«أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٥٩

الحديث رقم ١٩٥٩ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩٥٩ في صحيح البخاري

«أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ». قِيلَ لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: بُدٌّ مِنْ قَضَاءٍ وَقَالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْتُ هِشَامًا: لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا.

بَابُ صَوْمِ الصِّبْيَانِ وَقَالَ عُمَرُ لِنَشْوَانٍ فِي رَمَضَانَ: وَيْلَكَ وَصِبْيَانُنَا صِيَامٌ فَضَرَبَهُ

إسناد حديث البخاري رقم ١٩٥٩

١٩٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩٥٩: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ فَصَامَ حَتَّى أَمْسَى قَالَ لِرَجُلٍ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، قَالَ: لَوْ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسِيَ، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، إِذَا رَأَيْتَ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَحَادِيثُ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ صِحَاحٌ مُتَوَاتِرَةٌ. وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ أَسْرَعَ النَّاسِ إِفْطَارًا، وَأَبْطَأَهُمْ سُحُورًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا وَظُهُورُ الدِّينِ مُسْتَلْزِمٌ لِدَوَامِ الْخَيْرِ.

قَوْلُهُ: (مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي حَدِيثِهِ: وَأَخَّرُوا السُّحُورَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمَا ظَرْفِيَّةٌ، أَيْ: مُدَّةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ امْتِثَالًا لِلسُّنَّةِ وَاقِفِينَ عِنْدَ حَدِّهَا غَيْرَ مُتَنَطِّعِينَ بِعُقُولِهِمْ مَا يُغَيِّرُ قَوَاعِدَهَا، زَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِهِ: لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَتَأْخِيرُ أَهْلِ الْكِتَابِ لَهُ أَمَدٌ، وَهُوَ ظُهُورُ النَّجْمِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلٍ أَيْضًا بِلَفْظِ: لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي مَا لَمْ تَنْتَظِرْ بِفِطْرِهَا النُّجُومَ وَفِيهِ بَيَانُ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُزَادَ فِي النَّهَارِ مِنَ اللَّيْلِ، وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالصَّائِمِ وَأَقْوَى لَهُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ، وَكَذَا عَدْلٌ وَاحِدٌ فِي الْأَرْجَحِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي تَأْخِيرِهِمُ الْفِطْرَ إِلَى ظُهُورِ النُّجُومِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي وُجُودِ الْخَيْرِ بِتَعْجِيلِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ يَدْخُلُ فِي فِعْلِ خِلَافِ السُّنَّةِ اهـ.

وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الشِّيعَةَ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ عِنْدَ تَحْدِيثِهِ بِذَلِكَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ إِلَّا لِمَنْ تَعَمَّدَهُ، وَرَأَى الْفَضْلَ فِيهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ التَّأْخِيرَ لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ كَذَلِكَ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُسْتَحَبًّا أَنْ يَكُونَ نَقِيضُهُ مَكْرُوهًا مُطْلَقًا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ سِتَّةِ شَوَّالٍ؛ لِئَلَّا يَظُنَّ الْجَاهِلُ أَنَّهَا مُلْتَحِقَةٌ بِرَمَضَانَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَا يَخْفَى الْفَرْقُ.

(تَنْبِيهٌ): مِنَ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ مَا أُحْدِثَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ إِيقَاعِ الْأَذَانِ الثَّانِي قَبْلَ الْفَجْرِ بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ فِي رَمَضَانَ، وَإِطْفَاءِ الْمَصَابِيحِ الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الصِّيَامَ زَعْمًا مِمَّنْ أَحْدَثَهُ أَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ إِلَّا آحَادُ النَّاسِ، وَقَدْ جَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارُوا لَا يُؤَذِّنُونَ إِلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ بِدَرَجَةٍ لِتَمْكِينِ الْوَقْتِ زَعَمُوا، فَأَخَّرُوا الْفِطْرَ، وَعَجَّلُوا السُّحُورَ، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ، فَلِذَلِكَ قَلَّ عَنْهُمُ الْخَيْرُ وَكَثُرَ فِيهِمُ الشَّرُّ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَرِيبًا.

