْمَال كلهَا.

وَفِيه: أَن أَعمال الْبر لَا تفتح فِي الْأَغْلَب للْإنْسَان الْوَاحِد فِي جَمِيعهَا، وَإِن من فتح لَهُ فِي شَيْء مِنْهَا حرم غَيرهَا فِي الْأَغْلَب، وَأَنه قد يفتح فِي جَمِيعهَا للقليل من النَّاس، وَإِن الصدِّيق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مِنْهُم.

٥ - (بابٌ هَلْ يُقالُ رمَضَانُ أوْ شَهْرُ رَمَضَانَ ومَنْ رَأى كُلَّهُ واسِعا)

أَي: هَذَا بَاب يُقَال فِيهِ: هَل يُقَال؟ أَي: هَل يجوز أَن يُقَال: رَمَضَان من غير شهر مَعَه؟ أَو يُقَال: شهر رَمَضَان؟ قَوْله: (هَل يُقَال) ؟ على صِيغَة الْمَجْهُول، رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: بَاب هَل يَقُول، أَي: الْإِنْسَان أَو الْقَائِل. قَوْله: (وَمن رأى كُله وَاسِعًا) من جملَة التَّرْجَمَة أَي: من رأى القَوْل بِمُجَرَّد رَمَضَان أَو بقيده بِشَهْر وَاسِعًا أَي: جَائِزا لَا حرج على قَائِله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَمن رَآهُ بهاء الضَّمِير، وَإِنَّمَا أطلق التَّرْجَمَة وَلم يفصح بالحكم للِاخْتِلَاف فِيهِ على عَادَته فِي ذَلِك، فَالَّذِي اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَالْبُخَارِيّ مِنْهُم لَا يكره أَن يُقَال: جَاءَ رَمَضَان، وَلَا صمنا رَمَضَان، وَكَانَ عَطاء وَمُجاهد يكرهان أَن يَقُولَا: رَمَضَان، وَإِنَّمَا كَانَا يَقُولَانِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: شهر رَمَضَان، لأَنا لَا نَدْرِي لَعَلَّ رَمَضَان إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْحسن أَيْضا، قَالَ: وَالطَّرِيق إِلَيْهِ وَإِلَى مُجَاهِد ضَعِيفَة، وَهُوَ قَول أَصْحَاب مَالك. وَقَالَ النّحاس: وَهَذَا قَول ضَعِيف لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نطق بِهِ، فَذكر مَا ذكره البُخَارِيّ. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَهُنَاكَ قَول ثَالِث، وَهُوَ قَول أَكثر أَصْحَابنَا إِن كَانَ هُنَاكَ قرينَة تصرفه إِلَى الشَّهْر فَلَا كَرَاهَة وَإِلَّا فَيكْرَه.

قَالُوا: وَيُقَال: قمنا رَمَضَان، ورمضان أفضل الْأَشْهر، وَإِنَّمَا يكره أَن يُقَال: قد جَاءَ رَمَضَان، وَدخل رَمَضَان، وَحضر، وَنَحْو ذَلِك. فَإِن قلت: فِي (كَامِل) ابْن عدي عَن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تَقولُوا رَمَضَان، فَإِن رَمَضَان اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَلَكِن قُولُوا: شهر رَمَضَان؟) قلت: قَالَ أَبُو حَاتِم: هَذَا خطأ، وَإِنَّمَا هُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَفِيه أَبُو معشر نجيح الْمدنِي، وَضَعفه ابْن عدي الَّذِي خرجه، وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى دفع حَدِيث ضَعِيف، ثمَّ ذكر هَذَا الَّذِي خرجه ابْن عدي. قلت: هَذَا الْقَائِل أَخذ هَذَا الَّذِي قَالَه من كَلَام صَاحب (التَّلْوِيح) فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ البُخَارِيّ أَرَادَ بالتبويب دفع مَا رَوَاهُ أَبُو معشر نجيح فِي (كَامِل) ابْن عدي، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَهل هَذَا إلَاّ أَمر عَجِيب من هذَيْن الْمَذْكُورين؟ فَإِن لفظ التَّرْجَمَة: هَل يُقَال رَمَضَان أَو شهر رَمَضَان؟ من أَيْن يدل على هَذَا؟ فَمن أَي قبيل هَذِه الدّلَالَة؟ وَأَيْضًا: من قَالَ: إِن البُخَارِيّ اطلع على هَذَا الحَدِيث أَو وقف عَلَيْهِ حَتَّى يردهُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة؟ قَوْله: (رَمَضَان) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: (رَمَضَان مصدر رمض إِذا احْتَرَقَ من الرمضاء، فأضيف إِلَيْهِ الشَّهْر وَجعل علما، وَمنع الصّرْف للتعريف وَالْألف وَالنُّون، وسموه بذلك لارتماضهم فِيهِ من حر الْجُوع ومقاساة شدته، كَمَا سموهُ: ناتقا لِأَنَّهُ كَانَ ينتقهم أَي يزعجهم إضجارا بشدته عَلَيْهِم، وَقيل: لما نقلوا أَسمَاء الشُّهُور عَن اللُّغَة الْقَدِيمَة سَموهَا بالأزمنة الَّتِي وَقعت فِيهَا، فَوَافَقَ هَذَا الشَّهْر أَيَّام رمض الْحر. قلت: كَانُوا يَقُولُونَ للْمحرمِ المؤتمر، ولصفر ناجر، ولربيع الأول خوان، ولربيع الآخر وبضان، ولجمادى الأولى ربى، ولجمادى الآخر حنين، ولرجب الْأَصَم، ولشعبان عاذل

ولرمضان ناتق، ولشوال وعل، وَلِذِي الْقعدَة، وَرَنَّة، وَلِذِي الْحجَّة برك، وَفِي (الغريبين) : هُوَ مَأْخُوذ من رمض الصَّائِم يرمض إِذا حرَّ جَوْفه من شدَّة الْعَطش، وَفِي (المغيث) اشتقاقه من: رمضت النصل أرمضه رَمضًا إِذا جعلته بَين حجرين ودققته ليرق، سمي بِهِ لِأَنَّهُ شهر مشقة، ليذكر صائموه مَا يقاسي أهل النَّار فِيهَا، وَقيل: من رمضت فِي الْمَكَان يَعْنِي: احْتبست، لِأَن الصَّائِم يحتبس عَمَّا نهى عَنهُ، و: فعلان، لَا يكَاد يُوجد من بَاب فعل، وَهُوَ فِي بَاب فعل بِالْفَتْح كثير، وَقَالَ ابْن خالويه: تَقول الْعَرَب، جَاءَ فلَان يَغْدُو رَمضًا ورمضا وترميضا ورمضانا إِذا كَانَ قلقا فَزعًا. وَفِي (الْمُحكم) : جمعه رمضانات ورماضين وأرمضة وأرمض، عَن بعض أهل اللُّغَة، وَلَيْسَ يثبت فِي (الصِّحَاح) : يجمع على أرمضاء، وَفِي (الْعلم) : الْمَشْهُور لأبي الْخطاب: وَيجمع أَيْضا على رماض، وَهُوَ الْقيَاس، وأراميض ورماض. قَوْله: (أَو شهر رَمَضَان) ، الشَّهْر عدد وَجمعه أشهر وشهور، ذكره فِي (الموعب) . وَفِي (الْمُحكم) : الشَّهْر الْقَمَر سمي بذلك لشهرته وظهوره، وَسمي الشَّهْر بذلك لِأَنَّهُ يشهر بالقمر، وَفِيه عَلامَة ابْتِدَائه وانتهائه. وَيُقَال: شهر وَشهر. والتسكين أَكثر.

وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منْ صامَ رَمَضَانَ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَقد ذكر هَذِه الْقطعَة مِنْهُ لصِحَّة قَول من يَقُول: رَمَضَان بِغَيْر، قيد شهر.

وَقَالَ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ

أَي: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تقدمُوا رَمَضَان، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة على مَا سَيَأْتِي، وَذكر هَذِه الْقطعَة مِنْهُ أَيْضا لما ذكرنَا.

٨٩٨١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عَن أبِي سُهَيْلٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا جاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أبْوَابُ الجَنَّةِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه جَاءَ فِي الحَدِيث (إِذا جَاءَ رَمَضَان) من غير ذكر: شهر، وَهَذَا الحَدِيث يُفَسر الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: قُتَيْبَة بن سعيد. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن أبي كثير أَبُو إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ، مولى زُرَيْق الْمُؤَدب. الثَّالِث: أَبُو سُهَيْل واسْمه نَافِع بن مَالك بن أبي عَامر عَمْرو بن الْحَارِث بن غيمان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الأصبحي، عَم أنس بن مَالك. وَالرَّابِع: أَبُو مَالك بن أبي عَامر، تَابِعِيّ كَبِير أدْرك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بلخي والبقية مدنيون.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم وَفِي صفة إِبْلِيس وَفِي مَوضِع آخر عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن قُتَيْبَة وَيحيى بن أَيُّوب وَعلي بن حجر، ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن الحاتم وَحسن الْحلْوانِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر بِهِ وَعَن الرّبيع بن سُلَيْمَان وَعَن عبيد الله بن سعد عَن عَمه يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن سعد بِهِ وَعَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب وَعَن مُحَمَّد بن خَالِد بن عَليّ وَعَن عبد الله بن سعد عَن عَمه يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فتحت) ، رُوِيَ بتَشْديد التَّاء وتخفيفها، كَذَا أخرجه مُخْتَصرا، وَقد أخرجه مُسلم بِتَمَامِهِ، وَقَالَ: حَدثنَا يحيى بن أَيُّوب وقتيبة بن سعيد وَابْن حجر، قَالُوا: حَدثنَا إِسْمَاعِيل، وَهُوَ ابْن جَعْفَر عَن أبي سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِذا جَاءَ رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الْجنَّة وغلقت أَبْوَاب النَّار وصفدت الشَّيَاطِين) ، ثمَّ المُرَاد من فتح أَبْوَاب الْجنَّة حَقِيقَة الْفَتْح، وَذهب بَعضهم إِلَى أَن المُرَاد بِفَتْح أَبْوَاب الْجنَّة كَثْرَة الطَّاعَات فِي شهر رَمَضَان، فَإِنَّهَا موصلة إِلَى الْجنَّة، فكني بهَا عَن ذَلِك، وَيُقَال: المُرَاد بِهِ مَا فتح الله على الْعباد فِيهِ من الْأَعْمَال المستوجبة بهَا إِلَى الْجنَّة من الصّيام وَالصَّلَاة والتلاوة، وَأَن الطَّرِيق إِلَى الْجنَّة فِي رَمَضَان سهل، والأعمال فِيهِ أسْرع إِلَى الْقبُول.

٩٩٨١ - حدَّثني يحْيعى بنُ بُكَيُرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخبرَني ابنُ

أبِي أنَسٍ مَوْلَى التَّيْميِّينَ أنَّ أباهُ حَدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقوُل قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا دخَل شهْرُ رَمَضَانَ فُتِحَتْ أبْوابُ السَّمَاءِ وغلِقَتْ أبْوَابُ جهَنَّمَ وسُلْسِلَتِ الشَّياطِينُ..

هَذَا طَرِيق آخر أتم من الطَّرِيق الأول، مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا دخل شهر رَمَضَان) ، حَيْثُ ذكر فِيهِ شهر، وَهُوَ مُطَابق لقَوْله فِي التَّرْجَمَة: أَو شهر رَمَضَان.

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: يحيى بن بكير وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: ابْن أبي أنس هُوَ أَبُو سهل نَافِع ابْن أبي أنس بن مَالك بن أبي عَامر. السَّادِس: أَبوهُ مَالك بن أبي عَامر. السَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين، وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَنْسُوب إِلَى جده لِأَنَّهُ يحيى بن عبد الله بن بكير وَأَنه وَاللَّيْث مصريان، وَأَن عقيلاً أيلي. وَأَن ابْن أبي أنس وأباه مدنيان. وَفِيه: أَن ابْن أبي أنس من صغَار شُيُوخ الزُّهْرِيّ بِحَيْثُ أدْركهُ تلامذة الزُّهْرِيّ وَمن هُوَ أَصْغَر مِنْهُ كإسماعيل بن جَعْفَر، وَقد ابْن أبي أنس فِي الْوَفَاة عَن الزُّهْرِيّ، وَهَذَا الْإِسْنَاد يعد من رِوَايَة الأقران. وَفِيه: أَن ابْن أبي أنس مولى التيميين، أَي: مولى بني تيم، وَالْمرَاد مِنْهُ آل طَلْحَة بن عبيد الله أحد الْعشْرَة، وَكَانَ أَبُو عَامر وَالِد مَالك قد قدم مَكَّة فقطنها وحالف عُثْمَان بن عبيد الله أَخا طَلْحَة فنسب إِلَيْهِ، وَكَانَ مَالك الْفَقِيه يَقُول: لسنا موَالِي آل تيم، إِنَّمَا نَحن عرب من أصبح، وَلَكِن جدي حالفهم، وَالْحَاصِل أَن أَبَا سُهَيْل نَافِع بن مَالك بن أبي عَامر أَخُو أنس بن مَالك بن عَامر، عَم مَالك بن أنس الإِمَام حَلِيف عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. وَقَالَ ابْن سعد فِي الطَّبَقَة من التَّابِعين الْمَدَنِيين: أَخْبرنِي عَم جدي الرّبيع، مَالك بن أبي عَامر وَهُوَ عَم مَالك بن أنس الْمُفْتِي عَن أَبِيه، فَذكر حَدِيثا أَنه عَاقد عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ فعدوا الْيَوْم فِي بني تيم لهَذَا السَّبَب، وَقيل: حَالف ابْنه عُثْمَان بن عبيد الله، وَأَبُو أنس كنية مَالك بن أبي عَامر، وَمَات مَالك سنة مائَة وَنَحْوهَا، كَمَا نقل عَن ابْن عبد الْبر، وَحكى الكلاباذي عَن ابْن سعد عَن الْوَاقِدِيّ: سنة إثنتي عشرَة وَمِائَة، عَن سبعين أَو نَيف وَسبعين. وَفِي (الطَّبَقَات) لِابْنِ سعد: أَنه شهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد الْجَمْرَة وأصابه حجر فدماه، وَفِيه نظر ظَاهر، وَأَوْلَاده أَرْبَعَة: أنس وَنَافِع وأويس وَالربيع، أَوْلَاد مَالك الْمَذْكُور.

ذكر مَا قيل فِي هَذَا الحَدِيث: قَالَ النَّسَائِيّ: مُرَاد الزُّهْرِيّ بِابْن أبي أنس: نَافِع، فَأخْرج من وَجه آخر عَن عقيل عَن ابْن شهَاب أَخْبرنِي أَبُو سُهَيْل عَن أَبِيه، وَأخرجه من طَرِيق صَالح عَن ابْن شهَاب، فَقَالَ: أَخْبرنِي نَافِع بن أبي أنس، وَرَوَاهُ ابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ وَعَن أويس بن أبي أويس عديد بني تيم عَن أنس بن مَالك نَحوه، وَقَالَ: هَذَا خطأ وَلم يسمعهُ ابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ، وَفِي مَوضِع آخر: هَذَا حَدِيث مُنكر خطأ، وَلَعَلَّ ابْن إِسْحَاق سَمعه من إِنْسَان ضَعِيف فَقَالَ فِيهِ: وَذكر الزُّهْرِيّ، وَرَوَاهُ من حَدِيث أبي قلَابَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (أَتَاكُم رَمَضَان شهر مبارك فرض الله عَلَيْكُم صِيَامه، تفتح فِيهِ أَبْوَاب السَّمَاء وتغلق فِيهِ أَبْوَاب الْجَحِيم، وتغل فِيهِ مَرَدَة الشَّيَاطِين) . وَمن حَدِيثه عَن ابْن أبي شيبَة عَن عبد الْأَعْلَى عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يرغب فِي قيام رَمَضَان من غير عَزِيمَة، وَقَالَ: إِذا دخل رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الْجنَّة وغلقت الْجَحِيم وسلسلت فِيهِ الشَّيَاطِين) . وَقَالَ: هَذَا الثَّالِث الْأَخير خطأ من حَدِيث أبي سَلمَة، وَقَالَ: أرْسلهُ ابْن الْمُبَارك عَن معمر، ثمَّ سَاقه من حَدِيثه عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (إِذا دخل رَمَضَان فتحت) الحَدِيث.

وَعند التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي بكر بن عَيَّاش عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان صفدت الشَّيَاطِين ومردة الْجِنّ، وغلقت أَبْوَاب النيرَان فَلم يفتح مِنْهَا بَاب، وَفتحت أَبْوَاب الْجنَّة فَلم يغلق مِنْهَا بَاب. .) الحَدِيث، وَقَالَ: غَرِيب لَا نَعْرِف مثل رِوَايَة أبي بكر بن عَيَّاش عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة إلَاّ من حَدِيث أبي بكر بن عَيَّاش، وَسَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ؟ فَقَالَ: حَدثنَا الْحسن بن الرّبيع حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد، قَوْله: (إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان) ، فَذكر الحَدِيث. قَالَ مُحَمَّد: وَهَذَا

أصح عِنْدِي من حَدِيث أبي بكر بن عَيَّاش وَقَالَ شَيخنَا: لم يحكم التِّرْمِذِيّ على حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور بِصِحَّة وَلَا حسن مَعَ كَون رِجَاله رجال الصَّحِيح، وَكَانَ ذَلِك لِتَفَرُّد أبي بكر بن عَيَّاش بِهِ، وَإِن كَانَ احْتج بِهِ البُخَارِيّ، فَإِنَّهُ رُبمَا غلط، كَمَا قَالَ أَحْمد، ولمخالفة أبي الْأَحْوَص لَهُ فِي رِوَايَته عَن الْأَعْمَش، فَإِنَّهُ جعله مَقْطُوعًا من قَول مُجَاهِد، وَلذَلِك أدخلهُ التِّرْمِذِيّ فِي كتاب (الْعِلَل الْمُفْرد) ، وَذكر أَنه سَأَلَ البُخَارِيّ عَنهُ، وَذكر أَن كَونه عَن مُجَاهِد أصح عِنْده.

وَأما الْحَاكِم فَأخْرجهُ فِي (الْمُسْتَدْرك) وَصَححهُ، وَكَذَلِكَ صَححهُ ابْن حبَان، وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: (وَيغْفر فِيهِ إلَاّ لمن نأى، قَالُوا: أَو من نأى يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ قَالَ: الَّذِي يَأْبَى أَن يسْتَغْفر الله عز وَجل) ، وروى من حَدِيث عتبَة بن فرقد، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (تفتح فِيهِ أَبْوَاب الْجنَّة وتغلق فِيهِ أَبْوَاب النَّار) الحَدِيث. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَن حَدِيث عتبَة بن فرقد عَن رجل من الصَّحَابَة يرفعهُ: (إِذا جَاءَ رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الْجنَّة) الحَدِيث، فرجحه مَرْفُوعا. وَخطأ حَدِيث أنس، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ عَن أبي هُرَيْرَة. قلت: عتبَة بن فرقد السّلمِيّ أَبُو عبد الله لَيْسَ لَهُ صُحْبَة، نزل الْكُوفَة، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَ أَمِيرا لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على بعض فتوحات الْعرَاق، وروى لَهُ النَّسَائِيّ والطَّحَاوِي، وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة عَطاء ابْن السَّائِب (عَن عرْفجَة، قَالَ: كَانَ عندنَا عتبَة بن فرقد، فتذاكرنا شهر رَمَضَان، فَقَالَ: مَا تذكرُونَ؟ قُلْنَا: شهر رَمَضَان. قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: تفتح فِيهِ أَبْوَاب الْجنَّة، وتغلق فِيهِ أَبْوَاب النَّار، وتغل فِيهِ الشَّيَاطِين، وينادي منادٍ كل لَيْلَة: يَا باغي الْخَيْر هَلُمَّ {وَيَا باغي الشَّرّ أقصر) . قَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا خطأ، يُرِيد أَن الصَّوَاب أَنه حَدِيث رجل من الصَّحَابَة لم يسم، ثمَّ رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة عَطاء بن السَّائِب عَن عرْفجَة، قَالَ: كنت فِي بَيت فِيهِ عتبَة بن فرقد، فَأَرَدْت أَن أحدث بِحَدِيث، وَكَانَ رجل من أَصْحَاب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَأَنَّهُ أولى بِالْحَدِيثِ، فَحدث الرجل عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: فِي رَمَضَان تفتح أَبْوَاب السَّمَاء ... الحَدِيث.، مثل حَدِيث عتبَة بن فرقد.

ذكر مَا ورد فِي هَذَا الْبَاب من أَحَادِيث الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: مِنْهَا: حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة النَّضر بن شَيبَان، قَالَ: قلت لأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن: حَدثنِي بِشَيْء سمعته من أَبِيك سَمعه أَبوك من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ بَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين أَبِيك أحد. قَالَ: نعم، حَدثنِي أبي، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الله تبَارك وَتَعَالَى فرض صِيَام رَمَضَان، وسننت لكم قِيَامه، فَمن صَامَهُ وقامه إِيمَانًا واحتسابا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه) . قَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا غلط، وَالصَّوَاب: أَبُو سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة.

وَمِنْهَا حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَوَاهُ أَبُو يعلى عَنهُ أَنه سمع النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ يَقُول، وَقد أهل رَمَضَان: لَو يعلم الْعباد مَا فِي رَمَضَان لتمنت أمتِي أَن تكون السّنة كلهَا رَمَضَان. فَقَالَ رجل من خُزَاعَة: حَدثنَا بِهِ} قَالَ: إِن الْجنَّة تزين لرمضان من رَأس الْحول إِلَى الْحول، حَتَّى إِذا كَانَ أول يَوْم من رَمَضَان هبت ريح من تَحت الْعَرْش، فصفقت ورق الْجنَّة، فتنظر الْحور الْعين إِلَى ذَلِك، فَقُلْنَ: يَا رب! إجعل لنا من عِبَادك فِي هَذَا الشَّهْر أَزْوَاجًا تقر أَعيننَا بهم، وتقر أَعينهم بِنَا، فَمَا من عبد يَصُوم رَمَضَان إلَاّ زوج زَوْجَة من الْحور الْعين فِي خيمة من درة مجوفة، مِمَّا نعت الله تَعَالَى: {حور مقصورات فِي الْخيام} (الرَّحْمَن: ٢٧) . على كل امْرَأَة مِنْهُنَّ سَبْعُونَ حلَّة، لَيْسَ مِنْهَا حلَّة على لون الْأُخْرَى، وتعطى سَبْعُونَ لونا من الطّيب: لَيْسَ مِنْهُ لون على ريح الآخر، لكل امْرَأَة مِنْهُنَّ سبعين سريرا من ياقوتة حَمْرَاء موشحة بالدر، على كل سَرِير سَبْعُونَ فراشا بطائنها من استبرق، وَفَوق السّبْعين فراشا سَبْعُونَ أريكة لكل امْرَأَة مِنْهُنَّ سَبْعُونَ ألف وصيفة لحاجاتها، وَسَبْعُونَ ألف وصيف، مَعَ كل وصيف صَحْفَة من ذهب، فِيهَا لون طَعَام يجد لآخر لقْمَة مِنْهَا لَذَّة لَا يجد لأوله، وَيُعْطى زَوجهَا مثل ذَلِك، على سَرِير من ياقوتة حَمْرَاء، عَلَيْهِ سواران من ذهب، موشح بياقوت أَحْمَر، هَذَا بِكُل يَوْم صَامَ من رَمَضَان سوى مَا عمل من الْحَسَنَات) هَذَا حَدِيث مُنكر وباطل، وَفِي سَنَده جرير بن أَيُّوب البَجلِيّ الْكُوفِي، كَانَ يضع الحَدِيث. قَالَه وَكِيع وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ البُخَارِيّ: وَأَبُو زرْعَة مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث.

وَمِنْهَا: حَدِيث سلمَان الْفَارِسِي، رَوَاهُ الْحَارِث بن أبي أُسَامَة

فِي (مُسْنده) عَنهُ، قَالَ: (خَطَبنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آخر يَوْم من شعْبَان، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِنَّه قد أظلكم شهر عَظِيم، شهر مبارك، فِيهِ لَيْلَة خير من ألف شهر، فرض الله صِيَامه وَجعل قيام ليله تَطَوّعا، فَمن تطوع فِيهِ بخصلة من الْخَيْر كَانَ كمن أدّى سبعين فَرِيضَة فِيمَا سواهُ، وَمن أدّى فِيهِ فَرِيضَة كَانَ كمن أدّى سبعين فَرِيضَة، وَهُوَ شهر الصَّبْر، وَالصَّبْر ثَوَابه الْجنَّة، وَهُوَ شهر الْمُوَاسَاة، وَهُوَ شهر يُزَاد رزق الْمُؤمن فِيهِ، من فطر صَائِما كَانَ لَهُ عتق رَقَبَة ومغفرة لذنوبه، قيل: يَا رَسُول الله {لَيْسَ كلنا نجد مَا يفْطر الصَّائِم} قَالَ: يُعْطي الله هَذَا الثَّوَاب لمن فطر صَائِما على مذقة لبن أَو تَمْرَة أَو شربة مَاء، وَمن أشْبع صَائِما كَانَ لَهُ مغْفرَة لذنوبه، وسقاه الله من حَوْضِي شربة لَا يظمأ حَتَّى يدْخل الْجنَّة، وَكَانَ لَهُ مثل أجره من غير أَن ينقص من أجره شَيْئا. وَهُوَ شهر أَوله رَحْمَة وأوسطه مغْفرَة وَآخره عتق من النَّار، وَمن خفف عَن مَمْلُوكه فِيهِ أعْتقهُ الله من النَّار) ، وَلَا يَصح إِسْنَاده، وَفِي سَنَده إِيَاس. قَالَ شَيخنَا: الظَّاهِر أَنه ابْن أبي إِيَاس، قَالَ صَاحب (الْمِيزَان) إِيَاس بن أبي إِيَاس عَن سعيد بن الْمسيب لَا يعرف، وَالْخَبَر مُنكر.

وَمِنْهَا: حَدِيث أنس، أخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق. قَالَ: ذكر مُحَمَّد بن مُسلم عَن أويس ابْن أبي أويس عديد بني تيم، (عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: هَذَا رَمَضَان قد جَاءَكُم تفتح فَهِيَ أَبْوَاب الْجنَّة وتغلق فِيهِ أَبْوَاب النَّار، وتسلسل فِيهِ الشَّيَاطِين) . قَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا حَدِيث خطأ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة الْفضل بن عِيسَى الرقاشِي عَن يزِيد الرقاشِي عَن أنس بن مَالك، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: هَذَا رَمَضَان قد جَاءَ تفتح فِيهِ أَبْوَاب الْجنَّة وتغلق فِيهِ أَبْوَاب النَّار، وتغل فِيهِ الشَّيَاطِين، بعدا لمن أدْرك رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ إِذا لم يغْفر لَهُ فِيهِ فَمَتَى؟) وَالْفضل بن عِيسَى مُنكر الحَدِيث، قَالَه أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم، وَقَالَ ابْن معِين: رجل سوء. ولأنس: حَدِيث آخر رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي (الضُّعَفَاء) قَالَ: حَدثنَا جِبْرِيل بن عِيسَى المغربي حَدثنَا يحيى بن سُلَيْمَان الْقرشِي حَدثنَا أَبُو معمر عباد بن عبد الصَّمد عَن أنس بن مَالك، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان نَادَى الله تبَارك وَتَعَالَى رضوَان خَازِن الْجنَّة، يَقُول: يَا رضوَان {فَيَقُول: لبيْك سَيِّدي وَسَعْديك} فَيَقُول: زيَّن الْجنان للصائمين والقائمين من أمة مُحَمَّد، ثمَّ لَا نغلقها حَتَّى يَنْقَضِي شهرهم) . فَذكر حَدِيثا طَويلا جدا مُنْكرا، وَعباد ابْن عبد الصَّمد مُنكر الحَدِيث، قَالَه البُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الْعِلَل المتناهية) وَيحيى بن سُلَيْمَان مَجْهُول.

وَمِنْهَا: حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: (إِن رَسُول الله قَالَ يَوْمًا، وَحضر رَمَضَان: أَتَاكُم رَمَضَان شهر بركَة يغيثكم الله فِيهِ، فَينزل الرَّحْمَة ويحط الْخَطَايَا ويستجيب فِيهِ الدُّعَاء، ينظر الله إِلَى تنافسكم ويباهي بكم مَلَائكَته، فأروا الله من أَنفسكُم خيرا، فَإِن الشقي من حرم فِيهِ رَحْمَة الله عز وَجل) . وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن أبي قيس يحْتَاج إِلَى الْكَشْف.

وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة نَافِع بن هُرْمُز عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَلا أخْبركُم بِأَفْضَل الْمَلَائِكَة؟ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَأفضل النَّبِيين؟ آدم عَلَيْهِ السَّلَام، وَأفضل الْأَيَّام يَوْم الْجُمُعَة، وَأفضل الشُّهُور شهر رَمَضَان، وَأفضل اللَّيَالِي لَيْلَة الْقدر، وَأفضل النِّسَاء مَرْيَم بنت عمرَان عَلَيْهَا السَّلَام) ، وَنَافِع بن هُرْمُز ضَعِيف. وَلابْن عَبَّاس حَدِيث آخر رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الْعِلَل المتناهية) من رِوَايَة الْقَاسِم بن الحكم العرني عَن الضَّحَّاك: (عَن ابْن عَبَّاس: أَنه سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إِن الْجنَّة لتبخر وتزين من الْحول إِلَى الْحول لدُخُول شهر رَمَضَان، فَإِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان هبت ريح من تَحت الْعَرْش، يُقَال لَهَا: المثيرة فيصطفق ورق أَشجَار الْجنَّة وَحلق المصاريع) . فَذكر حَدِيثا طَويلا مُنْكرا، وَالقَاسِم بن الحكم مَجْهُول، قَالَه أَبُو حَاتِم، وَقَالَ: يحيى ابْن سعيد الضَّحَّاك عندنَا ضَعِيف.

وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عمر، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة الْوَلِيد بن الْوَلِيد القلانسي عَن ابْن ثَوْبَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الْجنَّة لتزخرف لرمضان من رَأس الْحول إِلَى الْحول الْمقبل، فَإِذا كَانَ أول لَيْلَة من رَمَضَان هبت ريح من تَحت الْعَرْش) الحَدِيث، والوليد بن الْوَلِيد ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم بقوله: صَدُوق.

وَمِنْهَا: حَدِيث عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) بِلَفْظ: (ذَاكر الله فِي رَمَضَان مغْفُور لَهُ، وَسَائِل الله فِيهِ لَا يخيب) ، وَفِي إِسْنَاده: هِلَال بن عبد الرَّحْمَن، ضعفه الْعقيلِيّ، بقوله:

مُنكر الحَدِيث.

وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أُمَامَة، رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: (لله عِنْد كل فطر عُتَقَاء) ، وَرِجَاله ثِقَات.

وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير بِلَفْظ: (إِن أَبْوَاب السَّمَاء تفتح فِي أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان، وَلَا تغلق إِلَى آخر لَيْلَة مِنْهُ) ، وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن مَرْوَان السَّعْدِيّ وَهُوَ ضَعِيف وَلأبي سعيد حَدِيث آخر رَوَاهُ الْبَزَّار بِلَفْظ: (إِن لله تبَارك وَتَعَالَى عُتَقَاء فِي كل يَوْم وَلَيْلَة يَعْنِي: فِي رَمَضَان، وَإِن لكل مُسلم فِي كل يَوْم وَلَيْلَة دَعْوَة مستجابة) ، وَفِيه أبان بن أبي عَيَّاش ضَعِيف. وَلأبي سعيد حَدِيث آخر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: (صِيَام رَمَضَان إِلَى رَمَضَان كَفَّارَة لما بَينهمَا) .

وَمِنْهَا: حَدِيث أبي مَسْعُود الْغِفَارِيّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ حَدِيث ابْن مَسْعُود الْمُتَقَدّم، وَفِي إِسْنَاده الْهياج بن بسطَام وَهُوَ ضَعِيف، قَالَ أَحْمد: مَتْرُوك الحَدِيث، وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه.

وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه النَّسَائِيّ عَنْهَا: (أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يرغب النَّاس فِي قيام رَمَضَان من غير أَن يَأْمُرهُم بعزيمة أَمر فِيهِ فَيَقُول: من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) .

وَمِنْهَا: حَدِيث أم هانىء، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) و (الْأَوْسَط) بِلَفْظ: (إِن أمتِي لم يخزوا مَا أَقَامُوا شهر رَمَضَان، قيل: يَا رَسُول الله؟ وَمَا خزيهم فِي إِضَاعَة شهر رَمَضَان؟ قَالَ: انتهاك الْمَحَارِم فِيهِ) الحَدِيث، وَفِيه: (فَاتَّقُوا شهر رَمَضَان فَإِن الْحَسَنَات تضَاعف فِيهِ مَا لَا تضَاعف فِيمَا سواهُ، وَكَذَلِكَ السَّيِّئَات) ، وَفِي إِسْنَاده عِيسَى بن سُلَيْمَان أَبُو طيبَة الْجِرْجَانِيّ، ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات، وَضَعفه ابْن معِين.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فتحت أَبْوَاب السَّمَاء) ، قد ذكرنَا معنى: فتحت، وَهنا، قَالَ: (أَبْوَاب السَّمَاء) ، وَفِي حَدِيث قُتَيْبَة الْمَاضِي قَالَ: (أَبْوَاب الْجنَّة) ، وَقَالَ ابْن بطال: المُرَاد من السَّمَاء الْجنَّة بِقَرِينَة ذكر جَهَنَّم فِي مُقَابلَة. قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة: (أَبْوَاب الرَّحْمَة) ، وَلَا تعَارض فِي ذَلِك، فأبواب السَّمَاء يصعد مِنْهَا إِلَى الْجنَّة لِأَنَّهَا فَوق السَّمَاء، وسقفها عرش الرَّحْمَن كَمَا ثَبت فِي (الصَّحِيح) . وأبواب الرَّحْمَة تطلق على أَبْوَاب الْجنَّة، لقَوْل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الحَدِيث الصَّحِيح: (احتجت الْجنَّة وَالنَّار) الحَدِيث، وَفِيه: (وَقَالَ الله للجنة: أَنْت رَحْمَتي أرْحم بك من أَشَاء من عبَادي) الحَدِيث، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: فَائِدَة الْفَتْح تَوْقِيف الْمَلَائِكَة على استحماد فعل الصائمين، وَأَن ذَلِك من الله بِمَنْزِلَة عَظِيمَة، وَأَيْضًا فِيهِ أَنه إِذا علم الْمُكَلف المعتقد ذَلِك بِإِخْبَار الصَّادِق يزِيد فِي نشاطه ويتلقاه بأريحته وينصره مَا روى: (إِن الْجنَّة تزخرف لرمضان) . قَوْله: (وغلقت أَبْوَاب جَهَنَّم) لِأَن الصَّوْم جنَّة فتغلق أَبْوَابهَا بِمَا قطع عَنْهُم من الْمعاصِي وَترك الْأَعْمَال السَّيئَة المستوجبة للنار، ولقلة مَا يُؤَاخذ الله الْعباد بأعمالهم السَّيئَة ليستنقذ مِنْهَا ببركة الشَّهْر، ويهب الْمُسِيء للمحسن، ويجاوز عَن السَّيِّئَات، وَهَذَا معنى الإغلاق، قَوْله: (وسلسلت الشَّيَاطِين) أَي: شدت بالسلاسل. قَالَ الْحَلِيمِيّ: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَن الشَّيَاطِين مسترقوا السّمع مِنْهُم أَن تسلسلهم يَقع فِي ليَالِي رَمَضَان دون أَيَّامه، لأَنهم كَانُوا منعُوا زمن نزُول الْقُرْآن من استراق السّمع، فزيد التسلسل مُبَالغَة فِي الْحِفْظ، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: أَن الشَّيَاطِين لَا يخلصون من إِفْسَاد الْمُسلمين إِلَى مَا يخلصون إِلَيْهِ فِي غَيره لاشتغالهم بالصيام الَّذِي فِيهِ قمع الشَّيَاطِين، وبقراءة الْقُرْآن، وَالذكر. وَقيل: المُرَاد بالشياطين بَعضهم، وهم المردة مِنْهُم، وَترْجم لذَلِك ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) وَأورد مَا أخرجه هُوَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان صفدت الشَّيَاطِين مَرَدَة الْجِنّ) . وَأخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي قلَابَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (وتغل فِيهِ مَرَدَة الشَّيَاطِين) ، وَيُقَال: تصفيد الشَّيَاطِين عبارَة عَن تعجيزهم عَن الإغواء وتزيين الشَّهَوَات، وصفدت، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وبالفاء الْمُشَدّدَة الْمَكْسُورَة: أَي شدت بالأصفاد، وَهِي الأغلال، وَهُوَ بِمَعْنى: سلسلت. فَإِن قلت: قد تقع الشرور والمعاصي فِي رَمَضَان كثيرا، فَلَو سلسلت لم يَقع شَيْء من ذَلِك. قلت: هَذَا فِي حق الصائمين الَّذين حَافظُوا على شُرُوط الصَّوْم وراعوا آدابه، وَقيل: المسلسل بعض الشَّيَاطِين وهم المردة لَا كلهم، كَمَا تقدم فِي بعض الرِّوَايَات، وَالْمَقْصُود تقليل الشرور فِيهِ، وَهَذَا أَمر محسوس، فَإِن وُقُوع ذَلِك فِيهِ أقل من غَيره، وَقيل: لَا يلْزم من تسلسلهم وتصفيدهم كلهم أَن لَا تقع شرور وَلَا مَعْصِيّة، لِأَن لذَلِك أسبابا غير الشَّيَاطِين، كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة وَالشَّيَاطِين الأنسية.

٠٠٩١ - حدَّثنا يَحْيَء بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخبرَنِي سَالِمٌ أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إذَا رأيْتُمُوهُ فَصُومُوا وإذَا رَأيْتُمُوهُ فأفْطِرُوا فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فاقْدُرُوا لَهُ.

قيل: هَذَا الحَدِيث غير مُطَابق للتَّرْجَمَة، وَأجَاب عَنهُ صَاحب (التَّلْوِيح) : بِأَن فِي بعض طرق حَدِيث ابْن عمر (أَن رَسُول الله ت ذكر رَمَضَان، فَقَالَ: لَا تَصُومُوا حَتَّى تروا الْهلَال) ، فَكَأَن البُخَارِيّ على عَادَته أحَال على هَذَا، فطابق بذلك مَا بوب لَهُ من ذكر رَمَضَان، وَصَاحب (التَّوْضِيح) تبعه على ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: وَإِنَّمَا أَرَادَ المُصَنّف بإيراده فِي هَذَا الْبَاب ثُبُوت ذكر رَمَضَان بِغَيْر شهر، وَلم يَقع ذَلِك فِي الرِّوَايَة الموصولة، وَإِنَّمَا وَقع فِي الرِّوَايَة الْمُعَلقَة. قلت: قد ذهل هَذَا الْقَائِل عَن حَدِيث قُتَيْبَة فِي أول الْبَاب، فَإِنَّهُ مَوْصُول وَلَيْسَ فِيهِ ذكر شهر، والْحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ عَن يحيى بن بكير فِيهِ ذكر الشَّهْر، والترجمة هَل يُقَال: رَمَضَان أَو شهر رَمَضَان؟ فَحَدِيث قُتَيْبَة يُطَابق قَوْله: هَل يُقَال رَمَضَان؟ وَحَدِيث يحيى يُطَابق قَوْله: أَو شهر رَمَضَان؟ فَضَاعَ الْوَجْه الَّذِي ذكره بَاطِلا. وَجَوَاب صَاحب التَّلْوِيح أَيْضا لَيْسَ بِشَيْء، وَالْوَجْه فِي هَذَا أَن يُقَال: الْأَحَادِيث الْمُعَلقَة والموصولة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَاب تدل على أَن لشهر رَمَضَان أوصافا عَظِيمَة. مِنْهَا: أَن فِيهِ: غفران مَا تقدم من ذَنْب الصَّائِم فِيهِ إِيمَانًا واحتسابا، وَهُوَ الَّذِي علق مِنْهُ البُخَارِيّ قِطْعَة فِي أول الْبَاب. وَأَن فِيهِ: فتح أَبْوَاب الْجنان. وَأَن فِيهِ: غلق أَبْوَاب النَّار. وَأَن فِيهِ: تسلسل الشَّيَاطِين، وَقد ثَبت بالدلائل القطعية فَرضِيَّة هَذَا الصَّوْم الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الْأَوْصَاف، وَأورد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب ليعلم أَن هَذَا الصَّوْم يكون فِي أَيَّام محدودة، وَهِي: أَيَّام شهر رَمَضَان، وَأَن الْوُجُوب يتَعَلَّق بِرُؤْيَتِهِ، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة يسْتَأْنس لوجه إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِيهِ، وَيَكْفِي فِي التطابق أدنى الْمُنَاسبَة فَافْهَم.

ثمَّ سَنَد هَذَا الحَدِيث هُوَ بِعَيْنِه سَنَد الحَدِيث الَّذِي قبله، غير أَنه فِي الأول: يروي ابْن شهَاب عَن ابْن أبي أنس، عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي هَذَا الحَدِيث يروي: ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عبد الله بن عمر عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

قَوْله: (إِذا رَأَيْتُمُوهُ) أَي: الْهلَال، لَا يُقَال: إِنَّه إِضْمَار قبل الذّكر لدلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {ولأبويه بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس} (النِّسَاء: ١١) . أَي: لأبوي الْمَيِّت. قَوْله: (فَإِن غم عَلَيْكُم) أَي: فَإِن ستر الْهلَال عَلَيْكُم، وَمِنْه الْغم، لِأَنَّهُ يستر الْقلب، وَالرجل الأغم المستور الْجَبْهَة بالشعر، وَسمي السَّحَاب غيما لِأَنَّهُ يستر السَّمَاء، وَيُقَال: غم الْهلَال إِذا استتر وَلم ير لاستتاره بغيم وَنَحْوه، وغممت الشَّيْء أَي: غطيته. قَوْله: (فاقدروا لَهُ) ، بِضَم الدَّال وَكسرهَا، يُقَال: قدرت لأمر كَذَا إِذا نظرت فِيهِ ودبرته.

وَقَالَ فِي (شرح الْمُهَذّب) وَغَيره: أَي ضيقوا لَهُ وقدروه تَحت السَّحَاب، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره مِمَّن يجوز صَوْم يَوْم الْغَيْم، عَن رَمَضَان، وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْهُم ابْن شُرَيْح ومطرف بن عبد الله وَابْن قُتَيْبَة مَعْنَاهُ: قدروه بِحِسَاب الْمنَازل، يَعْنِي منَازِل الْقَمَر.

وَقَالَ أَبُو عمر فِي (الاستذكار) : وَقد كَانَ بعض كبار التَّابِعين يذهب فِي هَذَا إِلَى اعْتِبَاره بالنجوم ومنازل الْقَمَر، وَطَرِيق الْحساب. وَقَالَ ابْن سِيرِين، رَحمَه الله تَعَالَى: وَكَانَ أفضل لَهُ لَو لم يفعل، وَحكى ابْن شُرَيْح عَن الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: من كَانَ مذْهبه الِاسْتِدْلَال بالنجوم ومنازل الْقَمَر، ثمَّ تبين لَهُ من جِهَة النُّجُوم أَن الْهلَال اللَّيْلَة وغم عَلَيْهِ، جَازَ لَهُ أَن يعْتَقد الصَّوْم ويبيته ويجزيه. وَقَالَ أَبُو عمر: وَالَّذِي عندنَا فِي كتبه أَنه: لَا يَصح اعْتِقَاد رَمَضَان إلَاّ بِرُؤْيَة فَاشِية أَو شَهَادَة عادلة، أَو إِكْمَال شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وعَلى هَذَا مَذْهَب جُمْهُور فُقَهَاء الْأَمْصَار بالحجاز وَالْعراق وَالشَّام وَالْمغْرب، مِنْهُم مَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَعَامة أهل الحَدِيث إلَاّ أَحْمد وَمن قَالَ بقوله، وَذكر فِي (الْقنية) للحنفية: لَا بَأْس بالإعتماد على قَول المنجمين، وَعَن ابْن مقَاتل: لَا بَأْس بالاعتماد على قَوْلهم وَالسُّؤَال عَنْهُم، إِذا اتّفق عَلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم، وَقَول من قَالَ: إِنَّه يرجع إِلَيْهِم عِنْد الِاشْتِبَاه بعيد، وَعند الشَّافِعِي: لَا يجوز تَقْلِيد المنجم فِي حسابه، وَهل يجوز للمنجم أَن يعْمل بِحِسَاب نَفسه؟ فِيهِ وَجْهَان، وَقَالَ الْمَازرِيّ: حمل جُمْهُور الْفُقَهَاء قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فاقدروا لَهُ) ، على أَن المُرَاد إِكْمَال الْعدة ثَلَاثِينَ، كَمَا فسره فِي حَدِيث آخر، وَلَا يجوز أَن يكون المُرَاد حِسَاب

النُّجُوم، لِأَن النَّاس لَو كلفوا بِهِ ضَاقَ عَلَيْهِم لِأَنَّهُ لَا يعرفهُ إلَاّ الْأَفْرَاد، والشارع إِنَّمَا يَأْمر النَّاس بِمَا يعرفهُ جماهيرهم، قَالَ الْقشيرِي: وَإِذا دلّ الْحساب على أَن الْهلَال قد طلع من الْأُفق على وَجه يرى لَوْلَا وجود الْمَانِع كالغيم مثلا، فَهَذَا يَقْتَضِي الْوُجُوب لوُجُود السَّبَب الشَّرْعِيّ، وَلَيْسَ حَقِيقَة الرُّؤْيَة مَشْرُوطَة فِي اللُّزُوم، فَإِن الِاتِّفَاق على أَن الْمَحْبُوس فِي المطمورة إِذا علم بإكمال الْعدة أَو بِالِاجْتِهَادِ أَن الْيَوْم من رَمَضَان وَجب عَلَيْهِ الصَّوْم، وَإِذا لم ير الْهلَال وَلَا أخبرهُ من رَآهُ، وَفِي (الاشراف) : صَوْم يَوْم الثَّلَاثِينَ من شعْبَان إِذْ لم ير الْهلَال مَعَ الصحو إِجْمَاع من الْأمة أَنه لَا يجب، بل هُوَ مَنْهِيّ عَنْهُم.

وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَاخْتلفُوا فِي هَذَا التَّقْدِير، يَعْنِي فِي قَوْله: (فاقدروا لَهُ) ، فَقيل: مَعْنَاهُ قدرُوا عدد الشَّهْر الَّذِي كُنْتُم فِيهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، إِذْ الأَصْل بَقَاء الشَّهْر، وَهَذَا هُوَ المرضي عِنْد الْجُمْهُور. وَقيل: قدرُوا لَهُ منَازِل الْقَمَر وسيره، فَإِن ذَلِك يدل على أَن الشَّهْر تِسْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا أَو ثَلَاثُونَ، فَقَالُوا: هَذَا خطاب لمن خصّه الله بِهَذَا الْعلم، وَالْوَجْه هُوَ الأول.

وَقد اسْتُفِيدَ من هَذَا الحَدِيث: أَن وجوب الصَّوْم وَوُجُوب الْإِفْطَار عِنْد انْتِهَاء الصَّوْم متعلقان بِرُؤْيَة الْهلَال. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن أبي رواد عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن الله تَعَالَى جعل الْأَهِلّة مَوَاقِيت للنَّاس فصوموا لرُؤْيَته، وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فعدوا ثَلَاثِينَ. وَقَالَ الشَّافِعِي: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن سَالم عَن أَبِيه: (لَا تَصُومُوا حَتَّى تروا الْهلَال، وَلَا تفطروا حَتَّى تروه، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوه الْعدة ثَلَاثِينَ) . قَالَ ابْن عبد الْبر: كَذَا قَالَ، وَالْمَحْفُوظ فِي حَدِيث ابْن عمر: (فاقدروا لَهُ) ، وَقد ذكر عبد الرَّزَّاق عَن أَيُّوب (عَن نَافِع عَنهُ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لهِلَال رَمَضَان: إِذا رَأَيْتُمُوهُ فصوموا، ثمَّ إِذا رَأَيْتُمُوهُ فأفطروا، فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا) .

وَقَالَ أَبُو عمر: وروى ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة وَأَبُو بكر وطلق الْحَنَفِيّ وَغَيرهم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ) . قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه أَبُو دَاوُد عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تقدمُوا الشَّهْر بصيام يَوْم وَلَا يَوْمَيْنِ إلَاّ أَن يكون شَيْء يَصُومهُ أحدكُم، لَا تَصُومُوا حَتَّى تروه، ثمَّ صُومُوا حَتَّى تروه، فَإِن حَال دونه غمامة فَأتمُّوا الْعدة ثَلَاثِينَ، ثمَّ أفطروا، والشهر تسع وَعِشْرُونَ) . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ، رَوَاهُ من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تقدمُوا الشَّهْر بِيَوْم وَلَا بيومين إلَاّ أَن يُوَافق ذَلِك صوما كَانَ يَصُومهُ أحدكُم، صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فعدوا ثَلَاثِينَ ثمَّ أفطروا) . وَقَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة حَدِيث حسن صَحِيح، وَقد انْفَرد بِهِ التِّرْمِذِيّ من هَذَا الْوَجْه. وَحَدِيث حُذَيْفَة عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، أخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مَنْصُور عَن ربعي عَن حُذَيْفَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تقدمُوا الشَّهْر حَتَّى تروا الْهلَال أَو تكملوا الْعدة، ثمَّ صُومُوا حَتَّى تروا الْهلَال أَو تكملوا الْعدة) . وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي (التَّحْقِيق) : أَن أَحْمد ضعف حَدِيث حُذَيْفَة، وَقَالَ: لَيْسَ ذكر حُذَيْفَة فِيهِ بِمَحْفُوظ، وَقد أنكر عَلَيْهِ ابْن عبد الْهَادِي فِي (التَّنْقِيح) وَقَالَ: إِنَّه وهم مِنْهُ فَإِن أَحْمد إِنَّمَا أَرَادَ أَن الصَّحِيح قَول من قَالَ: عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وجهالته غير قادحة فِي صِحَة الحَدِيث. وَحَدِيث أبي بكرَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَمن طَرِيقه الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ: (صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ يَوْمًا) . وَحَدِيث طلق بن عَليّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) فَقَالَ: (عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه نهى أَن يَصُوم قبل رَمَضَان بِصَوْم يَوْم حَتَّى تروا الْهلَال، أَو نفي الْعدة، ثمَّ لَا تفطرون حَتَّى تروه، أَو نفي الْعدة) . وَفِي إِسْنَاده حبَان بن رفيدة، قَالَ ابْن حبَان: فِيهِ نظر، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: لَا يعرف.

وَغَيرهم من الصَّحَابَة: الْبَراء بن عَازِب وَعَائِشَة وَعمر وَجَابِر وَرَافِع بن خديج وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَعلي بن أبي طَالب وَسمرَة بن جُنْدُب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَحَدِيث الْبَراء بن عَازِب عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) . وَحَدِيث عَائِشَة عِنْد أبي دَاوُد. وَحَدِيث عمر عِنْد الْبَيْهَقِيّ. وَحَدِيث جَابر عِنْد الْبَيْهَقِيّ أَيْضا. وَحَدِيث رَافع بن خديج عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ. وَحَدِيث ابْن مَسْعُود عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) . وَحَدِيث ابْن عمر عِنْد مُسلم. وَحَدِيث عَليّ بن أبي طَالب عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ. وَحَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب عِنْد الطَّبَرَانِيّ.

ثمَّ الْحِكْمَة فِي النَّهْي عَن التَّقْدِيم يَصُوم يَوْم أَو يَوْمَيْنِ، هِيَ أَن لَا يخْتَلط صَوْم الْفَرْض بِصَوْم نفل قبله وَلَا بعده، تحذيرا

مِمَّا صنعت النَّصَارَى فِي الزِّيَادَة على مَا افْترض عَلَيْهِم برأيهم الْفَاسِد، وَقد صَحَّ عَن أَكثر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ كَرَاهَة صَوْم يَوْم الشَّك إِنَّه من رَمَضَان، مِنْهُم: عَليّ وَعمر وَابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَأنس وَأَبُو وَائِل وَابْن الْمسيب وَعِكْرِمَة وَإِبْرَاهِيم وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق، وَجَاء مَا يدل على الْجَوَاز عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: لِأَن اتعجل فِي صَوْم رَمَضَان بِيَوْم أحب إِلَيّ من أَن أتأخر، لِأَنِّي إِذا تعجلت لم يفتني، وَإِذا تَأَخَّرت فَاتَنِي، وَمثله عَن عَمْرو بن الْعَاصِ وَعَن مُعَاوِيَة، لِأَن أَصوم يَوْمًا من شعْبَان أحب إِلَيّ من أَن أفطر يَوْمًا من رَمَضَان، وروى مثله عَن عَائِشَة، وَأَسْمَاء بِنْتي أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَإِن حَال دون منظره غيم وشبهة، فَكَذَلِك لَا يجب صَوْمه عِنْد الْكُوفِيّين وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري، وَرِوَايَة عَن أَحْمد، فَلَو صَامَهُ وَبَان أَنه من رَمَضَان يحرم عندنَا، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ ابْن عمر وَأحمد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَطَائِفَة قَليلَة: يجب صَوْمه فِي الْغَيْم دون الصحو. وَقَالَ قوم: النَّاس تبع للْإِمَام إِن صَامَ صَامُوا وَإِن أفطر أفطروا، وَهُوَ قَول الْحسن وَابْن سِيرِين وسوار الْعَنْبَري وَالشعْبِيّ فِي رِوَايَة، وَأحمد فِي رِوَايَة.

وَقَالَ مطرف بن عبد الله بن الشخير وَابْن شُرَيْح عَن الشَّافِعِي وَابْن قُتَيْبَة والداودي، وَآخَرُونَ: يَنْبَغِي أَن يصبح يَوْم الشَّك مُفطرا متلوما غير آكل وَلَا عازم على الصَّوْم، حَتَّى إِذا تبين أَنه من رَمَضَان قبل الزَّوَال نوى، وَإِلَّا أفطر فِيمَا ذكره الطَّحَاوِيّ، وَيَوْم الشَّك هُوَ أَن يشْهد عِنْد القَاضِي من لَا تقبل شَهَادَته أَنه رَآهُ أَو أخبرهُ من يَثِق بِهِ من عبد أَو امْرَأَة، فَلَو صَامَهُ وَنوى التَّطَوُّع بِهِ فَهُوَ غير مَكْرُوه عِنْد الْحَنَفِيَّة، وَبِه قَالَ مَالك، وَفِي (شرح الْهِدَايَة) : وَالْأَفْضَل فِي حق الْخَواص صَوْمه بنية التَّطَوُّع بِنَفسِهِ وخاصته، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف، وَفرض الْعَوام التَّلَوُّم إِلَى أَن يقرب الزَّوَال. وَفِي (الْمُحِيط) إِلَى الزَّوَال، فَإِن ظهر أَنه من رَمَضَان نوى الصَّوْم وإلَاّ أفطر، وَإِن صَامَ قبل رَمَضَان ثَلَاثَة أَيَّام أَو شعْبَان كُله أَو وَافق يَوْم الشَّك يَوْمًا كَانَ يَصُومهُ فَالْأَفْضَل صَوْمه بنية النَّفْل. .

وَفِي (الْمَبْسُوط) الصَّوْم أفضل، قَالَ: وَتَأْويل النَّهْي أَن يَنْوِي الْفَرْض فِيهِ، وَفِي (الْمُحِيط) : إِن وَافق يَوْمًا كَانَ يَصُومهُ فالصوم أفضل وإلَاّ فالفطر أفضل، وَالصَّوْم قبله بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ مَكْرُوه، أَي صَوْم كَانَ، وَلَا يكره بِثَلَاثَة، وَهُوَ قَول أَحْمد.

وَقَالَ الشَّافِعِي: يكره التَّطَوُّع إِذا انتصف شعْبَان، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا انتصف شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا نعلم أحدا روى هَذَا الحَدِيث غير الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن، وروى عَن أَحْمد أَنه قَالَ: هُوَ لَيْسَ بِمَحْفُوظ، قَالَ: وَسَأَلنَا عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي عَنهُ فَلم يُصَحِّحهُ، وَلم يخدش بِهِ، وَكَانَ يتوقاه، قَالَ أَحْمد والْعَلَاء: لَا يُنكر من حَدِيثه إلَاّ هَذَا، وَفِي رِوَايَة الْمروزِي: سَأَلنَا أَحْمد عَنهُ فَأنكرهُ، وَقَالَ أَبُو عبد الله: هَذَا خلاف الْأَحَادِيث الَّتِي رويت عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعَلى تَقْدِير صِحَة قَول التِّرْمِذِيّ يُعَارضهُ حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ لرجل: هَل صمت من سرر شعْبَان؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِذا أفطرت فَصم يَوْمَيْنِ) . وسرر الشَّهْر آخِره، سمي بذلك لاستتار الْقَمَر فِيهِ. وروى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث مُعَاوِيَة: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (صُومُوا الشَّهْر وسره وَأَنا مُتَقَدم بالصيام، فَمن أحب فليفعله) . وَعَن أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكن يَصُوم من السّنة شهرا كَامِلا إلَاّ شعْبَان يصله برمضان، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن، وَعند الْحَاكِم، على شَرطهمَا: عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ أحب الشُّهُور إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يَصُوم شعْبَان ثمَّ يصله برمضان، وَفِي (مُعْجم الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ) فِي حرف الْعين الْمُهْملَة، بِسَنَد فِيهِ ابْن صَالح كَاتب اللَّيْث بن سعد: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد، حَدثنَا ابْن شهَاب عَن سَالم، قَالَ: كَانَ عبد الله بن عمر يَصُوم قبل هِلَال رَمَضَان بِيَوْم.

وَقَالَ غيرُهُ عنِ اللَّيْثِ قَالَ حدَّثني عُقَيْل ويُونسُ لِهِلَالِ رَمَضَانَ

أَي: قَالَ غير يحيى بن بكير، وَأَرَادَ بِهَذَا الْغَيْر: أَبُو صَالح عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث، حَدثنِي عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي كَذَلِك أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيقه، قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث حَدثنِي عقيل عَن ابْن شهَاب، وَذكره بِلَفْظ: سَمِعت النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول لهِلَال رَمَضَان: (إِذا رَأَيْتُمُوهُ فصوموا) الحَدِيث. قَوْله: (وَيُونُس) أَي: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. وَفِي (التَّلْوِيح) حَدِيث يُونُس رَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه) قلت: حَدِيثه رَوَاهُ مُسلم عَن حَرْمَلَة، وَلَكِن لَيْسَ فِي رِوَايَته: لهِلَال، فَقَالَ: حَدثنِي حَرْمَلَة

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

وهذا الحديث أخرجه هنا مختصرًا، وقد أخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ من هذا الوجه بتمامه مثل رواية الزُّهريِّ الثَّانية، ورواة الحديث مدنيُّون إلَّا شيخه فبلخيٌّ، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّوم» [خ¦١٨٨٩] وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٧٧]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا النَّسائيُّ.

١٨٩٩ - وبه قال: (حَدَّثَنِي) ولأبي ذرٍّ: «وحدَّثني» بواو العطف، وفي نسخةٍ: «أخبرني» بالإفراد في الثَّلاثة (يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) القرشيُّ (١) (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين مُصغَّرًا ابن خالدٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: «حدَّثني» بالإفراد فيهما (ابْنُ أَبِي أَنَسٍ) أبو سهيلٍ نافعٌ (مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ) أي: بني تيمٍ، وكان نافعٌ هذا -أخو أنس بن مالك بن أبي عامرٍ- عمَّ مالك بن أنس الإمام، حليف عثمان بن عبيد (٢) الله، التَّيميُّ (أَنَّ أَبَاهُ) مالك بن أبي عامرٍ (حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ) ولغير أبي ذرٍّ وابن عساكر: «شَهْرُ رَمَضَانَ» (فُتِّحَتْ) بتشديد التَّاء ويجوز تخفيفها (أَبْوَابُ السَّمَاءِ) قيل: هذا من تصرُّف الرُّواة، والأصل: أبواب الجنَّة، وكذا وقع في «باب صفة إبليس وجنوده» [خ¦٣٢٧٧] من «بدء الخلق» بلفظ: «أبواب الجنَّة» في غير رواية أبي ذرٍّ، وله: «أبواب السَّماء»، وقال ابن بطَّالٍ: المراد من «السَّماء»: الجنَّة؛ بقرينة

قوله: (وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ) يحتمل أن يكون الفتح على ظاهره وحقيقته، وقال التُّورِبشتيُّ: هو كنايةٌ عن تنزيل الرَّحمة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد، تارةً ببذل التَّوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنَّم عبارةٌ عن تنزُّه أنفس الصُّوَّام عن رجس الفواحش، والتَّخلُّص من البواعث على المعاصي بقمع الشَّهوات، فإن قيل: ما منعكم أن تحملوه على ظاهر المعنى؟ قلنا: لأنَّه ذُكِر على سبيل المنِّ على الصُّوَّام وإتمام النِّعمة عليهم فيما أُمِروا به ونُدِبوا إليه، حتَّى صارت الجنان في هذا الشَّهر كأنَّ أبوابها فُتِّحت، ونعيمها هُيِّئ، والنِّيران كأنَّ أبوابها غُلِّقت (١)، وأنكالها عُطِّلت، وإذا ذهبنا إلى الظَّاهر لم تقع المنَّة موقعها وتخلو عن الفائدة لأنَّ الإنسان ما دام في هذه الدَّار فإنَّه غير مُيسَّرٍ لدخول إحدى الدَّارين، ورجَّح القرطبيُّ حمله على ظاهره؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى صرف اللَّفظ عن ظاهره. قال الطِّيبيُ: فائدة فتح أبواب السَّماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصَّائمين، وأنَّه من الله بمنزلةٍ عظيمةٍ، ويؤيِّده حديث ابن (٢) عمر: «إنَّ الجنَّة لَتُزخرَف لرمضان … » الحديث.

(وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ) أي: شُدَّت بالسَّلاسل حقيقةً، والمراد: مسترقو (٣) السَّمع منهم (٤)، وإنَّ تسلسلهم يقع في أيَّام (٥) رمضان دون لياليه لأنَّهم كانوا مُنِعوا زمن نزول القرآن من استراق السَّمع، فزيدوا التَّسلسل مبالغةً في الحفظ، أو هو مجازٌ على العموم، والمرادُ أنَّهم لا يصلون من إفساد المسلمين إلى ما يصلون إليه في غيره لاشتغالهم فيه بالصِّيام الذي فيه قمع الشَّياطين (٦)، وإن وقع شيءٌ من ذلك فهو قليلٌ بالنِّسبة إلى غيره، وهذا أمرٌ محسوسٌ.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

وَالصَّدَََقَة فِي عَجزه؟ قلت: لَا تكْرَار، إِذْ الأول: هُوَ النداء بِأَن الْإِنْفَاق، وَإِن كَانَ بِالْقَلِيلِ من جملَة الْخيرَات الْعَظِيمَة، وَذَلِكَ حَاصِل من كل أَبْوَاب الْجنَّة، وَالثَّانِي: استدعاء الدُّخُول إِلَى الْجنَّة، وَإِنَّمَا هُوَ من الْبَاب الْخَاص بِهِ، فَفِي الحَدِيث فَضِيلَة عَظِيمَة للإنفاق، وَلِهَذَا افْتتح بِهِ واختتم بِهِ. قَوْله: (بِأبي أَنْت وَأمي) أَي: أَنْت مفدى بِأبي وَأمي، فَتكون الْبَاء مُتَعَلقَة بِهِ، وَقيل: تَقْدِيره: فديتك بِأبي وَأمي. قَوْله: (من ضَرُورَة) أَي: من ضَرَر، أَي لَيْسَ على الْمَدْعُو من كل الْأَبْوَاب مضرَّة، أَي: قد سعد من دعِي من أَبْوَابهَا جَمِيعًا، وَيُقَال مَعْنَاهُ: مَا على من دعِي من تِلْكَ الْأَبْوَاب من لم يكن إلَاّ من أهل خصْلَة وَاحِدَة ودعي من بَابهَا لَا ضَرَر عَلَيْهِ، لِأَن الْغَايَة الْمَطْلُوبَة دُخُول الْجنَّة من أَيهَا أَرَادَ، لِاسْتِحَالَة الدُّخُول من الْكل مَعًا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَقُول: يحْتَمل أَن تكون الْجنَّة كالقلعة لَهَا أسوار مُحِيط بَعْضهَا بِبَعْض، وعَلى كل سور بَاب، فَمنهمْ من يدعى من الْبَاب الأول فَقَط، وَمِنْهُم من يتَجَاوَز عَنهُ إِلَى الْبَاب الدَّاخِل وهلم جرا. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره لَا يستبعده الْعقل، وَلَكِن معرفَة كَيْفيَّة الْجنَّة وَكَيْفِيَّة أَبْوَابهَا وَغير ذَلِك مَوْقُوفَة على السماع من الشَّارِع. قَوْله: (وَأَرْجُو أَن تكون مِنْهُم) ، خطاب لأبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، والرجاء من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَاجِب، نبه عَلَيْهِ ابْن التِّين، فَدلَّ هَذَا على فَضِيلَة أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وعَلى أَنه من أهل هَذِه الْأَعْمَال كلهَا.

وَفِيه: أَن أَعمال الْبر لَا تفتح فِي الْأَغْلَب للْإنْسَان الْوَاحِد فِي جَمِيعهَا، وَإِن من فتح لَهُ فِي شَيْء مِنْهَا حرم غَيرهَا فِي الْأَغْلَب، وَأَنه قد يفتح فِي جَمِيعهَا للقليل من النَّاس، وَإِن الصدِّيق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مِنْهُم.

٥ - (بابٌ هَلْ يُقالُ رمَضَانُ أوْ شَهْرُ رَمَضَانَ ومَنْ رَأى كُلَّهُ واسِعا)

أَي: هَذَا بَاب يُقَال فِيهِ: هَل يُقَال؟ أَي: هَل يجوز أَن يُقَال: رَمَضَان من غير شهر مَعَه؟ أَو يُقَال: شهر رَمَضَان؟ قَوْله: (هَل يُقَال) ؟ على صِيغَة الْمَجْهُول، رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة السَّرخسِيّ وَالْمُسْتَمْلِي: بَاب هَل يَقُول، أَي: الْإِنْسَان أَو الْقَائِل. قَوْله: (وَمن رأى كُله وَاسِعًا) من جملَة التَّرْجَمَة أَي: من رأى القَوْل بِمُجَرَّد رَمَضَان أَو بقيده بِشَهْر وَاسِعًا أَي: جَائِزا لَا حرج على قَائِله، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: وَمن رَآهُ بهاء الضَّمِير، وَإِنَّمَا أطلق التَّرْجَمَة وَلم يفصح بالحكم للِاخْتِلَاف فِيهِ على عَادَته فِي ذَلِك، فَالَّذِي اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَالْبُخَارِيّ مِنْهُم لَا يكره أَن يُقَال: جَاءَ رَمَضَان، وَلَا صمنا رَمَضَان، وَكَانَ عَطاء وَمُجاهد يكرهان أَن يَقُولَا: رَمَضَان، وَإِنَّمَا كَانَا يَقُولَانِ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: شهر رَمَضَان، لأَنا لَا نَدْرِي لَعَلَّ رَمَضَان إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن الْحسن أَيْضا، قَالَ: وَالطَّرِيق إِلَيْهِ وَإِلَى مُجَاهِد ضَعِيفَة، وَهُوَ قَول أَصْحَاب مَالك. وَقَالَ النّحاس: وَهَذَا قَول ضَعِيف لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نطق بِهِ، فَذكر مَا ذكره البُخَارِيّ. وَفِي (التَّوْضِيح) : وَهُنَاكَ قَول ثَالِث، وَهُوَ قَول أَكثر أَصْحَابنَا إِن كَانَ هُنَاكَ قرينَة تصرفه إِلَى الشَّهْر فَلَا كَرَاهَة وَإِلَّا فَيكْرَه.

قَالُوا: وَيُقَال: قمنا رَمَضَان، ورمضان أفضل الْأَشْهر، وَإِنَّمَا يكره أَن يُقَال: قد جَاءَ رَمَضَان، وَدخل رَمَضَان، وَحضر، وَنَحْو ذَلِك. فَإِن قلت: فِي (كَامِل) ابْن عدي عَن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تَقولُوا رَمَضَان، فَإِن رَمَضَان اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى، وَلَكِن قُولُوا: شهر رَمَضَان؟) قلت: قَالَ أَبُو حَاتِم: هَذَا خطأ، وَإِنَّمَا هُوَ قَول أبي هُرَيْرَة وَفِيه أَبُو معشر نجيح الْمدنِي، وَضَعفه ابْن عدي الَّذِي خرجه، وَقَالَ بَعضهم: أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة إِلَى دفع حَدِيث ضَعِيف، ثمَّ ذكر هَذَا الَّذِي خرجه ابْن عدي. قلت: هَذَا الْقَائِل أَخذ هَذَا الَّذِي قَالَه من كَلَام صَاحب (التَّلْوِيح) فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ البُخَارِيّ أَرَادَ بالتبويب دفع مَا رَوَاهُ أَبُو معشر نجيح فِي (كَامِل) ابْن عدي، وَهُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَهل هَذَا إلَاّ أَمر عَجِيب من هذَيْن الْمَذْكُورين؟ فَإِن لفظ التَّرْجَمَة: هَل يُقَال رَمَضَان أَو شهر رَمَضَان؟ من أَيْن يدل على هَذَا؟ فَمن أَي قبيل هَذِه الدّلَالَة؟ وَأَيْضًا: من قَالَ: إِن البُخَارِيّ اطلع على هَذَا الحَدِيث أَو وقف عَلَيْهِ حَتَّى يردهُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَة؟ قَوْله: (رَمَضَان) قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: (رَمَضَان مصدر رمض إِذا احْتَرَقَ من الرمضاء، فأضيف إِلَيْهِ الشَّهْر وَجعل علما، وَمنع الصّرْف للتعريف وَالْألف وَالنُّون، وسموه بذلك لارتماضهم فِيهِ من حر الْجُوع ومقاساة شدته، كَمَا سموهُ: ناتقا لِأَنَّهُ كَانَ ينتقهم أَي يزعجهم إضجارا بشدته عَلَيْهِم، وَقيل: لما نقلوا أَسمَاء الشُّهُور عَن اللُّغَة الْقَدِيمَة سَموهَا بالأزمنة الَّتِي وَقعت فِيهَا، فَوَافَقَ هَذَا الشَّهْر أَيَّام رمض الْحر. قلت: كَانُوا يَقُولُونَ للْمحرمِ المؤتمر، ولصفر ناجر، ولربيع الأول خوان، ولربيع الآخر وبضان، ولجمادى الأولى ربى، ولجمادى الآخر حنين، ولرجب الْأَصَم، ولشعبان عاذل

ولرمضان ناتق، ولشوال وعل، وَلِذِي الْقعدَة، وَرَنَّة، وَلِذِي الْحجَّة برك، وَفِي (الغريبين) : هُوَ مَأْخُوذ من رمض الصَّائِم يرمض إِذا حرَّ جَوْفه من شدَّة الْعَطش، وَفِي (المغيث) اشتقاقه من: رمضت النصل أرمضه رَمضًا إِذا جعلته بَين حجرين ودققته ليرق، سمي بِهِ لِأَنَّهُ شهر مشقة، ليذكر صائموه مَا يقاسي أهل النَّار فِيهَا، وَقيل: من رمضت فِي الْمَكَان يَعْنِي: احْتبست، لِأَن الصَّائِم يحتبس عَمَّا نهى عَنهُ، و: فعلان، لَا يكَاد يُوجد من بَاب فعل، وَهُوَ فِي بَاب فعل بِالْفَتْح كثير، وَقَالَ ابْن خالويه: تَقول الْعَرَب، جَاءَ فلَان يَغْدُو رَمضًا ورمضا وترميضا ورمضانا إِذا كَانَ قلقا فَزعًا. وَفِي (الْمُحكم) : جمعه رمضانات ورماضين وأرمضة وأرمض، عَن بعض أهل اللُّغَة، وَلَيْسَ يثبت فِي (الصِّحَاح) : يجمع على أرمضاء، وَفِي (الْعلم) : الْمَشْهُور لأبي الْخطاب: وَيجمع أَيْضا على رماض، وَهُوَ الْقيَاس، وأراميض ورماض. قَوْله: (أَو شهر رَمَضَان) ، الشَّهْر عدد وَجمعه أشهر وشهور، ذكره فِي (الموعب) . وَفِي (الْمُحكم) : الشَّهْر الْقَمَر سمي بذلك لشهرته وظهوره، وَسمي الشَّهْر بذلك لِأَنَّهُ يشهر بالقمر، وَفِيه عَلامَة ابْتِدَائه وانتهائه. وَيُقَال: شهر وَشهر. والتسكين أَكثر.

وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم منْ صامَ رَمَضَانَ

هَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وَقد ذكر هَذِه الْقطعَة مِنْهُ لصِحَّة قَول من يَقُول: رَمَضَان بِغَيْر، قيد شهر.

وَقَالَ لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ

أَي: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لَا تقدمُوا رَمَضَان، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة على مَا سَيَأْتِي، وَذكر هَذِه الْقطعَة مِنْهُ أَيْضا لما ذكرنَا.

٨٩٨١ - حدَّثنا قُتَيْبَةُ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ بنُ جَعْفَرٍ عَن أبِي سُهَيْلٍ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إذَا جاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أبْوَابُ الجَنَّةِ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه جَاءَ فِي الحَدِيث (إِذا جَاءَ رَمَضَان) من غير ذكر: شهر، وَهَذَا الحَدِيث يُفَسر الْإِبْهَام الَّذِي فِي التَّرْجَمَة.

ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: قُتَيْبَة بن سعيد. الثَّانِي: إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن أبي كثير أَبُو إِبْرَاهِيم الْأنْصَارِيّ، مولى زُرَيْق الْمُؤَدب. الثَّالِث: أَبُو سُهَيْل واسْمه نَافِع بن مَالك بن أبي عَامر عَمْرو بن الْحَارِث بن غيمان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: الأصبحي، عَم أنس بن مَالك. وَالرَّابِع: أَبُو مَالك بن أبي عَامر، تَابِعِيّ كَبِير أدْرك عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بلخي والبقية مدنيون.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّوْم وَفِي صفة إِبْلِيس وَفِي مَوضِع آخر عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث، وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن قُتَيْبَة وَيحيى بن أَيُّوب وَعلي بن حجر، ثَلَاثَتهمْ عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بِهِ وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى وَعَن مُحَمَّد بن الحاتم وَحسن الْحلْوانِي. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَليّ بن حجر بِهِ وَعَن الرّبيع بن سُلَيْمَان وَعَن عبيد الله بن سعد عَن عَمه يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن سعد بِهِ وَعَن إِبْرَاهِيم بن يَعْقُوب وَعَن مُحَمَّد بن خَالِد بن عَليّ وَعَن عبد الله بن سعد عَن عَمه يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن أَبِيه عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فتحت) ، رُوِيَ بتَشْديد التَّاء وتخفيفها، كَذَا أخرجه مُخْتَصرا، وَقد أخرجه مُسلم بِتَمَامِهِ، وَقَالَ: حَدثنَا يحيى بن أَيُّوب وقتيبة بن سعيد وَابْن حجر، قَالُوا: حَدثنَا إِسْمَاعِيل، وَهُوَ ابْن جَعْفَر عَن أبي سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِذا جَاءَ رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الْجنَّة وغلقت أَبْوَاب النَّار وصفدت الشَّيَاطِين) ، ثمَّ المُرَاد من فتح أَبْوَاب الْجنَّة حَقِيقَة الْفَتْح، وَذهب بَعضهم إِلَى أَن المُرَاد بِفَتْح أَبْوَاب الْجنَّة كَثْرَة الطَّاعَات فِي شهر رَمَضَان، فَإِنَّهَا موصلة إِلَى الْجنَّة، فكني بهَا عَن ذَلِك، وَيُقَال: المُرَاد بِهِ مَا فتح الله على الْعباد فِيهِ من الْأَعْمَال المستوجبة بهَا إِلَى الْجنَّة من الصّيام وَالصَّلَاة والتلاوة، وَأَن الطَّرِيق إِلَى الْجنَّة فِي رَمَضَان سهل، والأعمال فِيهِ أسْرع إِلَى الْقبُول.

٩٩٨١ - حدَّثني يحْيعى بنُ بُكَيُرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيلٍ عنِ ابنِ شِهَابٍ قَالَ أخبرَني ابنُ

أبِي أنَسٍ مَوْلَى التَّيْميِّينَ أنَّ أباهُ حَدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ يقوُل قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إذَا دخَل شهْرُ رَمَضَانَ فُتِحَتْ أبْوابُ السَّمَاءِ وغلِقَتْ أبْوَابُ جهَنَّمَ وسُلْسِلَتِ الشَّياطِينُ..

هَذَا طَرِيق آخر أتم من الطَّرِيق الأول، مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (إِذا دخل شهر رَمَضَان) ، حَيْثُ ذكر فِيهِ شهر، وَهُوَ مُطَابق لقَوْله فِي التَّرْجَمَة: أَو شهر رَمَضَان.

ذكر رِجَاله: وهم سَبْعَة: الأول: يحيى بن بكير وَقد تكَرر ذكره. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: ابْن أبي أنس هُوَ أَبُو سهل نَافِع ابْن أبي أنس بن مَالك بن أبي عَامر. السَّادِس: أَبوهُ مَالك بن أبي عَامر. السَّابِع: أَبُو هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين، وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: السماع. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه مَنْسُوب إِلَى جده لِأَنَّهُ يحيى بن عبد الله بن بكير وَأَنه وَاللَّيْث مصريان، وَأَن عقيلاً أيلي. وَأَن ابْن أبي أنس وأباه مدنيان. وَفِيه: أَن ابْن أبي أنس من صغَار شُيُوخ الزُّهْرِيّ بِحَيْثُ أدْركهُ تلامذة الزُّهْرِيّ وَمن هُوَ أَصْغَر مِنْهُ كإسماعيل بن جَعْفَر، وَقد ابْن أبي أنس فِي الْوَفَاة عَن الزُّهْرِيّ، وَهَذَا الْإِسْنَاد يعد من رِوَايَة الأقران. وَفِيه: أَن ابْن أبي أنس مولى التيميين، أَي: مولى بني تيم، وَالْمرَاد مِنْهُ آل طَلْحَة بن عبيد الله أحد الْعشْرَة، وَكَانَ أَبُو عَامر وَالِد مَالك قد قدم مَكَّة فقطنها وحالف عُثْمَان بن عبيد الله أَخا طَلْحَة فنسب إِلَيْهِ، وَكَانَ مَالك الْفَقِيه يَقُول: لسنا موَالِي آل تيم، إِنَّمَا نَحن عرب من أصبح، وَلَكِن جدي حالفهم، وَالْحَاصِل أَن أَبَا سُهَيْل نَافِع بن مَالك بن أبي عَامر أَخُو أنس بن مَالك بن عَامر، عَم مَالك بن أنس الإِمَام حَلِيف عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف. وَقَالَ ابْن سعد فِي الطَّبَقَة من التَّابِعين الْمَدَنِيين: أَخْبرنِي عَم جدي الرّبيع، مَالك بن أبي عَامر وَهُوَ عَم مَالك بن أنس الْمُفْتِي عَن أَبِيه، فَذكر حَدِيثا أَنه عَاقد عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن عبيد الله التَّيْمِيّ فعدوا الْيَوْم فِي بني تيم لهَذَا السَّبَب، وَقيل: حَالف ابْنه عُثْمَان بن عبيد الله، وَأَبُو أنس كنية مَالك بن أبي عَامر، وَمَات مَالك سنة مائَة وَنَحْوهَا، كَمَا نقل عَن ابْن عبد الْبر، وَحكى الكلاباذي عَن ابْن سعد عَن الْوَاقِدِيّ: سنة إثنتي عشرَة وَمِائَة، عَن سبعين أَو نَيف وَسبعين. وَفِي (الطَّبَقَات) لِابْنِ سعد: أَنه شهد عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عِنْد الْجَمْرَة وأصابه حجر فدماه، وَفِيه نظر ظَاهر، وَأَوْلَاده أَرْبَعَة: أنس وَنَافِع وأويس وَالربيع، أَوْلَاد مَالك الْمَذْكُور.

ذكر مَا قيل فِي هَذَا الحَدِيث: قَالَ النَّسَائِيّ: مُرَاد الزُّهْرِيّ بِابْن أبي أنس: نَافِع، فَأخْرج من وَجه آخر عَن عقيل عَن ابْن شهَاب أَخْبرنِي أَبُو سُهَيْل عَن أَبِيه، وَأخرجه من طَرِيق صَالح عَن ابْن شهَاب، فَقَالَ: أَخْبرنِي نَافِع بن أبي أنس، وَرَوَاهُ ابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ وَعَن أويس بن أبي أويس عديد بني تيم عَن أنس بن مَالك نَحوه، وَقَالَ: هَذَا خطأ وَلم يسمعهُ ابْن إِسْحَاق عَن الزُّهْرِيّ، وَفِي مَوضِع آخر: هَذَا حَدِيث مُنكر خطأ، وَلَعَلَّ ابْن إِسْحَاق سَمعه من إِنْسَان ضَعِيف فَقَالَ فِيهِ: وَذكر الزُّهْرِيّ، وَرَوَاهُ من حَدِيث أبي قلَابَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (أَتَاكُم رَمَضَان شهر مبارك فرض الله عَلَيْكُم صِيَامه، تفتح فِيهِ أَبْوَاب السَّمَاء وتغلق فِيهِ أَبْوَاب الْجَحِيم، وتغل فِيهِ مَرَدَة الشَّيَاطِين) . وَمن حَدِيثه عَن ابْن أبي شيبَة عَن عبد الْأَعْلَى عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة (عَن أبي هُرَيْرَة: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يرغب فِي قيام رَمَضَان من غير عَزِيمَة، وَقَالَ: إِذا دخل رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الْجنَّة وغلقت الْجَحِيم وسلسلت فِيهِ الشَّيَاطِين) . وَقَالَ: هَذَا الثَّالِث الْأَخير خطأ من حَدِيث أبي سَلمَة، وَقَالَ: أرْسلهُ ابْن الْمُبَارك عَن معمر، ثمَّ سَاقه من حَدِيثه عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (إِذا دخل رَمَضَان فتحت) الحَدِيث.

وَعند التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي بكر بن عَيَّاش عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان صفدت الشَّيَاطِين ومردة الْجِنّ، وغلقت أَبْوَاب النيرَان فَلم يفتح مِنْهَا بَاب، وَفتحت أَبْوَاب الْجنَّة فَلم يغلق مِنْهَا بَاب. .) الحَدِيث، وَقَالَ: غَرِيب لَا نَعْرِف مثل رِوَايَة أبي بكر بن عَيَّاش عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة إلَاّ من حَدِيث أبي بكر بن عَيَّاش، وَسَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ؟ فَقَالَ: حَدثنَا الْحسن بن الرّبيع حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن الْأَعْمَش عَن مُجَاهِد، قَوْله: (إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان) ، فَذكر الحَدِيث. قَالَ مُحَمَّد: وَهَذَا

أصح عِنْدِي من حَدِيث أبي بكر بن عَيَّاش وَقَالَ شَيخنَا: لم يحكم التِّرْمِذِيّ على حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَذْكُور بِصِحَّة وَلَا حسن مَعَ كَون رِجَاله رجال الصَّحِيح، وَكَانَ ذَلِك لِتَفَرُّد أبي بكر بن عَيَّاش بِهِ، وَإِن كَانَ احْتج بِهِ البُخَارِيّ، فَإِنَّهُ رُبمَا غلط، كَمَا قَالَ أَحْمد، ولمخالفة أبي الْأَحْوَص لَهُ فِي رِوَايَته عَن الْأَعْمَش، فَإِنَّهُ جعله مَقْطُوعًا من قَول مُجَاهِد، وَلذَلِك أدخلهُ التِّرْمِذِيّ فِي كتاب (الْعِلَل الْمُفْرد) ، وَذكر أَنه سَأَلَ البُخَارِيّ عَنهُ، وَذكر أَن كَونه عَن مُجَاهِد أصح عِنْده.

وَأما الْحَاكِم فَأخْرجهُ فِي (الْمُسْتَدْرك) وَصَححهُ، وَكَذَلِكَ صَححهُ ابْن حبَان، وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: (وَيغْفر فِيهِ إلَاّ لمن نأى، قَالُوا: أَو من نأى يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ قَالَ: الَّذِي يَأْبَى أَن يسْتَغْفر الله عز وَجل) ، وروى من حَدِيث عتبَة بن فرقد، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (تفتح فِيهِ أَبْوَاب الْجنَّة وتغلق فِيهِ أَبْوَاب النَّار) الحَدِيث. قَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَن حَدِيث عتبَة بن فرقد عَن رجل من الصَّحَابَة يرفعهُ: (إِذا جَاءَ رَمَضَان فتحت أَبْوَاب الْجنَّة) الحَدِيث، فرجحه مَرْفُوعا. وَخطأ حَدِيث أنس، وَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ عَن أبي هُرَيْرَة. قلت: عتبَة بن فرقد السّلمِيّ أَبُو عبد الله لَيْسَ لَهُ صُحْبَة، نزل الْكُوفَة، وَقَالَ أَبُو عمر: كَانَ أَمِيرا لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، على بعض فتوحات الْعرَاق، وروى لَهُ النَّسَائِيّ والطَّحَاوِي، وروى النَّسَائِيّ من رِوَايَة عَطاء ابْن السَّائِب (عَن عرْفجَة، قَالَ: كَانَ عندنَا عتبَة بن فرقد، فتذاكرنا شهر رَمَضَان، فَقَالَ: مَا تذكرُونَ؟ قُلْنَا: شهر رَمَضَان. قَالَ: سَمِعت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: تفتح فِيهِ أَبْوَاب الْجنَّة، وتغلق فِيهِ أَبْوَاب النَّار، وتغل فِيهِ الشَّيَاطِين، وينادي منادٍ كل لَيْلَة: يَا باغي الْخَيْر هَلُمَّ {وَيَا باغي الشَّرّ أقصر) . قَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا خطأ، يُرِيد أَن الصَّوَاب أَنه حَدِيث رجل من الصَّحَابَة لم يسم، ثمَّ رَوَاهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة عَطاء بن السَّائِب عَن عرْفجَة، قَالَ: كنت فِي بَيت فِيهِ عتبَة بن فرقد، فَأَرَدْت أَن أحدث بِحَدِيث، وَكَانَ رجل من أَصْحَاب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَأَنَّهُ أولى بِالْحَدِيثِ، فَحدث الرجل عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: فِي رَمَضَان تفتح أَبْوَاب السَّمَاء ... الحَدِيث.، مثل حَدِيث عتبَة بن فرقد.

ذكر مَا ورد فِي هَذَا الْبَاب من أَحَادِيث الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم: مِنْهَا: حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة النَّضر بن شَيبَان، قَالَ: قلت لأبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن: حَدثنِي بِشَيْء سمعته من أَبِيك سَمعه أَبوك من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْسَ بَين رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَبَين أَبِيك أحد. قَالَ: نعم، حَدثنِي أبي، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن الله تبَارك وَتَعَالَى فرض صِيَام رَمَضَان، وسننت لكم قِيَامه، فَمن صَامَهُ وقامه إِيمَانًا واحتسابا خرج من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه) . قَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا غلط، وَالصَّوَاب: أَبُو سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة.

وَمِنْهَا حَدِيث ابْن مَسْعُود، رَوَاهُ أَبُو يعلى عَنهُ أَنه سمع النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَهُوَ يَقُول، وَقد أهل رَمَضَان: لَو يعلم الْعباد مَا فِي رَمَضَان لتمنت أمتِي أَن تكون السّنة كلهَا رَمَضَان. فَقَالَ رجل من خُزَاعَة: حَدثنَا بِهِ} قَالَ: إِن الْجنَّة تزين لرمضان من رَأس الْحول إِلَى الْحول، حَتَّى إِذا كَانَ أول يَوْم من رَمَضَان هبت ريح من تَحت الْعَرْش، فصفقت ورق الْجنَّة، فتنظر الْحور الْعين إِلَى ذَلِك، فَقُلْنَ: يَا رب! إجعل لنا من عِبَادك فِي هَذَا الشَّهْر أَزْوَاجًا تقر أَعيننَا بهم، وتقر أَعينهم بِنَا، فَمَا من عبد يَصُوم رَمَضَان إلَاّ زوج زَوْجَة من الْحور الْعين فِي خيمة من درة مجوفة، مِمَّا نعت الله تَعَالَى: {حور مقصورات فِي الْخيام} (الرَّحْمَن: ٢٧) . على كل امْرَأَة مِنْهُنَّ سَبْعُونَ حلَّة، لَيْسَ مِنْهَا حلَّة على لون الْأُخْرَى، وتعطى سَبْعُونَ لونا من الطّيب: لَيْسَ مِنْهُ لون على ريح الآخر، لكل امْرَأَة مِنْهُنَّ سبعين سريرا من ياقوتة حَمْرَاء موشحة بالدر، على كل سَرِير سَبْعُونَ فراشا بطائنها من استبرق، وَفَوق السّبْعين فراشا سَبْعُونَ أريكة لكل امْرَأَة مِنْهُنَّ سَبْعُونَ ألف وصيفة لحاجاتها، وَسَبْعُونَ ألف وصيف، مَعَ كل وصيف صَحْفَة من ذهب، فِيهَا لون طَعَام يجد لآخر لقْمَة مِنْهَا لَذَّة لَا يجد لأوله، وَيُعْطى زَوجهَا مثل ذَلِك، على سَرِير من ياقوتة حَمْرَاء، عَلَيْهِ سواران من ذهب، موشح بياقوت أَحْمَر، هَذَا بِكُل يَوْم صَامَ من رَمَضَان سوى مَا عمل من الْحَسَنَات) هَذَا حَدِيث مُنكر وباطل، وَفِي سَنَده جرير بن أَيُّوب البَجلِيّ الْكُوفِي، كَانَ يضع الحَدِيث. قَالَه وَكِيع وَأَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن، وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ البُخَارِيّ: وَأَبُو زرْعَة مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ النَّسَائِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث.

وَمِنْهَا: حَدِيث سلمَان الْفَارِسِي، رَوَاهُ الْحَارِث بن أبي أُسَامَة

فِي (مُسْنده) عَنهُ، قَالَ: (خَطَبنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم آخر يَوْم من شعْبَان، فَقَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِنَّه قد أظلكم شهر عَظِيم، شهر مبارك، فِيهِ لَيْلَة خير من ألف شهر، فرض الله صِيَامه وَجعل قيام ليله تَطَوّعا، فَمن تطوع فِيهِ بخصلة من الْخَيْر كَانَ كمن أدّى سبعين فَرِيضَة فِيمَا سواهُ، وَمن أدّى فِيهِ فَرِيضَة كَانَ كمن أدّى سبعين فَرِيضَة، وَهُوَ شهر الصَّبْر، وَالصَّبْر ثَوَابه الْجنَّة، وَهُوَ شهر الْمُوَاسَاة، وَهُوَ شهر يُزَاد رزق الْمُؤمن فِيهِ، من فطر صَائِما كَانَ لَهُ عتق رَقَبَة ومغفرة لذنوبه، قيل: يَا رَسُول الله {لَيْسَ كلنا نجد مَا يفْطر الصَّائِم} قَالَ: يُعْطي الله هَذَا الثَّوَاب لمن فطر صَائِما على مذقة لبن أَو تَمْرَة أَو شربة مَاء، وَمن أشْبع صَائِما كَانَ لَهُ مغْفرَة لذنوبه، وسقاه الله من حَوْضِي شربة لَا يظمأ حَتَّى يدْخل الْجنَّة، وَكَانَ لَهُ مثل أجره من غير أَن ينقص من أجره شَيْئا. وَهُوَ شهر أَوله رَحْمَة وأوسطه مغْفرَة وَآخره عتق من النَّار، وَمن خفف عَن مَمْلُوكه فِيهِ أعْتقهُ الله من النَّار) ، وَلَا يَصح إِسْنَاده، وَفِي سَنَده إِيَاس. قَالَ شَيخنَا: الظَّاهِر أَنه ابْن أبي إِيَاس، قَالَ صَاحب (الْمِيزَان) إِيَاس بن أبي إِيَاس عَن سعيد بن الْمسيب لَا يعرف، وَالْخَبَر مُنكر.

وَمِنْهَا: حَدِيث أنس، أخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن إِسْحَاق. قَالَ: ذكر مُحَمَّد بن مُسلم عَن أويس ابْن أبي أويس عديد بني تيم، (عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: هَذَا رَمَضَان قد جَاءَكُم تفتح فَهِيَ أَبْوَاب الْجنَّة وتغلق فِيهِ أَبْوَاب النَّار، وتسلسل فِيهِ الشَّيَاطِين) . قَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا حَدِيث خطأ، وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من رِوَايَة الْفضل بن عِيسَى الرقاشِي عَن يزِيد الرقاشِي عَن أنس بن مَالك، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: هَذَا رَمَضَان قد جَاءَ تفتح فِيهِ أَبْوَاب الْجنَّة وتغلق فِيهِ أَبْوَاب النَّار، وتغل فِيهِ الشَّيَاطِين، بعدا لمن أدْرك رَمَضَان فَلم يغْفر لَهُ إِذا لم يغْفر لَهُ فِيهِ فَمَتَى؟) وَالْفضل بن عِيسَى مُنكر الحَدِيث، قَالَه أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم، وَقَالَ ابْن معِين: رجل سوء. ولأنس: حَدِيث آخر رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي (الضُّعَفَاء) قَالَ: حَدثنَا جِبْرِيل بن عِيسَى المغربي حَدثنَا يحيى بن سُلَيْمَان الْقرشِي حَدثنَا أَبُو معمر عباد بن عبد الصَّمد عَن أنس بن مَالك، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان نَادَى الله تبَارك وَتَعَالَى رضوَان خَازِن الْجنَّة، يَقُول: يَا رضوَان {فَيَقُول: لبيْك سَيِّدي وَسَعْديك} فَيَقُول: زيَّن الْجنان للصائمين والقائمين من أمة مُحَمَّد، ثمَّ لَا نغلقها حَتَّى يَنْقَضِي شهرهم) . فَذكر حَدِيثا طَويلا جدا مُنْكرا، وَعباد ابْن عبد الصَّمد مُنكر الحَدِيث، قَالَه البُخَارِيّ وَأَبُو حَاتِم، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الْعِلَل المتناهية) وَيحيى بن سُلَيْمَان مَجْهُول.

وَمِنْهَا: حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: (إِن رَسُول الله قَالَ يَوْمًا، وَحضر رَمَضَان: أَتَاكُم رَمَضَان شهر بركَة يغيثكم الله فِيهِ، فَينزل الرَّحْمَة ويحط الْخَطَايَا ويستجيب فِيهِ الدُّعَاء، ينظر الله إِلَى تنافسكم ويباهي بكم مَلَائكَته، فأروا الله من أَنفسكُم خيرا، فَإِن الشقي من حرم فِيهِ رَحْمَة الله عز وَجل) . وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن أبي قيس يحْتَاج إِلَى الْكَشْف.

وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عَبَّاس، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة نَافِع بن هُرْمُز عَن عَطاء بن أبي رَبَاح عَن ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (أَلا أخْبركُم بِأَفْضَل الْمَلَائِكَة؟ جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، وَأفضل النَّبِيين؟ آدم عَلَيْهِ السَّلَام، وَأفضل الْأَيَّام يَوْم الْجُمُعَة، وَأفضل الشُّهُور شهر رَمَضَان، وَأفضل اللَّيَالِي لَيْلَة الْقدر، وَأفضل النِّسَاء مَرْيَم بنت عمرَان عَلَيْهَا السَّلَام) ، وَنَافِع بن هُرْمُز ضَعِيف. وَلابْن عَبَّاس حَدِيث آخر رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الْعِلَل المتناهية) من رِوَايَة الْقَاسِم بن الحكم العرني عَن الضَّحَّاك: (عَن ابْن عَبَّاس: أَنه سمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إِن الْجنَّة لتبخر وتزين من الْحول إِلَى الْحول لدُخُول شهر رَمَضَان، فَإِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان هبت ريح من تَحت الْعَرْش، يُقَال لَهَا: المثيرة فيصطفق ورق أَشجَار الْجنَّة وَحلق المصاريع) . فَذكر حَدِيثا طَويلا مُنْكرا، وَالقَاسِم بن الحكم مَجْهُول، قَالَه أَبُو حَاتِم، وَقَالَ: يحيى ابْن سعيد الضَّحَّاك عندنَا ضَعِيف.

وَمِنْهَا: حَدِيث ابْن عمر، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة الْوَلِيد بن الْوَلِيد القلانسي عَن ابْن ثَوْبَان عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عمر: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (إِن الْجنَّة لتزخرف لرمضان من رَأس الْحول إِلَى الْحول الْمقبل، فَإِذا كَانَ أول لَيْلَة من رَمَضَان هبت ريح من تَحت الْعَرْش) الحَدِيث، والوليد بن الْوَلِيد ضعفه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم بقوله: صَدُوق.

وَمِنْهَا: حَدِيث عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) بِلَفْظ: (ذَاكر الله فِي رَمَضَان مغْفُور لَهُ، وَسَائِل الله فِيهِ لَا يخيب) ، وَفِي إِسْنَاده: هِلَال بن عبد الرَّحْمَن، ضعفه الْعقيلِيّ، بقوله:

مُنكر الحَدِيث.

وَمِنْهَا: حَدِيث أبي أُمَامَة، رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: (لله عِنْد كل فطر عُتَقَاء) ، وَرِجَاله ثِقَات.

وَمِنْهَا: حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير بِلَفْظ: (إِن أَبْوَاب السَّمَاء تفتح فِي أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان، وَلَا تغلق إِلَى آخر لَيْلَة مِنْهُ) ، وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن مَرْوَان السَّعْدِيّ وَهُوَ ضَعِيف وَلأبي سعيد حَدِيث آخر رَوَاهُ الْبَزَّار بِلَفْظ: (إِن لله تبَارك وَتَعَالَى عُتَقَاء فِي كل يَوْم وَلَيْلَة يَعْنِي: فِي رَمَضَان، وَإِن لكل مُسلم فِي كل يَوْم وَلَيْلَة دَعْوَة مستجابة) ، وَفِيه أبان بن أبي عَيَّاش ضَعِيف. وَلأبي سعيد حَدِيث آخر رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: (صِيَام رَمَضَان إِلَى رَمَضَان كَفَّارَة لما بَينهمَا) .

وَمِنْهَا: حَدِيث أبي مَسْعُود الْغِفَارِيّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ حَدِيث ابْن مَسْعُود الْمُتَقَدّم، وَفِي إِسْنَاده الْهياج بن بسطَام وَهُوَ ضَعِيف، قَالَ أَحْمد: مَتْرُوك الحَدِيث، وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه.

وَمِنْهَا: حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أخرجه النَّسَائِيّ عَنْهَا: (أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ يرغب النَّاس فِي قيام رَمَضَان من غير أَن يَأْمُرهُم بعزيمة أَمر فِيهِ فَيَقُول: من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) .

وَمِنْهَا: حَدِيث أم هانىء، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الصَّغِير) و (الْأَوْسَط) بِلَفْظ: (إِن أمتِي لم يخزوا مَا أَقَامُوا شهر رَمَضَان، قيل: يَا رَسُول الله؟ وَمَا خزيهم فِي إِضَاعَة شهر رَمَضَان؟ قَالَ: انتهاك الْمَحَارِم فِيهِ) الحَدِيث، وَفِيه: (فَاتَّقُوا شهر رَمَضَان فَإِن الْحَسَنَات تضَاعف فِيهِ مَا لَا تضَاعف فِيمَا سواهُ، وَكَذَلِكَ السَّيِّئَات) ، وَفِي إِسْنَاده عِيسَى بن سُلَيْمَان أَبُو طيبَة الْجِرْجَانِيّ، ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات، وَضَعفه ابْن معِين.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (فتحت أَبْوَاب السَّمَاء) ، قد ذكرنَا معنى: فتحت، وَهنا، قَالَ: (أَبْوَاب السَّمَاء) ، وَفِي حَدِيث قُتَيْبَة الْمَاضِي قَالَ: (أَبْوَاب الْجنَّة) ، وَقَالَ ابْن بطال: المُرَاد من السَّمَاء الْجنَّة بِقَرِينَة ذكر جَهَنَّم فِي مُقَابلَة. قلت: جَاءَ فِي رِوَايَة: (أَبْوَاب الرَّحْمَة) ، وَلَا تعَارض فِي ذَلِك، فأبواب السَّمَاء يصعد مِنْهَا إِلَى الْجنَّة لِأَنَّهَا فَوق السَّمَاء، وسقفها عرش الرَّحْمَن كَمَا ثَبت فِي (الصَّحِيح) . وأبواب الرَّحْمَة تطلق على أَبْوَاب الْجنَّة، لقَوْل النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي الحَدِيث الصَّحِيح: (احتجت الْجنَّة وَالنَّار) الحَدِيث، وَفِيه: (وَقَالَ الله للجنة: أَنْت رَحْمَتي أرْحم بك من أَشَاء من عبَادي) الحَدِيث، وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: فَائِدَة الْفَتْح تَوْقِيف الْمَلَائِكَة على استحماد فعل الصائمين، وَأَن ذَلِك من الله بِمَنْزِلَة عَظِيمَة، وَأَيْضًا فِيهِ أَنه إِذا علم الْمُكَلف المعتقد ذَلِك بِإِخْبَار الصَّادِق يزِيد فِي نشاطه ويتلقاه بأريحته وينصره مَا روى: (إِن الْجنَّة تزخرف لرمضان) . قَوْله: (وغلقت أَبْوَاب جَهَنَّم) لِأَن الصَّوْم جنَّة فتغلق أَبْوَابهَا بِمَا قطع عَنْهُم من الْمعاصِي وَترك الْأَعْمَال السَّيئَة المستوجبة للنار، ولقلة مَا يُؤَاخذ الله الْعباد بأعمالهم السَّيئَة ليستنقذ مِنْهَا ببركة الشَّهْر، ويهب الْمُسِيء للمحسن، ويجاوز عَن السَّيِّئَات، وَهَذَا معنى الإغلاق، قَوْله: (وسلسلت الشَّيَاطِين) أَي: شدت بالسلاسل. قَالَ الْحَلِيمِيّ: يحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَن الشَّيَاطِين مسترقوا السّمع مِنْهُم أَن تسلسلهم يَقع فِي ليَالِي رَمَضَان دون أَيَّامه، لأَنهم كَانُوا منعُوا زمن نزُول الْقُرْآن من استراق السّمع، فزيد التسلسل مُبَالغَة فِي الْحِفْظ، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد: أَن الشَّيَاطِين لَا يخلصون من إِفْسَاد الْمُسلمين إِلَى مَا يخلصون إِلَيْهِ فِي غَيره لاشتغالهم بالصيام الَّذِي فِيهِ قمع الشَّيَاطِين، وبقراءة الْقُرْآن، وَالذكر. وَقيل: المُرَاد بالشياطين بَعضهم، وهم المردة مِنْهُم، وَترْجم لذَلِك ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) وَأورد مَا أخرجه هُوَ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم من طَرِيق الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِذا كَانَ أول لَيْلَة من شهر رَمَضَان صفدت الشَّيَاطِين مَرَدَة الْجِنّ) . وَأخرجه النَّسَائِيّ من طَرِيق أبي قلَابَة عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (وتغل فِيهِ مَرَدَة الشَّيَاطِين) ، وَيُقَال: تصفيد الشَّيَاطِين عبارَة عَن تعجيزهم عَن الإغواء وتزيين الشَّهَوَات، وصفدت، بِضَم الصَّاد الْمُهْملَة وبالفاء الْمُشَدّدَة الْمَكْسُورَة: أَي شدت بالأصفاد، وَهِي الأغلال، وَهُوَ بِمَعْنى: سلسلت. فَإِن قلت: قد تقع الشرور والمعاصي فِي رَمَضَان كثيرا، فَلَو سلسلت لم يَقع شَيْء من ذَلِك. قلت: هَذَا فِي حق الصائمين الَّذين حَافظُوا على شُرُوط الصَّوْم وراعوا آدابه، وَقيل: المسلسل بعض الشَّيَاطِين وهم المردة لَا كلهم، كَمَا تقدم فِي بعض الرِّوَايَات، وَالْمَقْصُود تقليل الشرور فِيهِ، وَهَذَا أَمر محسوس، فَإِن وُقُوع ذَلِك فِيهِ أقل من غَيره، وَقيل: لَا يلْزم من تسلسلهم وتصفيدهم كلهم أَن لَا تقع شرور وَلَا مَعْصِيّة، لِأَن لذَلِك أسبابا غير الشَّيَاطِين، كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة وَالشَّيَاطِين الأنسية.

٠٠٩١ - حدَّثنا يَحْيَء بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدَّثني اللَّيْثُ عنْ عُقَيْلٍ عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ أخبرَنِي سَالِمٌ أنَّ ابنَ عُمَرَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُولُ إذَا رأيْتُمُوهُ فَصُومُوا وإذَا رَأيْتُمُوهُ فأفْطِرُوا فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فاقْدُرُوا لَهُ.

قيل: هَذَا الحَدِيث غير مُطَابق للتَّرْجَمَة، وَأجَاب عَنهُ صَاحب (التَّلْوِيح) : بِأَن فِي بعض طرق حَدِيث ابْن عمر (أَن رَسُول الله ت ذكر رَمَضَان، فَقَالَ: لَا تَصُومُوا حَتَّى تروا الْهلَال) ، فَكَأَن البُخَارِيّ على عَادَته أحَال على هَذَا، فطابق بذلك مَا بوب لَهُ من ذكر رَمَضَان، وَصَاحب (التَّوْضِيح) تبعه على ذَلِك. وَقَالَ بَعضهم: وَإِنَّمَا أَرَادَ المُصَنّف بإيراده فِي هَذَا الْبَاب ثُبُوت ذكر رَمَضَان بِغَيْر شهر، وَلم يَقع ذَلِك فِي الرِّوَايَة الموصولة، وَإِنَّمَا وَقع فِي الرِّوَايَة الْمُعَلقَة. قلت: قد ذهل هَذَا الْقَائِل عَن حَدِيث قُتَيْبَة فِي أول الْبَاب، فَإِنَّهُ مَوْصُول وَلَيْسَ فِيهِ ذكر شهر، والْحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ عَن يحيى بن بكير فِيهِ ذكر الشَّهْر، والترجمة هَل يُقَال: رَمَضَان أَو شهر رَمَضَان؟ فَحَدِيث قُتَيْبَة يُطَابق قَوْله: هَل يُقَال رَمَضَان؟ وَحَدِيث يحيى يُطَابق قَوْله: أَو شهر رَمَضَان؟ فَضَاعَ الْوَجْه الَّذِي ذكره بَاطِلا. وَجَوَاب صَاحب التَّلْوِيح أَيْضا لَيْسَ بِشَيْء، وَالْوَجْه فِي هَذَا أَن يُقَال: الْأَحَادِيث الْمُعَلقَة والموصولة الْمَذْكُورَة فِي هَذَا الْبَاب تدل على أَن لشهر رَمَضَان أوصافا عَظِيمَة. مِنْهَا: أَن فِيهِ: غفران مَا تقدم من ذَنْب الصَّائِم فِيهِ إِيمَانًا واحتسابا، وَهُوَ الَّذِي علق مِنْهُ البُخَارِيّ قِطْعَة فِي أول الْبَاب. وَأَن فِيهِ: فتح أَبْوَاب الْجنان. وَأَن فِيهِ: غلق أَبْوَاب النَّار. وَأَن فِيهِ: تسلسل الشَّيَاطِين، وَقد ثَبت بالدلائل القطعية فَرضِيَّة هَذَا الصَّوْم الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الْأَوْصَاف، وَأورد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب ليعلم أَن هَذَا الصَّوْم يكون فِي أَيَّام محدودة، وَهِي: أَيَّام شهر رَمَضَان، وَأَن الْوُجُوب يتَعَلَّق بِرُؤْيَتِهِ، فَمن هَذِه الْحَيْثِيَّة يسْتَأْنس لوجه إِيرَاد هَذَا الحَدِيث فِيهِ، وَيَكْفِي فِي التطابق أدنى الْمُنَاسبَة فَافْهَم.

ثمَّ سَنَد هَذَا الحَدِيث هُوَ بِعَيْنِه سَنَد الحَدِيث الَّذِي قبله، غير أَنه فِي الأول: يروي ابْن شهَاب عَن ابْن أبي أنس، عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِي هَذَا الحَدِيث يروي: ابْن شهَاب عَن سَالم بن عبد الله بن عمر عَن أَبِيه عبد الله بن عمر عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم.

قَوْله: (إِذا رَأَيْتُمُوهُ) أَي: الْهلَال، لَا يُقَال: إِنَّه إِضْمَار قبل الذّكر لدلَالَة السِّيَاق عَلَيْهِ، كَقَوْلِه تَعَالَى: {ولأبويه بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس} (النِّسَاء: ١١) . أَي: لأبوي الْمَيِّت. قَوْله: (فَإِن غم عَلَيْكُم) أَي: فَإِن ستر الْهلَال عَلَيْكُم، وَمِنْه الْغم، لِأَنَّهُ يستر الْقلب، وَالرجل الأغم المستور الْجَبْهَة بالشعر، وَسمي السَّحَاب غيما لِأَنَّهُ يستر السَّمَاء، وَيُقَال: غم الْهلَال إِذا استتر وَلم ير لاستتاره بغيم وَنَحْوه، وغممت الشَّيْء أَي: غطيته. قَوْله: (فاقدروا لَهُ) ، بِضَم الدَّال وَكسرهَا، يُقَال: قدرت لأمر كَذَا إِذا نظرت فِيهِ ودبرته.

وَقَالَ فِي (شرح الْمُهَذّب) وَغَيره: أَي ضيقوا لَهُ وقدروه تَحت السَّحَاب، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَحْمد بن حَنْبَل وَغَيره مِمَّن يجوز صَوْم يَوْم الْغَيْم، عَن رَمَضَان، وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْهُم ابْن شُرَيْح ومطرف بن عبد الله وَابْن قُتَيْبَة مَعْنَاهُ: قدروه بِحِسَاب الْمنَازل، يَعْنِي منَازِل الْقَمَر.

وَقَالَ أَبُو عمر فِي (الاستذكار) : وَقد كَانَ بعض كبار التَّابِعين يذهب فِي هَذَا إِلَى اعْتِبَاره بالنجوم ومنازل الْقَمَر، وَطَرِيق الْحساب. وَقَالَ ابْن سِيرِين، رَحمَه الله تَعَالَى: وَكَانَ أفضل لَهُ لَو لم يفعل، وَحكى ابْن شُرَيْح عَن الشَّافِعِي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه قَالَ: من كَانَ مذْهبه الِاسْتِدْلَال بالنجوم ومنازل الْقَمَر، ثمَّ تبين لَهُ من جِهَة النُّجُوم أَن الْهلَال اللَّيْلَة وغم عَلَيْهِ، جَازَ لَهُ أَن يعْتَقد الصَّوْم ويبيته ويجزيه. وَقَالَ أَبُو عمر: وَالَّذِي عندنَا فِي كتبه أَنه: لَا يَصح اعْتِقَاد رَمَضَان إلَاّ بِرُؤْيَة فَاشِية أَو شَهَادَة عادلة، أَو إِكْمَال شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وعَلى هَذَا مَذْهَب جُمْهُور فُقَهَاء الْأَمْصَار بالحجاز وَالْعراق وَالشَّام وَالْمغْرب، مِنْهُم مَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَعَامة أهل الحَدِيث إلَاّ أَحْمد وَمن قَالَ بقوله، وَذكر فِي (الْقنية) للحنفية: لَا بَأْس بالإعتماد على قَول المنجمين، وَعَن ابْن مقَاتل: لَا بَأْس بالاعتماد على قَوْلهم وَالسُّؤَال عَنْهُم، إِذا اتّفق عَلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم، وَقَول من قَالَ: إِنَّه يرجع إِلَيْهِم عِنْد الِاشْتِبَاه بعيد، وَعند الشَّافِعِي: لَا يجوز تَقْلِيد المنجم فِي حسابه، وَهل يجوز للمنجم أَن يعْمل بِحِسَاب نَفسه؟ فِيهِ وَجْهَان، وَقَالَ الْمَازرِيّ: حمل جُمْهُور الْفُقَهَاء قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (فاقدروا لَهُ) ، على أَن المُرَاد إِكْمَال الْعدة ثَلَاثِينَ، كَمَا فسره فِي حَدِيث آخر، وَلَا يجوز أَن يكون المُرَاد حِسَاب

النُّجُوم، لِأَن النَّاس لَو كلفوا بِهِ ضَاقَ عَلَيْهِم لِأَنَّهُ لَا يعرفهُ إلَاّ الْأَفْرَاد، والشارع إِنَّمَا يَأْمر النَّاس بِمَا يعرفهُ جماهيرهم، قَالَ الْقشيرِي: وَإِذا دلّ الْحساب على أَن الْهلَال قد طلع من الْأُفق على وَجه يرى لَوْلَا وجود الْمَانِع كالغيم مثلا، فَهَذَا يَقْتَضِي الْوُجُوب لوُجُود السَّبَب الشَّرْعِيّ، وَلَيْسَ حَقِيقَة الرُّؤْيَة مَشْرُوطَة فِي اللُّزُوم، فَإِن الِاتِّفَاق على أَن الْمَحْبُوس فِي المطمورة إِذا علم بإكمال الْعدة أَو بِالِاجْتِهَادِ أَن الْيَوْم من رَمَضَان وَجب عَلَيْهِ الصَّوْم، وَإِذا لم ير الْهلَال وَلَا أخبرهُ من رَآهُ، وَفِي (الاشراف) : صَوْم يَوْم الثَّلَاثِينَ من شعْبَان إِذْ لم ير الْهلَال مَعَ الصحو إِجْمَاع من الْأمة أَنه لَا يجب، بل هُوَ مَنْهِيّ عَنْهُم.

وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَاخْتلفُوا فِي هَذَا التَّقْدِير، يَعْنِي فِي قَوْله: (فاقدروا لَهُ) ، فَقيل: مَعْنَاهُ قدرُوا عدد الشَّهْر الَّذِي كُنْتُم فِيهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، إِذْ الأَصْل بَقَاء الشَّهْر، وَهَذَا هُوَ المرضي عِنْد الْجُمْهُور. وَقيل: قدرُوا لَهُ منَازِل الْقَمَر وسيره، فَإِن ذَلِك يدل على أَن الشَّهْر تِسْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا أَو ثَلَاثُونَ، فَقَالُوا: هَذَا خطاب لمن خصّه الله بِهَذَا الْعلم، وَالْوَجْه هُوَ الأول.

وَقد اسْتُفِيدَ من هَذَا الحَدِيث: أَن وجوب الصَّوْم وَوُجُوب الْإِفْطَار عِنْد انْتِهَاء الصَّوْم متعلقان بِرُؤْيَة الْهلَال. وَقَالَ عبد الرَّزَّاق: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن أبي رواد عَن نَافِع عَن ابْن عمر: أَن الله تَعَالَى جعل الْأَهِلّة مَوَاقِيت للنَّاس فصوموا لرُؤْيَته، وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فعدوا ثَلَاثِينَ. وَقَالَ الشَّافِعِي: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد عَن ابْن شهَاب عَن سَالم عَن أَبِيه: (لَا تَصُومُوا حَتَّى تروا الْهلَال، وَلَا تفطروا حَتَّى تروه، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوه الْعدة ثَلَاثِينَ) . قَالَ ابْن عبد الْبر: كَذَا قَالَ، وَالْمَحْفُوظ فِي حَدِيث ابْن عمر: (فاقدروا لَهُ) ، وَقد ذكر عبد الرَّزَّاق عَن أَيُّوب (عَن نَافِع عَنهُ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لهِلَال رَمَضَان: إِذا رَأَيْتُمُوهُ فصوموا، ثمَّ إِذا رَأَيْتُمُوهُ فأفطروا، فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا) .

وَقَالَ أَبُو عمر: وروى ابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَحُذَيْفَة وَأَبُو بكر وطلق الْحَنَفِيّ وَغَيرهم عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ) . قلت: حَدِيث ابْن عَبَّاس أخرجه أَبُو دَاوُد عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تقدمُوا الشَّهْر بصيام يَوْم وَلَا يَوْمَيْنِ إلَاّ أَن يكون شَيْء يَصُومهُ أحدكُم، لَا تَصُومُوا حَتَّى تروه، ثمَّ صُومُوا حَتَّى تروه، فَإِن حَال دونه غمامة فَأتمُّوا الْعدة ثَلَاثِينَ، ثمَّ أفطروا، والشهر تسع وَعِشْرُونَ) . وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد التِّرْمِذِيّ، رَوَاهُ من حَدِيث أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تقدمُوا الشَّهْر بِيَوْم وَلَا بيومين إلَاّ أَن يُوَافق ذَلِك صوما كَانَ يَصُومهُ أحدكُم، صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فعدوا ثَلَاثِينَ ثمَّ أفطروا) . وَقَالَ: حَدِيث أبي هُرَيْرَة حَدِيث حسن صَحِيح، وَقد انْفَرد بِهِ التِّرْمِذِيّ من هَذَا الْوَجْه. وَحَدِيث حُذَيْفَة عِنْد أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ، أخرجه أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مَنْصُور عَن ربعي عَن حُذَيْفَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا تقدمُوا الشَّهْر حَتَّى تروا الْهلَال أَو تكملوا الْعدة، ثمَّ صُومُوا حَتَّى تروا الْهلَال أَو تكملوا الْعدة) . وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي (التَّحْقِيق) : أَن أَحْمد ضعف حَدِيث حُذَيْفَة، وَقَالَ: لَيْسَ ذكر حُذَيْفَة فِيهِ بِمَحْفُوظ، وَقد أنكر عَلَيْهِ ابْن عبد الْهَادِي فِي (التَّنْقِيح) وَقَالَ: إِنَّه وهم مِنْهُ فَإِن أَحْمد إِنَّمَا أَرَادَ أَن الصَّحِيح قَول من قَالَ: عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وجهالته غير قادحة فِي صِحَة الحَدِيث. وَحَدِيث أبي بكرَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَمن طَرِيقه الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظ: (صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته، فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ يَوْمًا) . وَحَدِيث طلق بن عَليّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) فَقَالَ: (عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه نهى أَن يَصُوم قبل رَمَضَان بِصَوْم يَوْم حَتَّى تروا الْهلَال، أَو نفي الْعدة، ثمَّ لَا تفطرون حَتَّى تروه، أَو نفي الْعدة) . وَفِي إِسْنَاده حبَان بن رفيدة، قَالَ ابْن حبَان: فِيهِ نظر، وَقَالَ الذَّهَبِيّ: لَا يعرف.

وَغَيرهم من الصَّحَابَة: الْبَراء بن عَازِب وَعَائِشَة وَعمر وَجَابِر وَرَافِع بن خديج وَابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَعلي بن أبي طَالب وَسمرَة بن جُنْدُب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. فَحَدِيث الْبَراء بن عَازِب عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) . وَحَدِيث عَائِشَة عِنْد أبي دَاوُد. وَحَدِيث عمر عِنْد الْبَيْهَقِيّ. وَحَدِيث جَابر عِنْد الْبَيْهَقِيّ أَيْضا. وَحَدِيث رَافع بن خديج عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ. وَحَدِيث ابْن مَسْعُود عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) . وَحَدِيث ابْن عمر عِنْد مُسلم. وَحَدِيث عَليّ بن أبي طَالب عِنْد أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ. وَحَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب عِنْد الطَّبَرَانِيّ.

ثمَّ الْحِكْمَة فِي النَّهْي عَن التَّقْدِيم يَصُوم يَوْم أَو يَوْمَيْنِ، هِيَ أَن لَا يخْتَلط صَوْم الْفَرْض بِصَوْم نفل قبله وَلَا بعده، تحذيرا

مِمَّا صنعت النَّصَارَى فِي الزِّيَادَة على مَا افْترض عَلَيْهِم برأيهم الْفَاسِد، وَقد صَحَّ عَن أَكثر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ كَرَاهَة صَوْم يَوْم الشَّك إِنَّه من رَمَضَان، مِنْهُم: عَليّ وَعمر وَابْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَابْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَأنس وَأَبُو وَائِل وَابْن الْمسيب وَعِكْرِمَة وَإِبْرَاهِيم وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَالْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَأَبُو عبيد وَأَبُو ثَوْر وَإِسْحَاق، وَجَاء مَا يدل على الْجَوَاز عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: لِأَن اتعجل فِي صَوْم رَمَضَان بِيَوْم أحب إِلَيّ من أَن أتأخر، لِأَنِّي إِذا تعجلت لم يفتني، وَإِذا تَأَخَّرت فَاتَنِي، وَمثله عَن عَمْرو بن الْعَاصِ وَعَن مُعَاوِيَة، لِأَن أَصوم يَوْمًا من شعْبَان أحب إِلَيّ من أَن أفطر يَوْمًا من رَمَضَان، وروى مثله عَن عَائِشَة، وَأَسْمَاء بِنْتي أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، فَإِن حَال دون منظره غيم وشبهة، فَكَذَلِك لَا يجب صَوْمه عِنْد الْكُوفِيّين وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري، وَرِوَايَة عَن أَحْمد، فَلَو صَامَهُ وَبَان أَنه من رَمَضَان يحرم عندنَا، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ ابْن عمر وَأحمد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَطَائِفَة قَليلَة: يجب صَوْمه فِي الْغَيْم دون الصحو. وَقَالَ قوم: النَّاس تبع للْإِمَام إِن صَامَ صَامُوا وَإِن أفطر أفطروا، وَهُوَ قَول الْحسن وَابْن سِيرِين وسوار الْعَنْبَري وَالشعْبِيّ فِي رِوَايَة، وَأحمد فِي رِوَايَة.

وَقَالَ مطرف بن عبد الله بن الشخير وَابْن شُرَيْح عَن الشَّافِعِي وَابْن قُتَيْبَة والداودي، وَآخَرُونَ: يَنْبَغِي أَن يصبح يَوْم الشَّك مُفطرا متلوما غير آكل وَلَا عازم على الصَّوْم، حَتَّى إِذا تبين أَنه من رَمَضَان قبل الزَّوَال نوى، وَإِلَّا أفطر فِيمَا ذكره الطَّحَاوِيّ، وَيَوْم الشَّك هُوَ أَن يشْهد عِنْد القَاضِي من لَا تقبل شَهَادَته أَنه رَآهُ أَو أخبرهُ من يَثِق بِهِ من عبد أَو امْرَأَة، فَلَو صَامَهُ وَنوى التَّطَوُّع بِهِ فَهُوَ غير مَكْرُوه عِنْد الْحَنَفِيَّة، وَبِه قَالَ مَالك، وَفِي (شرح الْهِدَايَة) : وَالْأَفْضَل فِي حق الْخَواص صَوْمه بنية التَّطَوُّع بِنَفسِهِ وخاصته، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن أبي يُوسُف، وَفرض الْعَوام التَّلَوُّم إِلَى أَن يقرب الزَّوَال. وَفِي (الْمُحِيط) إِلَى الزَّوَال، فَإِن ظهر أَنه من رَمَضَان نوى الصَّوْم وإلَاّ أفطر، وَإِن صَامَ قبل رَمَضَان ثَلَاثَة أَيَّام أَو شعْبَان كُله أَو وَافق يَوْم الشَّك يَوْمًا كَانَ يَصُومهُ فَالْأَفْضَل صَوْمه بنية النَّفْل. .

وَفِي (الْمَبْسُوط) الصَّوْم أفضل، قَالَ: وَتَأْويل النَّهْي أَن يَنْوِي الْفَرْض فِيهِ، وَفِي (الْمُحِيط) : إِن وَافق يَوْمًا كَانَ يَصُومهُ فالصوم أفضل وإلَاّ فالفطر أفضل، وَالصَّوْم قبله بِيَوْم أَو يَوْمَيْنِ مَكْرُوه، أَي صَوْم كَانَ، وَلَا يكره بِثَلَاثَة، وَهُوَ قَول أَحْمد.

وَقَالَ الشَّافِعِي: يكره التَّطَوُّع إِذا انتصف شعْبَان، لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا انتصف شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا نعلم أحدا روى هَذَا الحَدِيث غير الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن، وروى عَن أَحْمد أَنه قَالَ: هُوَ لَيْسَ بِمَحْفُوظ، قَالَ: وَسَأَلنَا عبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي عَنهُ فَلم يُصَحِّحهُ، وَلم يخدش بِهِ، وَكَانَ يتوقاه، قَالَ أَحْمد والْعَلَاء: لَا يُنكر من حَدِيثه إلَاّ هَذَا، وَفِي رِوَايَة الْمروزِي: سَأَلنَا أَحْمد عَنهُ فَأنكرهُ، وَقَالَ أَبُو عبد الله: هَذَا خلاف الْأَحَادِيث الَّتِي رويت عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وعَلى تَقْدِير صِحَة قَول التِّرْمِذِيّ يُعَارضهُ حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، (أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ لرجل: هَل صمت من سرر شعْبَان؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِذا أفطرت فَصم يَوْمَيْنِ) . وسرر الشَّهْر آخِره، سمي بذلك لاستتار الْقَمَر فِيهِ. وروى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث مُعَاوِيَة: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (صُومُوا الشَّهْر وسره وَأَنا مُتَقَدم بالصيام، فَمن أحب فليفعله) . وَعَن أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يكن يَصُوم من السّنة شهرا كَامِلا إلَاّ شعْبَان يصله برمضان، قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث حسن، وَعند الْحَاكِم، على شَرطهمَا: عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: كَانَ أحب الشُّهُور إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يَصُوم شعْبَان ثمَّ يصله برمضان، وَفِي (مُعْجم الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ) فِي حرف الْعين الْمُهْملَة، بِسَنَد فِيهِ ابْن صَالح كَاتب اللَّيْث بن سعد: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد، حَدثنَا ابْن شهَاب عَن سَالم، قَالَ: كَانَ عبد الله بن عمر يَصُوم قبل هِلَال رَمَضَان بِيَوْم.

وَقَالَ غيرُهُ عنِ اللَّيْثِ قَالَ حدَّثني عُقَيْل ويُونسُ لِهِلَالِ رَمَضَانَ

أَي: قَالَ غير يحيى بن بكير، وَأَرَادَ بِهَذَا الْغَيْر: أَبُو صَالح عبد الله بن صَالح كَاتب اللَّيْث، حَدثنِي عقيل، بِضَم الْعين: ابْن خَالِد الْأَيْلِي كَذَلِك أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيقه، قَالَ: حَدثنِي اللَّيْث حَدثنِي عقيل عَن ابْن شهَاب، وَذكره بِلَفْظ: سَمِعت النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول لهِلَال رَمَضَان: (إِذا رَأَيْتُمُوهُ فصوموا) الحَدِيث. قَوْله: (وَيُونُس) أَي: يُونُس بن يزِيد الْأَيْلِي. وَفِي (التَّلْوِيح) حَدِيث يُونُس رَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه) قلت: حَدِيثه رَوَاهُ مُسلم عَن حَرْمَلَة، وَلَكِن لَيْسَ فِي رِوَايَته: لهِلَال، فَقَالَ: حَدثنِي حَرْمَلَة

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.3 / 29.5
الإضاءة 86%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
لا إله إلا الله