«لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٧٠

الحديث رقم ١٩٧٠ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب صوم شعبان.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرا أكثر من شعبان…

«لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ

⦗٣٩⦘

كُلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّتْ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا.»

سند حديث: ١٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ…

١٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ : أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرا أكثر من شعبان…

عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من شهر أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله. وفي رواية: كان يصوم شعبان إلا قليلاً. الثاني تفسير للأول وبيان أن قولها: كله، أي: غالبه، وقيل: كان يصومه كله في وقت، ويصوم بعضه في سنة أخرى، وقيل: كان يصوم تارة من أوله، وتارة من آخره، وتارة بينهما، وما يخلي منه شيئاً بلا صيام لكن في سنين، فلهذا ينبغي للإنسان أن يكثر من الصيام في شهر شعبان أكثر من غيره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومه، والحكمة من ذلك أنه يكون بين يدي رمضان كالرواتب بين يدي الفريضة، وقيل: في تخصيص شعبان بكثرة الصوم لكونه ترفع فيه أعمال العباد، كما دلت عليه السنة.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • فضل صيام شعبان.
  • الحكمة في تفضيله أنه بمثابة الاستعداد لرمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله -تعالى-.
  • أنه لا يشرع صومه كله، وإنما الثابت عنه -عليه الصلاة والسلام- صوم أكثره كما هو مقتضى الروايات، وبه تفتي اللجنة الدائمة.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرا أكثر من شعبان…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يُرفَع عملي وأنا صائمٌ»، فبيَّن وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشُّهور بقوله: «إنَّه شهرٌ يغفل النَّاس عنه بين رجبٍ ورمضان»، يشير إلى أنَّه لمَّا اكتنفه شهران عظيمان: الشَّهر الحرام وشهر الصِّيام (١) اشتغل النَّاس بهما فصار مغفولًا عنه، وكثيرٌ من النَّاس يظنُّ أنَّ صيام رجبٍ أفضل من صيامه لأنَّه شهرٌ حرامٌ، وليس كذلك، وقيل -في تخصيصه شعبان- غير ذلك.

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصِّيام».

١٩٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيٍر (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ) واستُشكِل هذا مع قوله في الرِّواية الأولى [خ¦١٩٦٩] «وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» وأُجيب بأنَّ الرِّواية الأولى مفسِّرةٌ لهذه ومبيِّنةٌ بأنَّ المرادَ بـ «كلَّه» غالبُه، وقيل: كان يصومه كلَّه في وقتٍ، وبعضه في آخر، وقيل: كان يصوم تارةً من أوَّله، وتارةً من وسطه، وتارةً من آخره، ولا يترك منه شيئًا بلا صيامٍ، لكن في أكثر من سنةٍ؛ كذا قاله غير واحدٍ كالزَّركشيِّ، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ الثَّلاثة كلَّها ضعيفةٌ، فأمَّا الأوَّل فلأنَّ إطلاق الكلِّ على الأكثر مع الإتيان به توكيدًا (٢) غير معهود. انتهى. وقد نقل التِّرمذيُّ عن ابن المبارك أنَّه (٣) قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشَّهر أن يقول (٤): صام الشَّهر كله، ويُقال: قام فلانٌ ليلَه (٥) أجمع، ولعلَّه

قد تعشَّى واشتغل ببعض أمره، قال التِّرمذيُّ: كأنَّ ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، فالمراد بالكلِّ الأكثرُ، وهو مجازٌ قليل الاستعمال، واستبعده أيضًا فقال: كلُّ تأكيدٍ (١) لإرادة الشُّمول ودفع (٢) التَّجوُّز من احتمال البعض فتفسيره بالبعض منافٍ له. انتهى. وقد تعقَّبه أيضًا (٣) الحافظ زين الدِّين العراقيُّ: بأنَّ في حديث أمِّ سلمة عند التِّرمذيِّ قالت: «ما رأيت رسول الله يصوم شهرين متتابعين إلَّا شعبان ورمضان» فعطف «رمضان» عليه يبعد أن يكون المراد بشعبان أكثره؛ إذ لا جائز أن يكون المراد برمضان بعضه، والعطف يقتضي المشاركة فيما عُطِف عليه، وإن مشى ذلك فإنَّما يمشي على رأي من يقول: إنَّ اللَّفظ الواحد يُحمَل على حقيقته ومجازه، وفيه خلافٌ لأهل الأصول (٤). قال في «عمدة القاري»: ولا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضًا لأنَّ من قال ذلك قاله في اللَّفظ الواحد، وهنا لفظان: شعبان ورمضان. انتهى. فليُنظَر هذا مع قول ابن المبارك: إنَّه جائزٌ في كلام العرب، قال في «المصابيح»: وأمَّا الثَّاني فلأنَّ قولها: «كان يصوم شعبان كلَّه» يقتضي تكرار الفعل، وأنَّ ذلك عادةٌ له على ما هو المعروف في مثل هذه العبارة. انتهى. واختُلِف في دلالة «كان» على التَّكرار، وصحَّح ابن الحاجب: أنَّها تقتضيه، قال: وهذا استفدناه من قولهم: كان حاتمٌ يقري الضَّيف، وصحَّح الإمام فخر الدِّين في «المحصول»: أنَّها لا تقتضيه لا لغةً ولا عرفًا، وقال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: إنَّه المختار الذي عليه الأكثرون والمحقِّقون من الأصوليِّين، وذكر ابن دقيق العيد: أنَّها تقتضيه عرفًا. انتهى. قال في «المصابيح»: وأمَّا الثَّالث فلأنَّ أسماء الشُّهور إذا ذُكِرت غير مضافٍ إليها لفظ «شهرٍ» كان العمل عامًّا لجميعها، لا تقول: سرت المُحرَّم وقد سرت بعضًا منه، ولا تقول: صمت رمضان وإنَّما صمت بعضه، فإن أضفت الشَّهر إليه لم يلزم (٥) التَّعميم، هذا مذهب سيبويه وتبعه عليه غير واحدٍ، قال الصَّفَّار: ولم يخالف في ذلك إلَّا الزَّجَّاج، ويمكن أن يُقال: إنَّ قولها: «وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» لا ينفي صيامه لجميعه، فإنَّ

المرادَ أكثريَّةُ صيامه فيه على صيامه في غيره من الشُّهور التي لم يُفرَض فيها الصَّوم، وذلك صادقٌ بصومه (١) لكلِّه (٢) لأنَّه إذا صامه جميعه صدق أنَّ الصَّوم الذي أوقعه فيه أكثر من الصَّوم الذي أوقعه في غيره؛ ضرورة أنَّه لم يَصُمْ غيره مما عدا رمضان كاملًا، وأمَّا قولها: «لم يستكمل صيام شهرٍ إلَّا رمضان» فيحمل على الحذف، أي: إلَّا رمضان وشعبان، بدليل قولها في الطَّريق الأخرى: «فإنَّه كان يصوم شعبان كلَّه»، وحذفُ المعطوف والعاطف جميعًا ليس بعزيزٍ في كلامهم، ففي التَّنزيل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] أي: ومن أنفق من بعده، وفيه: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، قال: ويمكن الجمع بطريقٍ أخرى؛ وهي أن يكون قولها: «وكان يصوم شعبان كلَّه» محمولًا على حذف أداة الاستثناء والمستثنى، أي: إلَّا قليلًا منه، ويدلُّ عليه حديث عبد الرَّزَّاق بلفظ: «ما رأيت رسول الله أكثر صيامًا منه في شعبان، فإنَّه كان يصومه كلَّه إلَّا قليلًا»، فإن قلت: قد ورد في حديث مسلمٍ: «أنَّ أفضل الصِّيام بعد رمضان المُحرَّم»، فكيف أكثر منه في شعبان دون المُحرَّم؟ أُجيب باحتمال أنَّه لم يعلم فضل المُحرَّم إلَّا في آخر حياته قبل التَّمكُّن من صومه، أو لعلَّه كان يعرض له فيه أعذارٌ تمنع من إكثار الصَّوم فيه.

(وَكَانَ) (يَقُولُ: خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ) المداومةَ عليه بلا ضررٍ (فَإِنَّ اللهَ) ﷿ (لَا يَمَلُّ) بفتح الياء التَّحتيَّة والميم، قال النَّوويُّ: الملل: السَّآمة، وهو بالمعنى المتعارف في حقِّنا محالٌ في حقِّ الله تعالى فيجب تأويله، فقال المحقِّقون: أي: لا يعاملكم معاملة الملل فيقطع عنكم ثوابه وفضله ورحمته (حَتَّى تَمَلُّوا) بفتح الأوَّل والثَّاني، أي: تقطعوا أعمالكم، وقال الكِرمانيُّ: هو إطلاقٌ مجازيٌّ عن ترك الجزاء، وقال بعضهم: معناه: لا تتكلَّفوا حتَّى تملُّوا، فإنَّ الله مُنزَّهٌ عن الملالة، ولكنَّكم تَمَلُّون قبول فيض الرَّحمة (وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ ) ولابن عساكر: «وأحبُّ الصَّلاة إلى الله» (مَا دُووِمَ عَلَيْهِ) بضمِّ الدَّال وسكون الواو الأولى وكسر الثَّانية مبنيًّا للمفعول من المداومة من «باب المفاعلة»، وفي نسخةٍ: «ما دِيم» مبنيًّا للمفعول أيضًا من «دام»، والأوَّل من «داوم» (وَإِنْ قَلَّتْ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا) وفي الإدامة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

التَّطَوُّع، فَإِن أقسم عَلَيْهِ أهل الْوَلِيمَة فَأفْطر فَلَا بَأْس بِهِ، وَإِن كَانَ يتَأَذَّى يفْطر وَيَقْضِي، وَبعد الزَّوَال لَا يفْطر إلَاّ إِذا كَانَ فِي تَركه عقوق بالوالدين أَو بِأَحَدِهِمَا.

وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة المواخاة فِي الله. وَفِيه: زِيَارَة الإخوان وَالْمَبِيت عِنْدهم. وَفِيه: جَوَاز مُخَاطبَة الْأَجْنَبِيَّة للْحَاجة. وَفِيه: السُّؤَال عَمَّا تترتب عَلَيْهِ الْمصلحَة وَإِن كَانَ فِي الظَّاهِر لَا يتَعَلَّق بالسائل. وَفِيه: النصح للْمُسلمِ وتنبيه من كَانَ غافلاً. وَفِيه: فضل قيام آخر اللَّيْل. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة تَزْيِين الْمَرْأَة لزَوجهَا. وَفِيه: ثُبُوت حق الْمَرْأَة على الزَّوْج فِي حسن الْعشْرَة، وَقد يُؤْخَذ مِنْهُ ثُبُوت حَقّهَا فِي الْوَطْء. لقَوْله: (ولأهلك عَلَيْك حَقًا) ، وَفِيه: جَوَاز النَّهْي عَن المستحبات إِذا خشِي إِن ذَلِك يُفْضِي إِلَى السَّآمَة والملل وتفويت الْحُقُوق الْمَطْلُوبَة الْوَاجِبَة أَو المندوبة الرَّاجِح فعلهَا على فعل الْمُسْتَحبّ. وَفِيه: أَن الْوَعيد الْوَارِد على من نهى مُصَليا عَن الصَّلَاة مَخْصُوص بِمن نَهَاهُ ظلما وعدوانا. وَفِيه: كَرَاهِيَة الْحمل على النَّفس فِي الْعِبَادَة. وَفِيه: النّوم للتقوي على الصّيام، وَفِيه: النَّهْي عَن الغلو فِي الدّين.

٢٥ - (بابُ صَوْمَ شَعْبَانَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صَوْم شهر شعْبَان، وَهَذَا الْبَاب أول شُرُوعه فِي التطوعات من الصّيام، واشتقاق شعْبَان من الشّعب، وَهُوَ الِاجْتِمَاع، سمي بِهِ لِأَنَّهُ يتشعب فِيهِ خير كثير كرمضان، وَقيل: لأَنهم كَانُوا يتشعبون فِيهِ بعد التَّفْرِقَة، وَيجمع على: شعابين، وشعبانات، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سمي بذلك لتشعبهم فِيهِ، أَي: لتفرقهم فِي طلب الْمِيَاه. وَفِي (الْمُحكم) سمي بذلك لتشعبهم فِي الغارات، وَقَالَ ثَعْلَب: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا سمي شعبانا لِأَنَّهُ: شَعَبَ، أَي: ظهر بَين رَمَضَان وَرَجَب، وَعَن ثَعْلَب: كَانَ شعْبَان شهرا تتشعب فِيهِ الْقَبَائِل، أَي تتفرق لقصد الْمُلُوك والتماس الْعَطِيَّة، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَأما الْأَحَادِيث الَّتِي فِي صَلَاة النّصْف مِنْهُ فَذكر أَبُو الْخطاب أَنَّهَا مَوْضُوعَة، وفيهَا عِنْد التِّرْمِذِيّ حَدِيث مَقْطُوع قلت: هُوَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع، حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا الْحجَّاج بن أَرْطَأَة عَن يحيى بن أبي كثير عَن عُرْوَة: (عَن عَائِشَة قَالَت: فقدت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَخرجت فَإِذا هُوَ بِالبَقِيعِ، فَقَالَ: أكنتِ تَخَافِينَ أَن يَحِيف الله عَلَيْك وَرَسُوله؟ قلت: يَا رَسُول الله! ظَنَنْت أَنَّك أتيت بعض نِسَائِك، فَقَالَ: إِن الله عز وَجل، ينزل لَيْلَة النّصْف من شعْبَان إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيغْفر لأكْثر من عدد شعر غنم بني كلب) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث عَائِشَة لَا نعرفه إلَاّ من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث الْحجَّاج، وَسمعت مُحَمَّدًا يضعف هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عُرْوَة، وَالْحجاج لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا من طَرِيق يزِيد بن هَارُون، وَقَول أبي الْخطاب: إِنَّه مَقْطُوع هُوَ أَنه مُنْقَطع فِي موضِعين: أَحدهمَا: مَا بَين الْحجَّاج وَيحيى، وَالْآخر: مَا بَين يحيى وَعُرْوَة. فَإِن قلت: أثبت ابْن معِين ليحيى السماع من عُرْوَة. قلت: اتّفق البُخَارِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم على أَنه لم يسمع مِنْهُ، والمثبت مقدم على النَّافِي، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَهُوَ مَقْطُوع فِي مَوضِع وَاحِد، وَلَا يخرج عَن الِانْقِطَاع.

وروى ابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن أبي سُبْرَة عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن عَليّ بن أبي طَالب، كرم الله وَجهه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَقومُوا لَيْلهَا وصوموا نَهَارهَا، فَإِن الله تَعَالَى ينزل فِيهَا لغروب الشَّمْس إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: ألَا مَن يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟ أَلا من يسترزق فأرزقه؟ ألَا من مبتلَى فأعافيه؟ ألَا كَذَا؟ ألَا كَذَا؟ حَتَّى يطلع الْفجْر) . وَإِسْنَاده ضَعِيف، وَابْن أبي سُبْرَة هُوَ أَبُو بكر بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سُبْرَة مفتي الْمَدِينَة وقاضي بَغْدَاد ضَعِيف، وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد هُوَ ابْن أبي يحيى ضعفه الْجُمْهُور، ولعلي بن أبي طَالب حَدِيث آخر، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة النّصْف من شعْبَان قَامَ فصلى أَربع عشرَة رَكْعَة، ثمَّ جلس، فَقَرَأَ بِأم الْقُرْآن أَربع عشرَة مرّة) الحَدِيث. وَفِي آخِره: (من صنع هَكَذَا لَكَانَ لَهُ كعشرين حجَّة مبرورة، وكصيام عشْرين سنة مَقْبُولَة، فَإِن أصبح فِي ذَلِك الْيَوْم صَائِما كَانَ لَهُ كصيام سِتِّينَ سنة مَاضِيَة، وَسِتِّينَ سنة مُسْتَقْبلَة) . رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) وَقَالَ: هَذَا مَوْضُوع، وَإِسْنَاده مظلم. ولعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَدِيث آخر رَوَاهُ أَيْضا فِي (الموضوعات) فِيهِ: (من صلى مائَة رَكْعَة فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان) الحَدِيث، وَقَالَ: لَا شكّ أَنه مَوْضُوع، وَكَانَ بَين الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن الصّلاح وَالشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام فِي هَذِه الصَّلَاة مقاولات، فَابْن الصّلاح يزْعم أَن لَهَا أصلا من السّنة، وَابْن عبد السَّلَام يُنكره.

وَأما الْوقُود فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَزعم ابْن دحْيَة أَن أول مَا كَانَ

ذَلِك زمن يحيى بن خَالِد بن برمك، أَنهم كَانُوا مجوسا فأدخلوا فِي دين الْإِسْلَام مَا يموهون بِهِ على الطَّعَام. قَالَ: وَلما اجْتمعت بِالْملكِ الْكَامِل وَذكرت لَهُ ذَلِك قطع دابر هَذِه الْبِدْعَة الْمَجُوسِيَّة من سَائِر أَعمال الْبِلَاد المصرية.

٩٦٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي النَّضْرِ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُومُ حَتَّى نقُولَ لَا يُفْطِرُ ويُفْطِرُ حَتَّى نقُولَ لَا يَصُومُ فَمَا رأيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إلَاّ رَمَضَانَ وَمَا رأيْتُهُ أكْثَرَ صِيَاما مِنْهُ فِي شَعْبَانَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا رَأَيْته أَكثر صياما مِنْهُ من شعْبَان) وَأَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْمه سَالم بن أبي أُميَّة، قد مر فِي: بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن أبي مُصعب الزُّهْرِيّ عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان عَن ابْن وهب عَن مَالك وَعَمْرو بن الْحَارِث.

قَوْله: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم حَتَّى نقُول لَا يفْطر) ، يَعْنِي: يَنْتَهِي صَوْمه إِلَى غَايَة نقُول: إِنَّه لَا يفْطر، فينتهي إفطاره إِلَى غَايَة حَتَّى نقُول: إِنَّه لَا يَصُوم، وَذَلِكَ لِأَن الْأَعْمَال الَّتِي يتَطَوَّع بهَا لَيست منوطة بأوقات مَعْلُومَة، وَإِنَّمَا هِيَ على قدر الْإِرَادَة لَهَا والنشاط فِيهَا. قَوْله: (فَمَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتكْمل صِيَام شهر إلَاّ رَمَضَان) ، وَهَذَا يدل على أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يصم شهرا تَاما غير رَمَضَان. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة: لم يكن يَصُوم فِي السّنة شهرا كَامِلا إلَاّ شعْبَان يصله برمضان) . وَهَذَا يُعَارض حَدِيث عَائِشَة، وَكَذَلِكَ روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سَالم بن أبي الْجَعْد عَن أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة، قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين إلَاّ شعْبَان ورمضان) . وَهَذَا أَيْضا يُعَارضهُ. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: رُوِيَ عَن ابْن الْمُبَارك أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ: هُوَ جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب إِذا صَامَ أَكثر الشَّهْر أَن يُقَال: صَامَ الشَّهْر كُله، وَيُقَال: قَامَ فلَان ليله أجمع، وَلَعَلَّه تعشى واشتغل بِبَعْض أمره، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: كَانَ ابْن الْمُبَارك قد رأى كلا الْحَدِيثين متفقين، يَقُول: إِنَّمَا معنى هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ يَصُوم أَكثر الشَّهْر. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: هَذَا فِيهِ مَا فِيهِ، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ إلَاّ شعْبَان ورمضان، فعطف رَمَضَان عَلَيْهِ يبعد أَن يكون المُرَاد بشعبان أَكْثَره، إِذْ لَا جَائِز أَن يكون المُرَاد برمضان بعضه، والعطف يَقْتَضِي الْمُشَاركَة فِيمَا عطف عَلَيْهِ، وَإِن مَشى ذَلِك فَإِنَّمَا يمشي على رَأْي من يَقُول: إِن اللَّفْظ الْوَاحِد يحمل على حَقِيقَته ومجازه، وَفِيه خلاف لأهل الْأُصُول. انْتهى. قلت: لَا يمشي هُنَا مَا قَالَه على رَأْي الْبَعْض أَيْضا، لِأَن من قَالَ ذَلِك قَالَ فِي اللَّفْظ الْوَاحِد، وَهنا لفظان: شعْبَان ورمضان، وَقَالَ ابْن التِّين: إِمَّا أَن يكون فِي أَحدهمَا وهم، أَو يكون فعل هَذَا وَهَذَا، أَو أطلق الْكل على الْأَكْثَر مجَازًا. وَقيل: كَانَ يَصُومهُ كُله فِي سنة وَبَعضه فِي سنة أُخْرَى، وَقيل: كَانَ يَصُوم تَارَة من أَوله وَتارَة من آخِره وَتارَة مِنْهُمَا، لَا يخلي مِنْهُ شَيْئا بِلَا صِيَام.

فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيصه شعْبَان بِكَثْرَة الصَّوْم؟ قلت: لكَون أَعمال الْعِبَادَة ترفع فِيهِ. فَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث أُسَامَة (قلت: يَا رَسُول الله {أَرَاك لَا تَصُوم من شهر من الشُّهُور مَا تَصُوم من شعْبَان؟ قَالَ: ذَاك شهر ترفع فِيهِ الْأَعْمَال إِلَى رب الْعَالمين فَأحب أَن يرفع عَمَلي وَأَنا صَائِم) . وَرُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا (قَالَت لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا لي أَرَاك تكْثر صيامك فِيهِ؟ قَالَ: يَا عَائِشَة} إِنَّه شهر ينْسَخ فِيهِ ملك الْمَوْت من يقبض، وَأَنا أحب أَن لَا ينْسَخ إسمي إلَاّ وَأَنا صَائِم) . قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: غَرِيب من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة بِهَذَا اللَّفْظ، رَوَاهُ ابْن أبي الفوارس فِي أصُول أبي الْحسن الحمامي عَن شُيُوخه، وَعَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن نصر بن كثير عَن يحيى بن سعيد عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: لما كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان انْسَلَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من مِرْطِي) الحَدِيث. وَفِي آخِره: (هَل تَدْرِي مَا فِي هَذِه اللَّيْلَة؟ قَالَت: مَا فِيهَا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: فِيهَا أَن يكْتب كل مَوْلُود من بني آدم فِي هَذِه السّنة. وفيهَا أَن يكْتب كل هَالك من بني آدم فِي هَذِه السّنة، وفيهَا ترفع

أَعْمَالهم، وفيهَا: تنزل أَرْزَاقهم) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب (الْأَدْعِيَة) وَقَالَ: فِيهِ بعض من يجهل. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث صَدَقَة بن مُوسَى عَن ثَابت عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (سُئِلَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَي الصَّوْم أفضل بعد رَمَضَان؟ قَالَ: شعْبَان، لتعظيم رَمَضَان. وَسُئِلَ: أَي الصَّدَقَة أفضل؟ قَالَ: صَدَقَة فِي رَمَضَان) . ثمَّ قَالَ: حَدِيث غَرِيب، وَصدقَة لَيْسَ عِنْدهم بِذَاكَ الْقوي، وَقد رُوِيَ أَن هَذَا الصّيام كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ يلْتَزم صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، كَمَا قَالَ ابْن عمر، فَرُبمَا يشْتَغل عَن صيامها أشهرا فَيجمع ذَلِك كُله فِي شعْبَان، فيتداركه قبل رَمَضَان، حَكَاهُ ابْن بطال، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أرى الْإِكْثَار فِيهِ أَنه يَنْقَطِع عَنهُ التَّطَوُّع برمضان، وَقيل: يجوز أَنه كَانَ يَصُوم صَوْم دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام، فَيبقى عَلَيْهِ بَقِيَّة يعملها فِي هَذَا الشَّهْر.

وَجمع الْمُحب الطَّبَرِيّ فِيهِ سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه كَانَ يلْتَزم صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، فَرُبمَا تَركهَا فيتداركها فِيهِ. ثَانِيهَا: تَعْظِيمًا لرمضان. ثَالِثهَا: أَنه ترفع فِيهِ الْأَعْمَال. رَابِعهَا: لِأَنَّهُ يغْفل عَنهُ النَّاس. خَامِسهَا: لِأَنَّهُ تنسخ فِيهِ الْآجَال. سادسها: أَن نِسَاءَهُ كن يصمن فِيهِ مَا فاتهن من الْحيض فيتشاغل عَنهُ بِهِ، وَالْحكمَة فِي كَونه لم يستكمل غير رَمَضَان لِئَلَّا يظنّ وُجُوبه. فَإِن قلت: صَحَّ فِي مُسلم: أفضل الصَّوْم بعد رَمَضَان شهر الله الْمحرم، فَكيف أَكثر مِنْهُ فِي شعْبَان؟ ويعارضه أَيْضا رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (أَي الصَّوْم أفضل بعد رَمَضَان؟ قَالَ: شعْبَان) . قلت: لَعَلَّه كَانَ يعرض لَهُ فِيهِ إعذار من سفر أَو مرض أَو غير ذَلِك، أَو لَعَلَّه لم يعلم بِفضل الْمحرم إلَاّ فِي آخر عمره قبل التَّمَكُّن مِنْهُ، وَلِأَن مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ لَا يُقَاوم مَا رَوَاهُ مُسلم.

قَوْله: (أَكثر صياما) كَذَا هُوَ بِالنّصب عِنْد أَكثر الروَاة، وَحكى السُّهيْلي أَنه رُوِيَ بالخفض، قيل: هُوَ وهم، وَلَعَلَّ بعض النساخ كتب الصّيام بِغَيْر ألف على رَأْي من يقف على الْمَنْصُوب بِغَيْر ألف فَتوهم مخفوضا، أَو ظن بعض الروَاة أَنه مُضَاف إِلَيْهِ، فَلَا يَصح ذَلِك، وَأما لَفْظَة: أَكثر، فَإِنَّهُ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان لقَوْله: (وَمَا رَأَيْته) . قَوْله: (من شعْبَان) ، وَزَاد يحيى بن أبي كثير فِي رِوَايَته: (فَإِنَّهُ كَانَ يَصُوم شعْبَان كُله) ، وَزَاد ابْن أبي لبيد: (عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَكثر صياما مِنْهُ فِي شعْبَان، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُوم شعْبَان إلَاّ قَلِيلا) . وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن أبي سَلمَة (عَن عَائِشَة، أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيْت النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي شهر أَكثر صياما فِيهِ فِي شعْبَان، كَانَ يَصُومهُ إلَاّ قَلِيلا، بل كَانَ يَصُومهُ كُله) . انْتهى.

قَالُوا: معنى: كُله، أَكْثَره، فَيكون مجَازًا. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه: الأول: أَن هَذَا الْمجَاز قَلِيل الِاسْتِعْمَال جدا. وَالثَّانِي: أَن لَفْظَة: كل، تَأْكِيد لإِرَادَة الشُّمُول، وَتَفْسِيره بِالْبَعْضِ منَاف لَهُ. وَالثَّالِث: أَن فِيهِ كلمة الإضراب، وَهِي تنَافِي أَن يكون المُرَاد الْأَكْثَر، إِذْ لَا يبْقى فِيهِ حِينَئِذٍ فَائِدَة، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِيهِ: إِنَّه بِاعْتِبَار عَاميْنِ فَأكْثر، فَكَانَ يَصُومهُ كُله فِي بعض السنين، وَكَانَ يَصُوم أَكْثَره فِي بعض السنين، وَذكر بعض الْعلمَاء إِنَّه وَقع مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصل شعْبَان برمضان وفصله مِنْهُ وَذَلِكَ فِي سنتَيْن فَأكْثر، وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) : فإنَّ وَصلَ شعْبَان برمضان فَجَائِز، فعل ذَلِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرّة، وَفصل مرَارًا كَثِيرَة، انْتهى. قلت: على هَذَا الْوَجْه يبعد وجوده مَنْصُوصا عَلَيْهِ فِي الحَدِيث، نعم، وَقع مِنْهُ الْوَصْل والفصل، أما الْوَصْل فَهُوَ فِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ عَن أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة، قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين إلَاّ شعْبَان ورمضان) . وَأما الْفَصْل فَفِي حَدِيث أبي دَاوُد من رِوَايَة عبد الله بن أبي قيس (عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتحفظ من هِلَال شعْبَان مَا لَا يتحفظ من غَيره، ثمَّ يَصُوم لرمضان، فَإِن غم عَلَيْهِ عد ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ صَامَ) . وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: (هَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك، وَقَالَ: هَذَا صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَلم يخرجَاهُ، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يصل شعْبَان برمضان) . وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث أبي ثَعْلَبَة بِلَفْظ: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم شعْبَان ورمضان يصلهمَا) . وَفِي إِسْنَاده الْأَحْوَص بن حَكِيم وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ حَدِيث أبي أُمَامَة وَفِي إِسْنَاده يُوسُف بن عَطِيَّة وَهُوَ ضَعِيف.

فَإِن قلت: كَيفَ التَّوْفِيق بَين هَذِه الْأَحَادِيث وَبَين حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن؟ فَأَبُو دَاوُد من حَدِيث الدَّرَاورْدِي وَالتِّرْمِذِيّ كَذَلِك، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي العميس، وَابْن مَاجَه من رِوَايَة مُسلم بن خَالِد، كلهم عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا بَقِي نصف من شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ، وَلَفظ أبي دَاوُد: (إِذا انتصف شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، وَلَفظ النَّسَائِيّ:

(فكفوا عَن الصَّوْم) ، وَلَفظ ابْن مَاجَه: (إِذا كَانَ النّصْف من شعْبَان فَلَا صَوْم) ، وَفِي لفظ ابْن حبَان: (فأفطروا حَتَّى يَجِيء رضمان) ، وَفِي لفظ ابْن عدي: (إِذا انتصف شعْبَان فأفطروا) ، وَفِي لفظ الْبَيْهَقِيّ: (إِذا مضى النّصْف من شعْبَان فأمسكوا عَن الصّيام حَتَّى يدْخل رَمَضَان) قلت: أما أَولا: فقد اخْتلف فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث، فصححه التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَابْن عَسَاكِر وَابْن حزم، وَضَعفه أَحْمد فِيمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي دَاوُد، قَالَ: قَالَ أَحْمد: هَذَا حَدِيث مُنكر، قَالَ: وَكَانَ عبد الرَّحْمَن لَا يحدث بِهِ) وَأما ثَانِيًا: فَقَالَ قوم، مِمَّن لَا يَقُول بِحَدِيث الْعَلَاء: بِأَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَصُوم فِي النّصْف الثَّانِي من شعْبَان، فَدلَّ على أَن مَا رَوَاهُ مَنْسُوخ، وَقيل: يحمل النَّهْي على من لم يدْخل تِلْكَ الْأَيَّام فِي صِيَام أَو عبَادَة.

٠٧٩١ - حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضَالَةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنُ يَحْيَى عنْ أبِي سَلَمَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا حدَّثَتْهُ قالَتْ لَمْ يَكُنْ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُومُ شَهْرا أكْثَرَ مِنْ شَعْبانَ فإنَّهُ كانَ يَصُومُ شَعْبانَ كُلَّهُ وكانَ يَقُولُ خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فإنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَأحَبُّ الصَّلاةِ إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وإنْ قَلَّتْ وكانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا. (انْظُر الحَدِيث ٩٦٩١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي الصَّوْم أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه بِهِ.

قَوْله: (كُله) قَالَ فِي (التَّوْضِيح) : أَي: أَكْثَره، وَقد جَاءَ عَنْهَا مُفَسرًا: (كَانَ يَصُوم شعْبَان أَو عَامَّة شعْبَان) ، وَفِي لفظ: كَانَ يَصُومهُ كُله إلَاّ قَلِيلا) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريبن. قَوْله: (خُذُوا من الْعَمَل مَا تطيقون) أَي تطيقون الدَّوَام عَلَيْهِ بِلَا ضَرَر أَو اجْتِنَاب التعمق فِي جَمِيع أَنْوَاع الْعبارَات قَوْله: (فَإِن الله لَا يمل) قَالَ النَّوَوِيّ: الْملَل والسامة بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارف فِي حَقنا، وَهُوَ محَال فِي حق الله تَعَالَى، فَيجب تَأْوِيل الحَدِيث، فَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: مَعْنَاهُ: لَا يعاملكم مُعَاملَة الْملَل فَيقطع عَنْكُم ثَوَابه وفضله وَرَحمته حَتَّى تقطعوا أَعمالكُم. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا يمل إِذا مللتم، و: حَتَّى، بِمَعْنى: حِين، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: لَا يمل أبدا مللتم أم لَا تملوا. وَقيل: سمي مللاً على معنى الأزدواج، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ} (الْبَقَرَة: ٤٩١) . فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يقطع عَنْكُم فَضله حَتَّى تملوا سُؤَاله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِطْلَاق الْملَل على الله تَعَالَى إِطْلَاق مجازي عَن ترك الْجَزَاء. قَوْله: (مَا دووم عَلَيْهِ) ، بواوين، وَفِي بعض النّسخ بواو، وَالصَّوَاب الأول لِأَنَّهُ مَجْهُول، ماضٍ من المداومة من: بَاب المفاعلة، ويروي (مَا ديم عَلَيْهِ) وَهُوَ مَجْهُول دَامَ، وَالْأول مَجْهُول داوم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الديمة الْمَطَر الدَّائِم فِي سُكُون، شبه عمله فِي دَوَامه مَعَ الاقتصاد بديمة الْمَطَر، وَأَصله الْوَاو فَانْقَلَبت يَاء لكسرة مَا قبلهَا، وَقد مر هَذَا الْكَلَام فِي هَذِه الْأَلْفَاظ فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب أحب الدّين إِلَى الله تَعَالَى أَدْوَمه.

٣٥ - (بابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإفْطَارِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر من صَوْم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من التَّطَوُّع وَبَيَان إفطاره فِي خلال صَوْمه، قيل: لم يضف البُخَارِيّ التَّرْجَمَة الَّتِي قبل هَذِه للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وأطلقها ليفهم التَّرْغِيب للْأمة فِي الِاقْتِدَاء بِهِ فِي إكثار الصَّوْم فِي شعْبَان، وَقصد بِهَذِهِ التَّرْجَمَة شرح حَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك. قلت: الْبَاب السَّابِق أَيْضا فِي شرح حَال النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي صَوْمه وَصلَاته، غير أَنه أطلق التَّرْجَمَة فِي ذَلِك لإِظْهَار فضل شعْبَان وَفضل الصَّوْم فِيهِ.

١٧٩١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبِي بِشْرٍ عنْ سَعيدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ مَا صَامَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَهْرا كامِلاً قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ ويَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا وَالله لَا يُفْطِرُ ويُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا وَالله لَا يَصُومُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه يبين صَوْمه وفطره.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة

الْمنْقري التَّبُوذَكِي. الثَّانِي: أَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَبعد الْألف نون، واسْمه: الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي. الثَّالِث: أَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: واسْمه جَعْفَر بن أبي وحشية إِيَاس الْيَشْكُرِي. الرَّابِع: سعيد بن جُبَير. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشَيخ شَيْخه وَأَبا بشر واسطيان، وَقيل: أَبُو بشر بَصرِي وَسَعِيد بن جُبَير كُوفِي. وَفِيه: أَبُو بشر عَن سعيد وَفِي رِوَايَة شُعْبَة حَدثنِي سعيد بن جُبَير، وَلمُسلم من طَرِيق عُثْمَان بن حَكِيم: سَأَلت سعيد بن جُبَير عَن صِيَام رَجَب؟ فَقَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس ...

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن أبي عوَانَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَأبي بكر بن نَافِع، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِيهِ عَن مُحَمَّد ابْن بشار بِهِ.

قَوْله: (ويصوم) ، فِي رِوَايَة مُسلم من الطَّرِيق الَّتِي أخرجهَا البُخَارِيّ: (وَكَانَ يَصُوم) . قَوْله: (غير رَمَضَان) ، قَالَ الْكرْمَانِي: تقدم أَنه كَانَ يَصُوم شعْبَان كُله، ثمَّ قَالَ: إِمَّا أَنه أَرَادَ بِالْكُلِّ معظمه، وَإِمَّا أَنه مَا رأى إلَاّ رَمَضَان، فَأخْبر بذلك على حسب اعْتِقَاده.

٢٧٩١ - حدَّثني عَبْدُ العَزِيز بنُ عَبْدِ الله قالَ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ أنَّهُ سَمِعَ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ كانِ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ ويَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لَا يُفُطِرَ مِنْهُ شَيْئا وكانَ لَا تَشاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيا إلَاّ رأيْتَهُ ولَا نَائِما إلَا رأيْتَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يذكر عَن صَوْمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن إفطاره على الْوَجْه الْمَذْكُور فِيهِ.

وَرِجَاله أَرْبَعَة: عبد الْعَزِيز ابْن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمدنِي وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْمدنِي، وَحميد الطَّوِيل الْبَصْرِيّ.

وَالْبُخَارِيّ أخرجه أَيْضا فِي صَلَاة اللَّيْل بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وبعين هَذَا الْمَتْن، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ، ونتكلم هُنَا لزِيَادَة التَّوْضِيح وَإِن كَانَ فِيهِ تكْرَار فَلَا بَأْس بِهِ.

قَوْله: (حَتَّى نظن) فِيهِ ثَلَاثَة أوجه الأول: نظن، بنُون الْجمع، وَالثَّانِي: تظن، بتاء الْمُخَاطب، وَالثَّالِث: يظنّ، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف على بِنَاء الْمَجْهُول. قَوْله: (أَن لَا يَصُوم) ، بِفَتْح همزَة: أَن، وَيجوز فِي يَصُوم الرّفْع وَالنّصب، لِأَن: أَن، إِمَّا ناصبة، و: لَا، نَافِيَة، وَإِمَّا مفسرة. و: لَا ناهية. قَوْله: (وَكَانَ لَا تشاءُ ترَاهُ) أَي: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تشَاء، بتاء الْخطاب، وَكَذَلِكَ ترَاهُ. وَقَوله: (إلَاّ رَأَيْته) ، بِفَتْح التَّاء، وَمَعْنَاهُ: أَن حَاله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي التَّطَوُّع بالصيام وَالْقِيَام كَانَ يخْتَلف، فَكَانَ تَارَة يَصُوم من أول الشَّهْر، وَتارَة من وَسطه، وَتارَة من آخِره كَمَا كَانَ يُصَلِّي تَارَة من أول اللَّيْل وَتارَة من وَسطه وَتارَة من آخِره، فَكَانَ من أَرَادَ أَن يرَاهُ فِي وَقت من أَوْقَات اللَّيْل قَائِما، أَو فِي وَقت من أَوْقَات النَّهَار صَائِما، فراقبه مرّة بعد مرّة فَلَا بُد أَن يصادفه قَائِما أَو صَائِما على وفْق مَا أَرَادَ أَن يرَاهُ، وَهَذَا معنى الْخَبَر، وَلَيْسَ المُرَاد أَنه كَانَ يسْرد الصَّوْم، وَلَا أَنه كَانَ يستوعب اللَّيْل قَائِما. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ يُمكن أَنه مَتى شَاءَ يرَاهُ مُصَليا وَيَرَاهُ نَائِما. ثمَّ قَالَ: غَرَضه أَنه كَانَت لَهُ حالتان يكثر هَذَا على ذَاك مرّة، وَبِالْعَكْسِ أُخْرَى؟ فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا قَول عَائِشَة فِي الحَدِيث الَّذِي مضى قبله: (وَكَانَ إِذا صلى صَلَاة دَامَ عَلَيْهَا) . وَقَوله: الَّذِي سَيَأْتِي فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (وَكَانَ عمله دِيمَة) ؟ قلت: المُرَاد بِذَاكَ مَا اتَّخذهُ راتبا، لَا مُطلق النَّافِلَة.

وَقَالَ سُلَيْمَانُ عنْ حُمَيْدٍ أنَّهُ سَألَ أنَسا فِي الصَّوْمِ

قَالَ بَعضهم: كنت أَظن أَن سُلَيْمَان هَذَا هُوَ ابْن بِلَال لَكِن لم أره بعد التتبع التَّام من حَدِيثه فَظهر أَنه سُلَيْمَان بن حَيَّان أَبُو خَالِد الْأَحْمَر. انْتهى. قلت: هَذَا الْكرْمَانِي قَالَ: سُلَيْمَان هُوَ أَبُو خَالِد الْأَحْمَر ضد الْأَبْيَض من غير ظن وَلَا حسبان، وَلَو قَالَ مثل مَا قَالَه لم يحوجه شَيْء إِلَى مَا قَالَه، وَلكنه كَأَنَّهُ لما رأى كَلَام الْكرْمَانِي لم يعْتَمد عَلَيْهِ لقلَّة مبالاته، ثمَّ لما فتش بتتبع تَامّ ظهر لَهُ أَن الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ هُوَ، وَفِي جملَة الْأَمْثَال: خبز الشّعير يُؤْكَل ويذم، وَقد وصل البُخَارِيّ هَذَا الَّذِي ذكره مُعَلّقا

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يُرفَع عملي وأنا صائمٌ»، فبيَّن وجه صيامه لشعبان دون غيره من الشُّهور بقوله: «إنَّه شهرٌ يغفل النَّاس عنه بين رجبٍ ورمضان»، يشير إلى أنَّه لمَّا اكتنفه شهران عظيمان: الشَّهر الحرام وشهر الصِّيام (١) اشتغل النَّاس بهما فصار مغفولًا عنه، وكثيرٌ من النَّاس يظنُّ أنَّ صيام رجبٍ أفضل من صيامه لأنَّه شهرٌ حرامٌ، وليس كذلك، وقيل -في تخصيصه شعبان- غير ذلك.

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصِّيام».

١٩٧٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضَّاد المعجمة، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائيُّ (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيٍر (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن (أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ) واستُشكِل هذا مع قوله في الرِّواية الأولى [خ¦١٩٦٩] «وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» وأُجيب بأنَّ الرِّواية الأولى مفسِّرةٌ لهذه ومبيِّنةٌ بأنَّ المرادَ بـ «كلَّه» غالبُه، وقيل: كان يصومه كلَّه في وقتٍ، وبعضه في آخر، وقيل: كان يصوم تارةً من أوَّله، وتارةً من وسطه، وتارةً من آخره، ولا يترك منه شيئًا بلا صيامٍ، لكن في أكثر من سنةٍ؛ كذا قاله غير واحدٍ كالزَّركشيِّ، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّ الثَّلاثة كلَّها ضعيفةٌ، فأمَّا الأوَّل فلأنَّ إطلاق الكلِّ على الأكثر مع الإتيان به توكيدًا (٢) غير معهود. انتهى. وقد نقل التِّرمذيُّ عن ابن المبارك أنَّه (٣) قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشَّهر أن يقول (٤): صام الشَّهر كله، ويُقال: قام فلانٌ ليلَه (٥) أجمع، ولعلَّه

قد تعشَّى واشتغل ببعض أمره، قال التِّرمذيُّ: كأنَّ ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك، فالمراد بالكلِّ الأكثرُ، وهو مجازٌ قليل الاستعمال، واستبعده أيضًا فقال: كلُّ تأكيدٍ (١) لإرادة الشُّمول ودفع (٢) التَّجوُّز من احتمال البعض فتفسيره بالبعض منافٍ له. انتهى. وقد تعقَّبه أيضًا (٣) الحافظ زين الدِّين العراقيُّ: بأنَّ في حديث أمِّ سلمة عند التِّرمذيِّ قالت: «ما رأيت رسول الله يصوم شهرين متتابعين إلَّا شعبان ورمضان» فعطف «رمضان» عليه يبعد أن يكون المراد بشعبان أكثره؛ إذ لا جائز أن يكون المراد برمضان بعضه، والعطف يقتضي المشاركة فيما عُطِف عليه، وإن مشى ذلك فإنَّما يمشي على رأي من يقول: إنَّ اللَّفظ الواحد يُحمَل على حقيقته ومجازه، وفيه خلافٌ لأهل الأصول (٤). قال في «عمدة القاري»: ولا يمشي هنا ما قاله على رأي البعض أيضًا لأنَّ من قال ذلك قاله في اللَّفظ الواحد، وهنا لفظان: شعبان ورمضان. انتهى. فليُنظَر هذا مع قول ابن المبارك: إنَّه جائزٌ في كلام العرب، قال في «المصابيح»: وأمَّا الثَّاني فلأنَّ قولها: «كان يصوم شعبان كلَّه» يقتضي تكرار الفعل، وأنَّ ذلك عادةٌ له على ما هو المعروف في مثل هذه العبارة. انتهى. واختُلِف في دلالة «كان» على التَّكرار، وصحَّح ابن الحاجب: أنَّها تقتضيه، قال: وهذا استفدناه من قولهم: كان حاتمٌ يقري الضَّيف، وصحَّح الإمام فخر الدِّين في «المحصول»: أنَّها لا تقتضيه لا لغةً ولا عرفًا، وقال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: إنَّه المختار الذي عليه الأكثرون والمحقِّقون من الأصوليِّين، وذكر ابن دقيق العيد: أنَّها تقتضيه عرفًا. انتهى. قال في «المصابيح»: وأمَّا الثَّالث فلأنَّ أسماء الشُّهور إذا ذُكِرت غير مضافٍ إليها لفظ «شهرٍ» كان العمل عامًّا لجميعها، لا تقول: سرت المُحرَّم وقد سرت بعضًا منه، ولا تقول: صمت رمضان وإنَّما صمت بعضه، فإن أضفت الشَّهر إليه لم يلزم (٥) التَّعميم، هذا مذهب سيبويه وتبعه عليه غير واحدٍ، قال الصَّفَّار: ولم يخالف في ذلك إلَّا الزَّجَّاج، ويمكن أن يُقال: إنَّ قولها: «وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» لا ينفي صيامه لجميعه، فإنَّ

المرادَ أكثريَّةُ صيامه فيه على صيامه في غيره من الشُّهور التي لم يُفرَض فيها الصَّوم، وذلك صادقٌ بصومه (١) لكلِّه (٢) لأنَّه إذا صامه جميعه صدق أنَّ الصَّوم الذي أوقعه فيه أكثر من الصَّوم الذي أوقعه في غيره؛ ضرورة أنَّه لم يَصُمْ غيره مما عدا رمضان كاملًا، وأمَّا قولها: «لم يستكمل صيام شهرٍ إلَّا رمضان» فيحمل على الحذف، أي: إلَّا رمضان وشعبان، بدليل قولها في الطَّريق الأخرى: «فإنَّه كان يصوم شعبان كلَّه»، وحذفُ المعطوف والعاطف جميعًا ليس بعزيزٍ في كلامهم، ففي التَّنزيل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] أي: ومن أنفق من بعده، وفيه: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، قال: ويمكن الجمع بطريقٍ أخرى؛ وهي أن يكون قولها: «وكان يصوم شعبان كلَّه» محمولًا على حذف أداة الاستثناء والمستثنى، أي: إلَّا قليلًا منه، ويدلُّ عليه حديث عبد الرَّزَّاق بلفظ: «ما رأيت رسول الله أكثر صيامًا منه في شعبان، فإنَّه كان يصومه كلَّه إلَّا قليلًا»، فإن قلت: قد ورد في حديث مسلمٍ: «أنَّ أفضل الصِّيام بعد رمضان المُحرَّم»، فكيف أكثر منه في شعبان دون المُحرَّم؟ أُجيب باحتمال أنَّه لم يعلم فضل المُحرَّم إلَّا في آخر حياته قبل التَّمكُّن من صومه، أو لعلَّه كان يعرض له فيه أعذارٌ تمنع من إكثار الصَّوم فيه.

(وَكَانَ) (يَقُولُ: خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ) المداومةَ عليه بلا ضررٍ (فَإِنَّ اللهَ) ﷿ (لَا يَمَلُّ) بفتح الياء التَّحتيَّة والميم، قال النَّوويُّ: الملل: السَّآمة، وهو بالمعنى المتعارف في حقِّنا محالٌ في حقِّ الله تعالى فيجب تأويله، فقال المحقِّقون: أي: لا يعاملكم معاملة الملل فيقطع عنكم ثوابه وفضله ورحمته (حَتَّى تَمَلُّوا) بفتح الأوَّل والثَّاني، أي: تقطعوا أعمالكم، وقال الكِرمانيُّ: هو إطلاقٌ مجازيٌّ عن ترك الجزاء، وقال بعضهم: معناه: لا تتكلَّفوا حتَّى تملُّوا، فإنَّ الله مُنزَّهٌ عن الملالة، ولكنَّكم تَمَلُّون قبول فيض الرَّحمة (وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبِيِّ ) ولابن عساكر: «وأحبُّ الصَّلاة إلى الله» (مَا دُووِمَ عَلَيْهِ) بضمِّ الدَّال وسكون الواو الأولى وكسر الثَّانية مبنيًّا للمفعول من المداومة من «باب المفاعلة»، وفي نسخةٍ: «ما دِيم» مبنيًّا للمفعول أيضًا من «دام»، والأوَّل من «داوم» (وَإِنْ قَلَّتْ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا) وفي الإدامة

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

التَّطَوُّع، فَإِن أقسم عَلَيْهِ أهل الْوَلِيمَة فَأفْطر فَلَا بَأْس بِهِ، وَإِن كَانَ يتَأَذَّى يفْطر وَيَقْضِي، وَبعد الزَّوَال لَا يفْطر إلَاّ إِذا كَانَ فِي تَركه عقوق بالوالدين أَو بِأَحَدِهِمَا.

وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة المواخاة فِي الله. وَفِيه: زِيَارَة الإخوان وَالْمَبِيت عِنْدهم. وَفِيه: جَوَاز مُخَاطبَة الْأَجْنَبِيَّة للْحَاجة. وَفِيه: السُّؤَال عَمَّا تترتب عَلَيْهِ الْمصلحَة وَإِن كَانَ فِي الظَّاهِر لَا يتَعَلَّق بالسائل. وَفِيه: النصح للْمُسلمِ وتنبيه من كَانَ غافلاً. وَفِيه: فضل قيام آخر اللَّيْل. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة تَزْيِين الْمَرْأَة لزَوجهَا. وَفِيه: ثُبُوت حق الْمَرْأَة على الزَّوْج فِي حسن الْعشْرَة، وَقد يُؤْخَذ مِنْهُ ثُبُوت حَقّهَا فِي الْوَطْء. لقَوْله: (ولأهلك عَلَيْك حَقًا) ، وَفِيه: جَوَاز النَّهْي عَن المستحبات إِذا خشِي إِن ذَلِك يُفْضِي إِلَى السَّآمَة والملل وتفويت الْحُقُوق الْمَطْلُوبَة الْوَاجِبَة أَو المندوبة الرَّاجِح فعلهَا على فعل الْمُسْتَحبّ. وَفِيه: أَن الْوَعيد الْوَارِد على من نهى مُصَليا عَن الصَّلَاة مَخْصُوص بِمن نَهَاهُ ظلما وعدوانا. وَفِيه: كَرَاهِيَة الْحمل على النَّفس فِي الْعِبَادَة. وَفِيه: النّوم للتقوي على الصّيام، وَفِيه: النَّهْي عَن الغلو فِي الدّين.

٢٥ - (بابُ صَوْمَ شَعْبَانَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صَوْم شهر شعْبَان، وَهَذَا الْبَاب أول شُرُوعه فِي التطوعات من الصّيام، واشتقاق شعْبَان من الشّعب، وَهُوَ الِاجْتِمَاع، سمي بِهِ لِأَنَّهُ يتشعب فِيهِ خير كثير كرمضان، وَقيل: لأَنهم كَانُوا يتشعبون فِيهِ بعد التَّفْرِقَة، وَيجمع على: شعابين، وشعبانات، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سمي بذلك لتشعبهم فِيهِ، أَي: لتفرقهم فِي طلب الْمِيَاه. وَفِي (الْمُحكم) سمي بذلك لتشعبهم فِي الغارات، وَقَالَ ثَعْلَب: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا سمي شعبانا لِأَنَّهُ: شَعَبَ، أَي: ظهر بَين رَمَضَان وَرَجَب، وَعَن ثَعْلَب: كَانَ شعْبَان شهرا تتشعب فِيهِ الْقَبَائِل، أَي تتفرق لقصد الْمُلُوك والتماس الْعَطِيَّة، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَأما الْأَحَادِيث الَّتِي فِي صَلَاة النّصْف مِنْهُ فَذكر أَبُو الْخطاب أَنَّهَا مَوْضُوعَة، وفيهَا عِنْد التِّرْمِذِيّ حَدِيث مَقْطُوع قلت: هُوَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع، حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا الْحجَّاج بن أَرْطَأَة عَن يحيى بن أبي كثير عَن عُرْوَة: (عَن عَائِشَة قَالَت: فقدت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَخرجت فَإِذا هُوَ بِالبَقِيعِ، فَقَالَ: أكنتِ تَخَافِينَ أَن يَحِيف الله عَلَيْك وَرَسُوله؟ قلت: يَا رَسُول الله! ظَنَنْت أَنَّك أتيت بعض نِسَائِك، فَقَالَ: إِن الله عز وَجل، ينزل لَيْلَة النّصْف من شعْبَان إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيغْفر لأكْثر من عدد شعر غنم بني كلب) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث عَائِشَة لَا نعرفه إلَاّ من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث الْحجَّاج، وَسمعت مُحَمَّدًا يضعف هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عُرْوَة، وَالْحجاج لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا من طَرِيق يزِيد بن هَارُون، وَقَول أبي الْخطاب: إِنَّه مَقْطُوع هُوَ أَنه مُنْقَطع فِي موضِعين: أَحدهمَا: مَا بَين الْحجَّاج وَيحيى، وَالْآخر: مَا بَين يحيى وَعُرْوَة. فَإِن قلت: أثبت ابْن معِين ليحيى السماع من عُرْوَة. قلت: اتّفق البُخَارِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم على أَنه لم يسمع مِنْهُ، والمثبت مقدم على النَّافِي، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَهُوَ مَقْطُوع فِي مَوضِع وَاحِد، وَلَا يخرج عَن الِانْقِطَاع.

وروى ابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن أبي سُبْرَة عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن عَليّ بن أبي طَالب، كرم الله وَجهه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَقومُوا لَيْلهَا وصوموا نَهَارهَا، فَإِن الله تَعَالَى ينزل فِيهَا لغروب الشَّمْس إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: ألَا مَن يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟ أَلا من يسترزق فأرزقه؟ ألَا من مبتلَى فأعافيه؟ ألَا كَذَا؟ ألَا كَذَا؟ حَتَّى يطلع الْفجْر) . وَإِسْنَاده ضَعِيف، وَابْن أبي سُبْرَة هُوَ أَبُو بكر بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سُبْرَة مفتي الْمَدِينَة وقاضي بَغْدَاد ضَعِيف، وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد هُوَ ابْن أبي يحيى ضعفه الْجُمْهُور، ولعلي بن أبي طَالب حَدِيث آخر، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة النّصْف من شعْبَان قَامَ فصلى أَربع عشرَة رَكْعَة، ثمَّ جلس، فَقَرَأَ بِأم الْقُرْآن أَربع عشرَة مرّة) الحَدِيث. وَفِي آخِره: (من صنع هَكَذَا لَكَانَ لَهُ كعشرين حجَّة مبرورة، وكصيام عشْرين سنة مَقْبُولَة، فَإِن أصبح فِي ذَلِك الْيَوْم صَائِما كَانَ لَهُ كصيام سِتِّينَ سنة مَاضِيَة، وَسِتِّينَ سنة مُسْتَقْبلَة) . رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) وَقَالَ: هَذَا مَوْضُوع، وَإِسْنَاده مظلم. ولعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَدِيث آخر رَوَاهُ أَيْضا فِي (الموضوعات) فِيهِ: (من صلى مائَة رَكْعَة فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان) الحَدِيث، وَقَالَ: لَا شكّ أَنه مَوْضُوع، وَكَانَ بَين الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن الصّلاح وَالشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام فِي هَذِه الصَّلَاة مقاولات، فَابْن الصّلاح يزْعم أَن لَهَا أصلا من السّنة، وَابْن عبد السَّلَام يُنكره.

وَأما الْوقُود فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَزعم ابْن دحْيَة أَن أول مَا كَانَ

ذَلِك زمن يحيى بن خَالِد بن برمك، أَنهم كَانُوا مجوسا فأدخلوا فِي دين الْإِسْلَام مَا يموهون بِهِ على الطَّعَام. قَالَ: وَلما اجْتمعت بِالْملكِ الْكَامِل وَذكرت لَهُ ذَلِك قطع دابر هَذِه الْبِدْعَة الْمَجُوسِيَّة من سَائِر أَعمال الْبِلَاد المصرية.

٩٦٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي النَّضْرِ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُومُ حَتَّى نقُولَ لَا يُفْطِرُ ويُفْطِرُ حَتَّى نقُولَ لَا يَصُومُ فَمَا رأيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إلَاّ رَمَضَانَ وَمَا رأيْتُهُ أكْثَرَ صِيَاما مِنْهُ فِي شَعْبَانَ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا رَأَيْته أَكثر صياما مِنْهُ من شعْبَان) وَأَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْمه سَالم بن أبي أُميَّة، قد مر فِي: بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن أبي مُصعب الزُّهْرِيّ عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان عَن ابْن وهب عَن مَالك وَعَمْرو بن الْحَارِث.

قَوْله: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم حَتَّى نقُول لَا يفْطر) ، يَعْنِي: يَنْتَهِي صَوْمه إِلَى غَايَة نقُول: إِنَّه لَا يفْطر، فينتهي إفطاره إِلَى غَايَة حَتَّى نقُول: إِنَّه لَا يَصُوم، وَذَلِكَ لِأَن الْأَعْمَال الَّتِي يتَطَوَّع بهَا لَيست منوطة بأوقات مَعْلُومَة، وَإِنَّمَا هِيَ على قدر الْإِرَادَة لَهَا والنشاط فِيهَا. قَوْله: (فَمَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتكْمل صِيَام شهر إلَاّ رَمَضَان) ، وَهَذَا يدل على أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يصم شهرا تَاما غير رَمَضَان. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة: لم يكن يَصُوم فِي السّنة شهرا كَامِلا إلَاّ شعْبَان يصله برمضان) . وَهَذَا يُعَارض حَدِيث عَائِشَة، وَكَذَلِكَ روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سَالم بن أبي الْجَعْد عَن أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة، قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين إلَاّ شعْبَان ورمضان) . وَهَذَا أَيْضا يُعَارضهُ. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: رُوِيَ عَن ابْن الْمُبَارك أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ: هُوَ جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب إِذا صَامَ أَكثر الشَّهْر أَن يُقَال: صَامَ الشَّهْر كُله، وَيُقَال: قَامَ فلَان ليله أجمع، وَلَعَلَّه تعشى واشتغل بِبَعْض أمره، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: كَانَ ابْن الْمُبَارك قد رأى كلا الْحَدِيثين متفقين، يَقُول: إِنَّمَا معنى هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ يَصُوم أَكثر الشَّهْر. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: هَذَا فِيهِ مَا فِيهِ، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ إلَاّ شعْبَان ورمضان، فعطف رَمَضَان عَلَيْهِ يبعد أَن يكون المُرَاد بشعبان أَكْثَره، إِذْ لَا جَائِز أَن يكون المُرَاد برمضان بعضه، والعطف يَقْتَضِي الْمُشَاركَة فِيمَا عطف عَلَيْهِ، وَإِن مَشى ذَلِك فَإِنَّمَا يمشي على رَأْي من يَقُول: إِن اللَّفْظ الْوَاحِد يحمل على حَقِيقَته ومجازه، وَفِيه خلاف لأهل الْأُصُول. انْتهى. قلت: لَا يمشي هُنَا مَا قَالَه على رَأْي الْبَعْض أَيْضا، لِأَن من قَالَ ذَلِك قَالَ فِي اللَّفْظ الْوَاحِد، وَهنا لفظان: شعْبَان ورمضان، وَقَالَ ابْن التِّين: إِمَّا أَن يكون فِي أَحدهمَا وهم، أَو يكون فعل هَذَا وَهَذَا، أَو أطلق الْكل على الْأَكْثَر مجَازًا. وَقيل: كَانَ يَصُومهُ كُله فِي سنة وَبَعضه فِي سنة أُخْرَى، وَقيل: كَانَ يَصُوم تَارَة من أَوله وَتارَة من آخِره وَتارَة مِنْهُمَا، لَا يخلي مِنْهُ شَيْئا بِلَا صِيَام.

فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيصه شعْبَان بِكَثْرَة الصَّوْم؟ قلت: لكَون أَعمال الْعِبَادَة ترفع فِيهِ. فَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث أُسَامَة (قلت: يَا رَسُول الله {أَرَاك لَا تَصُوم من شهر من الشُّهُور مَا تَصُوم من شعْبَان؟ قَالَ: ذَاك شهر ترفع فِيهِ الْأَعْمَال إِلَى رب الْعَالمين فَأحب أَن يرفع عَمَلي وَأَنا صَائِم) . وَرُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا (قَالَت لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا لي أَرَاك تكْثر صيامك فِيهِ؟ قَالَ: يَا عَائِشَة} إِنَّه شهر ينْسَخ فِيهِ ملك الْمَوْت من يقبض، وَأَنا أحب أَن لَا ينْسَخ إسمي إلَاّ وَأَنا صَائِم) . قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: غَرِيب من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة بِهَذَا اللَّفْظ، رَوَاهُ ابْن أبي الفوارس فِي أصُول أبي الْحسن الحمامي عَن شُيُوخه، وَعَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن نصر بن كثير عَن يحيى بن سعيد عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: لما كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان انْسَلَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من مِرْطِي) الحَدِيث. وَفِي آخِره: (هَل تَدْرِي مَا فِي هَذِه اللَّيْلَة؟ قَالَت: مَا فِيهَا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: فِيهَا أَن يكْتب كل مَوْلُود من بني آدم فِي هَذِه السّنة. وفيهَا أَن يكْتب كل هَالك من بني آدم فِي هَذِه السّنة، وفيهَا ترفع

أَعْمَالهم، وفيهَا: تنزل أَرْزَاقهم) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب (الْأَدْعِيَة) وَقَالَ: فِيهِ بعض من يجهل. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث صَدَقَة بن مُوسَى عَن ثَابت عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (سُئِلَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَي الصَّوْم أفضل بعد رَمَضَان؟ قَالَ: شعْبَان، لتعظيم رَمَضَان. وَسُئِلَ: أَي الصَّدَقَة أفضل؟ قَالَ: صَدَقَة فِي رَمَضَان) . ثمَّ قَالَ: حَدِيث غَرِيب، وَصدقَة لَيْسَ عِنْدهم بِذَاكَ الْقوي، وَقد رُوِيَ أَن هَذَا الصّيام كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ يلْتَزم صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، كَمَا قَالَ ابْن عمر، فَرُبمَا يشْتَغل عَن صيامها أشهرا فَيجمع ذَلِك كُله فِي شعْبَان، فيتداركه قبل رَمَضَان، حَكَاهُ ابْن بطال، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أرى الْإِكْثَار فِيهِ أَنه يَنْقَطِع عَنهُ التَّطَوُّع برمضان، وَقيل: يجوز أَنه كَانَ يَصُوم صَوْم دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام، فَيبقى عَلَيْهِ بَقِيَّة يعملها فِي هَذَا الشَّهْر.

وَجمع الْمُحب الطَّبَرِيّ فِيهِ سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه كَانَ يلْتَزم صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، فَرُبمَا تَركهَا فيتداركها فِيهِ. ثَانِيهَا: تَعْظِيمًا لرمضان. ثَالِثهَا: أَنه ترفع فِيهِ الْأَعْمَال. رَابِعهَا: لِأَنَّهُ يغْفل عَنهُ النَّاس. خَامِسهَا: لِأَنَّهُ تنسخ فِيهِ الْآجَال. سادسها: أَن نِسَاءَهُ كن يصمن فِيهِ مَا فاتهن من الْحيض فيتشاغل عَنهُ بِهِ، وَالْحكمَة فِي كَونه لم يستكمل غير رَمَضَان لِئَلَّا يظنّ وُجُوبه. فَإِن قلت: صَحَّ فِي مُسلم: أفضل الصَّوْم بعد رَمَضَان شهر الله الْمحرم، فَكيف أَكثر مِنْهُ فِي شعْبَان؟ ويعارضه أَيْضا رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (أَي الصَّوْم أفضل بعد رَمَضَان؟ قَالَ: شعْبَان) . قلت: لَعَلَّه كَانَ يعرض لَهُ فِيهِ إعذار من سفر أَو مرض أَو غير ذَلِك، أَو لَعَلَّه لم يعلم بِفضل الْمحرم إلَاّ فِي آخر عمره قبل التَّمَكُّن مِنْهُ، وَلِأَن مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ لَا يُقَاوم مَا رَوَاهُ مُسلم.

قَوْله: (أَكثر صياما) كَذَا هُوَ بِالنّصب عِنْد أَكثر الروَاة، وَحكى السُّهيْلي أَنه رُوِيَ بالخفض، قيل: هُوَ وهم، وَلَعَلَّ بعض النساخ كتب الصّيام بِغَيْر ألف على رَأْي من يقف على الْمَنْصُوب بِغَيْر ألف فَتوهم مخفوضا، أَو ظن بعض الروَاة أَنه مُضَاف إِلَيْهِ، فَلَا يَصح ذَلِك، وَأما لَفْظَة: أَكثر، فَإِنَّهُ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان لقَوْله: (وَمَا رَأَيْته) . قَوْله: (من شعْبَان) ، وَزَاد يحيى بن أبي كثير فِي رِوَايَته: (فَإِنَّهُ كَانَ يَصُوم شعْبَان كُله) ، وَزَاد ابْن أبي لبيد: (عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَكثر صياما مِنْهُ فِي شعْبَان، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُوم شعْبَان إلَاّ قَلِيلا) . وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن أبي سَلمَة (عَن عَائِشَة، أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيْت النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي شهر أَكثر صياما فِيهِ فِي شعْبَان، كَانَ يَصُومهُ إلَاّ قَلِيلا، بل كَانَ يَصُومهُ كُله) . انْتهى.

قَالُوا: معنى: كُله، أَكْثَره، فَيكون مجَازًا. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه: الأول: أَن هَذَا الْمجَاز قَلِيل الِاسْتِعْمَال جدا. وَالثَّانِي: أَن لَفْظَة: كل، تَأْكِيد لإِرَادَة الشُّمُول، وَتَفْسِيره بِالْبَعْضِ منَاف لَهُ. وَالثَّالِث: أَن فِيهِ كلمة الإضراب، وَهِي تنَافِي أَن يكون المُرَاد الْأَكْثَر، إِذْ لَا يبْقى فِيهِ حِينَئِذٍ فَائِدَة، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِيهِ: إِنَّه بِاعْتِبَار عَاميْنِ فَأكْثر، فَكَانَ يَصُومهُ كُله فِي بعض السنين، وَكَانَ يَصُوم أَكْثَره فِي بعض السنين، وَذكر بعض الْعلمَاء إِنَّه وَقع مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصل شعْبَان برمضان وفصله مِنْهُ وَذَلِكَ فِي سنتَيْن فَأكْثر، وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) : فإنَّ وَصلَ شعْبَان برمضان فَجَائِز، فعل ذَلِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرّة، وَفصل مرَارًا كَثِيرَة، انْتهى. قلت: على هَذَا الْوَجْه يبعد وجوده مَنْصُوصا عَلَيْهِ فِي الحَدِيث، نعم، وَقع مِنْهُ الْوَصْل والفصل، أما الْوَصْل فَهُوَ فِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ عَن أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة، قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين إلَاّ شعْبَان ورمضان) . وَأما الْفَصْل فَفِي حَدِيث أبي دَاوُد من رِوَايَة عبد الله بن أبي قيس (عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتحفظ من هِلَال شعْبَان مَا لَا يتحفظ من غَيره، ثمَّ يَصُوم لرمضان، فَإِن غم عَلَيْهِ عد ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ صَامَ) . وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: (هَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك، وَقَالَ: هَذَا صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَلم يخرجَاهُ، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يصل شعْبَان برمضان) . وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث أبي ثَعْلَبَة بِلَفْظ: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم شعْبَان ورمضان يصلهمَا) . وَفِي إِسْنَاده الْأَحْوَص بن حَكِيم وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ حَدِيث أبي أُمَامَة وَفِي إِسْنَاده يُوسُف بن عَطِيَّة وَهُوَ ضَعِيف.

فَإِن قلت: كَيفَ التَّوْفِيق بَين هَذِه الْأَحَادِيث وَبَين حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن؟ فَأَبُو دَاوُد من حَدِيث الدَّرَاورْدِي وَالتِّرْمِذِيّ كَذَلِك، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي العميس، وَابْن مَاجَه من رِوَايَة مُسلم بن خَالِد، كلهم عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا بَقِي نصف من شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ، وَلَفظ أبي دَاوُد: (إِذا انتصف شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، وَلَفظ النَّسَائِيّ:

(فكفوا عَن الصَّوْم) ، وَلَفظ ابْن مَاجَه: (إِذا كَانَ النّصْف من شعْبَان فَلَا صَوْم) ، وَفِي لفظ ابْن حبَان: (فأفطروا حَتَّى يَجِيء رضمان) ، وَفِي لفظ ابْن عدي: (إِذا انتصف شعْبَان فأفطروا) ، وَفِي لفظ الْبَيْهَقِيّ: (إِذا مضى النّصْف من شعْبَان فأمسكوا عَن الصّيام حَتَّى يدْخل رَمَضَان) قلت: أما أَولا: فقد اخْتلف فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث، فصححه التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَابْن عَسَاكِر وَابْن حزم، وَضَعفه أَحْمد فِيمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي دَاوُد، قَالَ: قَالَ أَحْمد: هَذَا حَدِيث مُنكر، قَالَ: وَكَانَ عبد الرَّحْمَن لَا يحدث بِهِ) وَأما ثَانِيًا: فَقَالَ قوم، مِمَّن لَا يَقُول بِحَدِيث الْعَلَاء: بِأَن أَبَا هُرَيْرَة كَانَ يَصُوم فِي النّصْف الثَّانِي من شعْبَان، فَدلَّ على أَن مَا رَوَاهُ مَنْسُوخ، وَقيل: يحمل النَّهْي على من لم يدْخل تِلْكَ الْأَيَّام فِي صِيَام أَو عبَادَة.

٠٧٩١ - حدَّثنا مُعاذُ بنُ فَضَالَةَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ عنُ يَحْيَى عنْ أبِي سَلَمَةَ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا حدَّثَتْهُ قالَتْ لَمْ يَكُنْ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُومُ شَهْرا أكْثَرَ مِنْ شَعْبانَ فإنَّهُ كانَ يَصُومُ شَعْبانَ كُلَّهُ وكانَ يَقُولُ خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فإنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَأحَبُّ الصَّلاةِ إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وإنْ قَلَّتْ وكانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً دَاوَمَ عَلَيْهَا. (انْظُر الحَدِيث ٩٦٩١ وطرفه) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِشَام هُوَ الدستوَائي، وَيحيى هُوَ ابْن أبي كثير، والْحَدِيث أخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ فِي الصَّوْم أَيْضا عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن معَاذ بن هِشَام عَن أَبِيه بِهِ.

قَوْله: (كُله) قَالَ فِي (التَّوْضِيح) : أَي: أَكْثَره، وَقد جَاءَ عَنْهَا مُفَسرًا: (كَانَ يَصُوم شعْبَان أَو عَامَّة شعْبَان) ، وَفِي لفظ: كَانَ يَصُومهُ كُله إلَاّ قَلِيلا) ، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريبن. قَوْله: (خُذُوا من الْعَمَل مَا تطيقون) أَي تطيقون الدَّوَام عَلَيْهِ بِلَا ضَرَر أَو اجْتِنَاب التعمق فِي جَمِيع أَنْوَاع الْعبارَات قَوْله: (فَإِن الله لَا يمل) قَالَ النَّوَوِيّ: الْملَل والسامة بِالْمَعْنَى الْمُتَعَارف فِي حَقنا، وَهُوَ محَال فِي حق الله تَعَالَى، فَيجب تَأْوِيل الحَدِيث، فَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ: مَعْنَاهُ: لَا يعاملكم مُعَاملَة الْملَل فَيقطع عَنْكُم ثَوَابه وفضله وَرَحمته حَتَّى تقطعوا أَعمالكُم. وَقيل: مَعْنَاهُ لَا يمل إِذا مللتم، و: حَتَّى، بِمَعْنى: حِين، وَقَالَ الْهَرَوِيّ: لَا يمل أبدا مللتم أم لَا تملوا. وَقيل: سمي مللاً على معنى الأزدواج، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ} (الْبَقَرَة: ٤٩١) . فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا يقطع عَنْكُم فَضله حَتَّى تملوا سُؤَاله. وَقَالَ الْكرْمَانِي: إِطْلَاق الْملَل على الله تَعَالَى إِطْلَاق مجازي عَن ترك الْجَزَاء. قَوْله: (مَا دووم عَلَيْهِ) ، بواوين، وَفِي بعض النّسخ بواو، وَالصَّوَاب الأول لِأَنَّهُ مَجْهُول، ماضٍ من المداومة من: بَاب المفاعلة، ويروي (مَا ديم عَلَيْهِ) وَهُوَ مَجْهُول دَامَ، وَالْأول مَجْهُول داوم، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الديمة الْمَطَر الدَّائِم فِي سُكُون، شبه عمله فِي دَوَامه مَعَ الاقتصاد بديمة الْمَطَر، وَأَصله الْوَاو فَانْقَلَبت يَاء لكسرة مَا قبلهَا، وَقد مر هَذَا الْكَلَام فِي هَذِه الْأَلْفَاظ فِي كتاب الْإِيمَان فِي: بَاب أحب الدّين إِلَى الله تَعَالَى أَدْوَمه.

٣٥ - (بابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْمِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإفْطَارِهِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان مَا يذكر من صَوْم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من التَّطَوُّع وَبَيَان إفطاره فِي خلال صَوْمه، قيل: لم يضف البُخَارِيّ التَّرْجَمَة الَّتِي قبل هَذِه للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وأطلقها ليفهم التَّرْغِيب للْأمة فِي الِاقْتِدَاء بِهِ فِي إكثار الصَّوْم فِي شعْبَان، وَقصد بِهَذِهِ التَّرْجَمَة شرح حَال النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي ذَلِك. قلت: الْبَاب السَّابِق أَيْضا فِي شرح حَال النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي صَوْمه وَصلَاته، غير أَنه أطلق التَّرْجَمَة فِي ذَلِك لإِظْهَار فضل شعْبَان وَفضل الصَّوْم فِيهِ.

١٧٩١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ أبِي بِشْرٍ عنْ سَعيدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ مَا صَامَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شَهْرا كامِلاً قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ ويَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا وَالله لَا يُفْطِرُ ويُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ لَا وَالله لَا يَصُومُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَنه يبين صَوْمه وفطره.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة

الْمنْقري التَّبُوذَكِي. الثَّانِي: أَبُو عوَانَة، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْوَاو وَبعد الْألف نون، واسْمه: الوضاح بن عبد الله الْيَشْكُرِي. الثَّالِث: أَبُو بشر، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة: واسْمه جَعْفَر بن أبي وحشية إِيَاس الْيَشْكُرِي. الرَّابِع: سعيد بن جُبَير. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن شَيْخه بَصرِي وَشَيخ شَيْخه وَأَبا بشر واسطيان، وَقيل: أَبُو بشر بَصرِي وَسَعِيد بن جُبَير كُوفِي. وَفِيه: أَبُو بشر عَن سعيد وَفِي رِوَايَة شُعْبَة حَدثنِي سعيد بن جُبَير، وَلمُسلم من طَرِيق عُثْمَان بن حَكِيم: سَأَلت سعيد بن جُبَير عَن صِيَام رَجَب؟ فَقَالَ: سَمِعت ابْن عَبَّاس ...

ذكر من أخرجه غَيره: أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي عَن أبي عوَانَة بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن بشار وَأبي بكر بن نَافِع، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن مَحْمُود بن غيلَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه جَمِيعًا فِيهِ عَن مُحَمَّد ابْن بشار بِهِ.

قَوْله: (ويصوم) ، فِي رِوَايَة مُسلم من الطَّرِيق الَّتِي أخرجهَا البُخَارِيّ: (وَكَانَ يَصُوم) . قَوْله: (غير رَمَضَان) ، قَالَ الْكرْمَانِي: تقدم أَنه كَانَ يَصُوم شعْبَان كُله، ثمَّ قَالَ: إِمَّا أَنه أَرَادَ بِالْكُلِّ معظمه، وَإِمَّا أَنه مَا رأى إلَاّ رَمَضَان، فَأخْبر بذلك على حسب اعْتِقَاده.

٢٧٩١ - حدَّثني عَبْدُ العَزِيز بنُ عَبْدِ الله قالَ حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ أنَّهُ سَمِعَ أنسا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَقُولُ كانِ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ ويَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أنْ لَا يُفُطِرَ مِنْهُ شَيْئا وكانَ لَا تَشاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيا إلَاّ رأيْتَهُ ولَا نَائِما إلَا رأيْتَهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه يذكر عَن صَوْمه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَعَن إفطاره على الْوَجْه الْمَذْكُور فِيهِ.

وَرِجَاله أَرْبَعَة: عبد الْعَزِيز ابْن عبد الله بن يحيى أَبُو الْقَاسِم الْقرشِي العامري الأويسي الْمدنِي وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ، وَمُحَمّد بن جَعْفَر بن أبي كثير الْمدنِي، وَحميد الطَّوِيل الْبَصْرِيّ.

وَالْبُخَارِيّ أخرجه أَيْضا فِي صَلَاة اللَّيْل بِهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه، وبعين هَذَا الْمَتْن، وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ، ونتكلم هُنَا لزِيَادَة التَّوْضِيح وَإِن كَانَ فِيهِ تكْرَار فَلَا بَأْس بِهِ.

قَوْله: (حَتَّى نظن) فِيهِ ثَلَاثَة أوجه الأول: نظن، بنُون الْجمع، وَالثَّانِي: تظن، بتاء الْمُخَاطب، وَالثَّالِث: يظنّ، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف على بِنَاء الْمَجْهُول. قَوْله: (أَن لَا يَصُوم) ، بِفَتْح همزَة: أَن، وَيجوز فِي يَصُوم الرّفْع وَالنّصب، لِأَن: أَن، إِمَّا ناصبة، و: لَا، نَافِيَة، وَإِمَّا مفسرة. و: لَا ناهية. قَوْله: (وَكَانَ لَا تشاءُ ترَاهُ) أَي: كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تشَاء، بتاء الْخطاب، وَكَذَلِكَ ترَاهُ. وَقَوله: (إلَاّ رَأَيْته) ، بِفَتْح التَّاء، وَمَعْنَاهُ: أَن حَاله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي التَّطَوُّع بالصيام وَالْقِيَام كَانَ يخْتَلف، فَكَانَ تَارَة يَصُوم من أول الشَّهْر، وَتارَة من وَسطه، وَتارَة من آخِره كَمَا كَانَ يُصَلِّي تَارَة من أول اللَّيْل وَتارَة من وَسطه وَتارَة من آخِره، فَكَانَ من أَرَادَ أَن يرَاهُ فِي وَقت من أَوْقَات اللَّيْل قَائِما، أَو فِي وَقت من أَوْقَات النَّهَار صَائِما، فراقبه مرّة بعد مرّة فَلَا بُد أَن يصادفه قَائِما أَو صَائِما على وفْق مَا أَرَادَ أَن يرَاهُ، وَهَذَا معنى الْخَبَر، وَلَيْسَ المُرَاد أَنه كَانَ يسْرد الصَّوْم، وَلَا أَنه كَانَ يستوعب اللَّيْل قَائِما. وَقَالَ الْكرْمَانِي: كَيفَ يُمكن أَنه مَتى شَاءَ يرَاهُ مُصَليا وَيَرَاهُ نَائِما. ثمَّ قَالَ: غَرَضه أَنه كَانَت لَهُ حالتان يكثر هَذَا على ذَاك مرّة، وَبِالْعَكْسِ أُخْرَى؟ فَإِن قلت: يُعَارض هَذَا قَول عَائِشَة فِي الحَدِيث الَّذِي مضى قبله: (وَكَانَ إِذا صلى صَلَاة دَامَ عَلَيْهَا) . وَقَوله: الَّذِي سَيَأْتِي فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى: (وَكَانَ عمله دِيمَة) ؟ قلت: المُرَاد بِذَاكَ مَا اتَّخذهُ راتبا، لَا مُطلق النَّافِلَة.

وَقَالَ سُلَيْمَانُ عنْ حُمَيْدٍ أنَّهُ سَألَ أنَسا فِي الصَّوْمِ

قَالَ بَعضهم: كنت أَظن أَن سُلَيْمَان هَذَا هُوَ ابْن بِلَال لَكِن لم أره بعد التتبع التَّام من حَدِيثه فَظهر أَنه سُلَيْمَان بن حَيَّان أَبُو خَالِد الْأَحْمَر. انْتهى. قلت: هَذَا الْكرْمَانِي قَالَ: سُلَيْمَان هُوَ أَبُو خَالِد الْأَحْمَر ضد الْأَبْيَض من غير ظن وَلَا حسبان، وَلَو قَالَ مثل مَا قَالَه لم يحوجه شَيْء إِلَى مَا قَالَه، وَلكنه كَأَنَّهُ لما رأى كَلَام الْكرْمَانِي لم يعْتَمد عَلَيْهِ لقلَّة مبالاته، ثمَّ لما فتش بتتبع تَامّ ظهر لَهُ أَن الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي هُوَ هُوَ، وَفِي جملَة الْأَمْثَال: خبز الشّعير يُؤْكَل ويذم، وَقد وصل البُخَارِيّ هَذَا الَّذِي ذكره مُعَلّقا

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.5 / 29.5
الإضاءة 85%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله وبحمده