٤٦ - بَاب إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ

١٩٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَتْ: أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، قِيلَ لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْتُ هِشَامًا يقول: لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ) أَيْ: ظَانًّا غُرُوبَ الشَّمْسِ (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) أَيْ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

هَهُنَا) أي: من جهة المشرق (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) خبرٌ بمعنى: الأمر، أو أفطر حكمًا وإن لم يفطر حسًّا، فيدلُّ على أنَّه يستحيل الصَّوم باللَّيل شرعًا، قال ابن بزيزة: وقع ببغداد أنَّ رجلًا حلف لا يفطر على حارٍّ ولا باردٍ، فأفتى الفقهاء بحنثه؛ إذ لا شيء ممَّا (١) يُؤكَل أو يُشرَب إلَّا وهو حارٌّ أو باردٌ، وأفتى الشِّيرازيُّ بعدم حنثه فإنَّه جعله مفطرًا بدخول اللَّيل، وليس بحارٍّ ولا باردٍ، وهذا تعلُّقٌ باللَّفظ، والأيمان إنَّما تُبنَى على المقاصد، ومقصود الحالف المطعومات.

(٤٦) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَفْطَرَ) الصَّائم (فِي رَمَضَانَ) ظانًّا غروب الشَّمس (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) أي: ظهرت؛ هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟

١٩٥٩ - وبالسند قال: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (٣) (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ) زوجته وابنة عمِّه (فَاطِمَةَ) بنت المنذر (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) ولابن عساكر زيادة: «الصِّدِّيق» () أنَّها (قَالَتْ: أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) ولأبي الوقت: «على عهد رسول الله» () أي: على زمنه وأيَّام حياته (يَوْمَ غَيْمٍ) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، ولأبي داود وابن خزيمة: في يوم غيمٍ (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، قِيلَ لِهِشَامٍ) هو ابن عروة المذكور، والقائل له: هو أبو أسامة كما عند أبي داود وابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» وأحمد في «مُسنَده»: (فَأُمِرُوا) من جهة الشَّارع (بِالقَضَاءِ، قَالَ: بُدٌّ

مِنْ قَضَاءٍ؟) أي: هل بدٌّ من قضاءٍ؟ فحرف الاستفهام مُقدَّرٌ، ولأبي ذرٍّ: «لابدَّ من قضاء»، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنفيَّة والمالكيّة والحنابلة، وعليه أن يمسك بقيَّة يومه لحقِّ (١) الوقت، ولا كفَّارة عليه، وحكى في «الرِّعاية» من كتب الحنابلة: أنَّه لا قضاء على من جامع يعتقده ليلًا، فبان نهارًا، لكنَّ الصَّحيح (٢) من مذهبهم -وجزم به الأكثر- أنَّه يجب القضاء والكفَّارة.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بسكون العين المهملة وفتح الميمين، ابن راشدٍ، ممَّا وصله عبد بن حُمَيدٍ: (سَمِعْتُ هِشَامًا) أي: ابن عروة يقول: (لَا أَدْرِي، أَقْضَوْا) ذلك اليوم (أَمْ لَا؟) وقد رُوِي عن مجاهدٍ وعطاءٍ وعروة بن الزُّبير عدم القضاء، وجعلوه بمنزلة من أكل ناسيًا، وعن عمر: يقضي، وفي آخر: لا، رواهما البيهقيُّ وضعفت الثَّانية النَافية، وفي هذا الحديث -كما قاله (٣) ابن المُنيِّر-: أنَّ المُكلَّفين إنَّما خُوطِبوا بالظَّاهر، فإذا اجتهدوا فأخطؤوا؛ فلا حرج عليهم في ذلك.

وقد أخرجه أبو داود وابن ماجه في «الصَّوم».

(٤٧) (بابُ) حكم (صَوْمِ الصِّبْيَانِ) هل يُشرَع أم لا؟ والمراد: الجنس الصَّادق بالذُّكور والإناث، ومذهب الشَافعيَّة: أنَّهم يُؤمَرون به لسبعٍ إذا أطاقوا، ويُضرَبون على تركه لعشرٍ قياسًا على الصَّلاة، ويجب على الوليِّ أن يأمرهم به ويضربهم على تركه، لكن نظر بعضهم في القياس بأنَّ الضَّرب عقوبةٌ، فيقتصر فيها على محلِّ ورودها، وهو مشهور مذهب المالكيَّة، فيفرِّقون بين الصَّلاة والصِّيام، فيدرَّبُون (٤) على الصَّلاة ولا يُكلَّفون الصِّيام، وهو مذهب «المُدوَّنة»، وعن أحمد في روايةٍ: أنَّه يجب على من بلغ عشر سنين وأطاقه، والصَّحيح من مذهبه: عدم وجوبه عليه وعليه جماهير أصحابه، لكن يُؤمَر به إذا أطاقه ويُضَرب عليه ليعتاده، قالوا: وحيث قلنا: بوجوب الصَّوم على الصَّبيِّ فإنه يعصي بالفطر، ويلزمه الإمساك والقضاء كالبالغ.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ فَصَامَ حَتَّى أَمْسَى قَالَ لِرَجُلٍ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، قَالَ: لَوْ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسِيَ، قَالَ: انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، إِذَا رَأَيْتَ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَحَادِيثُ تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ صِحَاحٌ مُتَوَاتِرَةٌ. وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَغَيْرِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ أَسْرَعَ النَّاسِ إِفْطَارًا، وَأَبْطَأَهُمْ سُحُورًا.

قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ.

قَوْلُهُ: (لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ) فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا وَظُهُورُ الدِّينِ مُسْتَلْزِمٌ لِدَوَامِ الْخَيْرِ.

قَوْلُهُ: (مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ فِي حَدِيثِهِ: وَأَخَّرُوا السُّحُورَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمَا ظَرْفِيَّةٌ، أَيْ: مُدَّةَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ امْتِثَالًا لِلسُّنَّةِ وَاقِفِينَ عِنْدَ حَدِّهَا غَيْرَ مُتَنَطِّعِينَ بِعُقُولِهِمْ مَا يُغَيِّرُ قَوَاعِدَهَا، زَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِهِ: لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَتَأْخِيرُ أَهْلِ الْكِتَابِ لَهُ أَمَدٌ، وَهُوَ ظُهُورُ النَّجْمِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلٍ أَيْضًا بِلَفْظِ: لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي مَا لَمْ تَنْتَظِرْ بِفِطْرِهَا النُّجُومَ وَفِيهِ بَيَانُ الْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُزَادَ فِي النَّهَارِ مِنَ اللَّيْلِ، وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالصَّائِمِ وَأَقْوَى لَهُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ، وَكَذَا عَدْلٌ وَاحِدٌ فِي الْأَرْجَحِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي تَأْخِيرِهِمُ الْفِطْرَ إِلَى ظُهُورِ النُّجُومِ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي وُجُودِ الْخَيْرِ بِتَعْجِيلِ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ يَدْخُلُ فِي فِعْلِ خِلَافِ السُّنَّةِ اهـ.

وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الزِّيَادَةِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّ الشِّيعَةَ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ عِنْدَ تَحْدِيثِهِ بِذَلِكَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مُسْتَحَبٌّ، وَلَا يُكْرَهُ تَأْخِيرُهُ إِلَّا لِمَنْ تَعَمَّدَهُ، وَرَأَى الْفَضْلَ فِيهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ التَّأْخِيرَ لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ كَذَلِكَ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُسْتَحَبًّا أَنْ يَكُونَ نَقِيضُهُ مَكْرُوهًا مُطْلَقًا، وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ سِتَّةِ شَوَّالٍ؛ لِئَلَّا يَظُنَّ الْجَاهِلُ أَنَّهَا مُلْتَحِقَةٌ بِرَمَضَانَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَا يَخْفَى الْفَرْقُ.

(تَنْبِيهٌ): مِنَ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ مَا أُحْدِثَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ إِيقَاعِ الْأَذَانِ الثَّانِي قَبْلَ الْفَجْرِ بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ فِي رَمَضَانَ، وَإِطْفَاءِ الْمَصَابِيحِ الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الصِّيَامَ زَعْمًا مِمَّنْ أَحْدَثَهُ أَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ إِلَّا آحَادُ النَّاسِ، وَقَدْ جَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارُوا لَا يُؤَذِّنُونَ إِلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ بِدَرَجَةٍ لِتَمْكِينِ الْوَقْتِ زَعَمُوا، فَأَخَّرُوا الْفِطْرَ، وَعَجَّلُوا السُّحُورَ، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ، فَلِذَلِكَ قَلَّ عَنْهُمُ الْخَيْرُ وَكَثُرَ فِيهِمُ الشَّرُّ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ) هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَرِيبًا.

٤٦ - بَاب إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ

١٩٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَتْ: أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ يَوْمَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، قِيلَ لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْتُ هِشَامًا يقول: لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا.

قَوْلُهُ: (بَابٌ: إِذَا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ) أَيْ: ظَانًّا غُرُوبَ الشَّمْسِ (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) أَيْ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

هَهُنَا) أي: من جهة المشرق (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) خبرٌ بمعنى: الأمر، أو أفطر حكمًا وإن لم يفطر حسًّا، فيدلُّ على أنَّه يستحيل الصَّوم باللَّيل شرعًا، قال ابن بزيزة: وقع ببغداد أنَّ رجلًا حلف لا يفطر على حارٍّ ولا باردٍ، فأفتى الفقهاء بحنثه؛ إذ لا شيء ممَّا (١) يُؤكَل أو يُشرَب إلَّا وهو حارٌّ أو باردٌ، وأفتى الشِّيرازيُّ بعدم حنثه فإنَّه جعله مفطرًا بدخول اللَّيل، وليس بحارٍّ ولا باردٍ، وهذا تعلُّقٌ باللَّفظ، والأيمان إنَّما تُبنَى على المقاصد، ومقصود الحالف المطعومات.

(٤٦) هذا (٢) (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا أَفْطَرَ) الصَّائم (فِي رَمَضَانَ) ظانًّا غروب الشَّمس (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ) أي: ظهرت؛ هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا؟

١٩٥٩ - وبالسند قال: (حَدَّثَنِي) بالتَّوحيد (٣) (عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ) زوجته وابنة عمِّه (فَاطِمَةَ) بنت المنذر (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) ولابن عساكر زيادة: «الصِّدِّيق» () أنَّها (قَالَتْ: أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) ولأبي الوقت: «على عهد رسول الله» () أي: على زمنه وأيَّام حياته (يَوْمَ غَيْمٍ) بنصب «يومَ» على الظَّرفيَّة، ولأبي داود وابن خزيمة: في يوم غيمٍ (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، قِيلَ لِهِشَامٍ) هو ابن عروة المذكور، والقائل له: هو أبو أسامة كما عند أبي داود وابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» وأحمد في «مُسنَده»: (فَأُمِرُوا) من جهة الشَّارع (بِالقَضَاءِ، قَالَ: بُدٌّ

مِنْ قَضَاءٍ؟) أي: هل بدٌّ من قضاءٍ؟ فحرف الاستفهام مُقدَّرٌ، ولأبي ذرٍّ: «لابدَّ من قضاء»، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنفيَّة والمالكيّة والحنابلة، وعليه أن يمسك بقيَّة يومه لحقِّ (١) الوقت، ولا كفَّارة عليه، وحكى في «الرِّعاية» من كتب الحنابلة: أنَّه لا قضاء على من جامع يعتقده ليلًا، فبان نهارًا، لكنَّ الصَّحيح (٢) من مذهبهم -وجزم به الأكثر- أنَّه يجب القضاء والكفَّارة.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بسكون العين المهملة وفتح الميمين، ابن راشدٍ، ممَّا وصله عبد بن حُمَيدٍ: (سَمِعْتُ هِشَامًا) أي: ابن عروة يقول: (لَا أَدْرِي، أَقْضَوْا) ذلك اليوم (أَمْ لَا؟) وقد رُوِي عن مجاهدٍ وعطاءٍ وعروة بن الزُّبير عدم القضاء، وجعلوه بمنزلة من أكل ناسيًا، وعن عمر: يقضي، وفي آخر: لا، رواهما البيهقيُّ وضعفت الثَّانية النَافية، وفي هذا الحديث -كما قاله (٣) ابن المُنيِّر-: أنَّ المُكلَّفين إنَّما خُوطِبوا بالظَّاهر، فإذا اجتهدوا فأخطؤوا؛ فلا حرج عليهم في ذلك.

وقد أخرجه أبو داود وابن ماجه في «الصَّوم».

(٤٧) (بابُ) حكم (صَوْمِ الصِّبْيَانِ) هل يُشرَع أم لا؟ والمراد: الجنس الصَّادق بالذُّكور والإناث، ومذهب الشَافعيَّة: أنَّهم يُؤمَرون به لسبعٍ إذا أطاقوا، ويُضرَبون على تركه لعشرٍ قياسًا على الصَّلاة، ويجب على الوليِّ أن يأمرهم به ويضربهم على تركه، لكن نظر بعضهم في القياس بأنَّ الضَّرب عقوبةٌ، فيقتصر فيها على محلِّ ورودها، وهو مشهور مذهب المالكيَّة، فيفرِّقون بين الصَّلاة والصِّيام، فيدرَّبُون (٤) على الصَّلاة ولا يُكلَّفون الصِّيام، وهو مذهب «المُدوَّنة»، وعن أحمد في روايةٍ: أنَّه يجب على من بلغ عشر سنين وأطاقه، والصَّحيح من مذهبه: عدم وجوبه عليه وعليه جماهير أصحابه، لكن يُؤمَر به إذا أطاقه ويُضَرب عليه ليعتاده، قالوا: وحيث قلنا: بوجوب الصَّوم على الصَّبيِّ فإنه يعصي بالفطر، ويلزمه الإمساك والقضاء كالبالغ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
الله أكبر