الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٦٨
الحديث رقم ١٩٦٨ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح البخاري، تحت باب: باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
جعل النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء عقد أخوة، فزار سلمان أبا الدرداء فوجد امرأته ليس عليها ثياب المرأة المتزوجة أي: ثياب ليست جميلة فسألها عن ذلك فأجابته أن أخاه أبا الدرداء معرض عن الدنيا وعن الأهل وعن الأكل وعن كل شيء.
فلما جاء أبو الدرداء صنع لسلمان طعاماً وقدمه إليه وكان أبو الدرداء صائماً فأمره سلمان أن يفطر وذلك لعلمه أنه يصوم دائماً فأكل أبو الدرداء ثم لما أراد أبو الدرداء قيام الليل أمره سلمان أن ينام إلى أن كان آخر الليل قاما وصليا جميعاً وأراد سلمان أن يبين لأبي الدرداء أن الإنسان لا ينبغي له أن يكلف نفسه بالصيام والقيام وإنما يصلي ويقوم على وجه يحصل به الخير ويزول به التعب والمشقة والعناء.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ شَيْخُ اللَّيْثِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُثَقَّلَةٌ مَدَنِيٌّ مِنْ مَوَالِي الْأَنْصَارِ لَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَةً إِلَّا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْمُصَنِّفُ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ هَذَا ثَانِيهَا، وَتَوَقَّفَ الْجَوْزَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ حَالِهِ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَةِ حَدِيثِ الْوِصَالِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِشْرُ بْنُ حَرْبٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِهِ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ تَقْيِيدُ وِصَالِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ إِلَى السَّحَرِ، وَلَفْظُهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، فَفَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ذَلِكَ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ. وَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا، فَإِنَّ مُقْتَضَى حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ النَّهْيُ عَنِ الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ، وَصَرِيحَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْإِذْنُ بِالْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ، وَالْمَحْفُوظَ فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ إِطْلَاقُ النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالسَّحَرِ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَرِوَايَةُ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ هَذِهِ شَاذَّةٌ، وَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَهُوَ أَضْبَطُ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ فَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ مَحْفُوظَةً فَقَدْ أَشَارَ ابْنُ خُزَيْمَةَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَهَى ﷺ عَنِ الْوِصَالِ أَوَّلًا مُطْلَقًا سَوَاءٌ جَمِيعَ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضَهُ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، ثُمَّ خُصَّ النَّهْيُ بِجَمِيعِ اللَّيْلِ فَأَبَاحَ الْوِصَالَ إِلَى السَّحَرِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، أَوْ يُحْمَلُ النَّهْيُ فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَالنَّهْيُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى مَا فَوْقَ السَّحَرِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥١ - بَاب مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ
١٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ، أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ له: كُلْ. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ. قَالَ: فَأَكَلَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ. قَالَ: نَمْ. فَنَامَ. ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ. فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الْآنَ؛ فَصَلَّيَا. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: صَدَقَ سَلْمَانُ.
[الحديث ١٩٦٨ - طرفه في ٦١٣٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ فِي قِصَّةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَلْمَانَ، فَأَمَّا ذِكْرُ الْقَسَمِ فَلَمْ يَقَعْ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي سَاقَهَا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ، إِلَّا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَقَدْ أَقَرَّهُ الشَّارِعُ، وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لَهُ مَعَ حَاجَتِهِ إِلَى الْبَيَانِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: صَنَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَلَمَّا وُضِعَ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ: دَعَاكَ أَخُوكَ وَتَكَلَّفَ لَكَ، أَفْطِرْ وَصُمْ مَكَانَهُ إِنْ شِئْتَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ الْإِيجَابِ، وَقَوْلُهُ: إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ قَدْ يُفْهَمُ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْجَوَازَ وَعَدَمَ الْقَضَاءِ لِمَنْ كَانَ مَعْذُورًا بِفِطْرِهِ لَا مَنْ تَعَمَّدَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ.
(تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: أَوْفَقَ لَهُ يُرْوَى بِالْوَاوِ السَّاكِنَةِ، وَبِالرَّاءِ بَدَلَ الْوَاوِ، وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، اسْمُهُ عُتْبَةُ ; وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَلَا رَأَيْتُ لَهُ رَاوِيًا عَنْهُ إِلَّا جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، وَإِلَى تَفَرُّدِهِمَا بِذَلِكَ أَشَارَ الْبَزَّارُ.
قَوْلُهُ: (آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) ذَكَرَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي أَنَّ الْمُؤَاخَاةَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى قَبْلَ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَالْمُنَاصَرَةِ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أُخُوَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ثُمَّ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ، وَذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةُ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ قُدُومِهِ ﷺ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَالْمَسْجِدُ يُبْنَى، وَقَدْ سَمَّى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً مِنْهُمْ: أَبُو ذَرٍّ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فَأَبُو ذَرٍّ مُهَاجِرِيٌّ، وَالْمُنْذِرُ أَنْصَارِيٌّ. وَأَنْكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ؛ لِأَنَّ أَبَا ذَرٍّ مَا كَانَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدُ، وَإِنَّمَا قَدِمَهَا بَعْدَ سَنَةِ ثَلَاثٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَيْضًا الْأُخُوَّةَ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ كَالَّذِي هُنَا، وَتَعَقَّبَهُ الْوَاقِدِيُّ أَيْضًا فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ سَلْمَانَ إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَأَوَّلُ مَشَاهَدِهِ الْخَنْدَقُ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ التَّارِيخَ الْمَذْكُورَ لِلْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ ابْتِدَاءُ الْأُخُوَّةِ، ثُمَّ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤَاخِي بَيْنَ مَنْ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَلَيْسَ بِاللَّازِمِ أَنْ تَكُونَ الْمُؤَاخَاةُ وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَرِدَ هَذَا التَّعَقُّبُ، فَصَحَّ مَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَأَيَّدَهُ هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ وَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ بِهَذَا التَّقْرِيرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَاعْتَرَضَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ كُلَّ مُؤَاخَاةٍ وَقَعَتْ بَعْدَ بَدْرٍ يَقُولُ: قَطَعَتْ بَدْرٌ الْمَوَارِيثَ.
قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَدْفَعُ الْمُؤَاخَاةَ مِنْ أَصْلِهَا، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ الْمُؤَاخَاةَ الْمَخْصُوصَةَ الَّتِي كَانَتْ عُقِدَتْ بَيْنَهُمْ لِيَتَوَارَثُوا بِهَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِ التَّوَارُثِ الْمَذْكُورِ أَنْ لَا تَقْعَ الْمُؤَاخَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَنِحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ هَذِهِ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَلْمَانَ فَذَكَرَ قِصَّةً لَهُمَا غَيْرَ الْمَذْكُورَةِ هُنَا، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَنَزَلَ سَلْمَانُ الْكُوفَةَ وَنَزَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ الشَّامَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
قَوْلُهُ: (فَزَارَ سَلْمَانُ، أَبَا الدَّرْدَاءِ) يَعْنِي: فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ أَبَا الدَّرْدَاءِ غَائِبًا.
قَوْلُهُ: (مُتَبَذِّلَةً) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: لَابِسَةً ثِيَابَ الْبِذْلَةِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ وَهِيَ الْمِهْنَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا تَارِكَةٌ لِلُبْسِ ثِيَابِ الزِّينَةِ. ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ مُبْتَذِلَةً بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَزْنَ مُفْتَعِلَةٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَفِي تَرْجَمَةِ سَلْمَانَ مِنَ الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ سَلْمَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ فَرَأَى امْرَأَتَهُ رَثَّةَ الْهَيْئَةِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرَةً. وَأُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ هِيَ خَيْرَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بِنْتُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيَّةُ صَحَابِيَّةٌ بِنْتُ صَحَابِيٍّ، وَحَدِيثُهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَمَاتَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ قَبْلَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَلِأَبِي الدَّرْدَاءِ أَيْضًا امْرَأَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَابِعِيَّةٌ اسْمُهَا هَجِيمَةُ عَاشَتْ بَعْدَهُ دَهْرًا وَرَوَتْ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ)؟ زَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: يَا أُمَّ الدَّرْدَاءِ
أَمُتَبَذِّلَةً؟.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا) فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ فِي نِسَاءِ الدُّنْيَا وَزَادَ فِيهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ) زَادَ التِّرْمِذِيُّ فَرَحَّبَ بِسَلْمَانَ وَقَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَامًا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ: كُلْ. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْقَائِلُ كُلْ هُوَ سَلْمَانُ وَالْمَقُولُ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ الْمُجِيبُ بِإِنِّي صَائِمٌ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: فَقَالَ: كُلْ، فَإِنِّي صَائِمٌ وَعَلَى هَذَا فَالْقَائِلُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَالْمَقُولُ لَهُ سَلْمَانُ وَكِلَاهُمَا يُحْتَمَلُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَلْمَانَ وَهُوَ الضَّيْفُ أَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامِ أَبِي الدَّرْدَاءِ حَتَّى يَأْكُلَ مَعَهُ، وَغَرَضُهُ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ رَأْيِهِ فِيمَا يَصْنَعُهُ مِنْ جَهْدِ نَفْسِهِ فِي الْعِبَادَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَكَتْهُ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ) فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُفْطِرَنَّ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانَ ابْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ كُلُّهُمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ بِهِ، فَكَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ بَشَّارٍ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَبَلَغَ الْبُخَارِيَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ فَاسْتَعْمَلَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي التَّرْجَمَةِ مُشِيرًا إِلَى صِحَّتِهَا وَإِنَّ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَتِهِ، وَقَدْ أَعَادَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَيْضًا، وَأَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ كَابْنِ الْمُنِيرِ: إِنَّ الْقَسَمَ فِي هَذَا السِّيَاقِ مُقَدَّرٌ قَبْلَ لَفْظِ مَا أَنَا بِآكِلٍ كَمَا قُدِّرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ وَتَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ بَابُ صُنْعِ الطَّعَامِ وَالتَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ سَلْمَانَ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يُقَرِّبُ لِضَيْفِهِ مَا عِنْدَهُ وَلَا يَتَكَلَّفُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَيَسُوغُ حِينَئِذٍ التَّكَلُّفُ بِالطَّبْخِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ) أَيْ: فِي أَوَّلِهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِ ثُمَّ بَاتَ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ) فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَتَمْنَعُنِي أَنْ أَصُومَ لِرَبِّي وَأُصَلِّيَ لِرَبِّي.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ) أَيْ: عِنْدَ السَّحَرِ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ ولِلدّارَقُطْنِيِّ فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ.
قَوْلُهُ: (فَصَلَّيَا) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: فَقَامَا فَتَوَضَّآ ثُمَّ رَكَعَا ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) زَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ: وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ: فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ، وَائْتِ أَهْلَكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: فَأَتَيَا بِالتَّثْنِيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَدَنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيُخْبِرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالَّذِي قَالَ لَهُ سَلْمَانُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا مِثْلَ مَا قَالَ سَلْمَانُ، فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنَّهُ عَلِمَ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ مَا دَارَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، فَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَنَّهُ كَاشَفَهُمَا بِذَلِكَ أَوَّلًا ثُمَّ أَطْلَعَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى صُورَةِ الْحَالِ، فَقَالَ لَهُ: صَدَقَ سَلْمَانُ.
وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مُرْسَلًا فَعَيَّنَ اللَّيْلَةَ الَّتِي بَاتَ سَلْمَانُ فِيهَا عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَلَفْظُهُ: قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يُحْيِي لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَصُومُ يَوْمَهَا، فَأَتَاهُ سَلْمَانُ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرَةً وَزَادَ فِي آخِرِهَا: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عُوَيْمِرُ، سَلْمَانُ أَفْقَهُ مِنْكَ انْتَهَى، وَعُوَيْمِرُ اسْمُ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ أُوتِيَ سَلْمَانُ مِنَ الْعِلْمِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ: لَقَدْ أُشْبِعَ سَلْمَانُ عِلْمًا.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَشْرُوعِيَّةُ الْمُؤَاخَاةِ فِي اللَّهِ، وَزِيَارَةُ الْإِخْوَانِ وَالْمَبِيتُ عِنْدَهُمْ، وَجَوَازُ مُخَاطَبَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَالسُّؤَالُ عَمَّا يَتَرَتَّبُ
عَلَيْهِ الْمَصْلَحَةُ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّائِلِ، وَفِيهِ النُّصْحُ لِلْمُسْلِمِ وَتَنْبِيهُ مَنْ أَغْفَلَ، وَفِيهِ فَضْلُ قِيَامِ آخِرِ اللَّيْلِ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ تَزَيُّنِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَثُبُوتُ حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ فِي حُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ثُبُوتُ حَقِّهَا فِي الْوَطْءِ لِقَوْلِهِ: وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ثُمَّ قَالَ: وَائْتِ أَهْلَكَ وَقَرَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ النَّهْيِ عَنِ الْمُسْتَحَبَّاتِ إِذَا خَشِيَ أَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى السَّآمَةِ وَالْمَلَلِ وَتَفْوِيتِ الْحُقُوقِ الْمَطْلُوبَةِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْمَنْدُوبَةِ الرَّاجِحِ فِعْلُهَا عَلَى فِعْلِ الْمُسْتَحَبِّ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا الْوَعِيدُ الْوَارِدُ عَلَى مِنْ نَهَى مُصَلِّيًا عَنِ الصَّلَاةِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ نَهَاهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا. وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ الْحَمْلِ عَلَى النَّفْسِ فِي الْعِبَادَةِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
وَفِيهِ جَوَازُ الْفِطْرِ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ كَمَا تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَلَمْ يَجْعَلُوا عَلَيْهِ قَضَاءً إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا كَمَنْ ذَهَبَ بِمَالٍ لِيَتَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِهِ وَأَمْسَكَ بَعْضَهُ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَكُنْتِ تَقْضِينَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَلَا بَأْسَ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنْ كَانَ مِنْ قَضَاءٍ فَصَوْمِي مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِهِ وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَقْضِهِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
وَعَنْ مَالِكٍ الْجَوَازُ وَعَدَمُ الْقَضَاءِ بِعُذْرٍ، وَالْمَنْعُ وَإِثْبَاتُ الْقَضَاءِ بِغَيْرِ عُذْرٍ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَشُبهه بِمَنْ أَفْسَدَ حَجَّ التَّطَوُّعِ فَإِنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ اتِّفَاقًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَجَّ امْتَازَ بِأَحْكَامٍ لَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ فِيهَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ يُؤْمَرُ مُفْسِدُهُ بِالْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهِ، وَالصِّيَامُ لَا يُؤْمَرُ مُفْسِدُهُ بِالْمُضِيِّ فِيهِ فَافْتَرَقَا، وَلِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَمَّنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِعُذْرٍ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ بِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَدَرَتْنِي إِلَيْهِ حَفْصَةُ وَكَانَتْ بِبَيْتِ أَبِيهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ فَقَالَ: اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ هَذَا، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، وَمَعْمَرٌ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنْ سَمِعْتُ مِنْ نَاسٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ سَأَلَ عَائِشَةَ، فَذَكَرَهُ ثُمَّ أَسْنَدَهُ كَذَلِكَ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا خَطَأٌ; وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي رِوَايَتِهِ: سُئِلَ الزُّهْرِيُّ
عَنْهُ أَهْوَ عَنْ عُرْوَةَ؟ فَقَالَ: لَا. وَقَالَ الْخَلَّالُ: اتَّفَقَ الثِّقَاتُ عَلَى إِرْسَالِهِ، وَشَذَّ مَنْ وَصَلَهُ. وَتَوَارَدَ الْحُفَّاظُ عَلَى الْحُكْمِ بِضَعْفِ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا. وَقَدْ رَوَاهُ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَنْ مَالِكٍ مَوْصُولًا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ، وَبَيَّنَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ صِيَامَهُمَا كَانَ تَطَوُّعًا. وَلَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ زُمَيْلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ بِجَهَالَةِ حَالِ زُمَيْلٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُفْطِرُ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ مَنْ نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا.
وَزَادَ فِيهِ بَعْضُهُمْ: فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ أَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ وَقَدْ ضَعَّفَ النَّسَائِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَحَكَمَ بِخَطَئِهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ عَلَى النَّدْبِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ: يُجَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ بِأَنَّ إِفْطَارَ أَبِي الدَّرْدَاءِ كَانَ لِقَسَمِ سَلْمَانَ وَلِعُذْرِ الضِّيَافَةِ، فَيُتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعُذْرَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«إذْ كان» بسكون الذَّال، يعني: حين (١) كان.
١٩٦٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمعجمة المُشدَّدة بعد المُوحَّدة العبديُّ البصريُّ بُنْدارٌ قال: (حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) المخزوميُّ القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضمِّ العين المهملة وفتح الميم وإسكان التَّحتيَّة آخره سينٌ مهملةٌ، اسمه عتبة بن عبد الله بن مسعودٍ (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المهملة وإسكان المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الفاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي (٢) جُحَيفة وهب بن عبد الله السُّوائيِّ أنَّه (قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ) بن عبد الله (٣) الفارسيِّ، ويُقال له: سلمان ابن (٤) الإسلام وسلمان الخير، أصله من رامهرمز، وقيل: من أصبهان، عاش فيما رواه أبو الشَّيخ في «طبقات الأصبهانيِّين» ثلاث مئةٍ وخمسين سنةً، ويُقال: إنَّه أدرك عيسى ابن مريم، وقيل: بل أدرك وصيَّ عيسى، وكان أوَّل مشاهده الخندق، وقال ابن عبد البرِّ: يقال: إنَّه شهد بدرًا (وَ) بين (أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُوَيمرٍ أو عامر بن قيسٍ الأنصاريِّ، أوَّل مشاهده أحدٌ (فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ) في عهده ﷺ، وكان أبو
الدَّرداء غائبًا (فَرَأَى) سلمانُ (أُمَّ الدَّرْدَاءِ) هي خَيرة -بفتح الخاء المعجمة- بنت أبي حَدْرَدٍ الأسلميَّة الصَّحابيَّة الكبرى، وليست أمَّ الدَّرداء الصُّغرى المُسمَّاة هُجَيمة (مُتَبَذِّلَةً) بضمِّ الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والموحَّدة وكسر المعجمة المُشدَّدة، أي: لابسةً ثياب البِذْلة بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، أي: المِهْنة وزنًا ومعنًى، أي: تاركةً لِلِباس الزِّينة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مُبْتَذِلةً» بميمٍ مضمومةٍ فمُوحَّدةٍ ساكنةٍ ففوقيَّةٍ مفتوحةٍ فمُعجَمةٍ مكسورةٍ.
(فَقَالَ) سلمان (لَهَا: مَا شَأْنُكِ) يا أمَّ الدَّرداء مبتذلةً؟ (قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا) وللدَّارقطنِّي من وجهٍ آخر: عن محمَّد بن عونٍ: «في نساء الدُّنيا» وزاد ابن خزيمة: «يصوم النَّهار ويقوم اللَّيل» (فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) زاد التِّرمذيُّ: فرحَّب بسلمان (فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا) وقرَّبه إليه ليأكل (فَقَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء: (كُلْ، قَالَ) أبو الدَّرداء: (فَإِنِّي صَائِمٌ) وفي رواية التِّرمذيُّ: فقال: كُلْ؛ فإنِّي صائمٌ، وعلى هذا فالقائل أبو الدَّرداء، والمقول له سلمان (قَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء: (مَا أَنَا بِآكِلٍ) من طعامك (حَتَّى تَأْكُلَ) أراد سلمان أن يصرف أبا الدَّرداء عن رأيه فيما يصنعه من جهد (١) نفسه في العبادة وغير ذلك ممَّا شَكَتْه إليه زوجتُه (قَالَ: فَأَكَلَ) أبو الدَّرداء معه، فإن قلتَ: لم يذكر في هذا الحديث قَسَمًا من سلمان حتَّى تقع المطابقة بينه وبين التَّرجمة؛ حيث قال: من أقسم على أخيه؟ قلتُ: أجاب ابن المُنيِّر بأنَّه إمَّا لأنَّه في طريقٍ آخر، وإمَّا لأنَّ القَسَم في هذا السِّياق مُقدَّرٌ قبل لفظ: ما أنا بآكلٍ؛ كما قُدِّر في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه يحتاج إلى إثبات الطَّريق الذي وقع فيه (٢) القسم، والاحتمال ليس كافيًا في ذلك، وتقدير قَسَمٍ هنا تقدير ما لا دليل عليه، فلا يُصار إليه. انتهى. وقد وقع في رواية البزَّار عن محمَّد بن بشَّارٍ شيخ المؤلِّف -كما أفاده في «الفتح» -: «فقال: أقسمت عليك لتفطرنَّ» وكذا رواه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى، والدَّارقُطنيُّ من طريق عليِّ بن مسلمٍ وغيره، والطَّبرانيُّ من طريق أبي بكرٍ وعثمان ابني أبي شيبة والعبَّاس بن عبد العظيم (٣)، وابن حبَّان من طريق أبي خيثمة، كلُّهم عن جعفر
ابن عونٍ به، فكأنَّ محمَّد بن بشَّارٍ لم يذكر هذه الجملة لمَّا حدَّث (١) به المؤلِّف، وبلغ المؤلف ذلك (٢) من غيره، فاستعمل هذه الزِّيادة في التَّرجمة.
(فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ) أي: أوَّله (ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) حال كونه (يَقُومُ) يعني: يصلِّي، وقد روى الطَّبرانيُّ هذا الحديث من وجهٍ آخر عن محمَّد بن سيرين مُرسَلًا، فعيَّن اللَّيلة التي بات سلمان فيها عند أبي الدَّرداء، ولفظه: كان أبو الدَّرداء يحيي ليلة الجمعة ويصوم يومها (قَالَ) سلمان له: (نَمْ، فَنَامَ) أبو الدَّرداء (ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ) له سلمان: (نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) عند السَّحر (قَالَ) له (سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ) فقام أبو الدَّرداء وسلمان وتَوضَّأا (فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) زاد التِّرمذيُّ وابن خزيمة: «وإنَّ لضيفك عليك حقًّا» (فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) بقطع همزة: «فأعط»، وللدَّارقطنيِّ: فصم وأفطر ونَمْ وائتِ أهلك (فَأَتَى) أبو الدَّرداء (النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ) الذي قاله سلمان (لَهُ) ﵊ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: صَدَقَ سَلْمَانُ) وللتِّرمذيِّ: «فأتيا» بالتَّثنية، وفيه: أنَّه لا يجب إتمام صوم التَّطوُّع إذا شرع فيه كصلاته واعتكافه لئلَّا يغيِّر الشُّروع حكم المشروع فيه، ولحديث التِّرمذيِّ -وصحَّحه الحاكم-: «الصَّائم (٣) المتطوِّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» ويُقاس بالصَّوم الصَّلاة ونحوها، لكن يُكرَه الخروج منه لظاهر قوله تعالى (٤): ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه؛ كما يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-إلَّا بعذر كمساعدة ضيفٍ في الأكل إذا عزَّ عليه امتناع مضيفه منه أو عكسه، فلا يُكرَه الخروج منه، بل يُستَحبُّ لحديث الباب مع زيادة التِّرمذيِّ: «وإن لضيفك عليك حقًّا»، أمَّا إذا لم يعزَّ على أحدهما امتناع الآخر من ذلك فالأفضل عدم خروجه منه، ذكره في «المجموع»، وإذا خرج منه؛ قال المتولِّي: لا يُثاب على ما مضى لأنَّ العبادة لم تتمَّ، وحكى عن الشَّافعيِّ: أنَّه يُثاب عليه، وهو الوجه إن خرج منه بعذرٍ، ويُستحَبُّ قضاؤه، سواء خرج بعذرٍ أم (٥) بغيره، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة والجمهور، وقال المالكيَّة: يجب القضاء في صوم
النَّفل بالفطر إذا كان عمدًا حرامًا، فلا قضاء على من أفطر ناسيًا، ولا على من أفطر لعذرٍ من مرضٍ أو غيره، فلو شرع في صوم نفلٍ وجب عليه إتمامه، وحرم عليه الفطر من غير عذر، ولو حلف عليه شخصٌ بالطَّلاق الثَّلاث فإنَّه يحنِّثه ولا يفطر، فإن أفطر وجب عليه القضاء إلَّا في كوالدٍ وشيخٍ وإن لم يحلفا، وفي حكايات أهل الطَّريق: أنَّ بعض الشُّيوخ حضر دعوةً فعرض الطَّعام على تلميذه، فقال: إنِّي على نيَّةٍ، وأبى أن يأكل، فقال له الشَّيخ: كُلْ وأنا أضمن لك أجر سنةٍ، فأبى، فقال الشَّيخ: دعوه؛ فإنَّه سقط من عين الله، فنسأل (١) الله العافية. وقال الحنفيَّة: يلزمه القضاء مطلقًا أفسد عن قصدٍ أو (٢) غير قصدٍ بأن عرض الحيض للصَّائمة المتطوِّعة. لا خلاف بين أصحابنا في ذلك، وإنَّما اختلاف الرِّواية في نفس الإفساد: هل يُباح أو لا؟ ظاهر الرِّواية: لا إلَّا لعذرٍ (٣)، ورواية «المنتقى» يُباح بلا عذرٍ، ثمَّ اختلف المشايخ على ظاهر الرِّواية: هل الضِّيافة عذرٌ أو لا؟ قيل: نعم، وقيل: لا، وقيل: عذرٌ قبل الزَّوال لا بعده، إلَّا إذا كان في عدم الفطر بعده عقوقٌ لأحد الوالدين لا غيرهما، حتَّى لو حلف عليه رجلٌ بالطَّلاق الثَّلاث ليفطرنَّ (٤) لا يفطر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية سيقت (٥) في معرض ذمِّهم على عدم رعاية ما التزموه من القُرَب التي لم تُكتَب عليهم، والقدر المؤدَّى عمل كذلك، فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النَّصَّين، فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا عن الإبطال، وأُجيب بأنَّ المراد: لا تحبطوا الطَّاعات بالكبائر أو بالكفر والنِّفاق، والعجب والرِّياء، والمنِّ والأذى ونحوها، وهذا غير الإبطال الموجب للقضاء، وقد قال ابن المُنيِّر من المالكيِّة في «الحاشية»: ليس في تحريم الأكل في صوم النَّفل من غير عذرٍ إلَّا الأدلَّة العامَّة كقوله (٦) تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] إلَّا أنَّ الخاصَّ يُقدَّم على العامِّ كحديث سلمان ونحوه، فمذهب الشَّافعيَّة في هذه المسألة أظهر.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٧٦٩١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قَالَ حدَّثني ابنُ أبي حازِمٍ عنْ يَزِيدَ عنْ عَبْدِ الله بنِ خَبَّابٍ عنْ أبِي سَعيد الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقُولُ لَا تُوَاصِلوا فأيُّكُمْ أرَادَ أنْ يُوَاصِلَ فلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ قالُوا فإنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رسولَ الله قَالَ إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وساقٍ يَسْقِينِي. (انْظُر الحَدِيث ٣٦٩١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأَيكُمْ أَرَادَ أَن يواصل فليواصل حَتَّى السحر) ، وَإِبْرَاهِيم بن حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، مر فِي: بَاب سُؤال جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي كتاب الْإِيمَان، وَابْن أبي حَازِم هُوَ عبد الْعَزِيز، وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ ابْن عبد الله بن الْهَاد.
وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الْوِصَال فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث عَن ابْن الْهَاد ... إِلَى آخِره. فَإِن قلت: روى ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق عُبَيْدَة بن حميد عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح (عَن أبي هُرَيْرَة كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يواصل إِلَى السحر، فَفعل بعض أَصْحَابه ذَلِك، فَنَهَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّك تفعل ذَلِك ... ؟) الحَدِيث، فَظَاهره يُعَارض حَدِيث أبي سعيد هَذَا، فَإِن فِي حَدِيث أبي صَالح إِطْلَاق النَّهْي عَن الْوِصَال، وَفِي حَدِيث أبي سعيد جَوَازه إِلَى السحر. قلت: ذكرُوا أَن رِوَايَة عُبَيْدَة بن حميد شَاذَّة، وَقد خَالفه أَبُو مُعَاوِيَة وَهُوَ أضبط أَصْحَاب الْأَعْمَش، فَلم يذكر ذَلِك، أخرجه أَحْمد وَغَيره عَن أبي مُعَاوِيَة، قيل: على تَقْدِير أَن تكون رِوَايَة عُبَيْدَة مَحْفُوظَة فَالْجَوَاب أَن ابْن خُزَيْمَة جمع بَينهمَا بِأَن يكون النَّهْي عَن الْوِصَال أَولا مُطلقًا سَوَاء فِي ذَلِك جَمِيع اللَّيْل أَو بعضه، ثمَّ خص النَّهْي بِجَمِيعِ اللَّيْل، فأباح الْوِصَال إِلَى السحر، فَيحمل حَدِيث أبي سعيد على هَذَا، وَحَدِيث عُبَيْدَة على الأول، وَقيل: يحمل النَّهْي فِي حَدِيث أبي صَالح على كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَفِي حَدِيث أبي سعيد على مَا فَوق السحر على كَرَاهَة التَّحْرِيم.
١٥ - (بابُ مَنْ أقْسَمَ عَلَى أخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ ولَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذا كانَ أوْفَقَ لَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من حلف على أَخِيه وَكَانَ صَائِما ليفطر، وَالْحَال أَنه كَانَ فِي صَوْم التَّطَوُّع، وَلم ير على هَذَا الْمُفطر قَضَاء عَن ذَلِك الْيَوْم الَّذِي أفطر فِيهِ. قَوْله: (إِذا كَانَ الْإِفْطَار أوفق لَهُ) أَي: للمفطر بِأَن كَانَ مَعْذُورًا فِيهِ، بِأَن عزم عَلَيْهِ أَخُوهُ فِي الْإِفْطَار، وَهَذَا الْقَيْد يدل على أَنه: لَا يفْطر إِذا كَانَ بِغَيْر عذر، وَلَا يتَعَمَّد ذَلِك. ويروى: إِذا كَانَ، يَعْنِي: حِين كَانَ، ويروى: أرْفق، أَيْضا بالراء وبالواو، وَالْمعْنَى صَحِيح فيهمَا، وَهَذَا تصرف البُخَارِيّ واختياره وَفِيه خلاف بَين الْفُقَهَاء سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٨٦٩١ - ح دَّثنا محَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ قَالَ حدَّثنا أبُو الْعُمَيْسِ عنْ عَوْنِ ابنِ أبِي جُحَيْفَة عنْ أبيهِ قَالَ آخَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيْنَ سَلْمانَ وأبِي الدَّرْدَاءِ فزَارَ سَلْمانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبِذِّلَةً فَقَالَ لَها مَا شَأنُكِ قالَتْ أخُوكَ أبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجاءَ أبُو الدَّرْدَاءِ فصَنَعَ لَهُ طَعَاما فَقَالَ كْلْ قَالَ فإنِّي صَائِمٌ قَالَ مَا أنَا بآكِلٍ حَتَّى تَأكُلَ قَالَ فأكَلَ فلَمَّا كانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُو الدرْدَاءِ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فنامَ ثُمَّ ذهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كانَ منْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمانُ قُمِ الآنَ فَصَلَّيَا فَقال لَهُ سَلْمَانُ إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقَّا ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًا ولأِهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّا فأعْطِ كلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فأتَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ فقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَدَقَ سَلْمَانُ. (الحَدِيث ٨٦٩١ طرفه فِي: ٩٣١٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَبَا الدَّرْدَاء صنع لسلمان طَعَاما وَكَانَ سلمَان صَائِما فَأفْطر بعد محاورة، ثمَّ لما أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأخْبرهُ بذلك لم يَأْمُرهُ بِالْقضَاءِ، وَقَالَ بَعضهم: ذكر الْقسم لم يَقع فِي حَدِيث أبي جُحَيْفَة هُنَا، وَأما الْقَضَاء فَلَيْسَ فِي شَيْء من طرقه إلَاّ أَن الأَصْل عَدمه، وَقد أقره الشَّارِع، وَلَو كَانَ الْقَضَاء وَاجِبا لبينه مَعَ حَاجته إِلَى الْبَيَان. انْتهى. قلت: فِي رِوَايَة الْبَزَّار عَن مُحَمَّد ابْن بشار شيخ البُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث، (فَقَالَ: أَقْسَمت عَلَيْك لتفطرنّ) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان، فَكَأَن شيخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن بشار لما حدث بِهَذَا الحَدِيث لم يذكر لَهُ هَذِه الْجُمْلَة، وَبلغ البُخَارِيّ ذَلِك من غَيره فَذكرهَا فِي التَّرْجَمَة، وَإِن لم يَقع فِي رِوَايَته، وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي كتاب الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن بشار بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلم يذكر هَذِه الْجُمْلَة أَيْضا.
وَقيل: الْقسم مُقَدّر قبل قَوْله: (مَا أَنا بآكل) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها} (مَرْيَم: ١٧) . وَأما قَوْله: وَأما الْقَضَاء ... إِلَى آخِره، فَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الْقَضَاء ثَبت فِي غَيره من الْأَحَادِيث، ونذكرها الْآن، وَقَوله: فَلَيْسَ فِي شَيْء من طرقه، لَا يسْتَلْزم عدم ذكره الْقَضَاء فِي طرق هَذَا الحَدِيث نفي وجوب الْقَضَاء فِي طرق غَيره، وَقَوله: إلَاّ أَن الأَصْل عَدمه أَي: عدم الْقَضَاء، غير مُسلم، بل الأَصْل وجوب الْقَضَاء، لِأَن الَّذِي يشرع فِي عبَادَة يجب عَلَيْهِ أَن يَأْتِي بهَا وإلَاّ يكون مُبْطلًا لعمله، وَقد قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم} (مُحَمَّد: ٣٣) . فَإِن قلت: قَالَ أَبُو عمر: أما من احْتج فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بقوله تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم} (مُحَمَّد: ٣٣) . فجاهل بأقوال أهل الْعلم، وَذَلِكَ أَن الْعلمَاء فِيهَا على قَوْلَيْنِ، فَيَقُول أَكثر أهل السّنة: لَا تبطلوها بالرياء أخلصوها لله تَعَالَى، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم بارتكاب الْكَبَائِر. قلت: من أَيْن لأبي عمر هَذَا الْحصْر.
وَقد اخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقيل: لَا تُبْطِلُوا الطَّاعَات بالكبائر، وَقيل: لَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم بِمَعْصِيَة الله ومعصية رَسُوله، وَعَن ابْن عَبَّاس: لَا تبطلوها بالرياء والسمعة، عَنهُ بِالشَّكِّ، والنفاق، وَقيل: بالعجب، فَإِن الْعجب يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب. وَقيل: لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى على أَن قَوْله: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم} (مُحَمَّد: ٣٣) . عَام يتَنَاوَل كل من يبطل عمله، سَوَاء كَانَ فِي صَوْم أَو فِي صَلَاة وَنَحْوهمَا من الْأَعْمَال الْمَشْرُوعَة، فَإِذا نهى عَن إِبْطَاله يجب عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ ليخرج عَن عُهْدَة مَا شرع فِيهِ وأبطله.
وَأما الْأَحَادِيث الْمَوْعُود بذكرها. فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع حَدثنَا كثير بن هِشَام حَدثنَا جَعْفَر بن برْقَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، (قَالَت: كنت أَنا وَحَفْصَة صائمتين فَعرض لنا طَعَام اشتهيناه، فأكلنا مِنْهُ، فجَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فبدرتني إِلَيْهِ حَفْصَة وَكَانَت ابْنة أَبِيهَا فَقَالَت: يَا رَسُول الله إِنَّا كُنَّا صائمتين فَعرض لنا طَعَام اشتهيناه فأكلنا مِنْهُ {} فَقَالَ: إقضيا يَوْمًا آخر مَكَانَهُ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة يزِيد بن الْهَاد عَن زميل مولى عُرْوَة عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: أهدي لي ولحفصة طَعَام وَكُنَّا صائمتين فأفطرنا، ثمَّ دخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُول الله إِنَّا أهديت لنا هَدِيَّة فاشتهيناها فأفطرنا! فَقَالَ: لَا عَلَيْكُمَا، صوما مَكَانَهُ يَوْمًا آخر) . وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة جَعْفَر بن برْقَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَأخرجه أَيْضا من رِوَايَة يحيى بن أَيُّوب عَن إِسْمَاعِيل بن عقبَة. قَالَ: وَعِنْدِي فِي مَوضِع آخر: أَو إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَ (يحيى بن أَيُّوب وحَدثني صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ مثله، قَالَ النَّسَائِيّ: وجدته فِي مَوضِع آخر عِنْدِي: حَدثنِي صَالح بن كيسَان وَيحيى بن سعيد، مثله. فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: رَوَاهُ مَالك بن أنس وَمعمر وَعبيد الله بن عمر وَزِيَاد بن سعد وَغير وَاحِد من الْحفاظ عَن الزُّهْرِيّ عَن عَائِشَة مُرْسلا، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ أَيْضا فِي (الْعِلَل) : سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لَا يَصح حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة فِي هَذَا، قَالَ: وجعفر بن برْقَان ثِقَة، وَرُبمَا يخطىء فِي الشَّيْء، وَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي: لَا يَصح عَن عُرْوَة. وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي (سنَنه) بعد أَن رَوَاهُ: هَذَا خطأ. وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) بعد ذكره لهَذَا الحَدِيث: مدَار حَدِيث صَالح بن كيسَان وَيحيى بن سعيد على يحيى بن أَيُّوب وَهُوَ صَالح، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم مَتْرُوك الحَدِيث، وجعفر بن برْقَان فِي الزُّهْرِيّ لَيْسَ بِشَيْء، وسُفْيَان بن حُسَيْن وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر فِي حَدِيثهمَا خطأ كثير، قَالَ: وحفاظ بن شهَاب يَرْوُونَهُ مُرْسلا. قلت: وَقد وَصله آخَرُونَ فجعلوه عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وهم جَعْفَر بن برْقَان وسُفْيَان بن حُسَيْن وَمُحَمّد بن أبي حَفْصَة وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبَة وَصَالح بن كيسَان وحجاج بن أَرْطَأَة. وَإِذا دَار الحَدِيث بَين الِانْقِطَاع والاتصال فطريق الِاتِّصَال أولى، وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين، وَذَلِكَ لِأَن طَرِيق الِانْقِطَاع سَاكِت عَن
الرَّاوِي وحاله أصلا، وَفِي طَرِيق الِاتِّصَال بَيَان لَهُ، وَلَا مُعَارضَة بَين السَّاكِت والناطق، وَلَئِن سلمنَا أَنه روى مُرْسلا أَنه أصح، وَقد وَافقه حَدِيث مُتَّصِل وَهُوَ حَدِيث عَائِشَة بنت طَلْحَة، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا الْمُزنِيّ قَالَ: حَدثنَا الشَّافِعِي، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن طَلْحَة بن يحيى عَن عمته عَائِشَة بنت طَلْحَة (عَن عَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: دخل عَليّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلت لَهُ: يَا رَسُول الله إِنَّا قد خبأنا لَك حَيْسًا، فَقَالَ: أما إِنِّي كنت أُرِيد الصَّوْم، وَلَكِن قربيه سأصوم يَوْمًا مَكَان ذَلِك) . قَالَ: مُحَمَّد هُوَ ابْن إِدْرِيس، سَمِعت سُفْيَان عَامَّة مجالستي إِيَّاه لَا يذكر فِيهِ (سأصوم يَوْمًا مَكَان ذَلِك) ، قَالَ: ثمَّ إِنِّي عرضت عَلَيْهِ الحَدِيث قبل أَن يَمُوت بِسنة فَأجَاب، فِيهِ: سأصوم يَوْمًا مَكَان ذَلِك، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه الْكَبِير) من طَرِيق الطَّحَاوِيّ وَفِي كِتَابه (الْمعرفَة) أَيْضا، فَفِي هَذَا الحَدِيث ذكر وجوب الْقَضَاء. وَفِي حَدِيث عَائِشَة مَا قد وَافق ذَلِك.
ثمَّ انْظُر مَا أَقُول لَك، من الْعجب العجاب، وَهُوَ أَن أَحْمد قَالَ: هَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ جمَاعَة عَن سُفْيَان دون هَذِه اللَّفْظَة، وَرَوَاهُ جمَاعَة عَن طَلْحَة ابْن يحيى دون اللَّفْظَة مِنْهُم: سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد ووكيع بن الْجراح وَيحيى بن سعيد الْقطَّان ويعلى بن عبيد وَغَيرهم، وَأخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) من حَدِيث عبد الْوَاحِد وَغَيره دون هَذِه اللَّفْظَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (السّنَن الْكَبِيرَة) : رِوَايَة هَؤُلَاءِ تدل على خطأ هَذِه اللَّفْظَة، وَهَذَا الْعجب العجاب مِنْهُ أَن يخطِّيء هَهُنَا إِمَامه الشَّافِعِي ويخطِّىء مثل سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالشَّافِعِيّ إِمَام ثِقَة، وروى هَذِه اللَّفْظَة من مثل سُفْيَان الَّذِي هُوَ من أكبر مشايخه، ثمَّ لم يذكر خِلَافه عَنهُ، ثمَّ يتَلَفَّظ بِمثل هَذَا الْكَلَام البشيع لأجل تَضْعِيف مَا احتجت بِهِ الْحَنَفِيَّة، وغمض عَيْنَيْهِ من جِهَة الشَّافِعِي وَمن جِهَة شَيْخه، وَلَيْسَ هَذَا من دأب الْعلمَاء الراسخين، فضلا عَن الْعلمَاء المقلدين.
وَأما قَول البُخَارِيّ والذهلي: إِنَّه لَا يَصح، فَهُوَ نفي، وَالْإِثْبَات مقدم عَلَيْهِ. وَقَوله: قَالَ النَّسَائِيّ هَذَا خطأ دَعْوَى بِلَا إِقَامَة برهَان، لِأَن كَونه مُرْسلا على زعمهم لَا يسْتَلْزم كَونه خطأ، وَقَول أبي عمر فِيهِ وهمان: أَحدهمَا: أَن قَوْله: مدَار حَدِيث يحيى بن سعيد على يحيى بن أَيُّوب غَفلَة مِنْهُ، فَإِنَّهُ هُوَ بعد هَذَا بأسطر رَوَاهُ من رِوَايَة أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن يحيى بن سعيد وَغَيره عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة. وَالثَّانِي: أَن قَوْله: وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم مَتْرُوك الحَدِيث، قد انْقَلب عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم فَظن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن حَبِيبَة، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم: مَتْرُوك الحَدِيث وَلَيْسَ هُوَ الرَّاوِي لهَذَا الحَدِيث، وَهَذَا إِسْمَاعِيل بن عقبَة، احْتج بِهِ البُخَارِيّ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الَّتِي تقدّمت وذكرناها آنِفا زميل مولى عُرْوَة عَن عُرْوَة، قَالَ البُخَارِيّ: لَا يَصح لزميل سَماع من عُرْوَة وَلَا ليزِيد من زميل، وَلَا تقوم بِهِ الْحجَّة. قلت: فِي (سنَن) النَّسَائِيّ التَّصْرِيح بِسَمَاع يزِيد مِنْهُ، وَقَول البُخَارِيّ لَا يَصح لزميل سَماع عَن عُرْوَة نفي فَيقدم عَلَيْهِ الْإِثْبَات، وزميل هُوَ ابْن عَبَّاس أَو عَيَّاش مولى عُرْوَة قيل: بِضَم الزَّاي وَفتح الْمِيم، وَقيل: بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْمِيم، وَلِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، طَرِيق آخر رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن عِيسَى عَن ابْن وهب عَن جرير بن حَازِم عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، الحَدِيث وَفِي آخِره قَالَ: صوما يَوْمًا مَكَانَهُ، وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَن ابْن قُتَيْبَة عَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب، وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) وَأحسن حَدِيث فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث ابْن الْهَاد عَن زميل عَن عُرْوَة، وَحَدِيث جرير بن حَازِم عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة.
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس، أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة خطاب بن الْقَاسِم عَن خصيف عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، دخل على حَفْصَة وَعَائِشَة وهما صائمتان، ثمَّ خرج فَرجع وهما يأكلان، فَقَالَ: ألم تَكُونَا صائمتين؟ قَالَتَا: بلَى، وَلَكِن أهدي لنا هَذَا الطَّعَام فأعجبنا فأكلنا مِنْهُ، فَقَالَ: صوما يَوْمًا مَكَانَهُ) فَإِن قلت: قَالَ النَّسَائِيّ وَابْن عبد الْبر: هَذَا الحَدِيث مُنكر؟ قلت: إِنَّمَا قَالَا ذَلِك بِسَبَب خطاب ابْن الْقَاسِم عَن خصيف، لِأَن فيهمَا مقَالا فِيمَا قَالَه عبد الْحق، وَقَالَ ابْن الْقطَّان: خطاب ثِقَة، قَالَه ابْن معِين وَأَبُو زرْعَة، وَلَا أحفظ لغَيْرِهِمَا فِيهِ مَا يُنَاقض ذَلِك. وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَيحيى بن معِين وَأَبُو زرْعَة وَالْعجلِي: خصيف ثِقَة، عَن ابْن معِين: صَالح، وَعنهُ: لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَعَن أَحْمد لَيْسَ بِحجَّة.
وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي (تَارِيخ الضُّعَفَاء) من حَدِيث مُحَمَّد ابْن أبي سَلمَة عَن مُحَمَّد بن عمر وَعَن أبي سَلمَة (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: أهديت لعَائِشَة وَحَفْصَة هَدِيَّة وهما صائمتان فأكلتا مِنْهَا، فذكرتا ذَلِك لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: اقضيا يَوْمًا مَكَانَهُ وَلَا تعودا) . أوردهُ فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن أبي سَلمَة الْمَكِّيّ، وَقَالَ: لَا يُتَابع على حَدِيثه.
وَمِنْهَا: حَدِيث أم سَلمَة، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ
فِي الْأَفْرَاد من رِوَايَة مُحَمَّد بن حميد عَن الضَّحَّاك بن حمرَة عَن مَنْصُور بن أبان (عَن الْحسن عَن أمه عَن أم سَلمَة: أَنَّهَا صَامت يَوْمًا تَطَوّعا، فأفطرت، فَأمرهَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن تقضي يَوْمًا مَكَانَهُ) . فَإِن قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهِ الضَّحَّاك عَن مَنْصُور، وَالضَّحَّاك لَيْسَ بِشَيْء، قَالَه ابْن معِين وَمُحَمّد بن حميد: كَذَّاب، قَالَه أَبُو زرْعَة؟ قلت: الضَّحَّاك بن حمرَة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَبعد الْمِيم رَاء: الأملوكي الوَاسِطِيّ، ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) وَإِذا كَانَ الضَّحَّاك ثِقَة لَا يروي عَن كَذَّاب.
وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ، قَالَ: (صنع رجل من أَصْحَاب رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، طَعَاما، فَدَعَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وأصحابا لَهُ، فَلَمَّا أُتِي بِالطَّعَامِ تنحى أحدهم، فَقَالَ لَهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا لَك؟ فَقَالَ: إِنِّي صَائِم، فَقَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تكلّف لَك أَخُوك وصنع، ثمَّ تَقول: إِنِّي صَائِم؟ كُلْ، وصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ) . وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث سعيد بن أبي الْحسن (عَن ابْن عَبَّاس: أَنه أخبر أَصْحَابه أَنه صَامَ ثمَّ خرج عَلَيْهِم وَرَأسه يقطر، فَقَالُوا: ألم تَكُ صَائِما؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِن مرت بِي جَارِيَة لي فأعجبتني فأصبتها وَكَانَت حَسَنَة، فهممت بهَا وَأَنا قاضيها يَوْمًا آخر) . وَأخرج ابْن حزم فِي (الْمحلى) من طَرِيق وَكِيع (عَن سيف بن سُلَيْمَان الْمَكِّيّ قَالَ: خرج عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْمًا على الصَّحَابَة، فَقَالَ: إِنِّي أَصبَحت صَائِما، فمرت بِي جَارِيَة فَوَقَعت عَلَيْهَا، فَمَا ترَوْنَ؟ قَالَ: فَلم يألوا مَا شكوا عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أصبت حَلَالا وتقضي يَوْمًا مَكَانَهُ، قَالَ لَهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَنْت أحْسنهم فتيا) . وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن عُثْمَان البتي عَن أنس ابْن سِيرِين، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه: صَامَ يَوْم عَرَفَة فعطش عطشا شَدِيدا فَأفْطر، فَسَأَلَ عدَّة من أَصْحَاب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأمروه أَن يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ) .
وَرُوِيَ وجوب الْقَضَاء عَن أبي بكر وَعمر وَعلي وَابْن عَبَّاس وَجَابِر بن عبد الله وَعَائِشَة وَأم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن جُبَير فِي قَول، وَأبي حنيفَة وَمَالك وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد رَحِمهم الله. وَمذهب مُجَاهِد وطاووس وَعَطَاء وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: أَن المتطوع بِالصَّوْمِ إِذا أفطر بِعُذْر أَو بِغَيْر عذر لَا قَضَاء عَلَيْهِ، إلَاّ أَنه يحب هُوَ أَن يَقْضِيه، وَرُوِيَ ذَلِك عَن سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث أم هانىء رَوَاهُ أَحْمد عَنْهَا: (أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، شرب شرابًا فناولها لتشرب، فَقَالَت إِنِّي صَائِمَة، وَلَكِنِّي كرهت أَن أرد سؤرك، فَقَالَ: إِن كَانَ من قَضَاء رَمَضَان فاقضي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِن كَانَ تَطَوّعا فَإِن شِئْت فاقضي. وَإِن شِئْت فَلَا تقضي) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من ثَلَاث طرق، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: أَنبأَنَا شُعْبَة: كنت أسمع سماك بن حَرْب يَقُول: حَدثنِي أحد بني أم هانىء فَلَقِيت أفضلهم، وَكَانَ اسْمه جعدة، (فَحَدثني عَن جدته أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: دخل عَلَيْهَا فدعى بشراب فَشرب ثمَّ ناولها فَشَرِبت فَقَالَت يارسول الله أما اني كنت صَائِمَة فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصَّائِم المتطوع أَمِير نَفسه، إِن شَاءَ صَامَ وَإِن شَاءَ أفطر) . قَالَ شُعْبَة: فَقلت لَهُ: أَنْت سَمِعت هَذَا من أم هانىء؟ قَالَ: لَا أَخْبرنِي أَبُو صَالح، وأهلنا عَن أم هانىء، وروى حَمَّاد بن سَلمَة هَذَا الحَدِيث عَن سماك، فَقَالَ: ابْن بنت أم هانىء، وَرِوَايَة شُعْبَة أحسن. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أم هانىء فِي إِسْنَاده مقَال؟ قلت: هَذَا الحَدِيث فِيهِ اضْطِرَاب متْنا وسندا. أما الأول: فَظَاهر، وَقد ذكر فِيهِ أَنه كَانَ يَوْم الْفَتْح، وَهِي أسلمت عَام الْفَتْح، وَكَانَ الْفَتْح فِي رَمَضَان، فَكيف لَا يلْزمهَا قَضَاؤُهُ؟ وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (مُخْتَصر سنَن الْبَيْهَقِيّ) : وَلَا أرَاهُ يَصح، فَإِن يَوْم الْفَتْح كَانَ صَومهَا فرضا لِأَنَّهُ رَمَضَان. وَقَالَ غَيره: وَمِمَّا يوهن هَذَا الْخَبَر أَنَّهَا يَوْم الْفَتْح فَلَا يجوز لَهَا أَن تكون متطوعة لِأَنَّهَا كَانَت فِي شهر رَمَضَان قطعا.
وَأما اضْطِرَاب سَنَده فَاخْتلف سماك فِيهِ، فَتَارَة رَوَاهُ عَن أبي صَالح، وَتارَة عَن جعدة، وَتارَة عَن هَارُون. أما أَبُو صَالح فَهُوَ باذان، وَيُقَال: باذام ضَعَّفُوهُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: ضَعِيف لَا يحْتَج بِخَبَرِهِ، وَقَالَ فِي: بَاب أصل الْقسَامَة: أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس ضَعِيف، وَعَن الْكَلْبِيّ، قَالَ لي أَبُو صَالح: كل مَا حدثتك بِهِ كذب، وَفِي (السّنَن الْكُبْرَى) للنسائي: هُوَ ضَعِيف الحَدِيث، وَعَن حبيب بن أبي ثَابت: كُنَّا نُسَمِّيه: الدرودن،، وَهُوَ باللغة الفارسية: الْكذَّاب. وَقَالَ النَّسَائِيّ: وَقد رُوِيَ أَنه قَالَ فِي مَرضه: كل شَيْء حدثتكم بِهِ فَهُوَ كذب. وَأما جعدة فمجهول، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لم يسمعهُ جعدة عَن أم هانىء. وَأما هَارُون فمجهول الْحَال، قَالَه ابْن الْقطَّان. وَاخْتلف فِي نسبه، فَقيل:
ابْن أم هانىء، وَقيل: ابْن هانىء، وَقيل: ابْن ابْنة أم هانىء، وَقيل: هَذَا وهم، فَإِنَّهُ لَا يعرف لَهَا بنت، وَقَالَ النَّسَائِيّ: اخْتلف على سماك فِيهِ، وَسماك لَا يعْتَمد عَلَيْهِ إِذا انْفَرد بِالْحَدِيثِ، وَقد رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره من غير طَرِيق سماك فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ قَوْله: (فَإِن شِئْت فاقضيه وَإِن شِئْت فَلَا تقضيه) . وَلم يرو هَذَا اللَّفْظ عَن سماك غير حَمَّاد بن سَلمَة. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة حَاتِم بن أبي صعيرة وَأبي عوَانَة كِلَاهُمَا عَن سماك، وَلَيْسَ فِيهِ هَذِه اللَّفْظَة.
ذكر رجال الحَدِيث: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة. الثَّانِي: جَعْفَر ابْن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره نون: أَبُو عون المَخْزُومِي الْقرشِي. الثَّالِث: أَبُو العميس، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة، واسْمه: عتبَة بن عبد الله بن مَسْعُود، وَقد مر فِي زِيَادَة الْإِيمَان. الرَّابِع: عون بن أبي جُحَيْفَة. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء. واسْمه: وهب بن عبد الله السوَائِي.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن مُحَمَّد بن بشار بَصرِي ويلقب ببندار لِأَنَّهُ كَانَ بندارا فِي الحَدِيث، والبندار: الْحَافِظ، وَهُوَ شيخ الْجَمَاعَة، والبقية كوفيون. وَفِيه: أَن هَذَا الحَدِيث لم يروه إلَاّ أَبُو العميس عَن عون بن أبي جُحَيْفَة، وَلَا لأبي العميس راوٍ إلَاّ جَعْفَر بن عون، وأنهما منفردان بذلك، نبه عَلَيْهِ الْبَزَّار، وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي الْأَدَب، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد ابْن بشار فِي الزّهْد، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (آخى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) من المؤاخاة وَهِي اتِّخَاذ الْأُخوة بَين الْإِثْنَيْنِ، يُقَال: وآخاه مواخاة وإخاء وتآخيا على تفاعلاً، وتأخيت إخاء، أَي: اتَّخذت أَخا، ذكر أهل السّير والمغازي: أَن المؤاخاة بَين الصَّحَابَة وَقعت مرَّتَيْنِ: الأولى: قبل الْهِجْرَة بَين الْمُهَاجِرين خَاصَّة على الْمُوَاسَاة والمناصرة، وَكَانَ من ذَلِك أخوة زيد بن حَارِثَة وَحَمْزَة بن عبد الْمطلب، ثمَّ آخى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، بعد أَن هَاجر وَذَلِكَ بعد قدومه الْمَدِينَة. فَإِن قلت: روى الْوَاقِدِيّ عَن الزُّهْرِيّ أَنه كَانَ يُنكر كل مؤاخاة وَقعت بعد بدر، وَيَقُول: قطعت بدر الْمَوَارِيث، وسلمان إِنَّمَا أسلم بعد وقْعَة أحد، وَأول مُشَاهدَة الخَنْدَق. قلت: الَّذِي قَالَه الزُّهْرِيّ إِنَّمَا يُرِيد بِهِ المؤاخاة الْمَخْصُوصَة الَّتِي كَانَت عقدت بَينهم ليتوارثوا بهَا، ومؤاخاة سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء إِنَّمَا كَانَت على المؤاساة، والمؤاخاة الْمَخْصُوصَة لَا تدفع المؤاخاة من أَصْلهَا. وروى ابْن سعد من طَرِيق حميد بن هِلَال، قَالَ: وآخى بَين سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء، فَنزل سلمَان الْكُوفَة وَنزل أَبُو الدَّرْدَاء الشَّام. قَوْله: (فزار سلمَان أَبَا الدَّرْدَاء) ، يَعْنِي فِي عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَوجدَ أَبَا الدَّرْدَاء غَائِبا فَرَأى أم الدَّرْدَاء متبذلة، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة الْمَكْسُورَة، أَي: لابسة ثِيَاب البذلة، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: وَهِي المهنة وزنا وَمعنى وَالْمرَاد: أَنَّهَا تاركة للبس ثِيَاب الزِّينَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مبتذلة، بِتَقْدِيم الْبَاء الْمُوَحدَة وَالتَّخْفِيف من الابتذال من بَاب الافتعال، ومعناهما وَاحِد، وَوَقع فِي (الْحِلْية) لأبي نعيم بِإِسْنَاد آخر إِلَى أم الدَّرْدَاء عَن أبي الدَّرْدَاء: أَن سلمَان دخل عَلَيْهِ فَرَأى امْرَأَته رثَّة الْهَيْئَة، فَذكر الْقِصَّة مختصرة، وَأم الدَّرْدَاء هَذِه اسْمهَا: خيرة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بنت أبي حَدْرَد الأسْلَمِيَّة، صحابية بنت صَحَابِيّ، وحديثها عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي (مُسْند أَحْمد) وَغَيره، وَمَاتَتْ قبل أبي الدَّرْدَاء، وَلأبي الدَّرْدَاء امْرَأَة أُخْرَى أَيْضا يُقَال لَهَا: أم الدَّرْدَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَيْضا اسْمهَا: هجيمة تابعية، عاشت بعده دهرا، وروت عَنهُ. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا. قَوْله: (فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنك؟) وَزَاد التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته: (يَا أم الدَّرْدَاء؟) . قَوْله: (لَيست لَهُ حَاجَة فِي الدُّنْيَا) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من وَجه آخر عَن مُحَمَّد بن عون (فِي نسَاء الدُّنْيَا) ، وَزَاد فِيهِ ابْن خُزَيْمَة عَن يُوسُف بن مُوسَى عَن جَعْفَر بن عون: (يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل) . قَوْله: (فجَاء أَبُو الدَّرْدَاء) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَرَحَّبَ بسلمان وَقرب إِلَيْهِ طَعَاما) . قَوْله: (فَقَالَ: كل. قَالَ: فَإِنِّي صَائِم) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ
(فَقَالَ: كل فَإِنِّي صَائِم) . فعلى رِوَايَة أبي ذَر الْقَائِل بقوله: كل، هُوَ سلمَان، وَالْمقول لَهُ هُوَ: أَبُو الدَّرْدَاء، وَهُوَ الْمُجيب بِأَنَّهُ صَائِم، وعَلى رِوَايَة التِّرْمِذِيّ الْقَائِل بقوله: كل، هُوَ أَبُو الدَّرْدَاء، وَالْمقول لَهُ سلمَان. قَوْله: (قَالَ: مَا أَنا بآكل) أَي: قَالَ سلمَان: مَا أَنا بآكل من طَعَامك حَتَّى تَأْكُل، وَالْخطاب لأبي الدَّرْدَاء. قَوْله: (فَأكل) أَي: أَبُو الدَّرْدَاء، ويروى: فأكلا، يَعْنِي سلمَان وَأَبا الدَّرْدَاء. قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل) ، يَعْنِي أول اللَّيْل ذهب أَبُو الدَّرْدَاء يقوم يَعْنِي للصَّلَاة، وَمحل: يقوم، نصب على الْحَال. قَوْله: (فَقَالَ: نم) ، أَي: قَالَ سلمَان لأبي الدَّرْدَاء: نم، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد من وَجه آخر مُرْسلا، (فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاء: أتمنعني أَن أَصوم لرَبي وأصلي لرَبي؟) قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ من آخر اللَّيْل) ، أَرَادَ عِنْد السحر، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَعند التِّرْمِذِيّ: (فَلَمَّا كَانَ عِنْد الصُّبْح) ، وَفِي رِوَايَة الدراقطني: (فَلَمَّا كَانَ فِي وَجه الصُّبْح) . قَوْله: (قَالَ سلمَان: قُم الْآن) أَي: قَالَ سلمَان لأبي الدَّرْدَاء: قُم فِي هَذَا الْوَقْت، يَعْنِي: وَقت السحر. قَوْله: (فَصَليَا) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فقاما وصليا، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: (فقاما وتوضآ ثمَّ ركعا ثمَّ خرجا إِلَى الصَّلَاة) . قَوْله: (ولأهلك عَلَيْك حَقًا) ، وَزَاد التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة: (ولضيفك عَلَيْك حَقًا) . وَزَاد الدَّارَقُطْنِيّ: (فصُمْ وأفْطِرْ وصَلِّ ونَمْ وائتِ أهْلَك) . قَوْله: (فَأتي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: فَأتى أَبُو الدَّرْدَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر ذَلِك، أَي: مَا ذكر من الْأُمُور لَهُ، أَي: للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَأتيَا) ، بالتثنية. وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: (ثمَّ خرجا إِلَى الصَّلَاة، فَدَنَا أَبُو الدَّرْدَاء، ليخبر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالَّذِي قَالَ لَهُ سلمَان، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاء {إِن لجسدك عَلَيْك حَقًا) . مثل مَا قَالَ سلمَان، فَفِي هَذِه الرِّوَايَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنَّهُ علم بطرِيق الْوَحْي مَا دَار بَينهمَا، وَلَيْسَ ذَلِك فِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن بشار، وَيُمكن الْجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ كاشفهما بذلك أَولا ثمَّ أطلعه أَبُو الدَّرْدَاء على صُورَة الْحَال، فَقَالَ لَهُ: صدق سلمَان، وروى هَذَا الحَدِيث الطَّبَرَانِيّ من وَجه آخر عَن مُحَمَّد بن سِيرِين مُرْسلا، فعين اللَّيْلَة الَّتِي بَات سلمَان فِيهَا عِنْد أبي الدَّرْدَاء، وَلَفظه: (قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء يحيى لَيْلَة الْجُمُعَة ويصوم يَوْمهَا، فَأَتَاهُ سلمَان) ، فَذكر الْقِصَّة مختصرة، وَزَاد فِي آخرهَا: (فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: عُوَيْمِر} سلمَان أفقه مِنْك) . انْتهى، وعويمر تَصْغِير: عَامر، أسم لأبي الدَّرْدَاء، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْحِلْية) : (فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لقد أُوتِيَ سلمَان من الْعلم) ، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد: (لقد أشْبع سلمَان علما) ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز الْفطر من صَوْم التَّطَوُّع، لما ترْجم لَهُ البُخَارِيّ، ثمَّ الْقَضَاء هَل يجب عَلَيْهِ أم لَا؟ قد ذَكرْنَاهُ مَعَ الْخلاف فِيهِ، وَقد نقل ابْن التِّين عَن مَذْهَب مَالك: أَنه لَا يفْطر لضيف نزل بِهِ، وَلَا لمن حلف عَلَيْهِ بِالطَّلَاق وَالْعتاق، وَكَذَا لَو حلف هُوَ بِاللَّه ليفطرنَّ كفر، وَلَا يفْطر. وَسَيَأْتِي من حَدِيث أنس: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يفْطر لما زَارَهُ سليم وَكَانَ صَائِما تَطَوّعا، وَقد صَحَّ عَن عَائِشَة أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يفْطر من صَوْم التَّطَوُّع، وَزَاد بَعضهم فِيهِ: (فَأكل ثمَّ قَالَ: لَكِن أَصوم يَوْمًا مَكَانَهُ) . وَفِي (الْمَبْسُوط) : بعد الشُّرُوع فِي الصَّوْم لَا يُبَاح لَهُ الْإِفْطَار بِغَيْر عذر عندنَا، فَيكون بالإفطار جانيا، فَيلْزمهُ الْقَضَاء، وَلَا خلاف أَنه يُبَاح لَهُ الْإِفْطَار بِعُذْر.
وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِي الضِّيَافَة، فروى هِشَام عَن مُحَمَّد أَنه يُبِيح الْفطر، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة: أَنه لَا يكون عذرا، وروى ابْن أبي مَالك عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة: أَنه عذر، وَهُوَ الْأَظْهر، وَيجب الْقَضَاء فِي الْإِفْطَار بِعُذْر كَانَ أَو بِغَيْر عذر، وَكَانَ الْإِفْطَار بصنعه أَو بِغَيْر صنعه، كالصائمة تَطَوّعا إِذا حَاضَت عَلَيْهَا الْقَضَاء فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي (الفتاوي) : دعِي إِلَى طَعَام وَهُوَ صَائِم فِي النَّفْل إِن صنع لأَجله، فَلَا بَأْس بِأَن يفْطر. وَعَن مُحَمَّد: إِن دخل على أَخ لَهُ فَدَعَاهُ أفطر وَقيل: إِن تأذى بامتناعه أفطر، وَعَن الْحسن: أَنه لَا يفْطر إلَاّ بِعُذْر. وَفِي (الْمُنْتَقى) : لَهُ أَن يفْطر. قيل: تَأْوِيله بِعُذْر، وَقيل: قبل الزَّوَال لَهُ أَن يفْطر وَبعده لَا يفْطر، وَفِي الْقَضَاء وَصَوْم الْفَرْض لَا يفْطر، وَعَن مُحَمَّد: لَا بَأْس بِهِ.
وَإِن حلف غَيره بِطَلَاق امْرَأَته أَن يفْطر، قَالَ نصير وَخلف بن أَيُّوب: لَا يفْطر. ودعه يَحْنَث، وَعَن مُحَمَّد: لَا بَأْس بِأَن يفْطر، وَإِن كَانَ فِي قَضَاء. وَفِي (الْمُحِيط) إِن حلف بِطَلَاق امْرَأَته يفْطر فِي التَّطَوُّع دون الْقَضَاء. وَهُوَ قَول أبي اللَّيْث. وَفِي (المرغيناني) : الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن صَاحب الدعْوَة إِذا كَانَ رَضِي بِمُجَرَّد حُضُوره لَا يفْطر، وَقَالَ الْحلْوانِي: أحسن مَا قيل فِيهِ إِن كَانَ يَثِق من نَفسه بِالْقضَاءِ يفْطر وإلَاّ فَلَا يفْطر، وَإِن كَانَ فِيهِ أَذَى لمُسلم، وَفِي (المأمونية) لِلْحسنِ بن زِيَاد: إِذا دعِي إِلَى وَلِيمَة فليجب وَلَا يفْطر فِي
التَّطَوُّع، فَإِن أقسم عَلَيْهِ أهل الْوَلِيمَة فَأفْطر فَلَا بَأْس بِهِ، وَإِن كَانَ يتَأَذَّى يفْطر وَيَقْضِي، وَبعد الزَّوَال لَا يفْطر إلَاّ إِذا كَانَ فِي تَركه عقوق بالوالدين أَو بِأَحَدِهِمَا.
وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة المواخاة فِي الله. وَفِيه: زِيَارَة الإخوان وَالْمَبِيت عِنْدهم. وَفِيه: جَوَاز مُخَاطبَة الْأَجْنَبِيَّة للْحَاجة. وَفِيه: السُّؤَال عَمَّا تترتب عَلَيْهِ الْمصلحَة وَإِن كَانَ فِي الظَّاهِر لَا يتَعَلَّق بالسائل. وَفِيه: النصح للْمُسلمِ وتنبيه من كَانَ غافلاً. وَفِيه: فضل قيام آخر اللَّيْل. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة تَزْيِين الْمَرْأَة لزَوجهَا. وَفِيه: ثُبُوت حق الْمَرْأَة على الزَّوْج فِي حسن الْعشْرَة، وَقد يُؤْخَذ مِنْهُ ثُبُوت حَقّهَا فِي الْوَطْء. لقَوْله: (ولأهلك عَلَيْك حَقًا) ، وَفِيه: جَوَاز النَّهْي عَن المستحبات إِذا خشِي إِن ذَلِك يُفْضِي إِلَى السَّآمَة والملل وتفويت الْحُقُوق الْمَطْلُوبَة الْوَاجِبَة أَو المندوبة الرَّاجِح فعلهَا على فعل الْمُسْتَحبّ. وَفِيه: أَن الْوَعيد الْوَارِد على من نهى مُصَليا عَن الصَّلَاة مَخْصُوص بِمن نَهَاهُ ظلما وعدوانا. وَفِيه: كَرَاهِيَة الْحمل على النَّفس فِي الْعِبَادَة. وَفِيه: النّوم للتقوي على الصّيام، وَفِيه: النَّهْي عَن الغلو فِي الدّين.
٢٥ - (بابُ صَوْمَ شَعْبَانَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صَوْم شهر شعْبَان، وَهَذَا الْبَاب أول شُرُوعه فِي التطوعات من الصّيام، واشتقاق شعْبَان من الشّعب، وَهُوَ الِاجْتِمَاع، سمي بِهِ لِأَنَّهُ يتشعب فِيهِ خير كثير كرمضان، وَقيل: لأَنهم كَانُوا يتشعبون فِيهِ بعد التَّفْرِقَة، وَيجمع على: شعابين، وشعبانات، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سمي بذلك لتشعبهم فِيهِ، أَي: لتفرقهم فِي طلب الْمِيَاه. وَفِي (الْمُحكم) سمي بذلك لتشعبهم فِي الغارات، وَقَالَ ثَعْلَب: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا سمي شعبانا لِأَنَّهُ: شَعَبَ، أَي: ظهر بَين رَمَضَان وَرَجَب، وَعَن ثَعْلَب: كَانَ شعْبَان شهرا تتشعب فِيهِ الْقَبَائِل، أَي تتفرق لقصد الْمُلُوك والتماس الْعَطِيَّة، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَأما الْأَحَادِيث الَّتِي فِي صَلَاة النّصْف مِنْهُ فَذكر أَبُو الْخطاب أَنَّهَا مَوْضُوعَة، وفيهَا عِنْد التِّرْمِذِيّ حَدِيث مَقْطُوع قلت: هُوَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع، حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا الْحجَّاج بن أَرْطَأَة عَن يحيى بن أبي كثير عَن عُرْوَة: (عَن عَائِشَة قَالَت: فقدت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَخرجت فَإِذا هُوَ بِالبَقِيعِ، فَقَالَ: أكنتِ تَخَافِينَ أَن يَحِيف الله عَلَيْك وَرَسُوله؟ قلت: يَا رَسُول الله! ظَنَنْت أَنَّك أتيت بعض نِسَائِك، فَقَالَ: إِن الله عز وَجل، ينزل لَيْلَة النّصْف من شعْبَان إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيغْفر لأكْثر من عدد شعر غنم بني كلب) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث عَائِشَة لَا نعرفه إلَاّ من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث الْحجَّاج، وَسمعت مُحَمَّدًا يضعف هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عُرْوَة، وَالْحجاج لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا من طَرِيق يزِيد بن هَارُون، وَقَول أبي الْخطاب: إِنَّه مَقْطُوع هُوَ أَنه مُنْقَطع فِي موضِعين: أَحدهمَا: مَا بَين الْحجَّاج وَيحيى، وَالْآخر: مَا بَين يحيى وَعُرْوَة. فَإِن قلت: أثبت ابْن معِين ليحيى السماع من عُرْوَة. قلت: اتّفق البُخَارِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم على أَنه لم يسمع مِنْهُ، والمثبت مقدم على النَّافِي، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَهُوَ مَقْطُوع فِي مَوضِع وَاحِد، وَلَا يخرج عَن الِانْقِطَاع.
وروى ابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن أبي سُبْرَة عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن عَليّ بن أبي طَالب، كرم الله وَجهه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَقومُوا لَيْلهَا وصوموا نَهَارهَا، فَإِن الله تَعَالَى ينزل فِيهَا لغروب الشَّمْس إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: ألَا مَن يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟ أَلا من يسترزق فأرزقه؟ ألَا من مبتلَى فأعافيه؟ ألَا كَذَا؟ ألَا كَذَا؟ حَتَّى يطلع الْفجْر) . وَإِسْنَاده ضَعِيف، وَابْن أبي سُبْرَة هُوَ أَبُو بكر بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سُبْرَة مفتي الْمَدِينَة وقاضي بَغْدَاد ضَعِيف، وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد هُوَ ابْن أبي يحيى ضعفه الْجُمْهُور، ولعلي بن أبي طَالب حَدِيث آخر، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة النّصْف من شعْبَان قَامَ فصلى أَربع عشرَة رَكْعَة، ثمَّ جلس، فَقَرَأَ بِأم الْقُرْآن أَربع عشرَة مرّة) الحَدِيث. وَفِي آخِره: (من صنع هَكَذَا لَكَانَ لَهُ كعشرين حجَّة مبرورة، وكصيام عشْرين سنة مَقْبُولَة، فَإِن أصبح فِي ذَلِك الْيَوْم صَائِما كَانَ لَهُ كصيام سِتِّينَ سنة مَاضِيَة، وَسِتِّينَ سنة مُسْتَقْبلَة) . رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) وَقَالَ: هَذَا مَوْضُوع، وَإِسْنَاده مظلم. ولعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَدِيث آخر رَوَاهُ أَيْضا فِي (الموضوعات) فِيهِ: (من صلى مائَة رَكْعَة فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان) الحَدِيث، وَقَالَ: لَا شكّ أَنه مَوْضُوع، وَكَانَ بَين الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن الصّلاح وَالشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام فِي هَذِه الصَّلَاة مقاولات، فَابْن الصّلاح يزْعم أَن لَهَا أصلا من السّنة، وَابْن عبد السَّلَام يُنكره.
وَأما الْوقُود فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَزعم ابْن دحْيَة أَن أول مَا كَانَ
ذَلِك زمن يحيى بن خَالِد بن برمك، أَنهم كَانُوا مجوسا فأدخلوا فِي دين الْإِسْلَام مَا يموهون بِهِ على الطَّعَام. قَالَ: وَلما اجْتمعت بِالْملكِ الْكَامِل وَذكرت لَهُ ذَلِك قطع دابر هَذِه الْبِدْعَة الْمَجُوسِيَّة من سَائِر أَعمال الْبِلَاد المصرية.
٩٦٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي النَّضْرِ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُومُ حَتَّى نقُولَ لَا يُفْطِرُ ويُفْطِرُ حَتَّى نقُولَ لَا يَصُومُ فَمَا رأيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إلَاّ رَمَضَانَ وَمَا رأيْتُهُ أكْثَرَ صِيَاما مِنْهُ فِي شَعْبَانَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا رَأَيْته أَكثر صياما مِنْهُ من شعْبَان) وَأَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْمه سَالم بن أبي أُميَّة، قد مر فِي: بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن أبي مُصعب الزُّهْرِيّ عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان عَن ابْن وهب عَن مَالك وَعَمْرو بن الْحَارِث.
قَوْله: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم حَتَّى نقُول لَا يفْطر) ، يَعْنِي: يَنْتَهِي صَوْمه إِلَى غَايَة نقُول: إِنَّه لَا يفْطر، فينتهي إفطاره إِلَى غَايَة حَتَّى نقُول: إِنَّه لَا يَصُوم، وَذَلِكَ لِأَن الْأَعْمَال الَّتِي يتَطَوَّع بهَا لَيست منوطة بأوقات مَعْلُومَة، وَإِنَّمَا هِيَ على قدر الْإِرَادَة لَهَا والنشاط فِيهَا. قَوْله: (فَمَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتكْمل صِيَام شهر إلَاّ رَمَضَان) ، وَهَذَا يدل على أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يصم شهرا تَاما غير رَمَضَان. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة: لم يكن يَصُوم فِي السّنة شهرا كَامِلا إلَاّ شعْبَان يصله برمضان) . وَهَذَا يُعَارض حَدِيث عَائِشَة، وَكَذَلِكَ روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سَالم بن أبي الْجَعْد عَن أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة، قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين إلَاّ شعْبَان ورمضان) . وَهَذَا أَيْضا يُعَارضهُ. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: رُوِيَ عَن ابْن الْمُبَارك أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ: هُوَ جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب إِذا صَامَ أَكثر الشَّهْر أَن يُقَال: صَامَ الشَّهْر كُله، وَيُقَال: قَامَ فلَان ليله أجمع، وَلَعَلَّه تعشى واشتغل بِبَعْض أمره، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: كَانَ ابْن الْمُبَارك قد رأى كلا الْحَدِيثين متفقين، يَقُول: إِنَّمَا معنى هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ يَصُوم أَكثر الشَّهْر. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: هَذَا فِيهِ مَا فِيهِ، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ إلَاّ شعْبَان ورمضان، فعطف رَمَضَان عَلَيْهِ يبعد أَن يكون المُرَاد بشعبان أَكْثَره، إِذْ لَا جَائِز أَن يكون المُرَاد برمضان بعضه، والعطف يَقْتَضِي الْمُشَاركَة فِيمَا عطف عَلَيْهِ، وَإِن مَشى ذَلِك فَإِنَّمَا يمشي على رَأْي من يَقُول: إِن اللَّفْظ الْوَاحِد يحمل على حَقِيقَته ومجازه، وَفِيه خلاف لأهل الْأُصُول. انْتهى. قلت: لَا يمشي هُنَا مَا قَالَه على رَأْي الْبَعْض أَيْضا، لِأَن من قَالَ ذَلِك قَالَ فِي اللَّفْظ الْوَاحِد، وَهنا لفظان: شعْبَان ورمضان، وَقَالَ ابْن التِّين: إِمَّا أَن يكون فِي أَحدهمَا وهم، أَو يكون فعل هَذَا وَهَذَا، أَو أطلق الْكل على الْأَكْثَر مجَازًا. وَقيل: كَانَ يَصُومهُ كُله فِي سنة وَبَعضه فِي سنة أُخْرَى، وَقيل: كَانَ يَصُوم تَارَة من أَوله وَتارَة من آخِره وَتارَة مِنْهُمَا، لَا يخلي مِنْهُ شَيْئا بِلَا صِيَام.
فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيصه شعْبَان بِكَثْرَة الصَّوْم؟ قلت: لكَون أَعمال الْعِبَادَة ترفع فِيهِ. فَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث أُسَامَة (قلت: يَا رَسُول الله {أَرَاك لَا تَصُوم من شهر من الشُّهُور مَا تَصُوم من شعْبَان؟ قَالَ: ذَاك شهر ترفع فِيهِ الْأَعْمَال إِلَى رب الْعَالمين فَأحب أَن يرفع عَمَلي وَأَنا صَائِم) . وَرُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا (قَالَت لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا لي أَرَاك تكْثر صيامك فِيهِ؟ قَالَ: يَا عَائِشَة} إِنَّه شهر ينْسَخ فِيهِ ملك الْمَوْت من يقبض، وَأَنا أحب أَن لَا ينْسَخ إسمي إلَاّ وَأَنا صَائِم) . قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: غَرِيب من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة بِهَذَا اللَّفْظ، رَوَاهُ ابْن أبي الفوارس فِي أصُول أبي الْحسن الحمامي عَن شُيُوخه، وَعَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن نصر بن كثير عَن يحيى بن سعيد عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: لما كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان انْسَلَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من مِرْطِي) الحَدِيث. وَفِي آخِره: (هَل تَدْرِي مَا فِي هَذِه اللَّيْلَة؟ قَالَت: مَا فِيهَا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: فِيهَا أَن يكْتب كل مَوْلُود من بني آدم فِي هَذِه السّنة. وفيهَا أَن يكْتب كل هَالك من بني آدم فِي هَذِه السّنة، وفيهَا ترفع
أَعْمَالهم، وفيهَا: تنزل أَرْزَاقهم) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب (الْأَدْعِيَة) وَقَالَ: فِيهِ بعض من يجهل. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث صَدَقَة بن مُوسَى عَن ثَابت عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (سُئِلَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَي الصَّوْم أفضل بعد رَمَضَان؟ قَالَ: شعْبَان، لتعظيم رَمَضَان. وَسُئِلَ: أَي الصَّدَقَة أفضل؟ قَالَ: صَدَقَة فِي رَمَضَان) . ثمَّ قَالَ: حَدِيث غَرِيب، وَصدقَة لَيْسَ عِنْدهم بِذَاكَ الْقوي، وَقد رُوِيَ أَن هَذَا الصّيام كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ يلْتَزم صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، كَمَا قَالَ ابْن عمر، فَرُبمَا يشْتَغل عَن صيامها أشهرا فَيجمع ذَلِك كُله فِي شعْبَان، فيتداركه قبل رَمَضَان، حَكَاهُ ابْن بطال، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أرى الْإِكْثَار فِيهِ أَنه يَنْقَطِع عَنهُ التَّطَوُّع برمضان، وَقيل: يجوز أَنه كَانَ يَصُوم صَوْم دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام، فَيبقى عَلَيْهِ بَقِيَّة يعملها فِي هَذَا الشَّهْر.
وَجمع الْمُحب الطَّبَرِيّ فِيهِ سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه كَانَ يلْتَزم صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، فَرُبمَا تَركهَا فيتداركها فِيهِ. ثَانِيهَا: تَعْظِيمًا لرمضان. ثَالِثهَا: أَنه ترفع فِيهِ الْأَعْمَال. رَابِعهَا: لِأَنَّهُ يغْفل عَنهُ النَّاس. خَامِسهَا: لِأَنَّهُ تنسخ فِيهِ الْآجَال. سادسها: أَن نِسَاءَهُ كن يصمن فِيهِ مَا فاتهن من الْحيض فيتشاغل عَنهُ بِهِ، وَالْحكمَة فِي كَونه لم يستكمل غير رَمَضَان لِئَلَّا يظنّ وُجُوبه. فَإِن قلت: صَحَّ فِي مُسلم: أفضل الصَّوْم بعد رَمَضَان شهر الله الْمحرم، فَكيف أَكثر مِنْهُ فِي شعْبَان؟ ويعارضه أَيْضا رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (أَي الصَّوْم أفضل بعد رَمَضَان؟ قَالَ: شعْبَان) . قلت: لَعَلَّه كَانَ يعرض لَهُ فِيهِ إعذار من سفر أَو مرض أَو غير ذَلِك، أَو لَعَلَّه لم يعلم بِفضل الْمحرم إلَاّ فِي آخر عمره قبل التَّمَكُّن مِنْهُ، وَلِأَن مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ لَا يُقَاوم مَا رَوَاهُ مُسلم.
قَوْله: (أَكثر صياما) كَذَا هُوَ بِالنّصب عِنْد أَكثر الروَاة، وَحكى السُّهيْلي أَنه رُوِيَ بالخفض، قيل: هُوَ وهم، وَلَعَلَّ بعض النساخ كتب الصّيام بِغَيْر ألف على رَأْي من يقف على الْمَنْصُوب بِغَيْر ألف فَتوهم مخفوضا، أَو ظن بعض الروَاة أَنه مُضَاف إِلَيْهِ، فَلَا يَصح ذَلِك، وَأما لَفْظَة: أَكثر، فَإِنَّهُ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان لقَوْله: (وَمَا رَأَيْته) . قَوْله: (من شعْبَان) ، وَزَاد يحيى بن أبي كثير فِي رِوَايَته: (فَإِنَّهُ كَانَ يَصُوم شعْبَان كُله) ، وَزَاد ابْن أبي لبيد: (عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَكثر صياما مِنْهُ فِي شعْبَان، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُوم شعْبَان إلَاّ قَلِيلا) . وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن أبي سَلمَة (عَن عَائِشَة، أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيْت النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي شهر أَكثر صياما فِيهِ فِي شعْبَان، كَانَ يَصُومهُ إلَاّ قَلِيلا، بل كَانَ يَصُومهُ كُله) . انْتهى.
قَالُوا: معنى: كُله، أَكْثَره، فَيكون مجَازًا. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه: الأول: أَن هَذَا الْمجَاز قَلِيل الِاسْتِعْمَال جدا. وَالثَّانِي: أَن لَفْظَة: كل، تَأْكِيد لإِرَادَة الشُّمُول، وَتَفْسِيره بِالْبَعْضِ منَاف لَهُ. وَالثَّالِث: أَن فِيهِ كلمة الإضراب، وَهِي تنَافِي أَن يكون المُرَاد الْأَكْثَر، إِذْ لَا يبْقى فِيهِ حِينَئِذٍ فَائِدَة، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِيهِ: إِنَّه بِاعْتِبَار عَاميْنِ فَأكْثر، فَكَانَ يَصُومهُ كُله فِي بعض السنين، وَكَانَ يَصُوم أَكْثَره فِي بعض السنين، وَذكر بعض الْعلمَاء إِنَّه وَقع مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصل شعْبَان برمضان وفصله مِنْهُ وَذَلِكَ فِي سنتَيْن فَأكْثر، وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) : فإنَّ وَصلَ شعْبَان برمضان فَجَائِز، فعل ذَلِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرّة، وَفصل مرَارًا كَثِيرَة، انْتهى. قلت: على هَذَا الْوَجْه يبعد وجوده مَنْصُوصا عَلَيْهِ فِي الحَدِيث، نعم، وَقع مِنْهُ الْوَصْل والفصل، أما الْوَصْل فَهُوَ فِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ عَن أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة، قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين إلَاّ شعْبَان ورمضان) . وَأما الْفَصْل فَفِي حَدِيث أبي دَاوُد من رِوَايَة عبد الله بن أبي قيس (عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتحفظ من هِلَال شعْبَان مَا لَا يتحفظ من غَيره، ثمَّ يَصُوم لرمضان، فَإِن غم عَلَيْهِ عد ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ صَامَ) . وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: (هَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك، وَقَالَ: هَذَا صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَلم يخرجَاهُ، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يصل شعْبَان برمضان) . وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث أبي ثَعْلَبَة بِلَفْظ: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم شعْبَان ورمضان يصلهمَا) . وَفِي إِسْنَاده الْأَحْوَص بن حَكِيم وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ حَدِيث أبي أُمَامَة وَفِي إِسْنَاده يُوسُف بن عَطِيَّة وَهُوَ ضَعِيف.
فَإِن قلت: كَيفَ التَّوْفِيق بَين هَذِه الْأَحَادِيث وَبَين حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن؟ فَأَبُو دَاوُد من حَدِيث الدَّرَاورْدِي وَالتِّرْمِذِيّ كَذَلِك، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي العميس، وَابْن مَاجَه من رِوَايَة مُسلم بن خَالِد، كلهم عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا بَقِي نصف من شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ، وَلَفظ أبي دَاوُد: (إِذا انتصف شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، وَلَفظ النَّسَائِيّ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ شَيْخُ اللَّيْثِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُثَقَّلَةٌ مَدَنِيٌّ مِنْ مَوَالِي الْأَنْصَارِ لَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَةً إِلَّا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْمُصَنِّفُ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ هَذَا ثَانِيهَا، وَتَوَقَّفَ الْجَوْزَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ حَالِهِ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَةِ حَدِيثِ الْوِصَالِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِشْرُ بْنُ حَرْبٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِهِ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ تَقْيِيدُ وِصَالِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ إِلَى السَّحَرِ، وَلَفْظُهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، فَفَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ذَلِكَ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ. وَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا، فَإِنَّ مُقْتَضَى حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ النَّهْيُ عَنِ الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ، وَصَرِيحَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْإِذْنُ بِالْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ، وَالْمَحْفُوظَ فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ إِطْلَاقُ النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالسَّحَرِ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَرِوَايَةُ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ هَذِهِ شَاذَّةٌ، وَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَهُوَ أَضْبَطُ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ فَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ مَحْفُوظَةً فَقَدْ أَشَارَ ابْنُ خُزَيْمَةَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَهَى ﷺ عَنِ الْوِصَالِ أَوَّلًا مُطْلَقًا سَوَاءٌ جَمِيعَ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضَهُ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، ثُمَّ خُصَّ النَّهْيُ بِجَمِيعِ اللَّيْلِ فَأَبَاحَ الْوِصَالَ إِلَى السَّحَرِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، أَوْ يُحْمَلُ النَّهْيُ فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَالنَّهْيُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى مَا فَوْقَ السَّحَرِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٥١ - بَاب مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ
١٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ، أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ له: كُلْ. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ. قَالَ: فَأَكَلَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ. قَالَ: نَمْ. فَنَامَ. ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ. فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الْآنَ؛ فَصَلَّيَا. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: صَدَقَ سَلْمَانُ.
[الحديث ١٩٦٨ - طرفه في ٦١٣٩]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ فِي قِصَّةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَلْمَانَ، فَأَمَّا ذِكْرُ الْقَسَمِ فَلَمْ يَقَعْ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي سَاقَهَا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ، إِلَّا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَقَدْ أَقَرَّهُ الشَّارِعُ، وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لَهُ مَعَ حَاجَتِهِ إِلَى الْبَيَانِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: صَنَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَلَمَّا وُضِعَ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
ﷺ: دَعَاكَ أَخُوكَ وَتَكَلَّفَ لَكَ، أَفْطِرْ وَصُمْ مَكَانَهُ إِنْ شِئْتَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ الْإِيجَابِ، وَقَوْلُهُ: إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ قَدْ يُفْهَمُ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْجَوَازَ وَعَدَمَ الْقَضَاءِ لِمَنْ كَانَ مَعْذُورًا بِفِطْرِهِ لَا مَنْ تَعَمَّدَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ.
(تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: أَوْفَقَ لَهُ يُرْوَى بِالْوَاوِ السَّاكِنَةِ، وَبِالرَّاءِ بَدَلَ الْوَاوِ، وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، اسْمُهُ عُتْبَةُ ; وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَلَا رَأَيْتُ لَهُ رَاوِيًا عَنْهُ إِلَّا جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، وَإِلَى تَفَرُّدِهِمَا بِذَلِكَ أَشَارَ الْبَزَّارُ.
قَوْلُهُ: (آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) ذَكَرَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي أَنَّ الْمُؤَاخَاةَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى قَبْلَ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَالْمُنَاصَرَةِ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أُخُوَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ثُمَّ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ، وَذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةُ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ قُدُومِهِ ﷺ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَالْمَسْجِدُ يُبْنَى، وَقَدْ سَمَّى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً مِنْهُمْ: أَبُو ذَرٍّ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فَأَبُو ذَرٍّ مُهَاجِرِيٌّ، وَالْمُنْذِرُ أَنْصَارِيٌّ. وَأَنْكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ؛ لِأَنَّ أَبَا ذَرٍّ مَا كَانَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدُ، وَإِنَّمَا قَدِمَهَا بَعْدَ سَنَةِ ثَلَاثٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَيْضًا الْأُخُوَّةَ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ كَالَّذِي هُنَا، وَتَعَقَّبَهُ الْوَاقِدِيُّ أَيْضًا فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ سَلْمَانَ إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَأَوَّلُ مَشَاهَدِهِ الْخَنْدَقُ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ التَّارِيخَ الْمَذْكُورَ لِلْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ ابْتِدَاءُ الْأُخُوَّةِ، ثُمَّ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤَاخِي بَيْنَ مَنْ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَلَيْسَ بِاللَّازِمِ أَنْ تَكُونَ الْمُؤَاخَاةُ وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَرِدَ هَذَا التَّعَقُّبُ، فَصَحَّ مَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَأَيَّدَهُ هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ وَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ بِهَذَا التَّقْرِيرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَاعْتَرَضَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ كُلَّ مُؤَاخَاةٍ وَقَعَتْ بَعْدَ بَدْرٍ يَقُولُ: قَطَعَتْ بَدْرٌ الْمَوَارِيثَ.
قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَدْفَعُ الْمُؤَاخَاةَ مِنْ أَصْلِهَا، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ الْمُؤَاخَاةَ الْمَخْصُوصَةَ الَّتِي كَانَتْ عُقِدَتْ بَيْنَهُمْ لِيَتَوَارَثُوا بِهَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِ التَّوَارُثِ الْمَذْكُورِ أَنْ لَا تَقْعَ الْمُؤَاخَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَنِحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ هَذِهِ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَلْمَانَ فَذَكَرَ قِصَّةً لَهُمَا غَيْرَ الْمَذْكُورَةِ هُنَا، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَنَزَلَ سَلْمَانُ الْكُوفَةَ وَنَزَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ الشَّامَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
قَوْلُهُ: (فَزَارَ سَلْمَانُ، أَبَا الدَّرْدَاءِ) يَعْنِي: فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ أَبَا الدَّرْدَاءِ غَائِبًا.
قَوْلُهُ: (مُتَبَذِّلَةً) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: لَابِسَةً ثِيَابَ الْبِذْلَةِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ وَهِيَ الْمِهْنَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا تَارِكَةٌ لِلُبْسِ ثِيَابِ الزِّينَةِ. ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ مُبْتَذِلَةً بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَزْنَ مُفْتَعِلَةٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَفِي تَرْجَمَةِ سَلْمَانَ مِنَ الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ سَلْمَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ فَرَأَى امْرَأَتَهُ رَثَّةَ الْهَيْئَةِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرَةً. وَأُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ هِيَ خَيْرَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بِنْتُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيَّةُ صَحَابِيَّةٌ بِنْتُ صَحَابِيٍّ، وَحَدِيثُهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَمَاتَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ قَبْلَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَلِأَبِي الدَّرْدَاءِ أَيْضًا امْرَأَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَابِعِيَّةٌ اسْمُهَا هَجِيمَةُ عَاشَتْ بَعْدَهُ دَهْرًا وَرَوَتْ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ)؟ زَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: يَا أُمَّ الدَّرْدَاءِ
أَمُتَبَذِّلَةً؟.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا) فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ فِي نِسَاءِ الدُّنْيَا وَزَادَ فِيهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ.
قَوْلُهُ: (فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ) زَادَ التِّرْمِذِيُّ فَرَحَّبَ بِسَلْمَانَ وَقَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَامًا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ: كُلْ. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْقَائِلُ كُلْ هُوَ سَلْمَانُ وَالْمَقُولُ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ الْمُجِيبُ بِإِنِّي صَائِمٌ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: فَقَالَ: كُلْ، فَإِنِّي صَائِمٌ وَعَلَى هَذَا فَالْقَائِلُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَالْمَقُولُ لَهُ سَلْمَانُ وَكِلَاهُمَا يُحْتَمَلُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَلْمَانَ وَهُوَ الضَّيْفُ أَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامِ أَبِي الدَّرْدَاءِ حَتَّى يَأْكُلَ مَعَهُ، وَغَرَضُهُ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ رَأْيِهِ فِيمَا يَصْنَعُهُ مِنْ جَهْدِ نَفْسِهِ فِي الْعِبَادَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَكَتْهُ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ) فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُفْطِرَنَّ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانَ ابْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ كُلُّهُمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ بِهِ، فَكَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ بَشَّارٍ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَبَلَغَ الْبُخَارِيَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ فَاسْتَعْمَلَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي التَّرْجَمَةِ مُشِيرًا إِلَى صِحَّتِهَا وَإِنَّ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَتِهِ، وَقَدْ أَعَادَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَيْضًا، وَأَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ كَابْنِ الْمُنِيرِ: إِنَّ الْقَسَمَ فِي هَذَا السِّيَاقِ مُقَدَّرٌ قَبْلَ لَفْظِ مَا أَنَا بِآكِلٍ كَمَا قُدِّرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ وَتَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ بَابُ صُنْعِ الطَّعَامِ وَالتَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ سَلْمَانَ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يُقَرِّبُ لِضَيْفِهِ مَا عِنْدَهُ وَلَا يَتَكَلَّفُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَيَسُوغُ حِينَئِذٍ التَّكَلُّفُ بِالطَّبْخِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ) أَيْ: فِي أَوَّلِهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِ ثُمَّ بَاتَ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ) فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَتَمْنَعُنِي أَنْ أَصُومَ لِرَبِّي وَأُصَلِّيَ لِرَبِّي.
قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ) أَيْ: عِنْدَ السَّحَرِ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ ولِلدّارَقُطْنِيِّ فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ.
قَوْلُهُ: (فَصَلَّيَا) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: فَقَامَا فَتَوَضَّآ ثُمَّ رَكَعَا ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) زَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ: وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ: فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ، وَائْتِ أَهْلَكَ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: فَأَتَيَا بِالتَّثْنِيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَدَنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيُخْبِرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالَّذِي قَالَ لَهُ سَلْمَانُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا مِثْلَ مَا قَالَ سَلْمَانُ، فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنَّهُ عَلِمَ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ مَا دَارَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، فَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَنَّهُ كَاشَفَهُمَا بِذَلِكَ أَوَّلًا ثُمَّ أَطْلَعَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى صُورَةِ الْحَالِ، فَقَالَ لَهُ: صَدَقَ سَلْمَانُ.
وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مُرْسَلًا فَعَيَّنَ اللَّيْلَةَ الَّتِي بَاتَ سَلْمَانُ فِيهَا عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَلَفْظُهُ: قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يُحْيِي لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَصُومُ يَوْمَهَا، فَأَتَاهُ سَلْمَانُ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرَةً وَزَادَ فِي آخِرِهَا: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: عُوَيْمِرُ، سَلْمَانُ أَفْقَهُ مِنْكَ انْتَهَى، وَعُوَيْمِرُ اسْمُ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ أُوتِيَ سَلْمَانُ مِنَ الْعِلْمِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ: لَقَدْ أُشْبِعَ سَلْمَانُ عِلْمًا.
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَشْرُوعِيَّةُ الْمُؤَاخَاةِ فِي اللَّهِ، وَزِيَارَةُ الْإِخْوَانِ وَالْمَبِيتُ عِنْدَهُمْ، وَجَوَازُ مُخَاطَبَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَالسُّؤَالُ عَمَّا يَتَرَتَّبُ
عَلَيْهِ الْمَصْلَحَةُ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّائِلِ، وَفِيهِ النُّصْحُ لِلْمُسْلِمِ وَتَنْبِيهُ مَنْ أَغْفَلَ، وَفِيهِ فَضْلُ قِيَامِ آخِرِ اللَّيْلِ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ تَزَيُّنِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَثُبُوتُ حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ فِي حُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ثُبُوتُ حَقِّهَا فِي الْوَطْءِ لِقَوْلِهِ: وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ثُمَّ قَالَ: وَائْتِ أَهْلَكَ وَقَرَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ النَّهْيِ عَنِ الْمُسْتَحَبَّاتِ إِذَا خَشِيَ أَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى السَّآمَةِ وَالْمَلَلِ وَتَفْوِيتِ الْحُقُوقِ الْمَطْلُوبَةِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْمَنْدُوبَةِ الرَّاجِحِ فِعْلُهَا عَلَى فِعْلِ الْمُسْتَحَبِّ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا الْوَعِيدُ الْوَارِدُ عَلَى مِنْ نَهَى مُصَلِّيًا عَنِ الصَّلَاةِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ نَهَاهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا. وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ الْحَمْلِ عَلَى النَّفْسِ فِي الْعِبَادَةِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
وَفِيهِ جَوَازُ الْفِطْرِ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ كَمَا تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَلَمْ يَجْعَلُوا عَلَيْهِ قَضَاءً إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا كَمَنْ ذَهَبَ بِمَالٍ لِيَتَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِهِ وَأَمْسَكَ بَعْضَهُ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَكُنْتِ تَقْضِينَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَلَا بَأْسَ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنْ كَانَ مِنْ قَضَاءٍ فَصَوْمِي مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِهِ وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَقْضِهِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
وَعَنْ مَالِكٍ الْجَوَازُ وَعَدَمُ الْقَضَاءِ بِعُذْرٍ، وَالْمَنْعُ وَإِثْبَاتُ الْقَضَاءِ بِغَيْرِ عُذْرٍ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَشُبهه بِمَنْ أَفْسَدَ حَجَّ التَّطَوُّعِ فَإِنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ اتِّفَاقًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَجَّ امْتَازَ بِأَحْكَامٍ لَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ فِيهَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ يُؤْمَرُ مُفْسِدُهُ بِالْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهِ، وَالصِّيَامُ لَا يُؤْمَرُ مُفْسِدُهُ بِالْمُضِيِّ فِيهِ فَافْتَرَقَا، وَلِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَمَّنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِعُذْرٍ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ بِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَدَرَتْنِي إِلَيْهِ حَفْصَةُ وَكَانَتْ بِبَيْتِ أَبِيهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ فَقَالَ: اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ هَذَا، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، وَمَعْمَرٌ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنْ سَمِعْتُ مِنْ نَاسٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ سَأَلَ عَائِشَةَ، فَذَكَرَهُ ثُمَّ أَسْنَدَهُ كَذَلِكَ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا خَطَأٌ; وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي رِوَايَتِهِ: سُئِلَ الزُّهْرِيُّ
عَنْهُ أَهْوَ عَنْ عُرْوَةَ؟ فَقَالَ: لَا. وَقَالَ الْخَلَّالُ: اتَّفَقَ الثِّقَاتُ عَلَى إِرْسَالِهِ، وَشَذَّ مَنْ وَصَلَهُ. وَتَوَارَدَ الْحُفَّاظُ عَلَى الْحُكْمِ بِضَعْفِ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا. وَقَدْ رَوَاهُ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَنْ مَالِكٍ مَوْصُولًا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ، وَبَيَّنَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ صِيَامَهُمَا كَانَ تَطَوُّعًا. وَلَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ زُمَيْلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ بِجَهَالَةِ حَالِ زُمَيْلٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُفْطِرُ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ مَنْ نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا.
وَزَادَ فِيهِ بَعْضُهُمْ: فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ أَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ وَقَدْ ضَعَّفَ النَّسَائِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَحَكَمَ بِخَطَئِهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ عَلَى النَّدْبِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ: يُجَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ بِأَنَّ إِفْطَارَ أَبِي الدَّرْدَاءِ كَانَ لِقَسَمِ سَلْمَانَ وَلِعُذْرِ الضِّيَافَةِ، فَيُتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعُذْرَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
«إذْ كان» بسكون الذَّال، يعني: حين (١) كان.
١٩٦٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمعجمة المُشدَّدة بعد المُوحَّدة العبديُّ البصريُّ بُنْدارٌ قال: (حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) المخزوميُّ القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضمِّ العين المهملة وفتح الميم وإسكان التَّحتيَّة آخره سينٌ مهملةٌ، اسمه عتبة بن عبد الله بن مسعودٍ (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المهملة وإسكان المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الفاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي (٢) جُحَيفة وهب بن عبد الله السُّوائيِّ أنَّه (قَالَ: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ) بن عبد الله (٣) الفارسيِّ، ويُقال له: سلمان ابن (٤) الإسلام وسلمان الخير، أصله من رامهرمز، وقيل: من أصبهان، عاش فيما رواه أبو الشَّيخ في «طبقات الأصبهانيِّين» ثلاث مئةٍ وخمسين سنةً، ويُقال: إنَّه أدرك عيسى ابن مريم، وقيل: بل أدرك وصيَّ عيسى، وكان أوَّل مشاهده الخندق، وقال ابن عبد البرِّ: يقال: إنَّه شهد بدرًا (وَ) بين (أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُوَيمرٍ أو عامر بن قيسٍ الأنصاريِّ، أوَّل مشاهده أحدٌ (فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ) في عهده ﷺ، وكان أبو
الدَّرداء غائبًا (فَرَأَى) سلمانُ (أُمَّ الدَّرْدَاءِ) هي خَيرة -بفتح الخاء المعجمة- بنت أبي حَدْرَدٍ الأسلميَّة الصَّحابيَّة الكبرى، وليست أمَّ الدَّرداء الصُّغرى المُسمَّاة هُجَيمة (مُتَبَذِّلَةً) بضمِّ الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والموحَّدة وكسر المعجمة المُشدَّدة، أي: لابسةً ثياب البِذْلة بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، أي: المِهْنة وزنًا ومعنًى، أي: تاركةً لِلِباس الزِّينة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مُبْتَذِلةً» بميمٍ مضمومةٍ فمُوحَّدةٍ ساكنةٍ ففوقيَّةٍ مفتوحةٍ فمُعجَمةٍ مكسورةٍ.
(فَقَالَ) سلمان (لَهَا: مَا شَأْنُكِ) يا أمَّ الدَّرداء مبتذلةً؟ (قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا) وللدَّارقطنِّي من وجهٍ آخر: عن محمَّد بن عونٍ: «في نساء الدُّنيا» وزاد ابن خزيمة: «يصوم النَّهار ويقوم اللَّيل» (فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) زاد التِّرمذيُّ: فرحَّب بسلمان (فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا) وقرَّبه إليه ليأكل (فَقَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء: (كُلْ، قَالَ) أبو الدَّرداء: (فَإِنِّي صَائِمٌ) وفي رواية التِّرمذيُّ: فقال: كُلْ؛ فإنِّي صائمٌ، وعلى هذا فالقائل أبو الدَّرداء، والمقول له سلمان (قَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء: (مَا أَنَا بِآكِلٍ) من طعامك (حَتَّى تَأْكُلَ) أراد سلمان أن يصرف أبا الدَّرداء عن رأيه فيما يصنعه من جهد (١) نفسه في العبادة وغير ذلك ممَّا شَكَتْه إليه زوجتُه (قَالَ: فَأَكَلَ) أبو الدَّرداء معه، فإن قلتَ: لم يذكر في هذا الحديث قَسَمًا من سلمان حتَّى تقع المطابقة بينه وبين التَّرجمة؛ حيث قال: من أقسم على أخيه؟ قلتُ: أجاب ابن المُنيِّر بأنَّه إمَّا لأنَّه في طريقٍ آخر، وإمَّا لأنَّ القَسَم في هذا السِّياق مُقدَّرٌ قبل لفظ: ما أنا بآكلٍ؛ كما قُدِّر في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه يحتاج إلى إثبات الطَّريق الذي وقع فيه (٢) القسم، والاحتمال ليس كافيًا في ذلك، وتقدير قَسَمٍ هنا تقدير ما لا دليل عليه، فلا يُصار إليه. انتهى. وقد وقع في رواية البزَّار عن محمَّد بن بشَّارٍ شيخ المؤلِّف -كما أفاده في «الفتح» -: «فقال: أقسمت عليك لتفطرنَّ» وكذا رواه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى، والدَّارقُطنيُّ من طريق عليِّ بن مسلمٍ وغيره، والطَّبرانيُّ من طريق أبي بكرٍ وعثمان ابني أبي شيبة والعبَّاس بن عبد العظيم (٣)، وابن حبَّان من طريق أبي خيثمة، كلُّهم عن جعفر
ابن عونٍ به، فكأنَّ محمَّد بن بشَّارٍ لم يذكر هذه الجملة لمَّا حدَّث (١) به المؤلِّف، وبلغ المؤلف ذلك (٢) من غيره، فاستعمل هذه الزِّيادة في التَّرجمة.
(فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ) أي: أوَّله (ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) حال كونه (يَقُومُ) يعني: يصلِّي، وقد روى الطَّبرانيُّ هذا الحديث من وجهٍ آخر عن محمَّد بن سيرين مُرسَلًا، فعيَّن اللَّيلة التي بات سلمان فيها عند أبي الدَّرداء، ولفظه: كان أبو الدَّرداء يحيي ليلة الجمعة ويصوم يومها (قَالَ) سلمان له: (نَمْ، فَنَامَ) أبو الدَّرداء (ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ) له سلمان: (نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) عند السَّحر (قَالَ) له (سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ) فقام أبو الدَّرداء وسلمان وتَوضَّأا (فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) زاد التِّرمذيُّ وابن خزيمة: «وإنَّ لضيفك عليك حقًّا» (فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) بقطع همزة: «فأعط»، وللدَّارقطنيِّ: فصم وأفطر ونَمْ وائتِ أهلك (فَأَتَى) أبو الدَّرداء (النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ) الذي قاله سلمان (لَهُ) ﵊ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: صَدَقَ سَلْمَانُ) وللتِّرمذيِّ: «فأتيا» بالتَّثنية، وفيه: أنَّه لا يجب إتمام صوم التَّطوُّع إذا شرع فيه كصلاته واعتكافه لئلَّا يغيِّر الشُّروع حكم المشروع فيه، ولحديث التِّرمذيِّ -وصحَّحه الحاكم-: «الصَّائم (٣) المتطوِّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» ويُقاس بالصَّوم الصَّلاة ونحوها، لكن يُكرَه الخروج منه لظاهر قوله تعالى (٤): ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه؛ كما يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-إلَّا بعذر كمساعدة ضيفٍ في الأكل إذا عزَّ عليه امتناع مضيفه منه أو عكسه، فلا يُكرَه الخروج منه، بل يُستَحبُّ لحديث الباب مع زيادة التِّرمذيِّ: «وإن لضيفك عليك حقًّا»، أمَّا إذا لم يعزَّ على أحدهما امتناع الآخر من ذلك فالأفضل عدم خروجه منه، ذكره في «المجموع»، وإذا خرج منه؛ قال المتولِّي: لا يُثاب على ما مضى لأنَّ العبادة لم تتمَّ، وحكى عن الشَّافعيِّ: أنَّه يُثاب عليه، وهو الوجه إن خرج منه بعذرٍ، ويُستحَبُّ قضاؤه، سواء خرج بعذرٍ أم (٥) بغيره، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة والجمهور، وقال المالكيَّة: يجب القضاء في صوم
النَّفل بالفطر إذا كان عمدًا حرامًا، فلا قضاء على من أفطر ناسيًا، ولا على من أفطر لعذرٍ من مرضٍ أو غيره، فلو شرع في صوم نفلٍ وجب عليه إتمامه، وحرم عليه الفطر من غير عذر، ولو حلف عليه شخصٌ بالطَّلاق الثَّلاث فإنَّه يحنِّثه ولا يفطر، فإن أفطر وجب عليه القضاء إلَّا في كوالدٍ وشيخٍ وإن لم يحلفا، وفي حكايات أهل الطَّريق: أنَّ بعض الشُّيوخ حضر دعوةً فعرض الطَّعام على تلميذه، فقال: إنِّي على نيَّةٍ، وأبى أن يأكل، فقال له الشَّيخ: كُلْ وأنا أضمن لك أجر سنةٍ، فأبى، فقال الشَّيخ: دعوه؛ فإنَّه سقط من عين الله، فنسأل (١) الله العافية. وقال الحنفيَّة: يلزمه القضاء مطلقًا أفسد عن قصدٍ أو (٢) غير قصدٍ بأن عرض الحيض للصَّائمة المتطوِّعة. لا خلاف بين أصحابنا في ذلك، وإنَّما اختلاف الرِّواية في نفس الإفساد: هل يُباح أو لا؟ ظاهر الرِّواية: لا إلَّا لعذرٍ (٣)، ورواية «المنتقى» يُباح بلا عذرٍ، ثمَّ اختلف المشايخ على ظاهر الرِّواية: هل الضِّيافة عذرٌ أو لا؟ قيل: نعم، وقيل: لا، وقيل: عذرٌ قبل الزَّوال لا بعده، إلَّا إذا كان في عدم الفطر بعده عقوقٌ لأحد الوالدين لا غيرهما، حتَّى لو حلف عليه رجلٌ بالطَّلاق الثَّلاث ليفطرنَّ (٤) لا يفطر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية سيقت (٥) في معرض ذمِّهم على عدم رعاية ما التزموه من القُرَب التي لم تُكتَب عليهم، والقدر المؤدَّى عمل كذلك، فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النَّصَّين، فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا عن الإبطال، وأُجيب بأنَّ المراد: لا تحبطوا الطَّاعات بالكبائر أو بالكفر والنِّفاق، والعجب والرِّياء، والمنِّ والأذى ونحوها، وهذا غير الإبطال الموجب للقضاء، وقد قال ابن المُنيِّر من المالكيِّة في «الحاشية»: ليس في تحريم الأكل في صوم النَّفل من غير عذرٍ إلَّا الأدلَّة العامَّة كقوله (٦) تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] إلَّا أنَّ الخاصَّ يُقدَّم على العامِّ كحديث سلمان ونحوه، فمذهب الشَّافعيَّة في هذه المسألة أظهر.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
٧٦٩١ - حدَّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قَالَ حدَّثني ابنُ أبي حازِمٍ عنْ يَزِيدَ عنْ عَبْدِ الله بنِ خَبَّابٍ عنْ أبِي سَعيد الخُدْرِيِّ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ أنَّهُ سَمِعَ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يقُولُ لَا تُوَاصِلوا فأيُّكُمْ أرَادَ أنْ يُوَاصِلَ فلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ قالُوا فإنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رسولَ الله قَالَ إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وساقٍ يَسْقِينِي. (انْظُر الحَدِيث ٣٦٩١) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (فَأَيكُمْ أَرَادَ أَن يواصل فليواصل حَتَّى السحر) ، وَإِبْرَاهِيم بن حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي، مر فِي: بَاب سُؤال جِبْرِيل، عَلَيْهِ السَّلَام، فِي كتاب الْإِيمَان، وَابْن أبي حَازِم هُوَ عبد الْعَزِيز، وَيزِيد من الزِّيَادَة هُوَ ابْن عبد الله بن الْهَاد.
وَقد مر هَذَا الحَدِيث فِي: بَاب الْوِصَال فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن عبد الله بن يُوسُف عَن اللَّيْث عَن ابْن الْهَاد ... إِلَى آخِره. فَإِن قلت: روى ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق عُبَيْدَة بن حميد عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح (عَن أبي هُرَيْرَة كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يواصل إِلَى السحر، فَفعل بعض أَصْحَابه ذَلِك، فَنَهَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّك تفعل ذَلِك ... ؟) الحَدِيث، فَظَاهره يُعَارض حَدِيث أبي سعيد هَذَا، فَإِن فِي حَدِيث أبي صَالح إِطْلَاق النَّهْي عَن الْوِصَال، وَفِي حَدِيث أبي سعيد جَوَازه إِلَى السحر. قلت: ذكرُوا أَن رِوَايَة عُبَيْدَة بن حميد شَاذَّة، وَقد خَالفه أَبُو مُعَاوِيَة وَهُوَ أضبط أَصْحَاب الْأَعْمَش، فَلم يذكر ذَلِك، أخرجه أَحْمد وَغَيره عَن أبي مُعَاوِيَة، قيل: على تَقْدِير أَن تكون رِوَايَة عُبَيْدَة مَحْفُوظَة فَالْجَوَاب أَن ابْن خُزَيْمَة جمع بَينهمَا بِأَن يكون النَّهْي عَن الْوِصَال أَولا مُطلقًا سَوَاء فِي ذَلِك جَمِيع اللَّيْل أَو بعضه، ثمَّ خص النَّهْي بِجَمِيعِ اللَّيْل، فأباح الْوِصَال إِلَى السحر، فَيحمل حَدِيث أبي سعيد على هَذَا، وَحَدِيث عُبَيْدَة على الأول، وَقيل: يحمل النَّهْي فِي حَدِيث أبي صَالح على كَرَاهَة التَّنْزِيه، وَفِي حَدِيث أبي سعيد على مَا فَوق السحر على كَرَاهَة التَّحْرِيم.
١٥ - (بابُ مَنْ أقْسَمَ عَلَى أخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ ولَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذا كانَ أوْفَقَ لَهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من حلف على أَخِيه وَكَانَ صَائِما ليفطر، وَالْحَال أَنه كَانَ فِي صَوْم التَّطَوُّع، وَلم ير على هَذَا الْمُفطر قَضَاء عَن ذَلِك الْيَوْم الَّذِي أفطر فِيهِ. قَوْله: (إِذا كَانَ الْإِفْطَار أوفق لَهُ) أَي: للمفطر بِأَن كَانَ مَعْذُورًا فِيهِ، بِأَن عزم عَلَيْهِ أَخُوهُ فِي الْإِفْطَار، وَهَذَا الْقَيْد يدل على أَنه: لَا يفْطر إِذا كَانَ بِغَيْر عذر، وَلَا يتَعَمَّد ذَلِك. ويروى: إِذا كَانَ، يَعْنِي: حِين كَانَ، ويروى: أرْفق، أَيْضا بالراء وبالواو، وَالْمعْنَى صَحِيح فيهمَا، وَهَذَا تصرف البُخَارِيّ واختياره وَفِيه خلاف بَين الْفُقَهَاء سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
٨٦٩١ - ح دَّثنا محَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدَّثني جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ قَالَ حدَّثنا أبُو الْعُمَيْسِ عنْ عَوْنِ ابنِ أبِي جُحَيْفَة عنْ أبيهِ قَالَ آخَى النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَيْنَ سَلْمانَ وأبِي الدَّرْدَاءِ فزَارَ سَلْمانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبِذِّلَةً فَقَالَ لَها مَا شَأنُكِ قالَتْ أخُوكَ أبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا فَجاءَ أبُو الدَّرْدَاءِ فصَنَعَ لَهُ طَعَاما فَقَالَ كْلْ قَالَ فإنِّي صَائِمٌ قَالَ مَا أنَا بآكِلٍ حَتَّى تَأكُلَ قَالَ فأكَلَ فلَمَّا كانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُو الدرْدَاءِ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فنامَ ثُمَّ ذهَبَ يَقُومُ فَقَالَ نَمْ فَلَمَّا كانَ منْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمانُ قُمِ الآنَ فَصَلَّيَا فَقال لَهُ سَلْمَانُ إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقَّا ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًا ولأِهْلِكَ عَلَيْكَ حَقّا فأعْطِ كلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فأتَى النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ فقَالَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صَدَقَ سَلْمَانُ. (الحَدِيث ٨٦٩١ طرفه فِي: ٩٣١٦) .
مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن أَبَا الدَّرْدَاء صنع لسلمان طَعَاما وَكَانَ سلمَان صَائِما فَأفْطر بعد محاورة، ثمَّ لما أَتَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأخْبرهُ بذلك لم يَأْمُرهُ بِالْقضَاءِ، وَقَالَ بَعضهم: ذكر الْقسم لم يَقع فِي حَدِيث أبي جُحَيْفَة هُنَا، وَأما الْقَضَاء فَلَيْسَ فِي شَيْء من طرقه إلَاّ أَن الأَصْل عَدمه، وَقد أقره الشَّارِع، وَلَو كَانَ الْقَضَاء وَاجِبا لبينه مَعَ حَاجته إِلَى الْبَيَان. انْتهى. قلت: فِي رِوَايَة الْبَزَّار عَن مُحَمَّد ابْن بشار شيخ البُخَارِيّ فِي هَذَا الحَدِيث، (فَقَالَ: أَقْسَمت عَلَيْك لتفطرنّ) ، وَكَذَا فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان، فَكَأَن شيخ البُخَارِيّ مُحَمَّد بن بشار لما حدث بِهَذَا الحَدِيث لم يذكر لَهُ هَذِه الْجُمْلَة، وَبلغ البُخَارِيّ ذَلِك من غَيره فَذكرهَا فِي التَّرْجَمَة، وَإِن لم يَقع فِي رِوَايَته، وَقد ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي كتاب الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن بشار بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلم يذكر هَذِه الْجُمْلَة أَيْضا.
وَقيل: الْقسم مُقَدّر قبل قَوْله: (مَا أَنا بآكل) كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِن مِنْكُم إلَاّ واردها} (مَرْيَم: ١٧) . وَأما قَوْله: وَأما الْقَضَاء ... إِلَى آخِره، فَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الْقَضَاء ثَبت فِي غَيره من الْأَحَادِيث، ونذكرها الْآن، وَقَوله: فَلَيْسَ فِي شَيْء من طرقه، لَا يسْتَلْزم عدم ذكره الْقَضَاء فِي طرق هَذَا الحَدِيث نفي وجوب الْقَضَاء فِي طرق غَيره، وَقَوله: إلَاّ أَن الأَصْل عَدمه أَي: عدم الْقَضَاء، غير مُسلم، بل الأَصْل وجوب الْقَضَاء، لِأَن الَّذِي يشرع فِي عبَادَة يجب عَلَيْهِ أَن يَأْتِي بهَا وإلَاّ يكون مُبْطلًا لعمله، وَقد قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم} (مُحَمَّد: ٣٣) . فَإِن قلت: قَالَ أَبُو عمر: أما من احْتج فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بقوله تَعَالَى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم} (مُحَمَّد: ٣٣) . فجاهل بأقوال أهل الْعلم، وَذَلِكَ أَن الْعلمَاء فِيهَا على قَوْلَيْنِ، فَيَقُول أَكثر أهل السّنة: لَا تبطلوها بالرياء أخلصوها لله تَعَالَى، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم بارتكاب الْكَبَائِر. قلت: من أَيْن لأبي عمر هَذَا الْحصْر.
وَقد اخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ، فَقيل: لَا تُبْطِلُوا الطَّاعَات بالكبائر، وَقيل: لَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم بِمَعْصِيَة الله ومعصية رَسُوله، وَعَن ابْن عَبَّاس: لَا تبطلوها بالرياء والسمعة، عَنهُ بِالشَّكِّ، والنفاق، وَقيل: بالعجب، فَإِن الْعجب يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب. وَقيل: لَا تُبْطِلُوا صَدقَاتكُمْ بالمن والأذى على أَن قَوْله: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم} (مُحَمَّد: ٣٣) . عَام يتَنَاوَل كل من يبطل عمله، سَوَاء كَانَ فِي صَوْم أَو فِي صَلَاة وَنَحْوهمَا من الْأَعْمَال الْمَشْرُوعَة، فَإِذا نهى عَن إِبْطَاله يجب عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ ليخرج عَن عُهْدَة مَا شرع فِيهِ وأبطله.
وَأما الْأَحَادِيث الْمَوْعُود بذكرها. فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع حَدثنَا كثير بن هِشَام حَدثنَا جَعْفَر بن برْقَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، (قَالَت: كنت أَنا وَحَفْصَة صائمتين فَعرض لنا طَعَام اشتهيناه، فأكلنا مِنْهُ، فجَاء رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فبدرتني إِلَيْهِ حَفْصَة وَكَانَت ابْنة أَبِيهَا فَقَالَت: يَا رَسُول الله إِنَّا كُنَّا صائمتين فَعرض لنا طَعَام اشتهيناه فأكلنا مِنْهُ {} فَقَالَ: إقضيا يَوْمًا آخر مَكَانَهُ) . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَيْضا من رِوَايَة يزِيد بن الْهَاد عَن زميل مولى عُرْوَة عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: أهدي لي ولحفصة طَعَام وَكُنَّا صائمتين فأفطرنا، ثمَّ دخل رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُول الله إِنَّا أهديت لنا هَدِيَّة فاشتهيناها فأفطرنا! فَقَالَ: لَا عَلَيْكُمَا، صوما مَكَانَهُ يَوْمًا آخر) . وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة جَعْفَر بن برْقَان عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَأخرجه أَيْضا من رِوَايَة يحيى بن أَيُّوب عَن إِسْمَاعِيل بن عقبَة. قَالَ: وَعِنْدِي فِي مَوضِع آخر: أَو إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة قَالَ (يحيى بن أَيُّوب وحَدثني صَالح بن كيسَان عَن الزُّهْرِيّ مثله، قَالَ النَّسَائِيّ: وجدته فِي مَوضِع آخر عِنْدِي: حَدثنِي صَالح بن كيسَان وَيحيى بن سعيد، مثله. فَإِن قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: رَوَاهُ مَالك بن أنس وَمعمر وَعبيد الله بن عمر وَزِيَاد بن سعد وَغير وَاحِد من الْحفاظ عَن الزُّهْرِيّ عَن عَائِشَة مُرْسلا، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ أَيْضا فِي (الْعِلَل) : سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لَا يَصح حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة فِي هَذَا، قَالَ: وجعفر بن برْقَان ثِقَة، وَرُبمَا يخطىء فِي الشَّيْء، وَكَذَا قَالَ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي: لَا يَصح عَن عُرْوَة. وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي (سنَنه) بعد أَن رَوَاهُ: هَذَا خطأ. وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) بعد ذكره لهَذَا الحَدِيث: مدَار حَدِيث صَالح بن كيسَان وَيحيى بن سعيد على يحيى بن أَيُّوب وَهُوَ صَالح، وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم مَتْرُوك الحَدِيث، وجعفر بن برْقَان فِي الزُّهْرِيّ لَيْسَ بِشَيْء، وسُفْيَان بن حُسَيْن وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر فِي حَدِيثهمَا خطأ كثير، قَالَ: وحفاظ بن شهَاب يَرْوُونَهُ مُرْسلا. قلت: وَقد وَصله آخَرُونَ فجعلوه عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة وهم جَعْفَر بن برْقَان وسُفْيَان بن حُسَيْن وَمُحَمّد بن أبي حَفْصَة وَصَالح بن أبي الْأَخْضَر وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن عقبَة وَصَالح بن كيسَان وحجاج بن أَرْطَأَة. وَإِذا دَار الحَدِيث بَين الِانْقِطَاع والاتصال فطريق الِاتِّصَال أولى، وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين، وَذَلِكَ لِأَن طَرِيق الِانْقِطَاع سَاكِت عَن
الرَّاوِي وحاله أصلا، وَفِي طَرِيق الِاتِّصَال بَيَان لَهُ، وَلَا مُعَارضَة بَين السَّاكِت والناطق، وَلَئِن سلمنَا أَنه روى مُرْسلا أَنه أصح، وَقد وَافقه حَدِيث مُتَّصِل وَهُوَ حَدِيث عَائِشَة بنت طَلْحَة، رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا الْمُزنِيّ قَالَ: حَدثنَا الشَّافِعِي، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان عَن طَلْحَة بن يحيى عَن عمته عَائِشَة بنت طَلْحَة (عَن عَائِشَة زوج النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَت: دخل عَليّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقلت لَهُ: يَا رَسُول الله إِنَّا قد خبأنا لَك حَيْسًا، فَقَالَ: أما إِنِّي كنت أُرِيد الصَّوْم، وَلَكِن قربيه سأصوم يَوْمًا مَكَان ذَلِك) . قَالَ: مُحَمَّد هُوَ ابْن إِدْرِيس، سَمِعت سُفْيَان عَامَّة مجالستي إِيَّاه لَا يذكر فِيهِ (سأصوم يَوْمًا مَكَان ذَلِك) ، قَالَ: ثمَّ إِنِّي عرضت عَلَيْهِ الحَدِيث قبل أَن يَمُوت بِسنة فَأجَاب، فِيهِ: سأصوم يَوْمًا مَكَان ذَلِك، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه الْكَبِير) من طَرِيق الطَّحَاوِيّ وَفِي كِتَابه (الْمعرفَة) أَيْضا، فَفِي هَذَا الحَدِيث ذكر وجوب الْقَضَاء. وَفِي حَدِيث عَائِشَة مَا قد وَافق ذَلِك.
ثمَّ انْظُر مَا أَقُول لَك، من الْعجب العجاب، وَهُوَ أَن أَحْمد قَالَ: هَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ جمَاعَة عَن سُفْيَان دون هَذِه اللَّفْظَة، وَرَوَاهُ جمَاعَة عَن طَلْحَة ابْن يحيى دون اللَّفْظَة مِنْهُم: سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد ووكيع بن الْجراح وَيحيى بن سعيد الْقطَّان ويعلى بن عبيد وَغَيرهم، وَأخرجه مُسلم فِي (صَحِيحه) من حَدِيث عبد الْوَاحِد وَغَيره دون هَذِه اللَّفْظَة. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي (السّنَن الْكَبِيرَة) : رِوَايَة هَؤُلَاءِ تدل على خطأ هَذِه اللَّفْظَة، وَهَذَا الْعجب العجاب مِنْهُ أَن يخطِّيء هَهُنَا إِمَامه الشَّافِعِي ويخطِّىء مثل سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالشَّافِعِيّ إِمَام ثِقَة، وروى هَذِه اللَّفْظَة من مثل سُفْيَان الَّذِي هُوَ من أكبر مشايخه، ثمَّ لم يذكر خِلَافه عَنهُ، ثمَّ يتَلَفَّظ بِمثل هَذَا الْكَلَام البشيع لأجل تَضْعِيف مَا احتجت بِهِ الْحَنَفِيَّة، وغمض عَيْنَيْهِ من جِهَة الشَّافِعِي وَمن جِهَة شَيْخه، وَلَيْسَ هَذَا من دأب الْعلمَاء الراسخين، فضلا عَن الْعلمَاء المقلدين.
وَأما قَول البُخَارِيّ والذهلي: إِنَّه لَا يَصح، فَهُوَ نفي، وَالْإِثْبَات مقدم عَلَيْهِ. وَقَوله: قَالَ النَّسَائِيّ هَذَا خطأ دَعْوَى بِلَا إِقَامَة برهَان، لِأَن كَونه مُرْسلا على زعمهم لَا يسْتَلْزم كَونه خطأ، وَقَول أبي عمر فِيهِ وهمان: أَحدهمَا: أَن قَوْله: مدَار حَدِيث يحيى بن سعيد على يحيى بن أَيُّوب غَفلَة مِنْهُ، فَإِنَّهُ هُوَ بعد هَذَا بأسطر رَوَاهُ من رِوَايَة أبي خَالِد الْأَحْمَر عَن يحيى بن سعيد وَغَيره عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة. وَالثَّانِي: أَن قَوْله: وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم مَتْرُوك الحَدِيث، قد انْقَلب عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم فَظن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن حَبِيبَة، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم: مَتْرُوك الحَدِيث وَلَيْسَ هُوَ الرَّاوِي لهَذَا الحَدِيث، وَهَذَا إِسْمَاعِيل بن عقبَة، احْتج بِهِ البُخَارِيّ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة أبي دَاوُد الَّتِي تقدّمت وذكرناها آنِفا زميل مولى عُرْوَة عَن عُرْوَة، قَالَ البُخَارِيّ: لَا يَصح لزميل سَماع من عُرْوَة وَلَا ليزِيد من زميل، وَلَا تقوم بِهِ الْحجَّة. قلت: فِي (سنَن) النَّسَائِيّ التَّصْرِيح بِسَمَاع يزِيد مِنْهُ، وَقَول البُخَارِيّ لَا يَصح لزميل سَماع عَن عُرْوَة نفي فَيقدم عَلَيْهِ الْإِثْبَات، وزميل هُوَ ابْن عَبَّاس أَو عَيَّاش مولى عُرْوَة قيل: بِضَم الزَّاي وَفتح الْمِيم، وَقيل: بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْمِيم، وَلِحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، طَرِيق آخر رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن عِيسَى عَن ابْن وهب عَن جرير بن حَازِم عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، الحَدِيث وَفِي آخِره قَالَ: صوما يَوْمًا مَكَانَهُ، وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) عَن ابْن قُتَيْبَة عَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب، وَقَالَ ابْن عبد الْبر فِي (التَّمْهِيد) وَأحسن حَدِيث فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث ابْن الْهَاد عَن زميل عَن عُرْوَة، وَحَدِيث جرير بن حَازِم عَن يحيى بن سعيد عَن عمْرَة.
وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْن عَبَّاس، أخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة خطاب بن الْقَاسِم عَن خصيف عَن عِكْرِمَة (عَن ابْن عَبَّاس: أَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، دخل على حَفْصَة وَعَائِشَة وهما صائمتان، ثمَّ خرج فَرجع وهما يأكلان، فَقَالَ: ألم تَكُونَا صائمتين؟ قَالَتَا: بلَى، وَلَكِن أهدي لنا هَذَا الطَّعَام فأعجبنا فأكلنا مِنْهُ، فَقَالَ: صوما يَوْمًا مَكَانَهُ) فَإِن قلت: قَالَ النَّسَائِيّ وَابْن عبد الْبر: هَذَا الحَدِيث مُنكر؟ قلت: إِنَّمَا قَالَا ذَلِك بِسَبَب خطاب ابْن الْقَاسِم عَن خصيف، لِأَن فيهمَا مقَالا فِيمَا قَالَه عبد الْحق، وَقَالَ ابْن الْقطَّان: خطاب ثِقَة، قَالَه ابْن معِين وَأَبُو زرْعَة، وَلَا أحفظ لغَيْرِهِمَا فِيهِ مَا يُنَاقض ذَلِك. وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَيحيى بن معِين وَأَبُو زرْعَة وَالْعجلِي: خصيف ثِقَة، عَن ابْن معِين: صَالح، وَعنهُ: لَيْسَ بِهِ بَأْس، وَعَن أَحْمد لَيْسَ بِحجَّة.
وَمِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ الْعقيلِيّ فِي (تَارِيخ الضُّعَفَاء) من حَدِيث مُحَمَّد ابْن أبي سَلمَة عَن مُحَمَّد بن عمر وَعَن أبي سَلمَة (عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: أهديت لعَائِشَة وَحَفْصَة هَدِيَّة وهما صائمتان فأكلتا مِنْهَا، فذكرتا ذَلِك لرَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ: اقضيا يَوْمًا مَكَانَهُ وَلَا تعودا) . أوردهُ فِي تَرْجَمَة مُحَمَّد بن أبي سَلمَة الْمَكِّيّ، وَقَالَ: لَا يُتَابع على حَدِيثه.
وَمِنْهَا: حَدِيث أم سَلمَة، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ
فِي الْأَفْرَاد من رِوَايَة مُحَمَّد بن حميد عَن الضَّحَّاك بن حمرَة عَن مَنْصُور بن أبان (عَن الْحسن عَن أمه عَن أم سَلمَة: أَنَّهَا صَامت يَوْمًا تَطَوّعا، فأفطرت، فَأمرهَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَن تقضي يَوْمًا مَكَانَهُ) . فَإِن قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: تفرد بِهِ الضَّحَّاك عَن مَنْصُور، وَالضَّحَّاك لَيْسَ بِشَيْء، قَالَه ابْن معِين وَمُحَمّد بن حميد: كَذَّاب، قَالَه أَبُو زرْعَة؟ قلت: الضَّحَّاك بن حمرَة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَبعد الْمِيم رَاء: الأملوكي الوَاسِطِيّ، ذكره ابْن حبَان فِي (الثِّقَات) وَإِذا كَانَ الضَّحَّاك ثِقَة لَا يروي عَن كَذَّاب.
وَمِنْهَا: حَدِيث جَابر، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ، قَالَ: (صنع رجل من أَصْحَاب رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، طَعَاما، فَدَعَا النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وأصحابا لَهُ، فَلَمَّا أُتِي بِالطَّعَامِ تنحى أحدهم، فَقَالَ لَهُ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا لَك؟ فَقَالَ: إِنِّي صَائِم، فَقَالَ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: تكلّف لَك أَخُوك وصنع، ثمَّ تَقول: إِنِّي صَائِم؟ كُلْ، وصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ) . وروى الطَّحَاوِيّ من حَدِيث سعيد بن أبي الْحسن (عَن ابْن عَبَّاس: أَنه أخبر أَصْحَابه أَنه صَامَ ثمَّ خرج عَلَيْهِم وَرَأسه يقطر، فَقَالُوا: ألم تَكُ صَائِما؟ قَالَ: بلَى، وَلَكِن مرت بِي جَارِيَة لي فأعجبتني فأصبتها وَكَانَت حَسَنَة، فهممت بهَا وَأَنا قاضيها يَوْمًا آخر) . وَأخرج ابْن حزم فِي (الْمحلى) من طَرِيق وَكِيع (عَن سيف بن سُلَيْمَان الْمَكِّيّ قَالَ: خرج عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، يَوْمًا على الصَّحَابَة، فَقَالَ: إِنِّي أَصبَحت صَائِما، فمرت بِي جَارِيَة فَوَقَعت عَلَيْهَا، فَمَا ترَوْنَ؟ قَالَ: فَلم يألوا مَا شكوا عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أصبت حَلَالا وتقضي يَوْمًا مَكَانَهُ، قَالَ لَهُ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: أَنْت أحْسنهم فتيا) . وروى ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) : (حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم عَن عُثْمَان البتي عَن أنس ابْن سِيرِين، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه: صَامَ يَوْم عَرَفَة فعطش عطشا شَدِيدا فَأفْطر، فَسَأَلَ عدَّة من أَصْحَاب النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فأمروه أَن يقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ) .
وَرُوِيَ وجوب الْقَضَاء عَن أبي بكر وَعمر وَعلي وَابْن عَبَّاس وَجَابِر بن عبد الله وَعَائِشَة وَأم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَسَعِيد بن جُبَير فِي قَول، وَأبي حنيفَة وَمَالك وَأبي يُوسُف وَمُحَمّد رَحِمهم الله. وَمذهب مُجَاهِد وطاووس وَعَطَاء وَالثَّوْري وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق: أَن المتطوع بِالصَّوْمِ إِذا أفطر بِعُذْر أَو بِغَيْر عذر لَا قَضَاء عَلَيْهِ، إلَاّ أَنه يحب هُوَ أَن يَقْضِيه، وَرُوِيَ ذَلِك عَن سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث أم هانىء رَوَاهُ أَحْمد عَنْهَا: (أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، شرب شرابًا فناولها لتشرب، فَقَالَت إِنِّي صَائِمَة، وَلَكِنِّي كرهت أَن أرد سؤرك، فَقَالَ: إِن كَانَ من قَضَاء رَمَضَان فاقضي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِن كَانَ تَطَوّعا فَإِن شِئْت فاقضي. وَإِن شِئْت فَلَا تقضي) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من ثَلَاث طرق، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ: حَدثنَا مَحْمُود بن غيلَان، قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: أَنبأَنَا شُعْبَة: كنت أسمع سماك بن حَرْب يَقُول: حَدثنِي أحد بني أم هانىء فَلَقِيت أفضلهم، وَكَانَ اسْمه جعدة، (فَحَدثني عَن جدته أَن رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: دخل عَلَيْهَا فدعى بشراب فَشرب ثمَّ ناولها فَشَرِبت فَقَالَت يارسول الله أما اني كنت صَائِمَة فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الصَّائِم المتطوع أَمِير نَفسه، إِن شَاءَ صَامَ وَإِن شَاءَ أفطر) . قَالَ شُعْبَة: فَقلت لَهُ: أَنْت سَمِعت هَذَا من أم هانىء؟ قَالَ: لَا أَخْبرنِي أَبُو صَالح، وأهلنا عَن أم هانىء، وروى حَمَّاد بن سَلمَة هَذَا الحَدِيث عَن سماك، فَقَالَ: ابْن بنت أم هانىء، وَرِوَايَة شُعْبَة أحسن. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث أم هانىء فِي إِسْنَاده مقَال؟ قلت: هَذَا الحَدِيث فِيهِ اضْطِرَاب متْنا وسندا. أما الأول: فَظَاهر، وَقد ذكر فِيهِ أَنه كَانَ يَوْم الْفَتْح، وَهِي أسلمت عَام الْفَتْح، وَكَانَ الْفَتْح فِي رَمَضَان، فَكيف لَا يلْزمهَا قَضَاؤُهُ؟ وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (مُخْتَصر سنَن الْبَيْهَقِيّ) : وَلَا أرَاهُ يَصح، فَإِن يَوْم الْفَتْح كَانَ صَومهَا فرضا لِأَنَّهُ رَمَضَان. وَقَالَ غَيره: وَمِمَّا يوهن هَذَا الْخَبَر أَنَّهَا يَوْم الْفَتْح فَلَا يجوز لَهَا أَن تكون متطوعة لِأَنَّهَا كَانَت فِي شهر رَمَضَان قطعا.
وَأما اضْطِرَاب سَنَده فَاخْتلف سماك فِيهِ، فَتَارَة رَوَاهُ عَن أبي صَالح، وَتارَة عَن جعدة، وَتارَة عَن هَارُون. أما أَبُو صَالح فَهُوَ باذان، وَيُقَال: باذام ضَعَّفُوهُ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: ضَعِيف لَا يحْتَج بِخَبَرِهِ، وَقَالَ فِي: بَاب أصل الْقسَامَة: أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس ضَعِيف، وَعَن الْكَلْبِيّ، قَالَ لي أَبُو صَالح: كل مَا حدثتك بِهِ كذب، وَفِي (السّنَن الْكُبْرَى) للنسائي: هُوَ ضَعِيف الحَدِيث، وَعَن حبيب بن أبي ثَابت: كُنَّا نُسَمِّيه: الدرودن،، وَهُوَ باللغة الفارسية: الْكذَّاب. وَقَالَ النَّسَائِيّ: وَقد رُوِيَ أَنه قَالَ فِي مَرضه: كل شَيْء حدثتكم بِهِ فَهُوَ كذب. وَأما جعدة فمجهول، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لم يسمعهُ جعدة عَن أم هانىء. وَأما هَارُون فمجهول الْحَال، قَالَه ابْن الْقطَّان. وَاخْتلف فِي نسبه، فَقيل:
ابْن أم هانىء، وَقيل: ابْن هانىء، وَقيل: ابْن ابْنة أم هانىء، وَقيل: هَذَا وهم، فَإِنَّهُ لَا يعرف لَهَا بنت، وَقَالَ النَّسَائِيّ: اخْتلف على سماك فِيهِ، وَسماك لَا يعْتَمد عَلَيْهِ إِذا انْفَرد بِالْحَدِيثِ، وَقد رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره من غير طَرِيق سماك فِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ قَوْله: (فَإِن شِئْت فاقضيه وَإِن شِئْت فَلَا تقضيه) . وَلم يرو هَذَا اللَّفْظ عَن سماك غير حَمَّاد بن سَلمَة. وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة حَاتِم بن أبي صعيرة وَأبي عوَانَة كِلَاهُمَا عَن سماك، وَلَيْسَ فِيهِ هَذِه اللَّفْظَة.
ذكر رجال الحَدِيث: وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن بشار، بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الشين الْمُعْجَمَة. الثَّانِي: جَعْفَر ابْن عون، بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْوَاو وَفِي آخِره نون: أَبُو عون المَخْزُومِي الْقرشِي. الثَّالِث: أَبُو العميس، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْمِيم وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره سين مُهْملَة، واسْمه: عتبَة بن عبد الله بن مَسْعُود، وَقد مر فِي زِيَادَة الْإِيمَان. الرَّابِع: عون بن أبي جُحَيْفَة. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو جُحَيْفَة، بِضَم الْجِيم وَفتح الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح الْفَاء. واسْمه: وهب بن عبد الله السوَائِي.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن مُحَمَّد بن بشار بَصرِي ويلقب ببندار لِأَنَّهُ كَانَ بندارا فِي الحَدِيث، والبندار: الْحَافِظ، وَهُوَ شيخ الْجَمَاعَة، والبقية كوفيون. وَفِيه: أَن هَذَا الحَدِيث لم يروه إلَاّ أَبُو العميس عَن عون بن أبي جُحَيْفَة، وَلَا لأبي العميس راوٍ إلَاّ جَعْفَر بن عون، وأنهما منفردان بذلك، نبه عَلَيْهِ الْبَزَّار، وَأخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا فِي الْأَدَب، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد ابْن بشار فِي الزّهْد، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (آخى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) من المؤاخاة وَهِي اتِّخَاذ الْأُخوة بَين الْإِثْنَيْنِ، يُقَال: وآخاه مواخاة وإخاء وتآخيا على تفاعلاً، وتأخيت إخاء، أَي: اتَّخذت أَخا، ذكر أهل السّير والمغازي: أَن المؤاخاة بَين الصَّحَابَة وَقعت مرَّتَيْنِ: الأولى: قبل الْهِجْرَة بَين الْمُهَاجِرين خَاصَّة على الْمُوَاسَاة والمناصرة، وَكَانَ من ذَلِك أخوة زيد بن حَارِثَة وَحَمْزَة بن عبد الْمطلب، ثمَّ آخى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بَين الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، بعد أَن هَاجر وَذَلِكَ بعد قدومه الْمَدِينَة. فَإِن قلت: روى الْوَاقِدِيّ عَن الزُّهْرِيّ أَنه كَانَ يُنكر كل مؤاخاة وَقعت بعد بدر، وَيَقُول: قطعت بدر الْمَوَارِيث، وسلمان إِنَّمَا أسلم بعد وقْعَة أحد، وَأول مُشَاهدَة الخَنْدَق. قلت: الَّذِي قَالَه الزُّهْرِيّ إِنَّمَا يُرِيد بِهِ المؤاخاة الْمَخْصُوصَة الَّتِي كَانَت عقدت بَينهم ليتوارثوا بهَا، ومؤاخاة سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء إِنَّمَا كَانَت على المؤاساة، والمؤاخاة الْمَخْصُوصَة لَا تدفع المؤاخاة من أَصْلهَا. وروى ابْن سعد من طَرِيق حميد بن هِلَال، قَالَ: وآخى بَين سلمَان وَأبي الدَّرْدَاء، فَنزل سلمَان الْكُوفَة وَنزل أَبُو الدَّرْدَاء الشَّام. قَوْله: (فزار سلمَان أَبَا الدَّرْدَاء) ، يَعْنِي فِي عهد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَوجدَ أَبَا الدَّرْدَاء غَائِبا فَرَأى أم الدَّرْدَاء متبذلة، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَالْبَاء الْمُوَحدَة وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة الْمَكْسُورَة، أَي: لابسة ثِيَاب البذلة، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة: وَهِي المهنة وزنا وَمعنى وَالْمرَاد: أَنَّهَا تاركة للبس ثِيَاب الزِّينَة، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: مبتذلة، بِتَقْدِيم الْبَاء الْمُوَحدَة وَالتَّخْفِيف من الابتذال من بَاب الافتعال، ومعناهما وَاحِد، وَوَقع فِي (الْحِلْية) لأبي نعيم بِإِسْنَاد آخر إِلَى أم الدَّرْدَاء عَن أبي الدَّرْدَاء: أَن سلمَان دخل عَلَيْهِ فَرَأى امْرَأَته رثَّة الْهَيْئَة، فَذكر الْقِصَّة مختصرة، وَأم الدَّرْدَاء هَذِه اسْمهَا: خيرة، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف بنت أبي حَدْرَد الأسْلَمِيَّة، صحابية بنت صَحَابِيّ، وحديثها عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي (مُسْند أَحْمد) وَغَيره، وَمَاتَتْ قبل أبي الدَّرْدَاء، وَلأبي الدَّرْدَاء امْرَأَة أُخْرَى أَيْضا يُقَال لَهَا: أم الدَّرْدَاء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَيْضا اسْمهَا: هجيمة تابعية، عاشت بعده دهرا، وروت عَنهُ. وَقد مر الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا. قَوْله: (فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنك؟) وَزَاد التِّرْمِذِيّ فِي رِوَايَته: (يَا أم الدَّرْدَاء؟) . قَوْله: (لَيست لَهُ حَاجَة فِي الدُّنْيَا) وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ من وَجه آخر عَن مُحَمَّد بن عون (فِي نسَاء الدُّنْيَا) ، وَزَاد فِيهِ ابْن خُزَيْمَة عَن يُوسُف بن مُوسَى عَن جَعْفَر بن عون: (يَصُوم النَّهَار وَيقوم اللَّيْل) . قَوْله: (فجَاء أَبُو الدَّرْدَاء) ، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَرَحَّبَ بسلمان وَقرب إِلَيْهِ طَعَاما) . قَوْله: (فَقَالَ: كل. قَالَ: فَإِنِّي صَائِم) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ
(فَقَالَ: كل فَإِنِّي صَائِم) . فعلى رِوَايَة أبي ذَر الْقَائِل بقوله: كل، هُوَ سلمَان، وَالْمقول لَهُ هُوَ: أَبُو الدَّرْدَاء، وَهُوَ الْمُجيب بِأَنَّهُ صَائِم، وعَلى رِوَايَة التِّرْمِذِيّ الْقَائِل بقوله: كل، هُوَ أَبُو الدَّرْدَاء، وَالْمقول لَهُ سلمَان. قَوْله: (قَالَ: مَا أَنا بآكل) أَي: قَالَ سلمَان: مَا أَنا بآكل من طَعَامك حَتَّى تَأْكُل، وَالْخطاب لأبي الدَّرْدَاء. قَوْله: (فَأكل) أَي: أَبُو الدَّرْدَاء، ويروى: فأكلا، يَعْنِي سلمَان وَأَبا الدَّرْدَاء. قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل) ، يَعْنِي أول اللَّيْل ذهب أَبُو الدَّرْدَاء يقوم يَعْنِي للصَّلَاة، وَمحل: يقوم، نصب على الْحَال. قَوْله: (فَقَالَ: نم) ، أَي: قَالَ سلمَان لأبي الدَّرْدَاء: نم، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد من وَجه آخر مُرْسلا، (فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاء: أتمنعني أَن أَصوم لرَبي وأصلي لرَبي؟) قَوْله: (فَلَمَّا كَانَ من آخر اللَّيْل) ، أَرَادَ عِنْد السحر، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَعند التِّرْمِذِيّ: (فَلَمَّا كَانَ عِنْد الصُّبْح) ، وَفِي رِوَايَة الدراقطني: (فَلَمَّا كَانَ فِي وَجه الصُّبْح) . قَوْله: (قَالَ سلمَان: قُم الْآن) أَي: قَالَ سلمَان لأبي الدَّرْدَاء: قُم فِي هَذَا الْوَقْت، يَعْنِي: وَقت السحر. قَوْله: (فَصَليَا) ، فِيهِ حذف تَقْدِيره: فقاما وصليا، وَفِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ: (فقاما وتوضآ ثمَّ ركعا ثمَّ خرجا إِلَى الصَّلَاة) . قَوْله: (ولأهلك عَلَيْك حَقًا) ، وَزَاد التِّرْمِذِيّ وَابْن خُزَيْمَة: (ولضيفك عَلَيْك حَقًا) . وَزَاد الدَّارَقُطْنِيّ: (فصُمْ وأفْطِرْ وصَلِّ ونَمْ وائتِ أهْلَك) . قَوْله: (فَأتي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) ، أَي: فَأتى أَبُو الدَّرْدَاء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكر ذَلِك، أَي: مَا ذكر من الْأُمُور لَهُ، أَي: للنَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (فَأتيَا) ، بالتثنية. وَفِي رِوَايَة الدَّارَقُطْنِيّ: (ثمَّ خرجا إِلَى الصَّلَاة، فَدَنَا أَبُو الدَّرْدَاء، ليخبر النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، بِالَّذِي قَالَ لَهُ سلمَان، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاء {إِن لجسدك عَلَيْك حَقًا) . مثل مَا قَالَ سلمَان، فَفِي هَذِه الرِّوَايَة أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنَّهُ علم بطرِيق الْوَحْي مَا دَار بَينهمَا، وَلَيْسَ ذَلِك فِي رِوَايَة البُخَارِيّ عَن مُحَمَّد بن بشار، وَيُمكن الْجمع بَينهمَا بِأَنَّهُ كاشفهما بذلك أَولا ثمَّ أطلعه أَبُو الدَّرْدَاء على صُورَة الْحَال، فَقَالَ لَهُ: صدق سلمَان، وروى هَذَا الحَدِيث الطَّبَرَانِيّ من وَجه آخر عَن مُحَمَّد بن سِيرِين مُرْسلا، فعين اللَّيْلَة الَّتِي بَات سلمَان فِيهَا عِنْد أبي الدَّرْدَاء، وَلَفظه: (قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء يحيى لَيْلَة الْجُمُعَة ويصوم يَوْمهَا، فَأَتَاهُ سلمَان) ، فَذكر الْقِصَّة مختصرة، وَزَاد فِي آخرهَا: (فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: عُوَيْمِر} سلمَان أفقه مِنْك) . انْتهى، وعويمر تَصْغِير: عَامر، أسم لأبي الدَّرْدَاء، وَفِي رِوَايَة أبي نعيم فِي (الْحِلْية) : (فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لقد أُوتِيَ سلمَان من الْعلم) ، وَفِي رِوَايَة ابْن سعد: (لقد أشْبع سلمَان علما) ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: جَوَاز الْفطر من صَوْم التَّطَوُّع، لما ترْجم لَهُ البُخَارِيّ، ثمَّ الْقَضَاء هَل يجب عَلَيْهِ أم لَا؟ قد ذَكرْنَاهُ مَعَ الْخلاف فِيهِ، وَقد نقل ابْن التِّين عَن مَذْهَب مَالك: أَنه لَا يفْطر لضيف نزل بِهِ، وَلَا لمن حلف عَلَيْهِ بِالطَّلَاق وَالْعتاق، وَكَذَا لَو حلف هُوَ بِاللَّه ليفطرنَّ كفر، وَلَا يفْطر. وَسَيَأْتِي من حَدِيث أنس: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يفْطر لما زَارَهُ سليم وَكَانَ صَائِما تَطَوّعا، وَقد صَحَّ عَن عَائِشَة أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يفْطر من صَوْم التَّطَوُّع، وَزَاد بَعضهم فِيهِ: (فَأكل ثمَّ قَالَ: لَكِن أَصوم يَوْمًا مَكَانَهُ) . وَفِي (الْمَبْسُوط) : بعد الشُّرُوع فِي الصَّوْم لَا يُبَاح لَهُ الْإِفْطَار بِغَيْر عذر عندنَا، فَيكون بالإفطار جانيا، فَيلْزمهُ الْقَضَاء، وَلَا خلاف أَنه يُبَاح لَهُ الْإِفْطَار بِعُذْر.
وَاخْتلفت الرِّوَايَات فِي الضِّيَافَة، فروى هِشَام عَن مُحَمَّد أَنه يُبِيح الْفطر، وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة: أَنه لَا يكون عذرا، وروى ابْن أبي مَالك عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة: أَنه عذر، وَهُوَ الْأَظْهر، وَيجب الْقَضَاء فِي الْإِفْطَار بِعُذْر كَانَ أَو بِغَيْر عذر، وَكَانَ الْإِفْطَار بصنعه أَو بِغَيْر صنعه، كالصائمة تَطَوّعا إِذا حَاضَت عَلَيْهَا الْقَضَاء فِي أصح الرِّوَايَتَيْنِ، وَفِي (الفتاوي) : دعِي إِلَى طَعَام وَهُوَ صَائِم فِي النَّفْل إِن صنع لأَجله، فَلَا بَأْس بِأَن يفْطر. وَعَن مُحَمَّد: إِن دخل على أَخ لَهُ فَدَعَاهُ أفطر وَقيل: إِن تأذى بامتناعه أفطر، وَعَن الْحسن: أَنه لَا يفْطر إلَاّ بِعُذْر. وَفِي (الْمُنْتَقى) : لَهُ أَن يفْطر. قيل: تَأْوِيله بِعُذْر، وَقيل: قبل الزَّوَال لَهُ أَن يفْطر وَبعده لَا يفْطر، وَفِي الْقَضَاء وَصَوْم الْفَرْض لَا يفْطر، وَعَن مُحَمَّد: لَا بَأْس بِهِ.
وَإِن حلف غَيره بِطَلَاق امْرَأَته أَن يفْطر، قَالَ نصير وَخلف بن أَيُّوب: لَا يفْطر. ودعه يَحْنَث، وَعَن مُحَمَّد: لَا بَأْس بِأَن يفْطر، وَإِن كَانَ فِي قَضَاء. وَفِي (الْمُحِيط) إِن حلف بِطَلَاق امْرَأَته يفْطر فِي التَّطَوُّع دون الْقَضَاء. وَهُوَ قَول أبي اللَّيْث. وَفِي (المرغيناني) : الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَن صَاحب الدعْوَة إِذا كَانَ رَضِي بِمُجَرَّد حُضُوره لَا يفْطر، وَقَالَ الْحلْوانِي: أحسن مَا قيل فِيهِ إِن كَانَ يَثِق من نَفسه بِالْقضَاءِ يفْطر وإلَاّ فَلَا يفْطر، وَإِن كَانَ فِيهِ أَذَى لمُسلم، وَفِي (المأمونية) لِلْحسنِ بن زِيَاد: إِذا دعِي إِلَى وَلِيمَة فليجب وَلَا يفْطر فِي
التَّطَوُّع، فَإِن أقسم عَلَيْهِ أهل الْوَلِيمَة فَأفْطر فَلَا بَأْس بِهِ، وَإِن كَانَ يتَأَذَّى يفْطر وَيَقْضِي، وَبعد الزَّوَال لَا يفْطر إلَاّ إِذا كَانَ فِي تَركه عقوق بالوالدين أَو بِأَحَدِهِمَا.
وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة المواخاة فِي الله. وَفِيه: زِيَارَة الإخوان وَالْمَبِيت عِنْدهم. وَفِيه: جَوَاز مُخَاطبَة الْأَجْنَبِيَّة للْحَاجة. وَفِيه: السُّؤَال عَمَّا تترتب عَلَيْهِ الْمصلحَة وَإِن كَانَ فِي الظَّاهِر لَا يتَعَلَّق بالسائل. وَفِيه: النصح للْمُسلمِ وتنبيه من كَانَ غافلاً. وَفِيه: فضل قيام آخر اللَّيْل. وَفِيه: مَشْرُوعِيَّة تَزْيِين الْمَرْأَة لزَوجهَا. وَفِيه: ثُبُوت حق الْمَرْأَة على الزَّوْج فِي حسن الْعشْرَة، وَقد يُؤْخَذ مِنْهُ ثُبُوت حَقّهَا فِي الْوَطْء. لقَوْله: (ولأهلك عَلَيْك حَقًا) ، وَفِيه: جَوَاز النَّهْي عَن المستحبات إِذا خشِي إِن ذَلِك يُفْضِي إِلَى السَّآمَة والملل وتفويت الْحُقُوق الْمَطْلُوبَة الْوَاجِبَة أَو المندوبة الرَّاجِح فعلهَا على فعل الْمُسْتَحبّ. وَفِيه: أَن الْوَعيد الْوَارِد على من نهى مُصَليا عَن الصَّلَاة مَخْصُوص بِمن نَهَاهُ ظلما وعدوانا. وَفِيه: كَرَاهِيَة الْحمل على النَّفس فِي الْعِبَادَة. وَفِيه: النّوم للتقوي على الصّيام، وَفِيه: النَّهْي عَن الغلو فِي الدّين.
٢٥ - (بابُ صَوْمَ شَعْبَانَ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل صَوْم شهر شعْبَان، وَهَذَا الْبَاب أول شُرُوعه فِي التطوعات من الصّيام، واشتقاق شعْبَان من الشّعب، وَهُوَ الِاجْتِمَاع، سمي بِهِ لِأَنَّهُ يتشعب فِيهِ خير كثير كرمضان، وَقيل: لأَنهم كَانُوا يتشعبون فِيهِ بعد التَّفْرِقَة، وَيجمع على: شعابين، وشعبانات، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: سمي بذلك لتشعبهم فِيهِ، أَي: لتفرقهم فِي طلب الْمِيَاه. وَفِي (الْمُحكم) سمي بذلك لتشعبهم فِي الغارات، وَقَالَ ثَعْلَب: قَالَ بَعضهم: إِنَّمَا سمي شعبانا لِأَنَّهُ: شَعَبَ، أَي: ظهر بَين رَمَضَان وَرَجَب، وَعَن ثَعْلَب: كَانَ شعْبَان شهرا تتشعب فِيهِ الْقَبَائِل، أَي تتفرق لقصد الْمُلُوك والتماس الْعَطِيَّة، وَفِي (التَّلْوِيح) : وَأما الْأَحَادِيث الَّتِي فِي صَلَاة النّصْف مِنْهُ فَذكر أَبُو الْخطاب أَنَّهَا مَوْضُوعَة، وفيهَا عِنْد التِّرْمِذِيّ حَدِيث مَقْطُوع قلت: هُوَ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي: بَاب مَا جَاءَ فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن منيع، حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا الْحجَّاج بن أَرْطَأَة عَن يحيى بن أبي كثير عَن عُرْوَة: (عَن عَائِشَة قَالَت: فقدت رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَخرجت فَإِذا هُوَ بِالبَقِيعِ، فَقَالَ: أكنتِ تَخَافِينَ أَن يَحِيف الله عَلَيْك وَرَسُوله؟ قلت: يَا رَسُول الله! ظَنَنْت أَنَّك أتيت بعض نِسَائِك، فَقَالَ: إِن الله عز وَجل، ينزل لَيْلَة النّصْف من شعْبَان إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيغْفر لأكْثر من عدد شعر غنم بني كلب) . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث عَائِشَة لَا نعرفه إلَاّ من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث الْحجَّاج، وَسمعت مُحَمَّدًا يضعف هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عُرْوَة، وَالْحجاج لم يسمع من يحيى بن أبي كثير. وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا من طَرِيق يزِيد بن هَارُون، وَقَول أبي الْخطاب: إِنَّه مَقْطُوع هُوَ أَنه مُنْقَطع فِي موضِعين: أَحدهمَا: مَا بَين الْحجَّاج وَيحيى، وَالْآخر: مَا بَين يحيى وَعُرْوَة. فَإِن قلت: أثبت ابْن معِين ليحيى السماع من عُرْوَة. قلت: اتّفق البُخَارِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم على أَنه لم يسمع مِنْهُ، والمثبت مقدم على النَّافِي، وَلَئِن سلمنَا ذَلِك فَهُوَ مَقْطُوع فِي مَوضِع وَاحِد، وَلَا يخرج عَن الِانْقِطَاع.
وروى ابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن أبي سُبْرَة عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر عَن أَبِيه عَن عَليّ بن أبي طَالب، كرم الله وَجهه، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَقومُوا لَيْلهَا وصوموا نَهَارهَا، فَإِن الله تَعَالَى ينزل فِيهَا لغروب الشَّمْس إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا فَيَقُول: ألَا مَن يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟ أَلا من يسترزق فأرزقه؟ ألَا من مبتلَى فأعافيه؟ ألَا كَذَا؟ ألَا كَذَا؟ حَتَّى يطلع الْفجْر) . وَإِسْنَاده ضَعِيف، وَابْن أبي سُبْرَة هُوَ أَبُو بكر بن عبد الله بن مُحَمَّد بن سُبْرَة مفتي الْمَدِينَة وقاضي بَغْدَاد ضَعِيف، وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد هُوَ ابْن أبي يحيى ضعفه الْجُمْهُور، ولعلي بن أبي طَالب حَدِيث آخر، قَالَ: (رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَيْلَة النّصْف من شعْبَان قَامَ فصلى أَربع عشرَة رَكْعَة، ثمَّ جلس، فَقَرَأَ بِأم الْقُرْآن أَربع عشرَة مرّة) الحَدِيث. وَفِي آخِره: (من صنع هَكَذَا لَكَانَ لَهُ كعشرين حجَّة مبرورة، وكصيام عشْرين سنة مَقْبُولَة، فَإِن أصبح فِي ذَلِك الْيَوْم صَائِما كَانَ لَهُ كصيام سِتِّينَ سنة مَاضِيَة، وَسِتِّينَ سنة مُسْتَقْبلَة) . رَوَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (الموضوعات) وَقَالَ: هَذَا مَوْضُوع، وَإِسْنَاده مظلم. ولعلي، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، حَدِيث آخر رَوَاهُ أَيْضا فِي (الموضوعات) فِيهِ: (من صلى مائَة رَكْعَة فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان) الحَدِيث، وَقَالَ: لَا شكّ أَنه مَوْضُوع، وَكَانَ بَين الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن الصّلاح وَالشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام فِي هَذِه الصَّلَاة مقاولات، فَابْن الصّلاح يزْعم أَن لَهَا أصلا من السّنة، وَابْن عبد السَّلَام يُنكره.
وَأما الْوقُود فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَزعم ابْن دحْيَة أَن أول مَا كَانَ
ذَلِك زمن يحيى بن خَالِد بن برمك، أَنهم كَانُوا مجوسا فأدخلوا فِي دين الْإِسْلَام مَا يموهون بِهِ على الطَّعَام. قَالَ: وَلما اجْتمعت بِالْملكِ الْكَامِل وَذكرت لَهُ ذَلِك قطع دابر هَذِه الْبِدْعَة الْمَجُوسِيَّة من سَائِر أَعمال الْبِلَاد المصرية.
٩٦٩١ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قَالَ أخبرنَا مالِكٌ عنْ أبِي النَّضْرِ عنْ أبِي سَلَمَةَ عنْ عائِشَةَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا قالَتْ كانَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُومُ حَتَّى نقُولَ لَا يُفْطِرُ ويُفْطِرُ حَتَّى نقُولَ لَا يَصُومُ فَمَا رأيْتُ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إلَاّ رَمَضَانَ وَمَا رأيْتُهُ أكْثَرَ صِيَاما مِنْهُ فِي شَعْبَانَ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وَمَا رَأَيْته أَكثر صياما مِنْهُ من شعْبَان) وَأَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: اسْمه سَالم بن أبي أُميَّة، قد مر فِي: بَاب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الصَّوْم أَيْضا عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن أبي مُصعب الزُّهْرِيّ عَن مَالك. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّوْم عَن الرّبيع بن سُلَيْمَان عَن ابْن وهب عَن مَالك وَعَمْرو بن الْحَارِث.
قَوْله: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم حَتَّى نقُول لَا يفْطر) ، يَعْنِي: يَنْتَهِي صَوْمه إِلَى غَايَة نقُول: إِنَّه لَا يفْطر، فينتهي إفطاره إِلَى غَايَة حَتَّى نقُول: إِنَّه لَا يَصُوم، وَذَلِكَ لِأَن الْأَعْمَال الَّتِي يتَطَوَّع بهَا لَيست منوطة بأوقات مَعْلُومَة، وَإِنَّمَا هِيَ على قدر الْإِرَادَة لَهَا والنشاط فِيهَا. قَوْله: (فَمَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اسْتكْمل صِيَام شهر إلَاّ رَمَضَان) ، وَهَذَا يدل على أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يصم شهرا تَاما غير رَمَضَان. فَإِن قلت: روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة: لم يكن يَصُوم فِي السّنة شهرا كَامِلا إلَاّ شعْبَان يصله برمضان) . وَهَذَا يُعَارض حَدِيث عَائِشَة، وَكَذَلِكَ روى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سَالم بن أبي الْجَعْد عَن أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة، قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين إلَاّ شعْبَان ورمضان) . وَهَذَا أَيْضا يُعَارضهُ. قلت: قَالَ التِّرْمِذِيّ: رُوِيَ عَن ابْن الْمُبَارك أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث، قَالَ: هُوَ جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب إِذا صَامَ أَكثر الشَّهْر أَن يُقَال: صَامَ الشَّهْر كُله، وَيُقَال: قَامَ فلَان ليله أجمع، وَلَعَلَّه تعشى واشتغل بِبَعْض أمره، ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: كَانَ ابْن الْمُبَارك قد رأى كلا الْحَدِيثين متفقين، يَقُول: إِنَّمَا معنى هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ يَصُوم أَكثر الشَّهْر. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين، رَحمَه الله تَعَالَى: هَذَا فِيهِ مَا فِيهِ، لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ إلَاّ شعْبَان ورمضان، فعطف رَمَضَان عَلَيْهِ يبعد أَن يكون المُرَاد بشعبان أَكْثَره، إِذْ لَا جَائِز أَن يكون المُرَاد برمضان بعضه، والعطف يَقْتَضِي الْمُشَاركَة فِيمَا عطف عَلَيْهِ، وَإِن مَشى ذَلِك فَإِنَّمَا يمشي على رَأْي من يَقُول: إِن اللَّفْظ الْوَاحِد يحمل على حَقِيقَته ومجازه، وَفِيه خلاف لأهل الْأُصُول. انْتهى. قلت: لَا يمشي هُنَا مَا قَالَه على رَأْي الْبَعْض أَيْضا، لِأَن من قَالَ ذَلِك قَالَ فِي اللَّفْظ الْوَاحِد، وَهنا لفظان: شعْبَان ورمضان، وَقَالَ ابْن التِّين: إِمَّا أَن يكون فِي أَحدهمَا وهم، أَو يكون فعل هَذَا وَهَذَا، أَو أطلق الْكل على الْأَكْثَر مجَازًا. وَقيل: كَانَ يَصُومهُ كُله فِي سنة وَبَعضه فِي سنة أُخْرَى، وَقيل: كَانَ يَصُوم تَارَة من أَوله وَتارَة من آخِره وَتارَة مِنْهُمَا، لَا يخلي مِنْهُ شَيْئا بِلَا صِيَام.
فَإِن قلت: مَا وَجه تَخْصِيصه شعْبَان بِكَثْرَة الصَّوْم؟ قلت: لكَون أَعمال الْعِبَادَة ترفع فِيهِ. فَفِي النَّسَائِيّ من حَدِيث أُسَامَة (قلت: يَا رَسُول الله {أَرَاك لَا تَصُوم من شهر من الشُّهُور مَا تَصُوم من شعْبَان؟ قَالَ: ذَاك شهر ترفع فِيهِ الْأَعْمَال إِلَى رب الْعَالمين فَأحب أَن يرفع عَمَلي وَأَنا صَائِم) . وَرُوِيَ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا (قَالَت لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا لي أَرَاك تكْثر صيامك فِيهِ؟ قَالَ: يَا عَائِشَة} إِنَّه شهر ينْسَخ فِيهِ ملك الْمَوْت من يقبض، وَأَنا أحب أَن لَا ينْسَخ إسمي إلَاّ وَأَنا صَائِم) . قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: غَرِيب من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة بِهَذَا اللَّفْظ، رَوَاهُ ابْن أبي الفوارس فِي أصُول أبي الْحسن الحمامي عَن شُيُوخه، وَعَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن نصر بن كثير عَن يحيى بن سعيد عَن عُرْوَة (عَن عَائِشَة، قَالَت: لما كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان انْسَلَّ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من مِرْطِي) الحَدِيث. وَفِي آخِره: (هَل تَدْرِي مَا فِي هَذِه اللَّيْلَة؟ قَالَت: مَا فِيهَا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: فِيهَا أَن يكْتب كل مَوْلُود من بني آدم فِي هَذِه السّنة. وفيهَا أَن يكْتب كل هَالك من بني آدم فِي هَذِه السّنة، وفيهَا ترفع
أَعْمَالهم، وفيهَا: تنزل أَرْزَاقهم) . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب (الْأَدْعِيَة) وَقَالَ: فِيهِ بعض من يجهل. وروى التِّرْمِذِيّ من حَدِيث صَدَقَة بن مُوسَى عَن ثَابت عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (سُئِلَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَي الصَّوْم أفضل بعد رَمَضَان؟ قَالَ: شعْبَان، لتعظيم رَمَضَان. وَسُئِلَ: أَي الصَّدَقَة أفضل؟ قَالَ: صَدَقَة فِي رَمَضَان) . ثمَّ قَالَ: حَدِيث غَرِيب، وَصدقَة لَيْسَ عِنْدهم بِذَاكَ الْقوي، وَقد رُوِيَ أَن هَذَا الصّيام كَانَ لِأَنَّهُ كَانَ يلْتَزم صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، كَمَا قَالَ ابْن عمر، فَرُبمَا يشْتَغل عَن صيامها أشهرا فَيجمع ذَلِك كُله فِي شعْبَان، فيتداركه قبل رَمَضَان، حَكَاهُ ابْن بطال، وَقَالَ الدَّاودِيّ: أرى الْإِكْثَار فِيهِ أَنه يَنْقَطِع عَنهُ التَّطَوُّع برمضان، وَقيل: يجوز أَنه كَانَ يَصُوم صَوْم دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام، فَيبقى عَلَيْهِ بَقِيَّة يعملها فِي هَذَا الشَّهْر.
وَجمع الْمُحب الطَّبَرِيّ فِيهِ سِتَّة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه كَانَ يلْتَزم صَوْم ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، فَرُبمَا تَركهَا فيتداركها فِيهِ. ثَانِيهَا: تَعْظِيمًا لرمضان. ثَالِثهَا: أَنه ترفع فِيهِ الْأَعْمَال. رَابِعهَا: لِأَنَّهُ يغْفل عَنهُ النَّاس. خَامِسهَا: لِأَنَّهُ تنسخ فِيهِ الْآجَال. سادسها: أَن نِسَاءَهُ كن يصمن فِيهِ مَا فاتهن من الْحيض فيتشاغل عَنهُ بِهِ، وَالْحكمَة فِي كَونه لم يستكمل غير رَمَضَان لِئَلَّا يظنّ وُجُوبه. فَإِن قلت: صَحَّ فِي مُسلم: أفضل الصَّوْم بعد رَمَضَان شهر الله الْمحرم، فَكيف أَكثر مِنْهُ فِي شعْبَان؟ ويعارضه أَيْضا رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: (أَي الصَّوْم أفضل بعد رَمَضَان؟ قَالَ: شعْبَان) . قلت: لَعَلَّه كَانَ يعرض لَهُ فِيهِ إعذار من سفر أَو مرض أَو غير ذَلِك، أَو لَعَلَّه لم يعلم بِفضل الْمحرم إلَاّ فِي آخر عمره قبل التَّمَكُّن مِنْهُ، وَلِأَن مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ لَا يُقَاوم مَا رَوَاهُ مُسلم.
قَوْله: (أَكثر صياما) كَذَا هُوَ بِالنّصب عِنْد أَكثر الروَاة، وَحكى السُّهيْلي أَنه رُوِيَ بالخفض، قيل: هُوَ وهم، وَلَعَلَّ بعض النساخ كتب الصّيام بِغَيْر ألف على رَأْي من يقف على الْمَنْصُوب بِغَيْر ألف فَتوهم مخفوضا، أَو ظن بعض الروَاة أَنه مُضَاف إِلَيْهِ، فَلَا يَصح ذَلِك، وَأما لَفْظَة: أَكثر، فَإِنَّهُ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول ثَان لقَوْله: (وَمَا رَأَيْته) . قَوْله: (من شعْبَان) ، وَزَاد يحيى بن أبي كثير فِي رِوَايَته: (فَإِنَّهُ كَانَ يَصُوم شعْبَان كُله) ، وَزَاد ابْن أبي لبيد: (عَن أبي سَلمَة عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَكثر صياما مِنْهُ فِي شعْبَان، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُوم شعْبَان إلَاّ قَلِيلا) . وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ عَن أبي سَلمَة (عَن عَائِشَة، أَنَّهَا قَالَت: مَا رَأَيْت النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي شهر أَكثر صياما فِيهِ فِي شعْبَان، كَانَ يَصُومهُ إلَاّ قَلِيلا، بل كَانَ يَصُومهُ كُله) . انْتهى.
قَالُوا: معنى: كُله، أَكْثَره، فَيكون مجَازًا. قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه: الأول: أَن هَذَا الْمجَاز قَلِيل الِاسْتِعْمَال جدا. وَالثَّانِي: أَن لَفْظَة: كل، تَأْكِيد لإِرَادَة الشُّمُول، وَتَفْسِيره بِالْبَعْضِ منَاف لَهُ. وَالثَّالِث: أَن فِيهِ كلمة الإضراب، وَهِي تنَافِي أَن يكون المُرَاد الْأَكْثَر، إِذْ لَا يبْقى فِيهِ حِينَئِذٍ فَائِدَة، وَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِيهِ: إِنَّه بِاعْتِبَار عَاميْنِ فَأكْثر، فَكَانَ يَصُومهُ كُله فِي بعض السنين، وَكَانَ يَصُوم أَكْثَره فِي بعض السنين، وَذكر بعض الْعلمَاء إِنَّه وَقع مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وصل شعْبَان برمضان وفصله مِنْهُ وَذَلِكَ فِي سنتَيْن فَأكْثر، وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي (الْإِحْيَاء) : فإنَّ وَصلَ شعْبَان برمضان فَجَائِز، فعل ذَلِك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مرّة، وَفصل مرَارًا كَثِيرَة، انْتهى. قلت: على هَذَا الْوَجْه يبعد وجوده مَنْصُوصا عَلَيْهِ فِي الحَدِيث، نعم، وَقع مِنْهُ الْوَصْل والفصل، أما الْوَصْل فَهُوَ فِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ عَن أبي سَلمَة (عَن أم سَلمَة، قَالَت: مَا رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم شَهْرَيْن مُتَتَابعين إلَاّ شعْبَان ورمضان) . وَأما الْفَصْل فَفِي حَدِيث أبي دَاوُد من رِوَايَة عبد الله بن أبي قيس (عَن عَائِشَة، قَالَت: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يتحفظ من هِلَال شعْبَان مَا لَا يتحفظ من غَيره، ثمَّ يَصُوم لرمضان، فَإِن غم عَلَيْهِ عد ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ صَامَ) . وَأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: (هَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك، وَقَالَ: هَذَا صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَلم يخرجَاهُ، وروى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة (أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يصل شعْبَان برمضان) . وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث أبي ثَعْلَبَة بِلَفْظ: (كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَصُوم شعْبَان ورمضان يصلهمَا) . وَفِي إِسْنَاده الْأَحْوَص بن حَكِيم وَهُوَ مُخْتَلف فِيهِ، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ حَدِيث أبي أُمَامَة وَفِي إِسْنَاده يُوسُف بن عَطِيَّة وَهُوَ ضَعِيف.
فَإِن قلت: كَيفَ التَّوْفِيق بَين هَذِه الْأَحَادِيث وَبَين حَدِيث أبي هُرَيْرَة الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن؟ فَأَبُو دَاوُد من حَدِيث الدَّرَاورْدِي وَالتِّرْمِذِيّ كَذَلِك، وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة أبي العميس، وَابْن مَاجَه من رِوَايَة مُسلم بن خَالِد، كلهم عَن الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِذا بَقِي نصف من شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ، وَلَفظ أبي دَاوُد: (إِذا انتصف شعْبَان فَلَا تَصُومُوا) ، وَلَفظ النَّسَائِيّ: