الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٩٦٧
الحديث رقم ١٩٦٧ من كتاب «كتاب الصوم» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الوصال إلى السحر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِي التَّطَوُّعِ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أَوْفَقَ لَهُ
١٩٦٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَلَى أَنْوَاعِ الطَّاعَةِ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ فِي الْقُوَّةِ وَلَا كَلَالٍ فِي الْإِحْسَاسِ، أَوِ الْمَعْنَى: إِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيهِ مِنَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ مَا يُغْنِيهِ عَن الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَلَا يُحِسُّ بِجُوعٍ وَلَا عَطَشٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ يُعْطَى الْقُوَّةَ مِنْ غَيْرِ شِبَعٍ وَلَا رِيٍّ مَعَ الْجُوعِ وَالظَّمَأِ، وَعَلَى الثَّانِي يُعْطَى الْقُوَّةَ مَعَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ، وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الثَّانِي يُنَافِي حَالَ الصَّائِمِ، وَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنَ الصِّيَامِ وَالْوِصَالِ؛ لِأَنَّ الْجُوعَ هُوَ رُوحُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ بِخُصُوصِهَا.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيُبْعِدُهُ أَيْضًا النَّظَرُ إِلَى حَالِهِ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ يَجُوعُ أَكْثَرَ مِمَّا يَشْبَعُ وَيَرْبِطُ عَلَى بَطْنِهِ الْحِجَارَةَ مِنَ الْجُوعِ. قُلْتُ: وَتَمَسَّكَ ابْنُ حِبَّانَ بِظَاهِرِ الْحَالِ فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَضْعِيفِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَجُوعُ وَيَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ مِنَ الْجُوعِ، قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يُطْعِمُ رَسُولَهُ وَيَسْقِيهِ إِذَا وَاصَلَ فَكَيْفَ يَتْرُكُهُ جَائِعًا حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى شَدِّ الْحَجَرِ عَلَى بَطْنِهِ؟ ثُمَّ قَالَ: وَمَاذَا يُغْنِي الْحَجَرُ مِنَ الْجُوعِ؟ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ تَصْحِيفٌ مِمَّنْ رَوَاهُ، وَإِنَّمَا هِيَ الْحُجَزُ، بِالزَّايِ جَمْعُ حُجْزَةٍ. وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَأَبْلَغُ مَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فَرَأَى أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمَا؟ قَالَا: مَا أَخْرَجَنَا إِلَّا الْجُوعُ. فَقَالَ: وَأَنَا - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - مَا أَخْرَجَنِي إِلَّا الْجُوعُ الْحَدِيثَ. فَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ مَا تَمَسَّكَ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَا يُغْنِي الْحَجَرُ مِنَ الْجُوعِ؟ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ يُقِيمُ الصُّلْبَ؛ لِأَنَّ الْبَطْنَ إِذَا خَلَا رُبَّمَا ضَعُفَ صَاحِبُهُ عَنِ الْقِيَامِ لِانْثِنَاءِ بَطْنِهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا رُبِطَ عَلَيْهِ الْحَجَرُ اشْتَدَّ وَقَوِيَ صَاحِبُهُ عَلَى الْقِيَامِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ: كُنْتُ أَظُنُّ الرِّجْلَيْنِ يَحْمِلَانِ الْبَطْنَ، فَإِذَا الْبَطْنُ يَحْمِلُ الرِّجْلَيْنِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي أَيْ: يَشْغَلُنِي بِالتَّفَكُّرِ فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّمَلِّي بِمُشَاهَدَتِهِ، وَالتَّغَذِّي بِمَعَارِفِهِ، وَقُرَّةِ الْعَيْنِ بِمَحَبَّتِهِ، وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي مُنَاجَاتِهِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَإِلَى هَذَا جَنَحَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَقَالَ: قَدْ يَكُونُ هَذَا الْغِذَاءُ أَعْظَمَ مِنْ غِذَاءِ الْأَجْسَادِ، وَمَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ وَتَجْرِبَةٍ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ بِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْغِذَاءِ الْجُسْمَانِيِّ وَلَا سِيَّمَا الْفَرِحَ الْمَسْرُورَ بِمَطْلُوبِهِ، الَّذِي قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ.
قَوْلُهُ: (اكْلُفُوا) بِسُكُونِ الْكَافِ وَضَمِّ اللَّامِ (١) أَيِ: احْمِلُوا الْمَشَقَّةَ فِي ذَلِكَ، يُقَالُ: كَلِفْتُ بِكَذَا، إِذَا وَلِعْتَ بِهِ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَهُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ اللَّامِ، قَالَ: وَلَا يَصِحُّ لُغَةً.
قَوْلُهُ: (بِمَا تُطِيقُونَ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: بِمَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ.
٥٠ - بَاب الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ
١٩٦٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ) أَيْ: جَوَازُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَوْلُ أَحْمَدَ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ، وَأَنَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِوِصَالٍ حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَشَيْخُهُ يَزِيدُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الوصال: أن يمسك جميع اللَّيل كالنَّهار، لكن يحتاج إلى ثبوت الدَّعوى بأنَّ الوصال إنَّما هو حقيقةً في إمساك جميع اللَّيل، فقد ورد أنَّه ﷺ كان يواصل من سحرٍ إلى سحرٍ (١)، رواه أحمد وعبد الرَّزَّاق عن عليٍّ.
١٩٦٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ (٢) بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي ابن محمَّد بن حمزة بن مصعب بن (٣) عبد الله (٤) بن الزُّبير بن العوَّام القرشيُّ الأسديُّ الزُّبيريُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هو عبد العزيز (عَنْ يَزِيدَ) بن عبد الله بن الهادِ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بمعجمةٍ ومُوحَّدتين الأولى مُثقَّلةٌ المدنيِّ من موالي الأنصار، وثَّقه أبو حاتمٍ وغيره (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ) بالجرِّ بـ «حتَّى» الجارَّة، وهو قول اللَّخميِّ من المالكيَّة، ونُقِل عن أحمد، وعبارة المرداويِّ في «تنقيحه»: ويُكرَه الوصال، ولا يُكرَه إلى السَّحر نصًّا، وتركه أولى. انتهى. وقال به أيضًا ابن خزيمة من الشَّافعيَّة وطائفةٌ من أهل الحديث (قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: لَسْتُ) ولابن عساكر: «قال: إنِّي لست» (كَهَيْئَتِكُمْ؛ إِنِّي أَبِيتُ) حال كوني (لِي مُطْعِمٌ) حال كونه (يُطْعِمُنِي، وَ) لي (سَاقٍ) حال كونه (يَسْقِينِ) بفتح أوَّله وحذف الياء وإثباتها كما تقدَّم، وهذا لا يعارضه حديث أبي صالحٍ عن أبي هريرة المرويُّ عند ابن خزيمة من طريق عبيدة بن حميدٍ عن الأعمش عنه بلفظ: كان رسول الله ﷺ يواصل إلى
السَّحر، ففعل بعض أصحابه ذلك، فنهاه … الحديثَ؛ لأنَّ المحفوظ في حديث أبي صالحٍ إطلاق النَّهي عن الوصال بغير تقييدٍ بالسَّحر، فرواية عبيدة هذه شاذَّةٌ، وقد خالفه أبو معاوية -وهو أضبط أصحاب الأعمش- فلم يذكر ذلك، أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية، وتابعه عبد الله بن نميرٍ عن الأعمش (١) كما سبق، وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة محفوظةً فقد جمع ابن خزيمة بينهما باحتمال أن يكون نهى ﷺ عن الوصال أوَّلًا مطلقًا، سواءٌ جميع اللَّيل أو بعضه، وعلى هذا يُحمَل حديث أبي صالحٍ، ثمَّ خصَّ النَّهي بجميع اللَّيل، فأباح الوصال إلى السَّحر، وعلى هذا يُحمَل حديث أبي سعيدٍ، وقيل: يُحمَل النَّهي في حديث أبي صالحٍ على كراهة التَّنزيه، وفي حديث أبي سعيدٍ على ما فوق السَّحر على كراهة التَّحريم، قاله في «فتح الباري» (٢)، ثمَّ شرع المؤلِّف في أبواب التَّطوُّع بالصَّوم، فقال:
(٥١) (بابُ مَنْ أَقْسَمَ) حلف (عَلَى أَخِيهِ) وكان صائمًا (لِيُفْطِرَ) والحال أنَّه كان (فِي) صوم (التَّطَوُّعِ، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ) أي: على هذا المفطر (قَضَاءً) عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه (إِذَا كَانَ) الإفطار (أَوْفَقَ لَهُ) بالواو في الفرع وغيره، وقال الحافظ ابن حجرٍ: ويُروَى: «أرفق» بالرَّاء بدل الواو، والضَّمير في «له» للمُقسَم عليه، أي: إذا كان المقسم عليه (٣) معذورًا بفطره، ومفهومه: عدم الجواز ووجوب القضاء على من تعمَّد بغير سببٍ، ويأتي البحث في هذه المسألة آخر الباب -إن شاء الله تعالى- وقال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: المعنى: يفطر إذا كان الإفطار أرفق للمقسِم الذي هو صاحب الطَّعام، فـ «إذا» متعلِّقةٌ بما استلزمه قوله: «لم يرَ عليه قضاءً» من جواز إفطاره، قال الشَّافعيَّة في «باب وليمة العرس»: ولا تسقط إجابةٌ بصومٍ، فإن شقَّ على الدَّاعي صوم نفلٍ فالفطر أفضل من إتمام الصَّوم، وإن لم يشقَّ عليه فالإتمام أفضل، أمَّا صوم الفرض فلا يجوز الخروج منه، مضيَّقًا كان أو مُوسَّعًا كالنَّذر المطلق، ولابن عساكر في نسخةٍ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
عَلَى أَنْوَاعِ الطَّاعَةِ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ فِي الْقُوَّةِ وَلَا كَلَالٍ فِي الْإِحْسَاسِ، أَوِ الْمَعْنَى: إِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيهِ مِنَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ مَا يُغْنِيهِ عَن الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَلَا يُحِسُّ بِجُوعٍ وَلَا عَطَشٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ يُعْطَى الْقُوَّةَ مِنْ غَيْرِ شِبَعٍ وَلَا رِيٍّ مَعَ الْجُوعِ وَالظَّمَأِ، وَعَلَى الثَّانِي يُعْطَى الْقُوَّةَ مَعَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ، وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الثَّانِي يُنَافِي حَالَ الصَّائِمِ، وَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنَ الصِّيَامِ وَالْوِصَالِ؛ لِأَنَّ الْجُوعَ هُوَ رُوحُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ بِخُصُوصِهَا.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيُبْعِدُهُ أَيْضًا النَّظَرُ إِلَى حَالِهِ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ يَجُوعُ أَكْثَرَ مِمَّا يَشْبَعُ وَيَرْبِطُ عَلَى بَطْنِهِ الْحِجَارَةَ مِنَ الْجُوعِ. قُلْتُ: وَتَمَسَّكَ ابْنُ حِبَّانَ بِظَاهِرِ الْحَالِ فَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَضْعِيفِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَجُوعُ وَيَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ مِنَ الْجُوعِ، قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يُطْعِمُ رَسُولَهُ وَيَسْقِيهِ إِذَا وَاصَلَ فَكَيْفَ يَتْرُكُهُ جَائِعًا حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى شَدِّ الْحَجَرِ عَلَى بَطْنِهِ؟ ثُمَّ قَالَ: وَمَاذَا يُغْنِي الْحَجَرُ مِنَ الْجُوعِ؟ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ تَصْحِيفٌ مِمَّنْ رَوَاهُ، وَإِنَّمَا هِيَ الْحُجَزُ، بِالزَّايِ جَمْعُ حُجْزَةٍ. وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَأَبْلَغُ مَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فَرَأَى أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكُمَا؟ قَالَا: مَا أَخْرَجَنَا إِلَّا الْجُوعُ. فَقَالَ: وَأَنَا - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - مَا أَخْرَجَنِي إِلَّا الْجُوعُ الْحَدِيثَ. فَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ مَا تَمَسَّكَ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَا يُغْنِي الْحَجَرُ مِنَ الْجُوعِ؟ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ يُقِيمُ الصُّلْبَ؛ لِأَنَّ الْبَطْنَ إِذَا خَلَا رُبَّمَا ضَعُفَ صَاحِبُهُ عَنِ الْقِيَامِ لِانْثِنَاءِ بَطْنِهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا رُبِطَ عَلَيْهِ الْحَجَرُ اشْتَدَّ وَقَوِيَ صَاحِبُهُ عَلَى الْقِيَامِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ مَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ: كُنْتُ أَظُنُّ الرِّجْلَيْنِ يَحْمِلَانِ الْبَطْنَ، فَإِذَا الْبَطْنُ يَحْمِلُ الرِّجْلَيْنِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي أَيْ: يَشْغَلُنِي بِالتَّفَكُّرِ فِي عَظَمَتِهِ، وَالتَّمَلِّي بِمُشَاهَدَتِهِ، وَالتَّغَذِّي بِمَعَارِفِهِ، وَقُرَّةِ الْعَيْنِ بِمَحَبَّتِهِ، وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي مُنَاجَاتِهِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَإِلَى هَذَا جَنَحَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَقَالَ: قَدْ يَكُونُ هَذَا الْغِذَاءُ أَعْظَمَ مِنْ غِذَاءِ الْأَجْسَادِ، وَمَنْ لَهُ أَدْنَى ذَوْقٍ وَتَجْرِبَةٍ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ بِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْغِذَاءِ الْجُسْمَانِيِّ وَلَا سِيَّمَا الْفَرِحَ الْمَسْرُورَ بِمَطْلُوبِهِ، الَّذِي قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ.
قَوْلُهُ: (اكْلُفُوا) بِسُكُونِ الْكَافِ وَضَمِّ اللَّامِ (١) أَيِ: احْمِلُوا الْمَشَقَّةَ فِي ذَلِكَ، يُقَالُ: كَلِفْتُ بِكَذَا، إِذَا وَلِعْتَ بِهِ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَهُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ اللَّامِ، قَالَ: وَلَا يَصِحُّ لُغَةً.
قَوْلُهُ: (بِمَا تُطِيقُونَ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: بِمَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ.
٥٠ - بَاب الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ
١٩٦٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ) أَيْ: جَوَازُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ قَوْلُ أَحْمَدَ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَتَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ، وَأَنَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِوِصَالٍ حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَشَيْخُهُ يَزِيدُ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الوصال: أن يمسك جميع اللَّيل كالنَّهار، لكن يحتاج إلى ثبوت الدَّعوى بأنَّ الوصال إنَّما هو حقيقةً في إمساك جميع اللَّيل، فقد ورد أنَّه ﷺ كان يواصل من سحرٍ إلى سحرٍ (١)، رواه أحمد وعبد الرَّزَّاق عن عليٍّ.
١٩٦٧ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ (٢) بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي ابن محمَّد بن حمزة بن مصعب بن (٣) عبد الله (٤) بن الزُّبير بن العوَّام القرشيُّ الأسديُّ الزُّبيريُّ المدنيُّ قال: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هو عبد العزيز (عَنْ يَزِيدَ) بن عبد الله بن الهادِ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ) بمعجمةٍ ومُوحَّدتين الأولى مُثقَّلةٌ المدنيِّ من موالي الأنصار، وثَّقه أبو حاتمٍ وغيره (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ) بالجرِّ بـ «حتَّى» الجارَّة، وهو قول اللَّخميِّ من المالكيَّة، ونُقِل عن أحمد، وعبارة المرداويِّ في «تنقيحه»: ويُكرَه الوصال، ولا يُكرَه إلى السَّحر نصًّا، وتركه أولى. انتهى. وقال به أيضًا ابن خزيمة من الشَّافعيَّة وطائفةٌ من أهل الحديث (قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: لَسْتُ) ولابن عساكر: «قال: إنِّي لست» (كَهَيْئَتِكُمْ؛ إِنِّي أَبِيتُ) حال كوني (لِي مُطْعِمٌ) حال كونه (يُطْعِمُنِي، وَ) لي (سَاقٍ) حال كونه (يَسْقِينِ) بفتح أوَّله وحذف الياء وإثباتها كما تقدَّم، وهذا لا يعارضه حديث أبي صالحٍ عن أبي هريرة المرويُّ عند ابن خزيمة من طريق عبيدة بن حميدٍ عن الأعمش عنه بلفظ: كان رسول الله ﷺ يواصل إلى
السَّحر، ففعل بعض أصحابه ذلك، فنهاه … الحديثَ؛ لأنَّ المحفوظ في حديث أبي صالحٍ إطلاق النَّهي عن الوصال بغير تقييدٍ بالسَّحر، فرواية عبيدة هذه شاذَّةٌ، وقد خالفه أبو معاوية -وهو أضبط أصحاب الأعمش- فلم يذكر ذلك، أخرجه أحمد وغيره عن أبي معاوية، وتابعه عبد الله بن نميرٍ عن الأعمش (١) كما سبق، وعلى تقدير أن تكون رواية عبيدة محفوظةً فقد جمع ابن خزيمة بينهما باحتمال أن يكون نهى ﷺ عن الوصال أوَّلًا مطلقًا، سواءٌ جميع اللَّيل أو بعضه، وعلى هذا يُحمَل حديث أبي صالحٍ، ثمَّ خصَّ النَّهي بجميع اللَّيل، فأباح الوصال إلى السَّحر، وعلى هذا يُحمَل حديث أبي سعيدٍ، وقيل: يُحمَل النَّهي في حديث أبي صالحٍ على كراهة التَّنزيه، وفي حديث أبي سعيدٍ على ما فوق السَّحر على كراهة التَّحريم، قاله في «فتح الباري» (٢)، ثمَّ شرع المؤلِّف في أبواب التَّطوُّع بالصَّوم، فقال:
(٥١) (بابُ مَنْ أَقْسَمَ) حلف (عَلَى أَخِيهِ) وكان صائمًا (لِيُفْطِرَ) والحال أنَّه كان (فِي) صوم (التَّطَوُّعِ، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ) أي: على هذا المفطر (قَضَاءً) عن ذلك اليوم الذي أفطر فيه (إِذَا كَانَ) الإفطار (أَوْفَقَ لَهُ) بالواو في الفرع وغيره، وقال الحافظ ابن حجرٍ: ويُروَى: «أرفق» بالرَّاء بدل الواو، والضَّمير في «له» للمُقسَم عليه، أي: إذا كان المقسم عليه (٣) معذورًا بفطره، ومفهومه: عدم الجواز ووجوب القضاء على من تعمَّد بغير سببٍ، ويأتي البحث في هذه المسألة آخر الباب -إن شاء الله تعالى- وقال البرماويُّ -كالكِرمانيِّ-: المعنى: يفطر إذا كان الإفطار أرفق للمقسِم الذي هو صاحب الطَّعام، فـ «إذا» متعلِّقةٌ بما استلزمه قوله: «لم يرَ عليه قضاءً» من جواز إفطاره، قال الشَّافعيَّة في «باب وليمة العرس»: ولا تسقط إجابةٌ بصومٍ، فإن شقَّ على الدَّاعي صوم نفلٍ فالفطر أفضل من إتمام الصَّوم، وإن لم يشقَّ عليه فالإتمام أفضل، أمَّا صوم الفرض فلا يجوز الخروج منه، مضيَّقًا كان أو مُوسَّعًا كالنَّذر المطلق، ولابن عساكر في نسخةٍ: