«آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٦٨

الحديث رقم ١٩٦٨ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٩٦٨ في صحيح البخاري

«آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الْآنَ، فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ : صَدَقَ سَلْمَانُ.»

بَابُ صَوْمِ شَعْبَانَ

إسناد حديث البخاري رقم ١٩٦٨

١٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٩٦٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ شَيْخُ اللَّيْثِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُثَقَّلَةٌ مَدَنِيٌّ مِنْ مَوَالِي الْأَنْصَارِ لَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَةً إِلَّا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْمُصَنِّفُ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ هَذَا ثَانِيهَا، وَتَوَقَّفَ الْجَوْزَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ حَالِهِ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَةِ حَدِيثِ الْوِصَالِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِشْرُ بْنُ حَرْبٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِهِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ تَقْيِيدُ وِصَالِ النَّبِيِّ بِأَنَّهُ إِلَى السَّحَرِ، وَلَفْظُهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، فَفَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ذَلِكَ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ. وَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا، فَإِنَّ مُقْتَضَى حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ النَّهْيُ عَنِ الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ، وَصَرِيحَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْإِذْنُ بِالْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ، وَالْمَحْفُوظَ فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ إِطْلَاقُ النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالسَّحَرِ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَرِوَايَةُ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ هَذِهِ شَاذَّةٌ، وَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَهُوَ أَضْبَطُ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ فَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ مَحْفُوظَةً فَقَدْ أَشَارَ ابْنُ خُزَيْمَةَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَهَى عَنِ الْوِصَالِ أَوَّلًا مُطْلَقًا سَوَاءٌ جَمِيعَ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضَهُ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، ثُمَّ خُصَّ النَّهْيُ بِجَمِيعِ اللَّيْلِ فَأَبَاحَ الْوِصَالَ إِلَى السَّحَرِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، أَوْ يُحْمَلُ النَّهْيُ فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَالنَّهْيُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى مَا فَوْقَ السَّحَرِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥١ - بَاب مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ

١٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ، أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ له: كُلْ. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ. قَالَ: فَأَكَلَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ. قَالَ: نَمْ. فَنَامَ. ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ. فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الْآنَ؛ فَصَلَّيَا. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ.

فَقَالَ النَّبِيُّ : صَدَقَ سَلْمَانُ.

[الحديث ١٩٦٨ - طرفه في ٦١٣٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ فِي قِصَّةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَلْمَانَ، فَأَمَّا ذِكْرُ الْقَسَمِ فَلَمْ يَقَعْ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي سَاقَهَا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ، إِلَّا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَقَدْ أَقَرَّهُ الشَّارِعُ، وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لَهُ مَعَ حَاجَتِهِ إِلَى الْبَيَانِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: صَنَعْتُ لِلنَّبِيِّ طَعَامًا، فَلَمَّا وُضِعَ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ

: دَعَاكَ أَخُوكَ وَتَكَلَّفَ لَكَ، أَفْطِرْ وَصُمْ مَكَانَهُ إِنْ شِئْتَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ الْإِيجَابِ، وَقَوْلُهُ: إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ قَدْ يُفْهَمُ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْجَوَازَ وَعَدَمَ الْقَضَاءِ لِمَنْ كَانَ مَعْذُورًا بِفِطْرِهِ لَا مَنْ تَعَمَّدَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ.

(تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: أَوْفَقَ لَهُ يُرْوَى بِالْوَاوِ السَّاكِنَةِ، وَبِالرَّاءِ بَدَلَ الْوَاوِ، وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ فِيهِمَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، اسْمُهُ عُتْبَةُ ; وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَلَا رَأَيْتُ لَهُ رَاوِيًا عَنْهُ إِلَّا جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، وَإِلَى تَفَرُّدِهِمَا بِذَلِكَ أَشَارَ الْبَزَّارُ.

قَوْلُهُ: (آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) ذَكَرَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي أَنَّ الْمُؤَاخَاةَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى قَبْلَ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَالْمُنَاصَرَةِ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أُخُوَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ثُمَّ آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ، وَذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةُ آخَى النَّبِيُّ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ قُدُومِهِ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَالْمَسْجِدُ يُبْنَى، وَقَدْ سَمَّى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً مِنْهُمْ: أَبُو ذَرٍّ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فَأَبُو ذَرٍّ مُهَاجِرِيٌّ، وَالْمُنْذِرُ أَنْصَارِيٌّ. وَأَنْكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ؛ لِأَنَّ أَبَا ذَرٍّ مَا كَانَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدُ، وَإِنَّمَا قَدِمَهَا بَعْدَ سَنَةِ ثَلَاثٍ.

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَيْضًا الْأُخُوَّةَ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ كَالَّذِي هُنَا، وَتَعَقَّبَهُ الْوَاقِدِيُّ أَيْضًا فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ سَلْمَانَ إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَأَوَّلُ مَشَاهَدِهِ الْخَنْدَقُ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ التَّارِيخَ الْمَذْكُورَ لِلْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ ابْتِدَاءُ الْأُخُوَّةِ، ثُمَّ كَانَ النَّبِيُّ يُؤَاخِي بَيْنَ مَنْ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَلَيْسَ بِاللَّازِمِ أَنْ تَكُونَ الْمُؤَاخَاةُ وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَرِدَ هَذَا التَّعَقُّبُ، فَصَحَّ مَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَأَيَّدَهُ هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ وَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ بِهَذَا التَّقْرِيرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَاعْتَرَضَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ كُلَّ مُؤَاخَاةٍ وَقَعَتْ بَعْدَ بَدْرٍ يَقُولُ: قَطَعَتْ بَدْرٌ الْمَوَارِيثَ.

قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَدْفَعُ الْمُؤَاخَاةَ مِنْ أَصْلِهَا، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ الْمُؤَاخَاةَ الْمَخْصُوصَةَ الَّتِي كَانَتْ عُقِدَتْ بَيْنَهُمْ لِيَتَوَارَثُوا بِهَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِ التَّوَارُثِ الْمَذْكُورِ أَنْ لَا تَقْعَ الْمُؤَاخَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَنِحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ هَذِهِ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَلْمَانَ فَذَكَرَ قِصَّةً لَهُمَا غَيْرَ الْمَذْكُورَةِ هُنَا، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَنَزَلَ سَلْمَانُ الْكُوفَةَ وَنَزَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ الشَّامَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.

قَوْلُهُ: (فَزَارَ سَلْمَانُ، أَبَا الدَّرْدَاءِ) يَعْنِي: فِي عَهْدِ النَّبِيِّ فَوَجَدَ أَبَا الدَّرْدَاءِ غَائِبًا.

قَوْلُهُ: (مُتَبَذِّلَةً) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: لَابِسَةً ثِيَابَ الْبِذْلَةِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ وَهِيَ الْمِهْنَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا تَارِكَةٌ لِلُبْسِ ثِيَابِ الزِّينَةِ. ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ مُبْتَذِلَةً بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَزْنَ مُفْتَعِلَةٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَفِي تَرْجَمَةِ سَلْمَانَ مِنَ الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ سَلْمَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ فَرَأَى امْرَأَتَهُ رَثَّةَ الْهَيْئَةِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرَةً. وَأُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ هِيَ خَيْرَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بِنْتُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيَّةُ صَحَابِيَّةٌ بِنْتُ صَحَابِيٍّ، وَحَدِيثُهَا عَنِ النَّبِيِّ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَمَاتَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ قَبْلَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَلِأَبِي الدَّرْدَاءِ أَيْضًا امْرَأَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَابِعِيَّةٌ اسْمُهَا هَجِيمَةُ عَاشَتْ بَعْدَهُ دَهْرًا وَرَوَتْ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ)؟ زَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: يَا أُمَّ الدَّرْدَاءِ

أَمُتَبَذِّلَةً؟.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا) فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ فِي نِسَاءِ الدُّنْيَا وَزَادَ فِيهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ.

قَوْلُهُ: (فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ) زَادَ التِّرْمِذِيُّ فَرَحَّبَ بِسَلْمَانَ وَقَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَامًا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ: كُلْ. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْقَائِلُ كُلْ هُوَ سَلْمَانُ وَالْمَقُولُ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ الْمُجِيبُ بِإِنِّي صَائِمٌ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: فَقَالَ: كُلْ، فَإِنِّي صَائِمٌ وَعَلَى هَذَا فَالْقَائِلُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَالْمَقُولُ لَهُ سَلْمَانُ وَكِلَاهُمَا يُحْتَمَلُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَلْمَانَ وَهُوَ الضَّيْفُ أَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامِ أَبِي الدَّرْدَاءِ حَتَّى يَأْكُلَ مَعَهُ، وَغَرَضُهُ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ رَأْيِهِ فِيمَا يَصْنَعُهُ مِنْ جَهْدِ نَفْسِهِ فِي الْعِبَادَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَكَتْهُ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ) فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُفْطِرَنَّ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانَ ابْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ كُلُّهُمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ بِهِ، فَكَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ بَشَّارٍ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَبَلَغَ الْبُخَارِيَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ فَاسْتَعْمَلَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي التَّرْجَمَةِ مُشِيرًا إِلَى صِحَّتِهَا وَإِنَّ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَتِهِ، وَقَدْ أَعَادَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَيْضًا، وَأَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ كَابْنِ الْمُنِيرِ: إِنَّ الْقَسَمَ فِي هَذَا السِّيَاقِ مُقَدَّرٌ قَبْلَ لَفْظِ مَا أَنَا بِآكِلٍ كَمَا قُدِّرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ وَتَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ بَابُ صُنْعِ الطَّعَامِ وَالتَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ سَلْمَانَ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يُقَرِّبُ لِضَيْفِهِ مَا عِنْدَهُ وَلَا يَتَكَلَّفُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَيَسُوغُ حِينَئِذٍ التَّكَلُّفُ بِالطَّبْخِ وَنَحْوِهِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ) أَيْ: فِي أَوَّلِهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِ ثُمَّ بَاتَ عِنْدَهُ.

قَوْلُهُ: (يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ) فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَتَمْنَعُنِي أَنْ أَصُومَ لِرَبِّي وَأُصَلِّيَ لِرَبِّي.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ) أَيْ: عِنْدَ السَّحَرِ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ ولِلدّارَقُطْنِيِّ فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ.

قَوْلُهُ: (فَصَلَّيَا) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: فَقَامَا فَتَوَضَّآ ثُمَّ رَكَعَا ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) زَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ: وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ: فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ، وَائْتِ أَهْلَكَ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَى النَّبِيَّ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: فَأَتَيَا بِالتَّثْنِيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَدَنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيُخْبِرَ النَّبِيَّ بِالَّذِي قَالَ لَهُ سَلْمَانُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا مِثْلَ مَا قَالَ سَلْمَانُ، فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ النَّبِيَّ أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنَّهُ عَلِمَ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ مَا دَارَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، فَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَنَّهُ كَاشَفَهُمَا بِذَلِكَ أَوَّلًا ثُمَّ أَطْلَعَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى صُورَةِ الْحَالِ، فَقَالَ لَهُ: صَدَقَ سَلْمَانُ.

وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مُرْسَلًا فَعَيَّنَ اللَّيْلَةَ الَّتِي بَاتَ سَلْمَانُ فِيهَا عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَلَفْظُهُ: قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يُحْيِي لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَصُومُ يَوْمَهَا، فَأَتَاهُ سَلْمَانُ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرَةً وَزَادَ فِي آخِرِهَا: فَقَالَ النَّبِيُّ : عُوَيْمِرُ، سَلْمَانُ أَفْقَهُ مِنْكَ انْتَهَى، وَعُوَيْمِرُ اسْمُ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا: فَقَالَ النَّبِيُّ : لَقَدْ أُوتِيَ سَلْمَانُ مِنَ الْعِلْمِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ: لَقَدْ أُشْبِعَ سَلْمَانُ عِلْمًا.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَشْرُوعِيَّةُ الْمُؤَاخَاةِ فِي اللَّهِ، وَزِيَارَةُ الْإِخْوَانِ وَالْمَبِيتُ عِنْدَهُمْ، وَجَوَازُ مُخَاطَبَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَالسُّؤَالُ عَمَّا يَتَرَتَّبُ

عَلَيْهِ الْمَصْلَحَةُ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّائِلِ، وَفِيهِ النُّصْحُ لِلْمُسْلِمِ وَتَنْبِيهُ مَنْ أَغْفَلَ، وَفِيهِ فَضْلُ قِيَامِ آخِرِ اللَّيْلِ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ تَزَيُّنِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَثُبُوتُ حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ فِي حُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ثُبُوتُ حَقِّهَا فِي الْوَطْءِ لِقَوْلِهِ: وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ثُمَّ قَالَ: وَائْتِ أَهْلَكَ وَقَرَّرَهُ النَّبِيُّ عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ النَّهْيِ عَنِ الْمُسْتَحَبَّاتِ إِذَا خَشِيَ أَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى السَّآمَةِ وَالْمَلَلِ وَتَفْوِيتِ الْحُقُوقِ الْمَطْلُوبَةِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْمَنْدُوبَةِ الرَّاجِحِ فِعْلُهَا عَلَى فِعْلِ الْمُسْتَحَبِّ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا الْوَعِيدُ الْوَارِدُ عَلَى مِنْ نَهَى مُصَلِّيًا عَنِ الصَّلَاةِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ نَهَاهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا. وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ الْحَمْلِ عَلَى النَّفْسِ فِي الْعِبَادَةِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.

وَفِيهِ جَوَازُ الْفِطْرِ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ كَمَا تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَلَمْ يَجْعَلُوا عَلَيْهِ قَضَاءً إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا كَمَنْ ذَهَبَ بِمَالٍ لِيَتَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِهِ وَأَمْسَكَ بَعْضَهُ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَكُنْتِ تَقْضِينَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَلَا بَأْسَ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنْ كَانَ مِنْ قَضَاءٍ فَصَوْمِي مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِهِ وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَقْضِهِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.

وَعَنْ مَالِكٍ الْجَوَازُ وَعَدَمُ الْقَضَاءِ بِعُذْرٍ، وَالْمَنْعُ وَإِثْبَاتُ الْقَضَاءِ بِغَيْرِ عُذْرٍ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَشُبهه بِمَنْ أَفْسَدَ حَجَّ التَّطَوُّعِ فَإِنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ اتِّفَاقًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَجَّ امْتَازَ بِأَحْكَامٍ لَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ فِيهَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ يُؤْمَرُ مُفْسِدُهُ بِالْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهِ، وَالصِّيَامُ لَا يُؤْمَرُ مُفْسِدُهُ بِالْمُضِيِّ فِيهِ فَافْتَرَقَا، وَلِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَمَّنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِعُذْرٍ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ بِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ فَبَدَرَتْنِي إِلَيْهِ حَفْصَةُ وَكَانَتْ بِبَيْتِ أَبِيهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ فَقَالَ: اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ هَذَا، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، وَمَعْمَرٌ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنْ سَمِعْتُ مِنْ نَاسٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ سَأَلَ عَائِشَةَ، فَذَكَرَهُ ثُمَّ أَسْنَدَهُ كَذَلِكَ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا خَطَأٌ; وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي رِوَايَتِهِ: سُئِلَ الزُّهْرِيُّ

عَنْهُ أَهْوَ عَنْ عُرْوَةَ؟ فَقَالَ: لَا. وَقَالَ الْخَلَّالُ: اتَّفَقَ الثِّقَاتُ عَلَى إِرْسَالِهِ، وَشَذَّ مَنْ وَصَلَهُ. وَتَوَارَدَ الْحُفَّاظُ عَلَى الْحُكْمِ بِضَعْفِ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا. وَقَدْ رَوَاهُ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَنْ مَالِكٍ مَوْصُولًا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ، وَبَيَّنَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ صِيَامَهُمَا كَانَ تَطَوُّعًا. وَلَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ زُمَيْلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ بِجَهَالَةِ حَالِ زُمَيْلٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يُفْطِرُ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ مَنْ نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا.

وَزَادَ فِيهِ بَعْضُهُمْ: فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ أَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ وَقَدْ ضَعَّفَ النَّسَائِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَحَكَمَ بِخَطَئِهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ عَلَى النَّدْبِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ: يُجَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ بِأَنَّ إِفْطَارَ أَبِي الدَّرْدَاءِ كَانَ لِقَسَمِ سَلْمَانَ وَلِعُذْرِ الضِّيَافَةِ، فَيُتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعُذْرَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«إذْ كان» بسكون الذَّال، يعني: حين (١) كان.

١٩٦٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمعجمة المُشدَّدة بعد المُوحَّدة العبديُّ البصريُّ بُنْدارٌ قال: (حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) المخزوميُّ القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضمِّ العين المهملة وفتح الميم وإسكان التَّحتيَّة آخره سينٌ مهملةٌ، اسمه عتبة بن عبد الله بن مسعودٍ (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المهملة وإسكان المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الفاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي (٢) جُحَيفة وهب بن عبد الله السُّوائيِّ أنَّه (قَالَ: آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ) بن عبد الله (٣) الفارسيِّ، ويُقال له: سلمان ابن (٤) الإسلام وسلمان الخير، أصله من رامهرمز، وقيل: من أصبهان، عاش فيما رواه أبو الشَّيخ في «طبقات الأصبهانيِّين» ثلاث مئةٍ وخمسين سنةً، ويُقال: إنَّه أدرك عيسى ابن مريم، وقيل: بل أدرك وصيَّ عيسى، وكان أوَّل مشاهده الخندق، وقال ابن عبد البرِّ: يقال: إنَّه شهد بدرًا (وَ) بين (أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُوَيمرٍ أو عامر بن قيسٍ الأنصاريِّ، أوَّل مشاهده أحدٌ (فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ) في عهده ، وكان أبو

الدَّرداء غائبًا (فَرَأَى) سلمانُ (أُمَّ الدَّرْدَاءِ) هي خَيرة -بفتح الخاء المعجمة- بنت أبي حَدْرَدٍ الأسلميَّة الصَّحابيَّة الكبرى، وليست أمَّ الدَّرداء الصُّغرى المُسمَّاة هُجَيمة (مُتَبَذِّلَةً) بضمِّ الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والموحَّدة وكسر المعجمة المُشدَّدة، أي: لابسةً ثياب البِذْلة بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، أي: المِهْنة وزنًا ومعنًى، أي: تاركةً لِلِباس الزِّينة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مُبْتَذِلةً» بميمٍ مضمومةٍ فمُوحَّدةٍ ساكنةٍ ففوقيَّةٍ مفتوحةٍ فمُعجَمةٍ مكسورةٍ.

(فَقَالَ) سلمان (لَهَا: مَا شَأْنُكِ) يا أمَّ الدَّرداء مبتذلةً؟ (قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا) وللدَّارقطنِّي من وجهٍ آخر: عن محمَّد بن عونٍ: «في نساء الدُّنيا» وزاد ابن خزيمة: «يصوم النَّهار ويقوم اللَّيل» (فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) زاد التِّرمذيُّ: فرحَّب بسلمان (فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا) وقرَّبه إليه ليأكل (فَقَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء: (كُلْ، قَالَ) أبو الدَّرداء: (فَإِنِّي صَائِمٌ) وفي رواية التِّرمذيُّ: فقال: كُلْ؛ فإنِّي صائمٌ، وعلى هذا فالقائل أبو الدَّرداء، والمقول له سلمان (قَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء: (مَا أَنَا بِآكِلٍ) من طعامك (حَتَّى تَأْكُلَ) أراد سلمان أن يصرف أبا الدَّرداء عن رأيه فيما يصنعه من جهد (١) نفسه في العبادة وغير ذلك ممَّا شَكَتْه إليه زوجتُه (قَالَ: فَأَكَلَ) أبو الدَّرداء معه، فإن قلتَ: لم يذكر في هذا الحديث قَسَمًا من سلمان حتَّى تقع المطابقة بينه وبين التَّرجمة؛ حيث قال: من أقسم على أخيه؟ قلتُ: أجاب ابن المُنيِّر بأنَّه إمَّا لأنَّه في طريقٍ آخر، وإمَّا لأنَّ القَسَم في هذا السِّياق مُقدَّرٌ قبل لفظ: ما أنا بآكلٍ؛ كما قُدِّر في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه يحتاج إلى إثبات الطَّريق الذي وقع فيه (٢) القسم، والاحتمال ليس كافيًا في ذلك، وتقدير قَسَمٍ هنا تقدير ما لا دليل عليه، فلا يُصار إليه. انتهى. وقد وقع في رواية البزَّار عن محمَّد بن بشَّارٍ شيخ المؤلِّف -كما أفاده في «الفتح» -: «فقال: أقسمت عليك لتفطرنَّ» وكذا رواه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى، والدَّارقُطنيُّ من طريق عليِّ بن مسلمٍ وغيره، والطَّبرانيُّ من طريق أبي بكرٍ وعثمان ابني أبي شيبة والعبَّاس بن عبد العظيم (٣)، وابن حبَّان من طريق أبي خيثمة، كلُّهم عن جعفر

ابن عونٍ به، فكأنَّ محمَّد بن بشَّارٍ لم يذكر هذه الجملة لمَّا حدَّث (١) به المؤلِّف، وبلغ المؤلف ذلك (٢) من غيره، فاستعمل هذه الزِّيادة في التَّرجمة.

(فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ) أي: أوَّله (ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) حال كونه (يَقُومُ) يعني: يصلِّي، وقد روى الطَّبرانيُّ هذا الحديث من وجهٍ آخر عن محمَّد بن سيرين مُرسَلًا، فعيَّن اللَّيلة التي بات سلمان فيها عند أبي الدَّرداء، ولفظه: كان أبو الدَّرداء يحيي ليلة الجمعة ويصوم يومها (قَالَ) سلمان له: (نَمْ، فَنَامَ) أبو الدَّرداء (ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ) له سلمان: (نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) عند السَّحر (قَالَ) له (سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ) فقام أبو الدَّرداء وسلمان وتَوضَّأا (فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) زاد التِّرمذيُّ وابن خزيمة: «وإنَّ لضيفك عليك حقًّا» (فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) بقطع همزة: «فأعط»، وللدَّارقطنيِّ: فصم وأفطر ونَمْ وائتِ أهلك (فَأَتَى) أبو الدَّرداء (النَّبِيَّ فَذَكَرَ ذَلِكَ) الذي قاله سلمان (لَهُ) (فَقَالَ النَّبِيُّ : صَدَقَ سَلْمَانُ) وللتِّرمذيِّ: «فأتيا» بالتَّثنية، وفيه: أنَّه لا يجب إتمام صوم التَّطوُّع إذا شرع فيه كصلاته واعتكافه لئلَّا يغيِّر الشُّروع حكم المشروع فيه، ولحديث التِّرمذيِّ -وصحَّحه الحاكم-: «الصَّائم (٣) المتطوِّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» ويُقاس بالصَّوم الصَّلاة ونحوها، لكن يُكرَه الخروج منه لظاهر قوله تعالى (٤): ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه؛ كما يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-إلَّا بعذر كمساعدة ضيفٍ في الأكل إذا عزَّ عليه امتناع مضيفه منه أو عكسه، فلا يُكرَه الخروج منه، بل يُستَحبُّ لحديث الباب مع زيادة التِّرمذيِّ: «وإن لضيفك عليك حقًّا»، أمَّا إذا لم يعزَّ على أحدهما امتناع الآخر من ذلك فالأفضل عدم خروجه منه، ذكره في «المجموع»، وإذا خرج منه؛ قال المتولِّي: لا يُثاب على ما مضى لأنَّ العبادة لم تتمَّ، وحكى عن الشَّافعيِّ: أنَّه يُثاب عليه، وهو الوجه إن خرج منه بعذرٍ، ويُستحَبُّ قضاؤه، سواء خرج بعذرٍ أم (٥) بغيره، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة والجمهور، وقال المالكيَّة: يجب القضاء في صوم

النَّفل بالفطر إذا كان عمدًا حرامًا، فلا قضاء على من أفطر ناسيًا، ولا على من أفطر لعذرٍ من مرضٍ أو غيره، فلو شرع في صوم نفلٍ وجب عليه إتمامه، وحرم عليه الفطر من غير عذر، ولو حلف عليه شخصٌ بالطَّلاق الثَّلاث فإنَّه يحنِّثه ولا يفطر، فإن أفطر وجب عليه القضاء إلَّا في كوالدٍ وشيخٍ وإن لم يحلفا، وفي حكايات أهل الطَّريق: أنَّ بعض الشُّيوخ حضر دعوةً فعرض الطَّعام على تلميذه، فقال: إنِّي على نيَّةٍ، وأبى أن يأكل، فقال له الشَّيخ: كُلْ وأنا أضمن لك أجر سنةٍ، فأبى، فقال الشَّيخ: دعوه؛ فإنَّه سقط من عين الله، فنسأل (١) الله العافية. وقال الحنفيَّة: يلزمه القضاء مطلقًا أفسد عن قصدٍ أو (٢) غير قصدٍ بأن عرض الحيض للصَّائمة المتطوِّعة. لا خلاف بين أصحابنا في ذلك، وإنَّما اختلاف الرِّواية في نفس الإفساد: هل يُباح أو لا؟ ظاهر الرِّواية: لا إلَّا لعذرٍ (٣)، ورواية «المنتقى» يُباح بلا عذرٍ، ثمَّ اختلف المشايخ على ظاهر الرِّواية: هل الضِّيافة عذرٌ أو لا؟ قيل: نعم، وقيل: لا، وقيل: عذرٌ قبل الزَّوال لا بعده، إلَّا إذا كان في عدم الفطر بعده عقوقٌ لأحد الوالدين لا غيرهما، حتَّى لو حلف عليه رجلٌ بالطَّلاق الثَّلاث ليفطرنَّ (٤) لا يفطر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية سيقت (٥) في معرض ذمِّهم على عدم رعاية ما التزموه من القُرَب التي لم تُكتَب عليهم، والقدر المؤدَّى عمل كذلك، فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النَّصَّين، فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا عن الإبطال، وأُجيب بأنَّ المراد: لا تحبطوا الطَّاعات بالكبائر أو بالكفر والنِّفاق، والعجب والرِّياء، والمنِّ والأذى ونحوها، وهذا غير الإبطال الموجب للقضاء، وقد قال ابن المُنيِّر من المالكيِّة في «الحاشية»: ليس في تحريم الأكل في صوم النَّفل من غير عذرٍ إلَّا الأدلَّة العامَّة كقوله (٦) تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] إلَّا أنَّ الخاصَّ يُقدَّم على العامِّ كحديث سلمان ونحوه، فمذهب الشَّافعيَّة في هذه المسألة أظهر.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ شَيْخُ اللَّيْثِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُثَقَّلَةٌ مَدَنِيٌّ مِنْ مَوَالِي الْأَنْصَارِ لَمْ أَرَ لَهُ رِوَايَةً إِلَّا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْمُصَنِّفُ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ هَذَا ثَانِيهَا، وَتَوَقَّفَ الْجَوْزَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ حَالِهِ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَةِ حَدِيثِ الْوِصَالِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِشْرُ بْنُ حَرْبٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِهِ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ تَقْيِيدُ وِصَالِ النَّبِيِّ بِأَنَّهُ إِلَى السَّحَرِ، وَلَفْظُهُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، فَفَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ذَلِكَ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ. وَظَاهِرُهُ يُعَارِضُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا، فَإِنَّ مُقْتَضَى حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ النَّهْيُ عَنِ الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ، وَصَرِيحَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْإِذْنُ بِالْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ، وَالْمَحْفُوظَ فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ إِطْلَاقُ النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالسَّحَرِ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَرِوَايَةُ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ هَذِهِ شَاذَّةٌ، وَقَدْ خَالَفَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَهُوَ أَضْبَطُ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ فَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ مَحْفُوظَةً فَقَدْ أَشَارَ ابْنُ خُزَيْمَةَ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَهَى عَنِ الْوِصَالِ أَوَّلًا مُطْلَقًا سَوَاءٌ جَمِيعَ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضَهُ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، ثُمَّ خُصَّ النَّهْيُ بِجَمِيعِ اللَّيْلِ فَأَبَاحَ الْوِصَالَ إِلَى السَّحَرِ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، أَوْ يُحْمَلُ النَّهْيُ فِي حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَالنَّهْيُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى مَا فَوْقَ السَّحَرِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٥١ - بَاب مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ

١٩٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ، أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ له: كُلْ. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ. قَالَ: فَأَكَلَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ. قَالَ: نَمْ. فَنَامَ. ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ. فَقَالَ: نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الْآنَ؛ فَصَلَّيَا. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ.

فَقَالَ النَّبِيُّ : صَدَقَ سَلْمَانُ.

[الحديث ١٩٦٨ - طرفه في ٦١٣٩]

قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ فِي قِصَّةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَلْمَانَ، فَأَمَّا ذِكْرُ الْقَسَمِ فَلَمْ يَقَعْ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي سَاقَهَا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ، إِلَّا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَقَدْ أَقَرَّهُ الشَّارِعُ، وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لَهُ مَعَ حَاجَتِهِ إِلَى الْبَيَانِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: صَنَعْتُ لِلنَّبِيِّ طَعَامًا، فَلَمَّا وُضِعَ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ

: دَعَاكَ أَخُوكَ وَتَكَلَّفَ لَكَ، أَفْطِرْ وَصُمْ مَكَانَهُ إِنْ شِئْتَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْهُ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ الْإِيجَابِ، وَقَوْلُهُ: إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ قَدْ يُفْهَمُ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْجَوَازَ وَعَدَمَ الْقَضَاءِ لِمَنْ كَانَ مَعْذُورًا بِفِطْرِهِ لَا مَنْ تَعَمَّدَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ.

(تَنْبِيهٌ): قَوْلُهُ: أَوْفَقَ لَهُ يُرْوَى بِالْوَاوِ السَّاكِنَةِ، وَبِالرَّاءِ بَدَلَ الْوَاوِ، وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ فِيهِمَا.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ) بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ، اسْمُهُ عُتْبَةُ ; وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَلَا رَأَيْتُ لَهُ رَاوِيًا عَنْهُ إِلَّا جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، وَإِلَى تَفَرُّدِهِمَا بِذَلِكَ أَشَارَ الْبَزَّارُ.

قَوْلُهُ: (آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) ذَكَرَ أَصْحَابُ الْمَغَازِي أَنَّ الْمُؤَاخَاةَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ: الْأُولَى قَبْلَ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ خَاصَّةً عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَالْمُنَاصَرَةِ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ أُخُوَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. ثُمَّ آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ، وَذَلِكَ بَعْدَ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْبَيْعِ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةُ آخَى النَّبِيُّ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ قُدُومِهِ بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَالْمَسْجِدُ يُبْنَى، وَقَدْ سَمَّى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً مِنْهُمْ: أَبُو ذَرٍّ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فَأَبُو ذَرٍّ مُهَاجِرِيٌّ، وَالْمُنْذِرُ أَنْصَارِيٌّ. وَأَنْكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ؛ لِأَنَّ أَبَا ذَرٍّ مَا كَانَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدُ، وَإِنَّمَا قَدِمَهَا بَعْدَ سَنَةِ ثَلَاثٍ.

وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَيْضًا الْأُخُوَّةَ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ كَالَّذِي هُنَا، وَتَعَقَّبَهُ الْوَاقِدِيُّ أَيْضًا فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ سَلْمَانَ إِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَأَوَّلُ مَشَاهَدِهِ الْخَنْدَقُ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ التَّارِيخَ الْمَذْكُورَ لِلْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ ابْتِدَاءُ الْأُخُوَّةِ، ثُمَّ كَانَ النَّبِيُّ يُؤَاخِي بَيْنَ مَنْ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَلَيْسَ بِاللَّازِمِ أَنْ تَكُونَ الْمُؤَاخَاةُ وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَرِدَ هَذَا التَّعَقُّبُ، فَصَحَّ مَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَأَيَّدَهُ هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ وَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ بِهَذَا التَّقْرِيرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَاعْتَرَضَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ كُلَّ مُؤَاخَاةٍ وَقَعَتْ بَعْدَ بَدْرٍ يَقُولُ: قَطَعَتْ بَدْرٌ الْمَوَارِيثَ.

قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَدْفَعُ الْمُؤَاخَاةَ مِنْ أَصْلِهَا، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ الْمُؤَاخَاةَ الْمَخْصُوصَةَ الَّتِي كَانَتْ عُقِدَتْ بَيْنَهُمْ لِيَتَوَارَثُوا بِهَا، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِ التَّوَارُثِ الْمَذْكُورِ أَنْ لَا تَقْعَ الْمُؤَاخَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَنِحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ هَذِهِ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَسَلْمَانَ فَذَكَرَ قِصَّةً لَهُمَا غَيْرَ الْمَذْكُورَةِ هُنَا، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَنَزَلَ سَلْمَانُ الْكُوفَةَ وَنَزَلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ الشَّامَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.

قَوْلُهُ: (فَزَارَ سَلْمَانُ، أَبَا الدَّرْدَاءِ) يَعْنِي: فِي عَهْدِ النَّبِيِّ فَوَجَدَ أَبَا الدَّرْدَاءِ غَائِبًا.

قَوْلُهُ: (مُتَبَذِّلَةً) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ: لَابِسَةً ثِيَابَ الْبِذْلَةِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ وَهِيَ الْمِهْنَةُ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَالْمُرَادُ أَنَّهَا تَارِكَةٌ لِلُبْسِ ثِيَابِ الزِّينَةِ. ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ مُبْتَذِلَةً بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَزْنَ مُفْتَعِلَةٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَفِي تَرْجَمَةِ سَلْمَانَ مِنَ الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ بِإِسْنَادٍ آخَرَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ سَلْمَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ فَرَأَى امْرَأَتَهُ رَثَّةَ الْهَيْئَةِ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرَةً. وَأُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ هِيَ خَيْرَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بِنْتُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيَّةُ صَحَابِيَّةٌ بِنْتُ صَحَابِيٍّ، وَحَدِيثُهَا عَنِ النَّبِيِّ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَمَاتَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ قَبْلَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَلِأَبِي الدَّرْدَاءِ أَيْضًا امْرَأَةٌ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَابِعِيَّةٌ اسْمُهَا هَجِيمَةُ عَاشَتْ بَعْدَهُ دَهْرًا وَرَوَتْ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ)؟ زَادَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: يَا أُمَّ الدَّرْدَاءِ

أَمُتَبَذِّلَةً؟.

قَوْلُهُ: (لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا) فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ فِي نِسَاءِ الدُّنْيَا وَزَادَ فِيهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ.

قَوْلُهُ: (فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ) زَادَ التِّرْمِذِيُّ فَرَحَّبَ بِسَلْمَانَ وَقَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَامًا.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ: كُلْ. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْقَائِلُ كُلْ هُوَ سَلْمَانُ وَالْمَقُولُ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ الْمُجِيبُ بِإِنِّي صَائِمٌ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: فَقَالَ: كُلْ، فَإِنِّي صَائِمٌ وَعَلَى هَذَا فَالْقَائِلُ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَالْمَقُولُ لَهُ سَلْمَانُ وَكِلَاهُمَا يُحْتَمَلُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَلْمَانَ وَهُوَ الضَّيْفُ أَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامِ أَبِي الدَّرْدَاءِ حَتَّى يَأْكُلَ مَعَهُ، وَغَرَضُهُ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ رَأْيِهِ فِيمَا يَصْنَعُهُ مِنْ جَهْدِ نَفْسِهِ فِي الْعِبَادَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَكَتْهُ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ) فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُفْطِرَنَّ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانَ ابْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ كُلُّهُمْ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ بِهِ، فَكَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ بَشَّارٍ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْجُمْلَةَ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَبَلَغَ الْبُخَارِيَّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ فَاسْتَعْمَلَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي التَّرْجَمَةِ مُشِيرًا إِلَى صِحَّتِهَا وَإِنَّ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَتِهِ، وَقَدْ أَعَادَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَيْضًا، وَأَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ كَابْنِ الْمُنِيرِ: إِنَّ الْقَسَمَ فِي هَذَا السِّيَاقِ مُقَدَّرٌ قَبْلَ لَفْظِ مَا أَنَا بِآكِلٍ كَمَا قُدِّرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ وَتَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ بَابُ صُنْعِ الطَّعَامِ وَالتَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ سَلْمَانَ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يُقَرِّبُ لِضَيْفِهِ مَا عِنْدَهُ وَلَا يَتَكَلَّفُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَيَسُوغُ حِينَئِذٍ التَّكَلُّفُ بِالطَّبْخِ وَنَحْوِهِ.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ) أَيْ: فِي أَوَّلِهِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِ ثُمَّ بَاتَ عِنْدَهُ.

قَوْلُهُ: (يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ) فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: نَمْ زَادَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُرْسَلٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَتَمْنَعُنِي أَنْ أَصُومَ لِرَبِّي وَأُصَلِّيَ لِرَبِّي.

قَوْلُهُ: (فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ) أَيْ: عِنْدَ السَّحَرِ، وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ ولِلدّارَقُطْنِيِّ فَلَمَّا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ.

قَوْلُهُ: (فَصَلَّيَا) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ: فَقَامَا فَتَوَضَّآ ثُمَّ رَكَعَا ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) زَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ: وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ: فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَلِّ وَنَمْ، وَائْتِ أَهْلَكَ.

قَوْلُهُ: (فَأَتَى النَّبِيَّ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: فَأَتَيَا بِالتَّثْنِيَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: ثُمَّ خَرَجَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَدَنَا أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيُخْبِرَ النَّبِيَّ بِالَّذِي قَالَ لَهُ سَلْمَانُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا مِثْلَ مَا قَالَ سَلْمَانُ، فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ النَّبِيَّ أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنَّهُ عَلِمَ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ مَا دَارَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ، فَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَنَّهُ كَاشَفَهُمَا بِذَلِكَ أَوَّلًا ثُمَّ أَطْلَعَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى صُورَةِ الْحَالِ، فَقَالَ لَهُ: صَدَقَ سَلْمَانُ.

وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مُرْسَلًا فَعَيَّنَ اللَّيْلَةَ الَّتِي بَاتَ سَلْمَانُ فِيهَا عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَلَفْظُهُ: قَالَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يُحْيِي لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَصُومُ يَوْمَهَا، فَأَتَاهُ سَلْمَانُ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُخْتَصَرَةً وَزَادَ فِي آخِرِهَا: فَقَالَ النَّبِيُّ : عُوَيْمِرُ، سَلْمَانُ أَفْقَهُ مِنْكَ انْتَهَى، وَعُوَيْمِرُ اسْمُ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا: فَقَالَ النَّبِيُّ : لَقَدْ أُوتِيَ سَلْمَانُ مِنَ الْعِلْمِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ: لَقَدْ أُشْبِعَ سَلْمَانُ عِلْمًا.

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَشْرُوعِيَّةُ الْمُؤَاخَاةِ فِي اللَّهِ، وَزِيَارَةُ الْإِخْوَانِ وَالْمَبِيتُ عِنْدَهُمْ، وَجَوَازُ مُخَاطَبَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ، وَالسُّؤَالُ عَمَّا يَتَرَتَّبُ

عَلَيْهِ الْمَصْلَحَةُ وَإِنْ كَانَ فِي الظَّاهِرِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّائِلِ، وَفِيهِ النُّصْحُ لِلْمُسْلِمِ وَتَنْبِيهُ مَنْ أَغْفَلَ، وَفِيهِ فَضْلُ قِيَامِ آخِرِ اللَّيْلِ، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ تَزَيُّنِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَثُبُوتُ حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ فِي حُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ثُبُوتُ حَقِّهَا فِي الْوَطْءِ لِقَوْلِهِ: وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ثُمَّ قَالَ: وَائْتِ أَهْلَكَ وَقَرَّرَهُ النَّبِيُّ عَلَى ذَلِكَ. وَفِيهِ جَوَازُ النَّهْيِ عَنِ الْمُسْتَحَبَّاتِ إِذَا خَشِيَ أَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إِلَى السَّآمَةِ وَالْمَلَلِ وَتَفْوِيتِ الْحُقُوقِ الْمَطْلُوبَةِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْمَنْدُوبَةِ الرَّاجِحِ فِعْلُهَا عَلَى فِعْلِ الْمُسْتَحَبِّ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا الْوَعِيدُ الْوَارِدُ عَلَى مِنْ نَهَى مُصَلِّيًا عَنِ الصَّلَاةِ مَخْصُوصٌ بِمَنْ نَهَاهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا. وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ الْحَمْلِ عَلَى النَّفْسِ فِي الْعِبَادَةِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.

وَفِيهِ جَوَازُ الْفِطْرِ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ كَمَا تَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَلَمْ يَجْعَلُوا عَلَيْهِ قَضَاءً إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا كَمَنْ ذَهَبَ بِمَالٍ لِيَتَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ أَوْ تَصَدَّقَ بِبَعْضِهِ وَأَمْسَكَ بَعْضَهُ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ: أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَدَعَا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَكُنْتِ تَقْضِينَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَلَا بَأْسَ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنْ كَانَ مِنْ قَضَاءٍ فَصَوْمِي مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَإِنْ شِئْتِ فَاقْضِهِ وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَقْضِهِ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.

وَعَنْ مَالِكٍ الْجَوَازُ وَعَدَمُ الْقَضَاءِ بِعُذْرٍ، وَالْمَنْعُ وَإِثْبَاتُ الْقَضَاءِ بِغَيْرِ عُذْرٍ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَشُبهه بِمَنْ أَفْسَدَ حَجَّ التَّطَوُّعِ فَإِنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ اتِّفَاقًا، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَجَّ امْتَازَ بِأَحْكَامٍ لَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ فِيهَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ يُؤْمَرُ مُفْسِدُهُ بِالْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهِ، وَالصِّيَامُ لَا يُؤْمَرُ مُفْسِدُهُ بِالْمُضِيِّ فِيهِ فَافْتَرَقَا، وَلِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَمَّنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِعُذْرٍ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ بِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ فَبَدَرَتْنِي إِلَيْهِ حَفْصَةُ وَكَانَتْ بِبَيْتِ أَبِيهَا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ فَقَالَ: اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَصَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَ هَذَا، وَرَوَاهُ مَالِكٌ، وَمَعْمَرٌ، وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ ذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْهُ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنْ سَمِعْتُ مِنْ نَاسٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ سَأَلَ عَائِشَةَ، فَذَكَرَهُ ثُمَّ أَسْنَدَهُ كَذَلِكَ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا خَطَأٌ; وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي رِوَايَتِهِ: سُئِلَ الزُّهْرِيُّ

عَنْهُ أَهْوَ عَنْ عُرْوَةَ؟ فَقَالَ: لَا. وَقَالَ الْخَلَّالُ: اتَّفَقَ الثِّقَاتُ عَلَى إِرْسَالِهِ، وَشَذَّ مَنْ وَصَلَهُ. وَتَوَارَدَ الْحُفَّاظُ عَلَى الْحُكْمِ بِضَعْفِ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا. وَقَدْ رَوَاهُ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَنْ مَالِكٍ مَوْصُولًا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ، وَبَيَّنَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ صِيَامَهُمَا كَانَ تَطَوُّعًا. وَلَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ زُمَيْلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ بِجَهَالَةِ حَالِ زُمَيْلٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا فَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يُفْطِرُ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي بَابِ مَنْ نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا.

وَزَادَ فِيهِ بَعْضُهُمْ: فَأَكَلَ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ أَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ وَقَدْ ضَعَّفَ النَّسَائِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَحَكَمَ بِخَطَئِهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ عَلَى النَّدْبِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْقُرْطُبِيِّ: يُجَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ بِأَنَّ إِفْطَارَ أَبِي الدَّرْدَاءِ كَانَ لِقَسَمِ سَلْمَانَ وَلِعُذْرِ الضِّيَافَةِ، فَيُتَوَقَّفُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْعُذْرَ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

«إذْ كان» بسكون الذَّال، يعني: حين (١) كان.

١٩٦٨ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمعجمة المُشدَّدة بعد المُوحَّدة العبديُّ البصريُّ بُنْدارٌ قال: (حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) المخزوميُّ القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ) بضمِّ العين المهملة وفتح الميم وإسكان التَّحتيَّة آخره سينٌ مهملةٌ، اسمه عتبة بن عبد الله بن مسعودٍ (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المهملة وإسكان المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الفاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي (٢) جُحَيفة وهب بن عبد الله السُّوائيِّ أنَّه (قَالَ: آخَى النَّبِيُّ بَيْنَ سَلْمَانَ) بن عبد الله (٣) الفارسيِّ، ويُقال له: سلمان ابن (٤) الإسلام وسلمان الخير، أصله من رامهرمز، وقيل: من أصبهان، عاش فيما رواه أبو الشَّيخ في «طبقات الأصبهانيِّين» ثلاث مئةٍ وخمسين سنةً، ويُقال: إنَّه أدرك عيسى ابن مريم، وقيل: بل أدرك وصيَّ عيسى، وكان أوَّل مشاهده الخندق، وقال ابن عبد البرِّ: يقال: إنَّه شهد بدرًا (وَ) بين (أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُوَيمرٍ أو عامر بن قيسٍ الأنصاريِّ، أوَّل مشاهده أحدٌ (فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ) في عهده ، وكان أبو

الدَّرداء غائبًا (فَرَأَى) سلمانُ (أُمَّ الدَّرْدَاءِ) هي خَيرة -بفتح الخاء المعجمة- بنت أبي حَدْرَدٍ الأسلميَّة الصَّحابيَّة الكبرى، وليست أمَّ الدَّرداء الصُّغرى المُسمَّاة هُجَيمة (مُتَبَذِّلَةً) بضمِّ الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والموحَّدة وكسر المعجمة المُشدَّدة، أي: لابسةً ثياب البِذْلة بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، أي: المِهْنة وزنًا ومعنًى، أي: تاركةً لِلِباس الزِّينة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «مُبْتَذِلةً» بميمٍ مضمومةٍ فمُوحَّدةٍ ساكنةٍ ففوقيَّةٍ مفتوحةٍ فمُعجَمةٍ مكسورةٍ.

(فَقَالَ) سلمان (لَهَا: مَا شَأْنُكِ) يا أمَّ الدَّرداء مبتذلةً؟ (قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا) وللدَّارقطنِّي من وجهٍ آخر: عن محمَّد بن عونٍ: «في نساء الدُّنيا» وزاد ابن خزيمة: «يصوم النَّهار ويقوم اللَّيل» (فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) زاد التِّرمذيُّ: فرحَّب بسلمان (فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا) وقرَّبه إليه ليأكل (فَقَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء: (كُلْ، قَالَ) أبو الدَّرداء: (فَإِنِّي صَائِمٌ) وفي رواية التِّرمذيُّ: فقال: كُلْ؛ فإنِّي صائمٌ، وعلى هذا فالقائل أبو الدَّرداء، والمقول له سلمان (قَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء: (مَا أَنَا بِآكِلٍ) من طعامك (حَتَّى تَأْكُلَ) أراد سلمان أن يصرف أبا الدَّرداء عن رأيه فيما يصنعه من جهد (١) نفسه في العبادة وغير ذلك ممَّا شَكَتْه إليه زوجتُه (قَالَ: فَأَكَلَ) أبو الدَّرداء معه، فإن قلتَ: لم يذكر في هذا الحديث قَسَمًا من سلمان حتَّى تقع المطابقة بينه وبين التَّرجمة؛ حيث قال: من أقسم على أخيه؟ قلتُ: أجاب ابن المُنيِّر بأنَّه إمَّا لأنَّه في طريقٍ آخر، وإمَّا لأنَّ القَسَم في هذا السِّياق مُقدَّرٌ قبل لفظ: ما أنا بآكلٍ؛ كما قُدِّر في قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه يحتاج إلى إثبات الطَّريق الذي وقع فيه (٢) القسم، والاحتمال ليس كافيًا في ذلك، وتقدير قَسَمٍ هنا تقدير ما لا دليل عليه، فلا يُصار إليه. انتهى. وقد وقع في رواية البزَّار عن محمَّد بن بشَّارٍ شيخ المؤلِّف -كما أفاده في «الفتح» -: «فقال: أقسمت عليك لتفطرنَّ» وكذا رواه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى، والدَّارقُطنيُّ من طريق عليِّ بن مسلمٍ وغيره، والطَّبرانيُّ من طريق أبي بكرٍ وعثمان ابني أبي شيبة والعبَّاس بن عبد العظيم (٣)، وابن حبَّان من طريق أبي خيثمة، كلُّهم عن جعفر

ابن عونٍ به، فكأنَّ محمَّد بن بشَّارٍ لم يذكر هذه الجملة لمَّا حدَّث (١) به المؤلِّف، وبلغ المؤلف ذلك (٢) من غيره، فاستعمل هذه الزِّيادة في التَّرجمة.

(فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ) أي: أوَّله (ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) حال كونه (يَقُومُ) يعني: يصلِّي، وقد روى الطَّبرانيُّ هذا الحديث من وجهٍ آخر عن محمَّد بن سيرين مُرسَلًا، فعيَّن اللَّيلة التي بات سلمان فيها عند أبي الدَّرداء، ولفظه: كان أبو الدَّرداء يحيي ليلة الجمعة ويصوم يومها (قَالَ) سلمان له: (نَمْ، فَنَامَ) أبو الدَّرداء (ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ) له سلمان: (نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) عند السَّحر (قَالَ) له (سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ) فقام أبو الدَّرداء وسلمان وتَوضَّأا (فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) زاد التِّرمذيُّ وابن خزيمة: «وإنَّ لضيفك عليك حقًّا» (فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) بقطع همزة: «فأعط»، وللدَّارقطنيِّ: فصم وأفطر ونَمْ وائتِ أهلك (فَأَتَى) أبو الدَّرداء (النَّبِيَّ فَذَكَرَ ذَلِكَ) الذي قاله سلمان (لَهُ) (فَقَالَ النَّبِيُّ : صَدَقَ سَلْمَانُ) وللتِّرمذيِّ: «فأتيا» بالتَّثنية، وفيه: أنَّه لا يجب إتمام صوم التَّطوُّع إذا شرع فيه كصلاته واعتكافه لئلَّا يغيِّر الشُّروع حكم المشروع فيه، ولحديث التِّرمذيِّ -وصحَّحه الحاكم-: «الصَّائم (٣) المتطوِّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» ويُقاس بالصَّوم الصَّلاة ونحوها، لكن يُكرَه الخروج منه لظاهر قوله تعالى (٤): ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه؛ كما يأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى-إلَّا بعذر كمساعدة ضيفٍ في الأكل إذا عزَّ عليه امتناع مضيفه منه أو عكسه، فلا يُكرَه الخروج منه، بل يُستَحبُّ لحديث الباب مع زيادة التِّرمذيِّ: «وإن لضيفك عليك حقًّا»، أمَّا إذا لم يعزَّ على أحدهما امتناع الآخر من ذلك فالأفضل عدم خروجه منه، ذكره في «المجموع»، وإذا خرج منه؛ قال المتولِّي: لا يُثاب على ما مضى لأنَّ العبادة لم تتمَّ، وحكى عن الشَّافعيِّ: أنَّه يُثاب عليه، وهو الوجه إن خرج منه بعذرٍ، ويُستحَبُّ قضاؤه، سواء خرج بعذرٍ أم (٥) بغيره، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة والجمهور، وقال المالكيَّة: يجب القضاء في صوم

النَّفل بالفطر إذا كان عمدًا حرامًا، فلا قضاء على من أفطر ناسيًا، ولا على من أفطر لعذرٍ من مرضٍ أو غيره، فلو شرع في صوم نفلٍ وجب عليه إتمامه، وحرم عليه الفطر من غير عذر، ولو حلف عليه شخصٌ بالطَّلاق الثَّلاث فإنَّه يحنِّثه ولا يفطر، فإن أفطر وجب عليه القضاء إلَّا في كوالدٍ وشيخٍ وإن لم يحلفا، وفي حكايات أهل الطَّريق: أنَّ بعض الشُّيوخ حضر دعوةً فعرض الطَّعام على تلميذه، فقال: إنِّي على نيَّةٍ، وأبى أن يأكل، فقال له الشَّيخ: كُلْ وأنا أضمن لك أجر سنةٍ، فأبى، فقال الشَّيخ: دعوه؛ فإنَّه سقط من عين الله، فنسأل (١) الله العافية. وقال الحنفيَّة: يلزمه القضاء مطلقًا أفسد عن قصدٍ أو (٢) غير قصدٍ بأن عرض الحيض للصَّائمة المتطوِّعة. لا خلاف بين أصحابنا في ذلك، وإنَّما اختلاف الرِّواية في نفس الإفساد: هل يُباح أو لا؟ ظاهر الرِّواية: لا إلَّا لعذرٍ (٣)، ورواية «المنتقى» يُباح بلا عذرٍ، ثمَّ اختلف المشايخ على ظاهر الرِّواية: هل الضِّيافة عذرٌ أو لا؟ قيل: نعم، وقيل: لا، وقيل: عذرٌ قبل الزَّوال لا بعده، إلَّا إذا كان في عدم الفطر بعده عقوقٌ لأحد الوالدين لا غيرهما، حتَّى لو حلف عليه رجلٌ بالطَّلاق الثَّلاث ليفطرنَّ (٤) لا يفطر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية سيقت (٥) في معرض ذمِّهم على عدم رعاية ما التزموه من القُرَب التي لم تُكتَب عليهم، والقدر المؤدَّى عمل كذلك، فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النَّصَّين، فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا عن الإبطال، وأُجيب بأنَّ المراد: لا تحبطوا الطَّاعات بالكبائر أو بالكفر والنِّفاق، والعجب والرِّياء، والمنِّ والأذى ونحوها، وهذا غير الإبطال الموجب للقضاء، وقد قال ابن المُنيِّر من المالكيِّة في «الحاشية»: ليس في تحريم الأكل في صوم النَّفل من غير عذرٍ إلَّا الأدلَّة العامَّة كقوله (٦) تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] إلَّا أنَّ الخاصَّ يُقدَّم على العامِّ كحديث سلمان ونحوه، فمذهب الشَّافعيَّة في هذه المسألة أظهر.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله